رواية ظلال الخطيئه الفصل الثالث 3 بقلم دنيا

         

رواية ظلال الخطيئه الفصل الثالث 3 بقلم دنيا
ظلال الخطيئه
الفصل الثالث
حدود السر

حرارة الشمس لا تكون حارقة في مثل هذا التوقيت من الشتاء، لكنها فعلت اليوم، والعرق يتصبب من جبين أحمد، بل ومن جسده بالكامل، يقف كل فترة وأخرى ليُريح ظهره الذي تعب من هذا العمل الشاق، نظر لساعة هاتفه فإذا بها تشير للثانية عشرة والنصف، ما زال هناك نصف ساعة قبل أن ينتهي عمله. تابع من جديد وفي نفسه إرادة أقوى من تعب جسده المهلَك. صوت صاحب الأرض ينادي:
- خلاص يا شباب، يلا على العربية عشان توصلكوا، بكره في نفس المعاد عشان نخلص من التحشيش ده بقا.

خرج كل واحد يجر قدميه تعبًا، يمسحون عرق وجوههم في ثيابهم، هناك أحاديث بين كل مجموعة منهم، بينما سار هو وحيدًا تجاه السيارة التي ستوصل العمال إلى مفترق الطرق عند أول البلدة، والذي يقرب بيته. طرق الباب وجفنيه ينسدلان تعبًا، فتحت والدته لتقول بشفقة:
- يا بني وليه المرمطة دي! ده أنت باين عليك الهلكة يا حبيبي.
- الكلية مش هتدفع فلوس المشروع يا ماما، مضطر.
أخرج من جيبه المال الذي جناه اليوم، أعطاه لأمه قائلًا:
- حطيهم مع فلوس امبارح، باقي وردية هطلعها بعد نص ساعة، يدوب أغير هدومي وآكل لقمة.

ربتت على كتفه قبل أن يتحرك من أمامها، بينما تدعو هي له بالتوفيق والسداد وصلاح الحال. ولجت مسرعة إلى المطبخ، وضعت المال على الطاولة حتى تعد له طعامًا يسنده. ولج إلى المطبخ، وجلس إلى الأرض ينتظر أن تضع والدته الطعام أمامه. قالت وهي تقدمه له:
- كل يا حبيبي بألف هنا وشفا.
لم يرد لصدوح صوت هاتفه، أخرجه من جيبه ليجد اسم فاتن يحتل شاشته، توتر للحظة، لكنه رد بسرعة، ليأتيه صوتها المتذبذب:
- ازيك يا أحمد؟ عامل إيه؟
- الحمد لله، الحمد لله كويس.
- قلت أسأل عليك، ده تاني يوم تغيبه من الكلية، لعل المانع خير.
ابتسامة شقت وجهه دون أن ينتبه، لكن تلك الجالسة إلى جواره لم يفتها تبدل ملامحه ولا توتره، رد بنبرة رخيمة:
- أنا بخير، متشكر أوي لسؤالك، ظرف بس وإن شاء الله هاجي الكلية بكره. فيه جديد بخصوص المشروع؟
- احنا لمينا الفلوس بس ودفعناها، المواد اللي هنحتاجها هتيجي بكره، أكيد جاي عشان نبدأ نشتغل سوا.
اختفت ابتسامته قبل أن يسأل بتوجس:
- لميتوا ودفعتوا فلوس المواد! إزاي؟ أنا لسه ما دفعتش. هي الفلوس معايا بس.. بس يعني الظرف اللي حصل ده منعني آجي الكلية، لكن، لكن أنا جاي بكره أكيد إن شاء الله. كملتوا فلوس المواد إزاي؟

صمتت لثانية قبل أن ترد بهدوء:
- أنا دفعتهم.
- إزاي يعني؟ وليه تعملي كده؟ أنا كنت هدفعهم، بس...
رد بانفعال لتقاطع حديثه بقولها:
- بكره لما تيجي نتحاسب يا أحمد، فيه إيه؟ ما هو مشروعنا كلنا، هنروح من بعض فين؟ وبعدين الشباب راحوا حجزوا المواد وأنت ما كنتش موجود، وأنا المبلغ كان معايا عادي، دفعنا ولما تيجي ردهم يا سيدي. ولا أنت لو مكاني مش هتعمل كده؟
قالت آخر قولها لتقطع عليه أي سبيل لتفكير سلبي قد يطرأ على عقله، رد متحرجًا:
- متشكر أوي، وأكيد طبعًا هعمل كده، خلاص بكره نتجمع إن شاء الله ونبدأ شغل، وأديكِ فلوسك، ومتشكر مرة تانية، بس أنا قلت مش هيستعجلوا عشان كده ما كلمتش حد وبعتت الفلوس بدري.
- بسيطة يا أحمد، احنا مع بعض مش هنروح بعيد، في انتظارك بكره.
أنهى الاتصال وأطلق العنان لتنهيد أثقل صدره، قال بضيق بين على ملامحه:
- زميلتي دفعت لي فلوس مواد المشروع، لازم أروح بكره الكلية عشان نشتغل.
نظر لساعة يده ثم تحرك منتفضًا:
- يدوب ألحق عربية العمال.
تحرك مسرعًا، لكن والدته كانت أسرع وهي تلف بعض الساندويتشات من أجله، وضعتهم في كيس بلاستيكي وخرجت خلفه تقول:
- خد دول معاك، أنت ما كلتش كويس.
- هما كده كده هيغدونا يا ماما.
- خليهم بس معاك، ما تضمنش الظروف.
ابتسم بحب لها، ومال يقبل كفيها قبل أن يلتقط الكيس من يدها ويذهب مسرعًا. تنهدت وهي تدعو له بالرزق الوفير وصلاح الحال، أغلقت الباب، وما إن التفتت حتى رأت باسم يقف أمام الغرفة يستند إلى الحائط بكتفه، يقول ساخرًا:
- اللي يشوفك وأنتِ بتعاملي أحمد يقول عليه الواد الحيلة!
لم ينتظر ردها، وذهب في طريقه إلى دورة المياه، يحمل في داخله بعض عتاب على أمه وتفرقتها بينهم، لا يدري ما الشيء المميز في أحمد! ربما لكونه شاب مجتهد في دراسته، صوته خفيض دائمًا، لا يتحدث كثيرًا، حضوره باهت، يصلح تمامًا ليكون فتاة خجولة وعلى خلق! أما هو فهو الشاب المشاغب، لا يمر يوم إلا بمصيبة تقريبًا، لكنه يكاد يقسم أن المصائب هي التي تلحق به! ليس سيئًا في دراسته، لكنه ليس بجيد أيضًا، مقارنة بشباب جيله فهو يصنف ضمن الملتزمين بشغب! كانت ضجة المقارنة بينه وبين أخيه تضج داخل رأسه، هو لا يحقد عليه، لكنه يبغض قربه من أمه عنه، خاصة تلك الجلسات التي يكتفيان بنفسيهما فيها، ويتحدثان بصوت لا يسمعه حتى المار بجانبهما، كأن أسرارًا عظيمة بينهما، أو كأنها تواري شيئًا ما يخصه عن أهل البيت!

مرت الساعات سريعة، وعاد أحمد بأجر آخر عمل في هذين اليومين، جلس مع أمه في المطبخ بعد أن أخذ حمامًا دافئًا، قالت وهي تعطيه مبلغًا من المال:
- خد دول، أنا قبضت الجمعية بدري يومين، استعجلنا الناس وقضيت الحمد لله، ودول فلوس اليوميات بتاعتك، شوف كده المبلغ يكفي ولا إيه.
نظر ليدها الممدودة بالمال، ثم تلاقت عيناه بعينيها تحملان امتنانًا وعرفانًا كبيرًا، كانت نظرته لها أبلغ من ألف كلمة شكر، خاصة حين ترقرقت دمعة على جفنيه، التقطتها بإصبعها قبل أن تضربه بخفة على خده قائلة:
- إياك أشوف لك دمعة، أنت ابني ولا ابن الجيران يا ولا، ما طبيعي نقف جنب بعض، ولا أنت ناوي لما تشتغل بعد التخرج تخلى بينا ولا إيه يا بن وداد؟

ضحك لجملتها وهو يلتقط المال من يدها، وقطع على نفسه وعدًا أن يتكفل بشراء غسالة لها في القريب العاجل، فقط لينتهي من المشروع خاصته، ربتت على قدمه برضا وهي تؤكد أن نجاحه هو فرحتها وراحتها. بدأ يرتب المال، ويعده، وتفاجأ في النهاية أنه لن يكفي، كانت صدمة طاحنة لصدره، نظر إلى أمه بقلة حيلة، وقال بضيق جم:
- مش هينفع أغيب عن الكلية يوم تاني، المعدات والأدوات جاية بكره، وهنشتغل على المشروع ومش هيبقى فيه وقت خالص. يا الله!

قالت وهي تربت على فخذه:
- هتتدبر يا حبيبي، ما تشيلش هم.
كانت تطمئنه بينما لا تدري من أين لها بتدبير هذا المال، ولا يعلم أيهما أن هناك من مرت من أمام المطبخ وقد وصلها حديثهما ورأت اضطرابهما وتوترهما، نظرت للمال الذي قبضته نظير رسمتها، ورفعت رأسها إلى باب المطبخ، وقد اتخذت قرارها، انتظرت في صالة البيت حتى رأت أحمد يدخل غرفته، اتجهت إلى المطبخ، قالت بنبرة خفيضة:
- بقول لك يا ماما، أنا كنت داخلة أوضتي، سمعتك أنتِ وأحمد بتتكلموا، والله مش أقصد، هو أحمد محتاج فلوس؟
أشارت بسبابتها على فمها، قالت بصوت منخفض:
- وطي صوتك، هو مزنوق في فلوس عشان يجيب حاجة للكلية، بس أنا اديته الجمعية خلاص.
مدت يدها في جيب مئزرها، أخرجت المال منه وقدمته لها قائلة:
- طب خدي دول اديهم له.
- منين الفلوس دي يا بت؟
قالتها وهي تضرب صدرها، لكن سمية قالت بسرعة:
- الرسمة يا ماما، مش فاكرة لما قلت لك حد شاف رسمي وطلب أرسم له رسمة بتمنها؟
- أنتِ بتتكلمي جد؟ يعني الرسم ده بيتباع؟
ضحكت بخفة وهي ترد عليها:
- آه يا ماما، ده فيه معارض بيتباع فيها لوح الرسم بملايين، انتوا بس اللي مش مقدرين النعمة اللي في بيتكوا.
ضربت كتفها بخفة وهي تضحك معها قائلة:
- أهو لسانك ده اللي جايبك ورا.

أعطتها المال، لكنها أكدت عليها ألا تخبره شيئًا عن الرسم، أكدت أنها ستتصرف في الأمر، وقبل أن تخرج سمية من المطبخ قالت وداد ببسمة راضية:
- ربنا يفك كربك زي ما عملتِ لأخوكِ يا بنتي.
ابتسمت سمية دون أن تلتفت، واتجهت لغرفتها تشعر برضا كبير عما فعلت، فرجت عن أحمد كربة، وصلحت علاقتها وباسم، هناك رضا كبير في قلبها يُشعرها براحة كبيرة تغمرها، وقعت عيناها على حقيبة في ركن الغرفة، إنها حقيبة أدوات الرسم خاصتها، لمعت عيناها من جديد، وانتقلت نظراتها إلى الهاتف الموضوع فوق الفراش، وفي داخلها قرار متهور، سيقلب حياتها رأسًا على عقب إن علم والدها عنه شيئًا، لكنها ستخاطر، فلا سبيل أمامها غيره، وليحدث ما يحدث، المهم أن ترضي رغبتها، وتشعر بنشوة امتلاك المال وقدرتها على التحكم فيه. 
_____________________

دخلت الغرفة ترجو خلوة مع نفسها، منذ أيام وهي تحاول أن تختلي بعقلها وقلبها، لكن البيت يضج دائمًا بالحركة والأصوات. هذه الليلة ستكون مختلفة بعض الشيء، فهي ليلة الخميس، والغد إجازة رسمية، والدها يتناول غداءه وينزل ليتقابل مع أصدقائه إلى منتصف الليل تقريبًا، وأحمد يختلي بغرفته كعادة يومية لا إجازة منها، أما باسم وسمية وأسماء وهدى ووالدتها يختارون فيلمًا لمشاهدته كسهرة لطيفة خفيفة مع تناول بعض النقانق. كانت تشاركهم دومًا، لكن اليوم هي بحاجة لشيء آخر.

فتحت شرفة الغرفة، نظرت إلى السماء الغائمة بعض الشيء، الغروب يبتلع الشمس شيئًا فشيئًا، وأشعتها المائلة للبرتقالي تُضفي على هذه اللوحة البديعة مظهرًا يسحبك قسرًا للتأمل والتفكر. أخذت نفسًا عميقًا تملأ رئتيها بعبق رائحة الشتاء الذي تفضله، أخرجته على مهل وهي تسحب مقعدًا خشبيًا لتجلس مقابل السماء، وضعت كوب الشاي خاصتها فوق عتبة الشرفة، وربعت يديها فوق صدرها لتستحضر مشهدًا قلب فكرها كليًا. ذلك اليوم الذي كانت عائدة من أحد دروسها، كانت تشعر طوال الطريق بدوار عجيب، وبرد لا يصيب إلا أطرافها، كانت تضغط على أسنانها بقسوة كأنها تمنع فمها من أن ينفرج دون إرادتها، مست البرودة قلبها، وشعرها كان ينتفض من أسفل حجابها كأن ماسًا كهربيًا يضربها كل حين. تحاملت على نفسها، وجرت قدميها إلى أن قاربت على الوصول إلى بيتها، لكنها تجمدت حيث هي وصوت الشيخ أحمد العجمي يصفع أذنها بقراءته آية شعرت وكأنها تنبهها، تناديها، تُفزعها! انتبهت لصوته الصاخب وهو يكررها مرة أخرى كأنما يؤكد عليها: "وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾ [ق: 19]"
هل حان وقتها؟ هل تحتضر؟ تشعر بانسحاب روحها ببطء، البرودة تزداد في جسدها، الدوار يكاد يتمكن من عقلها فيسلبها الوعي. وفي لحظة وقبل أن تتمكن من الاستناد على أي حائط مما حولها التقطت الأرض سقوطها، لم تشعر بما حولها لوقت من الزمن، ثم بدأت تنتبه للأصوات المختلطة حولها، لكن عينيها لا تستجيبان، فقدت الشعور بالألم، وكل ما تشعر به هو الفراغ الكبير، فراغ عميق يبتلعها، كأنها تسقط من مبنى عالٍ. كل ما يسيطر عليها هو الخوف، لا من الموت، بل من فقد فرصة الحياة كما أرادها ربها.

انتبهت من دوامتها على صوت أسماء تقول بقلق:
- بت يا هدى! مالك مسهمة كده ليه؟
تفاجأت من تواجد أسماء بالغرفة، فهي لم تسمع الباب يُفتح، ولم تشعر بخطواتها كذلك، تنحنحت قبل أن تلتقط كوب الشاي الذي برد، وتحتسي نصفه في مرة واحدة قبل أن ترد بتوتر:
- ما فيش، كنت سرحانة.
- سرحانة إيه يا بنتي! احنا نادينا عليكِ ولا مية مرة، ودخلت عليكِ وأنتِ مش هنا، وكلمتك وناديتك وأنتِ ولا هنا برضو. بت إوعي تكوني بتنامي وأنتِ مفتحة عينك، وربنا ما أخليكِ تنامي معايا على السرير تاني، أنا بخاف.

ابتسمت لها هدى بتكلف، ردت باستفزاز مصطنع:
- كنت سامعة كل حاجة بس مش عايزة أقطع تفكيري.
- رخمة وباردة. قومي يا أختي الفيلم هيبدأ.
- لأ مش هسمع معاكوا النهار ده، عايزة أنام.
عقدت أسماء ما بين حاجبيها، سألت وهي تطالعها بطرف عينها:
- هتنامي بدري كده؟! دي لسه العشا ما أذنتش حتى.
- لا ما أنا هستنى لما العشا تأذن، وهصلي وبعدين أنام.

رفعت أسماء حاجبًا بتشكيك في أمر أختها، لكنها لم تقل شيئًا آخر، بل غادرت الغرفة بصمت كأنها لم تدخلها. عادت هدى تنظر للسماء التي غشيتها الظلمة، وزينتها النجوم، تنهدت قبل أن تقول في نفسها: ما بقاش ينفع تقصير تاني، كفاية إن ربنا فضله كان كبير عليا لما اداني فرصة تانية أعيش، لازم أفوق لنفسي بقى.

تحركت من مكانها لتتوضأ، وعادت للغرفة تتلو ما تيسر من القرآن قبل العشاء، لتكون نيتها الواضحة والصريحة من هذه الليل أن تكون أقرب إلى الله، وتحافظ على وقتها، وتسعى بجد لأن تكون كما يملي عليها الدين، لا كما تجرها إليه الحياة.
______________

غرقت الغرفة في ظلام دامس إلا من خيط نور رفيع يتهادى من فتحة الباب، كأنه يطل على تلك النائمة بسبات عميق وكله استحياء، ما زالت الأم وبناتها رفقة باسم أمام شاشة التلفاز، مشدودين لنهاية الفيلم، قالت سمية ما إن انسدل ظلام على الشاشة يعلن انتهاء الفيلم:
- أنا هروح أنام بقا، من نص الفيلم وأنا عيني بتغمض بس من جماله مش قادرة أسيبه.
- وأنا كمان.
قالتها أسماء مما جعل التوتر يزحف إلى تحركات سمية، فقد تمنت لو أكملت أسماء متابعة التلفاز كما كل مرة حتى تتمكن هي من إنهاء رسمتها الجديدة، لكن أمنيتها ذابت في كأس الخيبة. ابتلعت ريقًا متوترًا، لكنها منت قلبها أن أسماء قد تغط في النوم بسرعة، وهذا سيتيح لها وقتًا لترسم، ما زال هناك أمل. ولجتا لغرفتهما، وقبل أن تبدأ سمية تمثيلية النوم خاصتها قالت أسماء بنبرة خفيضة لكنها لئيمة:
- أنا عايزاكِ تشتري لي شوية حاجات كده.
التفتت في نومتها تنظر تجاه أسماء بتساؤل قلق، طالعتها أسماء بجانب عينها، ثم قالت بعد أن رسمت بسمة انتصار مقدم:
- عندك مانع؟
- مش فاهمة قصدك! أشتري لك يعني إيه؟ معاكِ فلوس وعايزاني أجيب لك وأنا راجعة من الكورسات؟
بسمة استخفاف هذه المرة علت وجه أسماء كله، ردت بنبرة واثقة:
- وأنا معايا فلوس منين يا ختي؟ البركة فيكِ وفي شغلك الجديد.
- شـ شغلي!
اعتدلت جالسة قبل أن تقول بثبات:
- أنا عارفة كل حاجة، وعارفة إنك رجعتِ ترسمي في السر، وإنك بتبيعي الرسوم دي. أظن سكوتي لازم يكون له تمن.

اتسعت عينا سمية من تلك الوقاحة الصريحة من أختها، تعلم كم أن أسماء مستغلة، ولئيمة، لكن ليس لهذه الدرجة! قالت وهي تطالعها بضيق:
- هو ده أسلوب تطلبي بيه حاجة؟ بتهدديني يا أسماء؟ بتلوي دراعي!
- والله كل شيخ وله طريقة يا ست الفنانة. اشتري سكوتي، وأوعدك إن طلباتي ما تكونش غالية أوي.
قالتها باستفزاز مما جعل سمية تنفجر فيها غضبًا:
- أنتِ واحدة استغلالية ومستفزة، ومش عايزة أقول أسلوبك ده وصفه إيه لأن الوصف أحقر من إني أقوله.
- وأنتِ بقا فاكرة نفسك إيه يا ست سمية؟ شيخة ولا مصلحة اجتماعية! ده أنتِ بترسمي في الضلمة عشان أبوكِ ما يعرفش ويبهدلك، وبتبيعي رسمك زي أي سلعة عادي، وبتصرفي وتشبرقي على نفسك، ما لناش من الحب جانب ليه بقا إن شاء الله! ولا هو عشان بتعرفي ترسمي واحنا لأ! والله اللي عنده حاجة زيادة يفرق منها على الباقي، ده اللي أعرفه، إنما اللي أنتِ بتعمليه اسمه طمع وأنانية.

زادت نظراتهما حدة لبعضهما، في حين اعتدلت هدى وقامت تفتح نور الغرفة، نظرت لهما بقلة حيلة، قالت بضيق:
- احنا مش هنخلص من نقاركم كل يوم؟
ثم قالت موجهة حديثها لأسماء:
- أسلوبك وحش على فكرة.
- خلينا لك الأسلوب الحلو يا ست الحلوة، والله أنا مش طالبة أكتر من حقي، زي ما خدت من بابا فلوس على أساس إنها فلوس الكورسات واشترت حاجة الرسم توزع بقا زي الشاطرة.

علت نبرة الحوار بين سمية وأسماء حتى دخلت أمهن مسرعة ترى ما يحدث، سألت بتعجب من مواجهتهن:
- انتوا داخلين تناموا ولا تتخانقوا؟ فيه إيه؟
قالت سمية وقد لمعت الدموع في عينيها:
- بنتك بتهددني لو ما ادتهاش فلوس من اللي بكسبها من الرسم هتقول لبابا.

صُدِمت الأم مما سمعت، فدخلت إلى الغرفة بسرعة وأغلقت الباب خلفها، قالت بنبرة خفيضة:
- أنتِ اتجننتِ يا أسماء! إيه الكلام ده؟
- ما أنتِ كمان ما تعرفيش يا ماما إن الست سمية بتاخد فلوس الكورسات من بابا بزيادة، عشان تروح تشتري حاجات للرسم. وأنا ما برضاش أطلب من بابا جنيه زيادة عشان المصاريف كتير، وساكتة عن دي كمان، ليه بقا الظلم ده!
ألقت الأم نظرة غاضبة تجاه سمية التي ابتلعت ريقها بتوتر قبل أن تبرر:
- والله يا ماما أنا كنت ناوية...
- ولا كلمة.
قالتها أمها بغضب جم، ثم تابعت وهي توجه نظراتها لهن جميعًا:
- كل واحدة على سريرها ومش عايزة أسمع كلام في الموضوع ده تاني، احنا عايشين أعداء في البيت وكل واحد شايل للتاني! دي مش عيشة بني آدميين.

ردت أسماء بحقد بالغ:
- آه طبعًا، وكده الموضوع هيبقى خلص خلاص، وأنا الشريرة اللي في البيت، وسمية هتكمل رسم عادي وتبيع رسوماتها، وأكيد هتسكتي يا ماما عشان هي بتديكِ فلوس لأحمد في السر، وأحمد هو اللي على الحِجر، وطلباته لازم تبقى مجابة.
صفعة دوى صوتها في الغرفة كانت من نصيب وجنة أسماء، وقبل أن يستوعب أي ممن بالغرفة ما حدث كان باب الغُرفة قد أصدر صريرًا ينم عن فتحه من قبل شخص لم يتوقع أيهن قدومه في تلك الدقائق المتوترة، ظهر من أمام الباب كظل ثقيل، واختنق الجو بهم لحظات، حتى يظن من يراهن على هذه الحال أنهن قد تعرضن للتجمد. انحبست أنفاسهن، وتدلت من بين شفتي هدى سؤالًا قلقًا إلى أمها:
- هو سمع؟! 

   

تعليقات



<>