رواية ظلال الخطيئه الفصل العاشر 10 والاخير بقلم دنيا

          

رواية ظلال الخطيئه الفصل العاشر 10 والاخير بقلم دنيا



حيره عقله وهو ينظر لهما ولحالهما الذي لا يُفسر، لكن الحاج سعيد قال بينما يربت على ظهره:
- ربنا يشفيه يا بني ويرفع عنه، وأنت الخير والبركة لأهلك يا بني.
رمش رمشات سريعة، فما قاله الحاج سعيد مبهمًا، ألم يمُت أبوه؟ ماذا يعني بأنه الخير والبركة لأهله؟! لماذا كل شيء مستعصٍ على الفهم هكذا! سأل بنبرة اختنقت:
- هو ماله؟ الدكتور قال لكم إيه؟ فهموني أنا ما بقتش قادر.

عاد الحاج سعيد يربت على كتفه، قال بنبرة حزينة لأجل صاحبه وما آل إليه حاله:
- الدكتور بيقول إنه حصل له.. شلل نصفي.
قالها وقد طأطأ رأسه، بينما بقي أحمد ينظر إليه منتظرًا بقية حديثه، وكأن هناك ما لم يفهمه بالأمر، أو أنه لم يسمع ما قيل له، دقيقة بحالها مرت وهو ما زال منتظرًا، حتى إذا ما استوعب معنى حديث الحاج سعيد حتى تهدلت أكتافه، وبدأت دموعه تركض على خديه بصمت تام، عيناه متسعتان، ينظر تجاه الحاج سعيد، يرجوه بنظراته أن ينفي ما قاله، لكنه لم ينطق بكلمة، وظل مطأطئًا رأسه بأسف وأسى وحزن. تابع الحاج سعيد وما زال يهرب بعينيه من عيني ذلك الشاب الذي كبر قبل الأوان:
- شد حيلك يا أحمد يا بني.
لم يرد، بل لم يجد أي رد، الحمد لله ألف مرة أنه لم يمت، فآخر ما دار بينهما لم يكن بالأمر الجيد، ولو حدث وفارق الحياة كيف كان ليكمل هو حياته ووالده ذهب حاملًا في قلبه خذلانًا من ابنه بعد أن حمله كل مسئولية ضياع أبنائه، لكن أن يرقد ضريرًا في الفراش لا حول له ولا قوة!

- على الله يا عم سعيد، على الله.
قالها بعد وقت طويل، كأنما يهدئ نفسه وانفعاله. جلس جوار غرفة يرقد والده بداخلها، يستمع لنحيب أمه الخافت، وذكرها لله بصبر يحسدها عليه، تلك السيدة التي تحملت من عبء الحياة ما لا يحتمله هو بذاته، ومع هذا ما زالت صامدة، تضعف فتبكي، ثم تنهض أقوى، حان وقته الآن، آن له أن يرد لأبيه شيئًا مما سعى عمره يقدمه له ولإخوته، ونكره عليه في النهاية، كل ما يرجوه الآن أن يسامحه والده على ما بدر منه، يقسم أنه ما كان يقصد أيًا مما قال، هو فقط أفضى بشحنة سلبية سكنته لفترة طويلة. تنهد بقوة كأنما يهيئ نفسه لما هو قادم، يستعيد ثباته وقوته، يرتب أفكاره وأولويات مسئولية أصبحت على عاتقه وحده الآن: باسم وقضيته، أسماء وعلاجها النفسي، سُمية وإرشادها للطريق الصحيح، هدى.. هدى تلك هي بلسم البيت وأمانه، كأنما زرع الله فيها سكينة لتطمئن كل من يعرفها إليها، عليه أن يشكرها لكونها فتاة لا مثيل لها هذه الأيام. والدته ضمن مسئولياته، عليه ألا يجعلها تشعر بعبء الحياة، ووالده والاهتمام بعلاجه، ونفسيته، والسعي لطلب السماح منه.

زفر بقوة يُبعد عن نفسه كل طاقة سلبية، واستنشق شهيقًا قويًا ملأ بهوائه رئتيه استعدادًا واستحضارًا لنية لا أمل في الحياة إلا بها. رفع نظراته للباب المغلق خلفه، وكل ما استوطن تفكيره في هذه الأثناء أن القادم لن يكون إلا خيرًا يعم البيت بمن فيه، ولا مجال لغير ذلك. 
___________________

اقترب الحاج سعيد من صاحب عمره يسانده ويساعده في الاستلقاء براحة فوق فراشه، هذا بعد أن رفض بحركات عصبية مساعدة أحمد له، ذاك الأخير الذي انفطر قلبه وهو يرى كيف أن قلب والده غاضب عليه، ولأي درجة قد أوجعه، لم يكن خبر جريمة باسم هو سبب حالة أبيه الآن، فقبل أن يأتيه الخبر كان هو قد كسر قلبه أولًا. بينما ذاك المسجي على ظهره ينظر لابنه بطرف عين أصابها الضر، تتدفق إلى عقله سنون عمره، شبابه الذي قضاه في الكد والعمل ملقيًا بتعليمه عرض الدنيا، ليبني نفسه ويعمر بيتًا بالسكينة والدفء، وجد سكينته بقرب وداد الأصيلة، التي قامت بدورها في الحياة كامرأة تعرف جيدًا كيف تدير شئون بيتها، وكيف تصون زوجها، ربما كان خطأهما أنهما لم يشتركا في جل الأمور التي تخص أبناءهم، لكن كآلاف البيوت المصرية: الأب يسعى ليؤمن المعيشة ماديًا، والأم تربي وتهتم بالعلم والبيت بكل شئونه، ولا ضير إن كانت تحمل مشاكل أبنائها وحدها ما دامت قادرة على ذلك! ووداد خير من قاد خمس حيوات غيره. لم يقصر، بل لم يترك فرصة إلا وسعى فيها من أجل تعليم أبنائه، فقد رأى أن المستقبل في العلم، وما دونه مقدور عليه بعده. والآن ماذا تلقى من بكره وفلذة كبده وأول فرحته وعكاز أيامه؟ ذلة لسان فضحت رؤيته لأبيه، استكثر عليه جلسة القهوة التي يستعيد فيها بعضًا من روحه المنهكة طوال الأسبوع، لم يغفر له جهله بما يحدث في بيته، لم يرحم ضعف قلبه وهو يحمله ما لا طاقة له به! طعنته السكين التي عاش عمره يسُنها لتكون لامعة لافتة للآخرين، غدر به من فرط في راحته لأجله. لقد كانت صدمته في أحمد أشد وقعًا على قلبه من سمية وباسم!

انتفض ما إن تذكر باسم، وحاول أن يتكلم لكن كلامه لم يُفهم، بقي يصارع العجز لأجل السؤال عن ابنه، لكن العجز تمكن منه، وارتمت أعضاءه على الفراش بضعف واستسلام تام لما آل إليه حاله. سألت وداد بقلق:
- محتاج حاجة يا أيمن؟ أجيب لك حاجة؟
بقي يشير برأسه، ويحاول قول شيء ما، قالت بتساؤل:
- بتسأل عن العيال؟ 
أومأ برأسه لترد وتطمئنه:
- بخير يا أيمن ما تشيلش الهم، هتشيله حتى وأنت راقد! ربنا فوق ومش هينسانا. 
ازدادت حركته انفعالًا، فقال لها الحاج سعيد بنبرة خفيضة كأنما يحاول مواراة الأمر أكثر من الحديث عنه:
- هو بيسأل عن باسم يا أم أحمد. 
التفتت إلى زوجها لترى ترقرق الدمع في عينيه، يشير برأسه علامة الموافقة على قول صاحبه، لترد ببساطة:
- أكيد في البيت يا حاج، هقول لأحمد يبص عليهم كلهم ويطمنا. 
- لأ هو مش في البيت. 
قالها الحاج سعيد قبل أن تخرج وداد من الغرفة، فوقفت في مكانها والتفتت إليه تسأله بعينيها عما يقصده، فمن أين له أن يعرف مكان ابنها بينما هو لم يفارقهم منذ ما حصل مع زوجها. هنا وشعرت أن قلبها يؤلمها، وأدركت أخيرًا أن هذا الألم الذي لم يفارقها أصلًا يُنذرها بأمر جلل قد حصل مع أحد فلزات كبدها، خاصة وقد باح لها سعيد بما أخفى عليها طوال الليلة الماضية. وفي الواقع هي لم تتمالك نفسها، إذ صكت وجهها فجأة وهي شاخصة عينيها، ثم وعلى حين فجأة سقطت أرضًا مغشيًا عليها، انتفض إليها الحاج سعيد، وأخذ يناديها دون رد منها، فخرج مسرعًا ينادي إحدى الممرضات، فأتت واحدة وصديقتها، ساعدنها على النهوض، وقاما بإعطائها مهدئًا بعدما رأوها تثور وتبكي وتصرخ باسم ابنها. ولم تفق من كل هذا إلا حين أتاها أحمد، رأته بجوارها ما إن فتحت عينيها، لتقول بنبرة امتزج الألم فيها بالخوف:
- أخوك قتل يا أحمد، مستقبله ضاع يا بني، بيتنا اتهد فوق روسنا، ليه كده؟ إيه اللي حصل لنا فجأة كده وقلب حياتنا؟ ليه كده؟ اللهم لا اعتراض، اللهم لا اعتراض يا رب، بس صبري زهق مني، ما بقتش قادرة.
أخذت تردد كلمات لم يعد يفهمها أحمد الذي لم يستطع حتى أن يطمئن أمه، فقط بكى بجوارها في صمت تام وهو يرى مدى التهور الذي حل بهم، حتى إذا ما استعاد بعضًا من قوته تحرك إلى غرفة أبيه، قال دون أن يتجرأ على النظر في عينيه:
- المحامي بيقول إن شهادة ميلاد باسم في صفه، هيتسجن أحداث، يعني لا هيعدموه، ولا هياخد مؤبد، بس المحامي هيخفف الحكم قد ما يقدر. إن شاء الله خير. 
أشاح الأب برأسه للجانب، كأنه يرفض أي قول منه، شعر أحمد بغصة تتمكن من قلبه، فاستأذن وخرج من الغرفة يحمل همًا لا قدرة له عليه، لكنه مضطر لأن يعيد الأمور إلى نصابها، وإن كلفه ذلك حياته.

عاد للبيت، ودخل على إخوته، رآهن يجلسن كل في جهة، والدموع تملأ وجوههن، والسواد احتل أسفل عيونهن، من يراهن يشك أن عزيزًا فُقِد، لم يعجبه هذا الحال، دخل وأغلق الباب خلفه، جلس بجانب هدى، ربت على شعرها، قال بحنان واهتمام صادق:
- من النهار ده مش عايز أشوف الدموع دي تاني. كل واحدة تهتم بمذاكرتها، عايز مجاميع السنة دي ترفع الراس، محتاجين ندخل الفرحة لقلب بابا، يمكن لما يشوفنا بنتبدل للأحسن يتحسن، نفسيًا على الأقل. 

نظر لأعينهن قبل أن يتابع بثبات:
- أنا هشتغل، وههتم بمصاريف البيت والدراسة، اللي تحتاج أي حاجة مهما كانت ما تترددش تعرفني، وكل المطلوب منكم إنكم تجيبوا مجاميع محترمة، فرحة بابا واقفة على تعليمنا الكويس، أصلا هو بيسعى طول حياته عشان يحقق ده. اتفقنا؟ 

أومن ثلاثتهن، سألت سمية عن باسم وما سيحدث معه، طمأنهم، وطلب من سمية أن تلحق به، جلس معها في الشرفة، قال بنبرة هادئة حانية:
- أنا مش هقدر أكسر كلمة بابا، لازم تحاولي تقنعيه يرجعك الكلية تاني، لكن على شرط، الكلية للدراسة وبس يا سمية، فهماني؟ 
أومأت مؤكدة وهي تقسم أنها ندمت، وأنها لو وجدت إشارة فقط تمنعها من السقوط في بئر الخطايا هذا ما كانت لتعاند، لكنها كانت معمية القلب والبصيرة، وجدت طريقًا للمال، وطريقًا للحب، وطريقًا للشهرة، تلألأت الحياة أمام عينيها، فانصاعت لرغباتها دون أن يرف جفن عقلها. تابع بينما يمسك بيديها:
- الرسم تنسيه تمامًا، بابا مش حابب ترسمي، لو ربنا أراد إنه يتفهم حبك للرسم وسمح لك هترسمي، غير كده صدقيني هتخسري كل حاجة، كل حاجة يا سمية. 
- ما أنا جربت طعم الخسارة يا أحمد، أنا اللي بدأت كل الهدم ده، أنا اللي زقيت أساس البيت لحد ما حيطانه وقعت على دماغنا، راح فيها بابا، وباسم كان راسم طريقه، كان بدأ يجتهد في دراسته، بس أنا غويته بالفلوس اللي كنت بديها له عشان يروح السايبر ويهمل كل حاجة، لو ما عملتش كده كان زمان كل اهتمامه بالدراسة، وكان زمانه وسطنا دلوقتي. 

ربت على قدمها يهدئ من شعورها بالذنب، قال ضاغطًا على حروفه كأنما يزرعها داخل عقلها:
- اللي حصل حصل يا سمية، ما نقدرش نغير المكتوب، لكن نقدر نهتم بالمستقبل، نبنيه صح، ونعلي سقفه. 

أومأت مؤكدة فهمها لقوله، فاحتضنها بحنان وأخذ يمسد على شعرها حتى هدأت من نوبة البكاء التي اقتحمت عينيها، طلب منها أن تذهب وترسل له أسماء، تلك الأخيرة التي تبدل حالها تمامًا، باتت صامتة طوال الوقت، سابحة في عالم من التيه، تأكل وتشرب بروتينية بحتة، إن تحدثت فيكون ردًا على سؤال ما، أو طلب شيء ما، أما تلك المشاغبة التي تتقافز هنا وهناك، وتضايق هذا وذاك، وتملأ البيت بالصخب، ما عاد لها وجود، انطفأت منذ ذلك اليوم المشئوم، ويبدو أنها لن تعود أبدًا، فما كُسر فيها لا يمكن إلا أن تتذكره كلما رأت طيف ملامحها في المرآة. لكن ربما بعض توجيه قد يفيدها في التخطي. 

أتته بخطى واهنة حثيثة، كأنما تحسب خطواتها قبل أن تخطوها، دلفت إلى الشرفة وعيناها تطالعان موضع قدميها، قالت بنبرة خفيضة:
- بعتت لي يا أحمد؟ 
- تعالي يا سمكة. 

ابتسمت لما قال، فليس بعادة أحمد أن يداعب أحدًا، عاش حياته بجدية تامة، ما بين الدراسة وأحيانًا العمل، معاملته معهم كإخوة له لم تتعد السلام من حين لآخر، وربما بعض الأحاديث الجانبية التي تكاد لا تُذكر. جلست مقابله، فقال بعد أن زفر تنهيدًا ثقيلًا:
- شوفي يا أسماء، أنا عارف قد إيه كنت أخ مقصر معاكم، لا كنت بقعد مع واحدة فيكوا وأتكلم معاها، ولا عمري اهتميت لأموركم، يمكن أنا أكتر واحد ما يعرفش عن اخواته حاجة غير إنهم عايشين. 

قالها ونبرته تتباطأ ويغلفها الحزن شيئًا فشيئًا، لكن فجأة علت تلك النبرة وهو يقول بابتسامة مشرقة:
- لكن إن شاء الله الحال ده يتغير ونقدر نبقى كلنا واحد، همنا واحد وفرحنا واحد، وده أنا ما أقدرش أعمله غير بيكم وبمساعدتكم. 

نظرت إليه وشبح ابتسامة رُسم على وجهها، قالت بهدوء متعب:
- أنت لسه حاسس بالذنب؟ 
رمشت عيناه رمشات سريعة عبرت عن توتره، قال بينما يلاعب أصابعه ببعضها:
- مش هنكر إن إحساس الذنب قاتلني، خصوصًا إن بابا رفض مساعدتي ليه في المستشفى، ورفض حتى يبص في وشي. 
- هيصفى، في النهاية هو أبونا، مش هيفضل زعلان العمر كله. 
أومأ مؤكدًا، وأضاف بنبرة حاسمة جادة:
- وأنا هسعى عشان أستحق إنه يسامحني، مهما عمل ومهما قصر ما كانش يصح أبدًا إني أقول الكلام ده، كسرته وخذلته بغشمي.
- ما تلومش نفسك يا أحمد، كل حاجة كانت مقدرة ومكتوبة، مش عارفين الحكمة من الوضع اللي وصلنا له، بس أكيد خير. 

صمتت قليلًا قبل أن تضيف بحزن عميق:
- أنا بقا همي هم، احساس الذنب مش هيفارقني طول عمري، باسم هيقضي سنين من عمره في السجن بسببي. 
أمسك بيدها، قال بحنان:
- أنتِ لسه قايلة إن كل حاجة مقدرة ومكتوبة، وأكيد فيه حكمة، أهم حاجة دلوقتي إنك ترجعي أسماء اللي روحها بتملا البيت بهجة. 

دمعت عيناها تأثرًا، كيف لامرئ تهشمت الدنيا في عينيه أن يراها بعين مبتهجة! ما عاد يصلح إلا أن تكون صامتة مستسلمة تنتظر مصيرها القادم بكل هدوء. تابع أحمد بينما يمسد بيديه فوق يديها:
- أسماء، احنا ما فيش قدامنا حل غير إننا نلبي لبابا أمنيته من الحياة، واللي هي ببساطة التعليم، قلتِ إيه؟
- وأنا ازاي هقدر أبص في وش زمايلي بعد اللي حصل؟ 
- اللي عرفته إن ما حدش عرف حاجة، يعني ولا كأن حاجة حصلت، ولازم تفضلي قوية زي ما أنتِ، حتى لو الدنيا كلها عرفت، أنتِ ما غلطتيش، أنتِ حاولتِ تحمي أخوكِ من شوية مشاغبين، واتغدر بيكِ، يعني عينك لازم تبقى قوية وما حدش يكسرك أبدًا. 

فكرت قليلًا في كلامه معه كل الحق، ما عليها إلا أن تتباهى برداء القوة، حتى وإن كان داخلها قد هش. رسمت بسمة ممتنة على شفتيها، ليقول هو بابتسامة واسعة:
- أهي دي أسماء أختي. 
- شكرا يا أحمد، أنت أفضل أخ في الدنيا. 
مسد على شعرها قبل أن تغادره. تنهد وهو يقول في نفسه: أتمنى أقدر أكون أفضل أخ في الدنيا يا أسماء، ربنا يقدرني.

بقي يتأمل الشارع قليلًا، عقله يعمل في اتجاهات عدة، امتحانات عامه الأخير تطرق باب الوقت، والبيت بحاجة للمال، والمحامي لا بد من دفع أتعابه، وتعليم إخوته، ومرض أبيه، من أين يبدأ؟ أغمض عينيه بقوة يؤكد لنفسه أنه قادر على هذا كله، ولا يوجد سبب واحد يبرر تخاذلًا إن أصابه. قطع عليه أفكاره وشروده صوت هدى التي حضرت له كوب شاي بالنعناع كما يحبه:
- كوباية شاي تساعدك على التركيز. 

التفت لها، أخذ الكوب من يدها مبتسمًا وهو يوضح:
- بس أنا ما بذاكرش. 
- عارفة، أنت بتعمل حاجة أهم من المذاكرة دلوقتي.. بتحاول تجاهد.

ضيق ما بين حاجبيه تعجبًا، سألها وهو يرتشف بعض الشاي:
- إيه الكلام الكبير ده؟ 
- مش أكبر من اللي بتحاول تقدمه لينا يا أحمد، أنت فعلا بتجاهد دلوقتي، من وقت ما بدأت تفكر في رعايتنا وأنت نية الجهاد حاضرة في عينيك. 

سحب يدها وأجلسها إلى المقعد المجاور له، قال وبسمة سعيدة بها ترتسم على محياه:
- من يومك وأنت الركن الدافي في البيت، وبقالك فترة كده لما ببص في وشك بحس بكسوف غريب من نفسي. أنتِ ازاي بقيتِ بالجمال ده يا بت!
ابتسمت بخجل وهي ترد:
- اللي يقرر يخلي ربنا قصاد عينه طول الوقت، ويلجأ له في كل وقت، ويبقى عنده حسن ظن بالله لازم هيتشاف بعين الجمال. وأنت اخترت وسيلة قدرها كبير عند ربنا، وإن شاء الله ربنا يكرمك ويحقق لك كل اللي تتمناه.

صمت الجو قليلًا إلا من صوت ارتشافه للشاي بين الحين والآخر، سأل دون أن ينظر إليها:
- ليه ما حاولتيش تنصحي سمية؟ 
- وندمانة. 
هنا والتفت إليها بعينين متسائلتين، قالت وهي تنظر للأرض بحزن عميق:
- رغم إني سألت عن كل اللي بتعمله، ورغم إني عارفة إنها وصلت لمرحلة صعبة جدًا من الحاجات الحرام، لكن اكتفيت إني أتفرج من بعيد وأسكت، أنا عمري ما كنت زي ما أنت شايفني يا أحمد، أنا شريكة في كل حاجة غلط حصلت في بيتنا، لأني لا حاولت أغير بإيدي ولا بلساني، دعيت وبس، ونسيت إن ده أضعف الإيمان. 

هنا وانهالت دموعها تشي بصدقها، ولم يجد أحمد بُدا من أن يترك كوب الشاي جانبًا، ثم قربها منه وبدأ يربت على رأسها دون حديث، يعلم أن ما هي فيه الآن ربما هو الشعور الأقسى بينهم. بقيا على حالهما حتى هدأت هدى قليلًا، وابتعدت بهدوء وهي تقول بابتسامة:
- ربنا يقدرك ويكرمك بحق تفكيرك في كل واحد فينا. 

غادرت الشرفة بذات الهدوء الذي أتت به، لكنها بكلماتها أحيت في أحمد ما كان راقدًا ولم ينتبه له أو يعرف عنه شيئًا. 
_____________

توالت الأيام بذات الهدوء الذي سكن البيت، كل منشغل في أمره، لم يتوان أحمد عن الركض خلف كل وسيلة عمل تقع في طريقه، لأي وقت، وفي أي مكان، حتى أنه اشترك في بعض الأعمال عبر شبكة التواصل الاجتماعي، دخله من كل عمل لم يكن بالشيء الذي يُذكر، لكنهم استطاعوا العيش عليه في ستر، حاول ألا يُقصر في مذاكرته، فما عاد هناك غير أيام معدودات على بدء اختباراته، ولن يُضيع مجهود الفترة الماضية عبثًا. أما سمية فلقد حاولت عددًا من المرات أن تتحدث مع والدها بعد عودته للبيت، لكنه كان يرفض بأنين، فتتركه وتعود لغرفتها خائبة تبكي حسرة. في حين أن أسماء بدأت تتوافد على مدرستها من جديد، النظرات والهمزات تلاحقانها، وكل من يراها يشير عليها أنها أخت باسم المجرم، ودت لو صرخت فيهم جميعًا أنه ما فعل فعلته إلا دفاعًا عن شرفها، لكنها وعدت أحمد أن يُدفن الأمر بينهم، وأن تتحلى بقوة التغافل والتجاهل، فسارت بينهم بثبات دون أن تعيرهم أي اهتمام، رغم ما يجيش داخلها من اضطراب. 

لم تنقطع المقابلات بين تسنيم وهدى، تلك الأخيرة التي أيقنت أخيرًا أنه لا يكفي أن تعرف الله حق المعرفة، بل عليك أن تُعرِّف به، فبكلمة تتغير حياة ضال، وبنصيحة يتبدل حال فاشل، وبإشارة يتعرف التائه على دربه. 

_____________________

تسلل الليل على استحياء، يُبعثر في الأجواء سكينة، وينثر في القلوب تفكرًا، ويُذكر الغافل أن الأمل قادم مع انقشاعه. تتسلل أنفاس السكون إلى الغرف التي أنهكها البكاء الطويل، وباتت ليلتها الأولى تلتقط أنفاس الطمأنينة. على أحد الأسِرة يستقر جسد أسماء الغافية، تحتضن كف أمها كأنما تستمد أمانًا باتت تترقبه في أهلها، وهدى تستقر فوق فراشها ترتل بعض التسابيح التي اعتادت عليها بعد الصلاة، كأنما بتراتيلها تلك تؤذن لبدايات جديدة، أما سُمية فكانت أكثرهن يقظة، نقلت نظراتها بينهن قبل أن تتحرك ببطء إلى خارج الغرفة. كانت وجهتها غرفة في آخر البيت، حيث يسكن خلف بابها جسد أنهكه التعب. فتحت الباب بعد طرقة خفيفة، فانبثق النور يصدر شعاعه على عيني المسجي على ظهره، ينظر للسقف كأنما يُناجي ربه. اقتربت بهدوء منهك، جلست عند قدميه، ودون مقدمات انهالت دمعاتها تحكي معاناة الذنب الذي ما زالت تحمله، همست كطفلة ضلت دربها بعد أن ترك أبوها يدها:
- سامحني يا بابا، أبوس إيدك سامحني، كنت معمية، أنا السبب في كل اللي وصلنا له، أنا السبب في وجعك، وما ليش عين وأنا بطلب منك تسامحني، بس طمعانة في كرم أخلاقك، طمعانة في حنية قلبك وعطفك، سامحني واديني فرصة تانية أعوض بيها كل اللي اتسببت في خسارته.

ازدادت شهقاتها مع كلماتها، سعلت، ثم مسحت وجهها وهي تجثو على ركبتيها أمامه، اقتربت تمسك بيده التي لأول مرة منذ ما حدث تركها بين راحتيها دون تململ، فتسرب الأمل لداخلها، أضافت بصدق اخترق قلبه:
- أنا والله ندمانة، ندمانة على كل أغلاطي، وعايزة أبدأ من جديد، ومش هعرف أمشي خطوة غير لما تسامحني.
هنا وأغلق الحاج أيمن جفنيه، لتنسل من جانب عينه دمعة أخذت طريقها إلى جانب وجهه، التقطتها أناملها وهي تقول بلهفة:
- لا عشت ولا كنت لما أتسبب في دموعك يا بابا، والله ما كان قصدي توصل الأمور لهنا، أنا آسفة، حقك على قلبي يا بابا.

أنهت قولها وانهالت على يده بقبلات تبثه فيها ندمها وعزمها على التغيير، حرك أنامله بين يديها كأنما يربت على أناملها، فابتسمت وهي تنظر لعينيه اللتين ابتسمتا لها بإيجاب، لم تصدق أنه سامحها، سألت:
- سامحتني؟
أومأ بعينه، فاتسعت ابتسامتها، ووقفت مسرعة تميل بجسدها على جسده، تحتضنه بقوة، وتبثه مع هذا العناق شكرًا لا يسعه إلا قلبه.
خرجت من الغرفة مبتهجة، في نيتها الكثير مما عليها فعله، بينما أغمض هو عينيه بسكينة لم تزُره منذ زمن. أغلقت عليه باب الغرفة من جديد، ودخلت لغرفتها وأغلقت الباب خلفها، تاركة خلف الأبواب أنفاسًا تتشابك كأنها نسيج جديد، يُخاط بخيوط الندم والمغفرة، ليُغطي أبدانًا كانت الخطايا رداؤها يوما ما.

تنسحب العدسة بعد أن شملت البيت بأركانه، تسير عبر الطرقات شبه الساكنة، ثم تعبر إلى مكان بعيد بعض الشيء، حيث زنزانة ضاقت جدرانها على صدر يكبله ندم الخطيئة. يجلس في ركن قصي، ينظر إلى شعاع نور القمر المتسلل من شرفة الغرفة العالية. يتنفس بصعوبة وكأن الذكريات تُثقل صدره، حكم عليه منذ أيام بالسجن لسنوات لا يعلم كيف قرر إهدارها في لحظة غضب، نادم على ما اقترفت يداه، ونادم لما أضاعه، وأشد ندمًا لأنه حين قرر أن يتغير لم يبدأ بطريق لا ضلال فيه، ظن كبت المشاغبة بداخله بداية، بينما التقرب من الله هو التهذيب الحق للنفس، وهذا ما أيقنه حين سكن بين جدران لا تهمس ولا تتنفس ولا تمد من بين أحضانها دفئًا حتى. ووسط سحابة الأفكار المتراكمة تلك نبتت بذرة نقية، وبدأت تكبر في صدره كنبض جديد: ربنا كتب لي فرصة تانية، والمرة دي هبدأها صح.

نهض من مكانه، أمسك بطبشور على الأرض، وخط على الحائط بخط عريض: هقرب من ربنا، وهكمل تعليم، وأخرج لهم راجل صالح.
نظر لما كتب وابتسامة زينت وجهه، لقد خط أول سطور حياته، لا للنجاة من الخطيئة، بل ليحيا رغم ظلالها، لأن النور وإن تأخر لا يغيب!

في هذا الآن من الليل، كانت العيون قد غطت في نوم عميق، وسكنت القلوب على نية الصفح عن الذات أولًا، وعن الآخرين ثانيًا، يظن القارئ أن الخطايا مُحيت، لكن لا، الخطيئة لم تُمح، لكنها غدت ظلًا بعيدًا، يُذكرهم بما كان، ويُضيء لهم طريق ما سيكون. وهكذا انقضت الحكاية، بين شعاع التوبة، وظلال الخطيئة، لعل الفجر القادم يحمل خلاصها الكامل. وقد تعلم الجميع درسًا مشتركًا: الغفران لا يُبدد الظلال فحسب، بل يصنع منها نورًا نحو الفجر.

_تمت بحمد الله
🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹
            💚 مرحبا بكم ضيوفنا الكرام 💚
هنا في كرنفال الروايات ستجد كل جديد
حصري ورومانسى وشيق ابحث من جوجل باسم الروايه علي مدوانة كرنفال الروايات وايضاء اشتركو في قناتنا👈علي التليجرام من هنا يصلك اشعار بكل جديد من اللينك الظاهر امامك
🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹
   
لقراءة باقي الفصول اضغط هنا             



تعليقات



<>