
رواية عروس الغريب الفصل الخامس عشر 15 والاخير بقلم شاهندة سمير
"وحشتيني قوي.. معقول نسيتي أيامنا الحلوة..انتِ قولتيلي جوازك مش هيخليكي تنسيني، وعدتيني نفضل مع بعض وفضلنا.. اختفيتي فجأة ليه ياحبيبتي؟ "
قطبت رقية جبينها بقوة تتساءل.. من الذي يبعث بتلك الرسائل إليها؟ حين تهاتف هذا الرقم تجده مغلق دوماً، انها رسائل خاطئة علي الأغلب يبعثها حقير لإمرأة أحقر، لم ترد علي رسائله من قبل ولكن ربما حان الوقت لترد وتطلب منه التوقف عن مراسلتها.. بعثت رسالة مختصرة تقول فيها..
"حضرتك أنا مش حبيبتك ومعرفكش.. من فضلك اتأكد من الرقم.. أنا ست متجوزة وبحب جوزي.. متضطرنيش أبلغ عن ازعاجك ليا"
أرسلتها وألقت بالهاتف جانباً، سمعت طرقات علي الباب، سمحت للطارق بالدخول، دلفت تحية تقول:
_حضرتك كنتِ عايزاني؟
_أيوة ياتحية، أنا نازلة رايحة لقمر، أوقات الشبكة بتبقي وحشة هناك، لو غريب بيه اتصل بالبيت عرفيه ونبهي علي الست نعمات لما تيجي من عند ابنها عشان لو حبيتي تروحي في حتة انتِ كمان.
_حاضر ياهانم، أخلي السواق يجهز العربية و يستني حضرتك؟
هزت رقية رأسها قائلة:
_ياريت.. انا هاخد شاور وألبس علطول.. نص ساعة بالكتير وهكون جاهزة.
_تمام.. بعد اذنك.
غادرت تحية بينما أخذت رقية منشفتها ودخلت إلي الحمام، بعد دقائق طرقت تحية الباب وحين لم تحصل علي رد فتحت الباب وتطلعت إلي الداخل، سمعت انهمار المياه في الحمام فأسرعت إلي الهاتف وفتحت الرسائل، نظرت إلي الورقة بيدها وحين تأكدت من الرقم فتحت رسائله، قرأت الرسالة الأخيرة ثم مسحتها بسرعة وكتبت تلك الرسالة علي الورقة، أرسلت الرسالة ثم أغلقت الهاتف وسارعت بالخروج من الغرفة، تستند علي الحائط بجوار الحجرة وهي تضع يدها علي قلبها تهمس قائلة:
_الظاهر ربنا معاكي يابت ياتحية، ده انتِ لو كنتِ اتقفشتي كنتِ اتعلقتي.. يلا علي السواق بسرعة خليها تغور من البيت وتشوفي انتِ حالك بقي، هو كل يوم البيت هيفضي عليكي بالشكل ده عشان تقضي مصلحتك لا من شاف ولا من درا.
____
كيف ومتي أحببتك لا أدري ولكن جل ماأدركه أنك بدلت حزني إلي فرح وأصبحت الحياة أجمل بوجودك، كنت أهرب منك فوجدتني أهرب إليك وأستقوي بك منك.. أحببتك بصدق وأدمنت قربك مني حتي أن غيابك صار يقتلني لأنوي المجاهرة بشوقي لك أطالبك بعودة لقلب نبضه أنت.. حاجته أنت.. سعادته أنت وأمنيته أنت.. ولا أحد غيرك.
_إيه يابنتي سرحانة في ايه؟
_غريب.
قالتها بوجيب قلب تكسرت حروفه شوقاً فقالت قمر بمرح:
_تصدقي ان الراجل ده طلع مش سهل أبداً، بقي رقية اللي طول عمرها رافضة الارتباط، رقية اللي كانت رافضة الحب والمشاعر بتتشحتف علي فراق راجل بالشكل ده؟
_تصدقي إنك رخمة وأنا غلطانة اللي بحكيلك عن مشاعري وبعدين غريب مش أي راجل، غريب ده جوزي.
_جوزك اللي اتجوزتيه غصب عنك وكنتِ مش طايقاه دلوقت بقي عسل وعليه قشطة كمان.. سبحان مغير الأحوال ياست روكا.
_شوفوا مين اللي بتتكلم؟ مش جوزك برضه كان متجوزك غصب فجأة بقيتي عسل بالنسبة له وعليكي قشطة، ده الراجل مكنش عايز يخرج ويسيبك لحظة واحدة لولا اتكسف مني، ده أنا حسيت انه شوية شوية هيقولي انتِ ايه اللي جابك دلوقتي؟
_معاكي حق في دي.. غلبتيني يابت ياروكا.. الظاهر ان احنا قسمتنا واحدة، احنا الاتنين رضينا نتجوز من غير مشاعر، انتِ مكنتيش بتحبي غريب وبدر مكنش بيحبني لكن الظاهر ان العشرة بتبين للشريكين ان ربنا اختارهم لبعض لإن كل واحد فيهم قدر التاني ونصه اللي بيكمله.
_فعلا ياقمر، عارفة اليوم اللي سافر فيه غريب وكنت بودعه في المطار، اليوم اللي رجعنا فيه من كفر أبو جبل.. فضل ماسك ايدي لحد ما سمع النداء الأخير لطيارته، وقتها ابتسملي وقالي خلي بالك من نفسك لحد ماأرجع وبعدين ساب ايدي ومشي ناحية البوابة، أنا حسيت بروحي بتنسحب مني مع كل خطوة بيمشيها، كنت عايزة أجري أقف قدامه وأمنعه من السفر، أقوله عشان خاطري خليك جنبي أنا حسيت ان روحي بتفارقني بروحتك بس مقدرتش.. بأي حق همنعه ولحد دلوقتي ورغم اني حاسة انه بيبادلني مشاعري بس محدش فينا اعترف بيها للتاني بصراحة.. مش عارفة مستنيين ايه بس؟
_مستنيين معجزة تفك لسانكم انتوا الاتنين، أقولك انتحري زيي يمكن انتحارك يفك لسانه هو كمان.
وكزتها رقية قائلة بحنق:
_بتفكريني ليه بالعملة الهباب اللي عملتيها، افرضي كنتِ موتي بجد، ازاي هانت عليكي نفسك، مخوفتيش من عقاب ربنا، ده القانط من رحمته في النار ياقمر مبيشمش ريح الجنة حتي.
ارتعش جسدها حين تذكرت ما كادت أن تفعله بنفسها لتقول بخوف:
_وأنا لو كنت فكرت للحظة واحدة في ربنا كنت عملتها، للأسف كنت ضعيفة وعماني شيطاني لما صورلي إن الحل الوحيد عشان أتخلص من عذاب شوفة بدر مع واحدة غيري هو الموت، الشيطان شاطر يارقية وبيستغل ضعفنا ويوهمنا ويقنعنا لحد مانغلط، ساعات بنفوق ونهزمه بعد مانصلح غلطنا وساعات الوقت بيفوت ويفوز ابليس.
_الشيطان مش شاطر بالعكس، ده أضعف كائن خلقه ربنا، قوته بتيجي من قلة الإيمان، خلي ايمانك قوي ياقمر، قويه كمان وكمان بيقينك في الله..يقينك في انه شايلك الخير مهما ضاقت، ده ان مع العسر يسراً واحمديه علي حبه ليكي اللي أنقذك في الوقت المناسب ودايماً رددي الآية الكريمة.. وعسي أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم.
_اللهم لك ألف حمد وشكر يارب.
_______
كان يتطلع إلي تلك الصورة علي هاتفه والتي التقطها لهما دون أن تدري حين كانا عائدين من البلدة وغفت علي كتفه، شعر وقتها بشعور راوده لأول مرة في حياته.. الاكتمال.
وكأنهار جزء منه لا ينفصل عنه أبداً، لقد تشبع القلب بحبها حتي أنه يبذل قصاري جهده لتهدئته كي لا يخيفها من قوة مشاعره.
لماذا هي تحديدا لا يدري ولكنها جعلته يشعر بحيوية مفرطة جوارها وكأنه قادر علي غزو العالم بأكمله والعودة منتصراً، يود لو يغمرها فيلتصق به عطرها، يستمع لصوتها العذب ليلاً ونهاراً، يصبح ظلها وأمانها وكل مالها.. تنهد بقوة.. مرر أنامله علي صورتها ابتسم بحنان يحدث صورتها..
ترتعش خفقاتي وأنا أتذكر لحظة الوداع حين أدرت ظهري فشعرت بهمساتك تناديني، استدرت أتطلع إليكِ فحدثتني مقلتيكِ..
"أُودِعك قلبي فلا تجرحه قد آتاك عشقاً وشوقاً فحاوطه بجدران محبتك وآنسه بعذب حديثك واغمره بحنان لهفتك"
وددت لو عدت إليكِ أطمئنك.. فربما ترينني قاس متلبد الأحاسيس لكني أبداً لا أظلم عزيز لدي ولا أؤذيه قط فمابالك بكِ وأنتِ أعز الناس وأقربهم إلي قلبي.
سأله قلبه"لماذا الصمت إذاً وقد فاض بي الشوق أريدها لي بكل خفقة من خفقاتي المتلهفة؟"فأجاب قلبه.." لبيك قلبي قد حان الوقت لأبوح بمكنونك فصبراً جميلاً حتي اللقاء."
قال قلبه بلهفة"ومتي يحين اللقاء؟"
أجابه "أخبرتك صبراً لا تعجل ولا تخيفها بقوة مشاعرك.. كُن في اعترافك كنسيم البحر لطيف بقلبها لتبحر في نهر العشق بسعادة لا تخشي شيء ولا تكُن اعصاراً يجتاحها فيحطم أشرعة قلبها ويغرقها لتخسرها وتخسر نفسك".
_______
تطلعت إلي الخارج بحذر تتأكد من عدم وجوده رُغم أنه أخبرها أنه سيصعد لوالدته كي يطمئن عليها لذا أسرعت تأخذ حماماً ينعشها، يبدو المكان خالياً لذا أحكمت منشفتها حول جسدها وخرجت من الحمام تتجه إلي حجرتها، انتفضت علي صوته وهو يخرج من المطبخ قائلاً:
_قمر فين برشام الصُد......
تسمر في مكانه يتطلع إليها بينما تجمدت هي بالكامل وظهر عليها الصدمة تمسك المنشفة بيد بينما وضعت اليد الأخري علي صدرها تخفي الظاهر من كتفيها ترتعش خفقاتها وهي تراه يتأملها بشغف.
تأمل بدر ملامحها الندية الجميلة وشعرها القصير الذي يصل إلي كتفها تتساقط منه بضعة قطرات من المياه، انقباض وانبساط كفها المتوتر، ارتفاع صدرها وانخفاضه نتيجة تسارع خفقاتها وارتعاش جسدها الواضح من تأمله إياها.. كانت هي اول من تحدث تقطع تلك اللحظات الصامتة المشتعلة بالمشاعر وهي تقول بارتباك:
_انت مش كنت طلعت لخالتي؟
قال بصوت أجش:
_ونزلت عشان آخد برشام الصداع، دورت عليه في المطبخ وملقيتهوش.
_انت تعبان..فيك حاجة؟
لهفتها جعلت صبره يوشك علي النفاذ فقال بسرعة:
_أنا كويس بس لو وقفتي قدامي أكتر من كدة مش هبقي كويس.. روحي ياقمر علي أوضتك وإلا هعتبر وقوفك ده تشجيع منك ليا وساعتها مش هقدر أمسك نفسي وانتِ لسة تعبانة.
جرت أقدامها جراً تجاه الغرفة، توقفت للحظة تطاوع وجيب قلبها الذي أراده كما أرادها قلبه، أغمضت عيناها للحظة تأخذ نفساً عميقاً ثم استدارت ترنو إليه بنظرة تمنحه إذنها بالتقرب منها ما احتاج غيرها قبل أن تكمل سيرها ويتبعها هو متناسياً أمر صداعه الذي ولدهشته قد اختفي الآن.. تماماً.
_______
_راح فين بس ياربي؟ آخر مرة شوفته لما رجعت البيت من شوية وحطيته علي الطرابيزة، تكونش الأرض انشقت وبلعته.. ياتحية.. تحية.
جاءت تحية تهرول قائلة:
_خير ياست رقية.
_مش خير أبداً ياتحية، تليفوني كان هنا من شوية ودلوقتي مش لاقياه.. غريب ممكن يكون بيكلمني دلوقتي ومش عارف يوصلي.
قالت بارتباك:
_هيكلمك علي تليفون البيت ياستي.
نعم سيفعل، شعرت بالراحة بعض الشيء ولكنها قالت :
_برضه دوري عليه ولما تلاقيه هاتيهولي الأوضة.
_حاضر ياست رقية.
اتجهت رقية إلي حجرتها ثم توقفت تستدير الي تحية قائلة:
_إلا قوليلي ياتحية.
تأهبت تحية تشعر بالوجل بينما تردف رقية:
_هي الست نعمات لسة مجتش من عند ابنها؟
_لأ مجتش.. هي كلمتني وقالتلي ان مرات ابنها لسة تعبانة وأول ماتبقي بخير هترجع.
_فكريني نكلم الدكتور سعيد و نروحلهم بكرة البيت.
_تحت أمرك.
اتجهت رقية إلي غرفتها بينما وضعت تحية يدها علي صدرها تقول بارتياح:
_خضتيني يااسمك ايه انتِ، مستعجلة علي رجوع نعمات ليه؟ خلينا مرتاحين وواخدين راحتنا علي الآخر.
توجهت إلي المطبخ، فتحت دولاب المطبخ وأخرجت الهاتف من إحدي الطناجر ثم فتحته وأرسلت إحدي الرسائل المكتوبة في ورقة أخرجتها من صدرها ثم أغلقت الهاتف وأعادته إلي مكانه وهي تبتسم بخبث.
______
كان يركب السيارة التي طلبها بعد أن هبطت الطائرة به في أحضان الوطن عائداً إلي منزله، لم يصطبر حتي الصباح وقد أنهي اجتماعه منذ فترة قليلة، فالشوق إليها بات ناراً لن تخمدها سواها، هي وابتسامتها الرقيقة كرقة ملامحها، رن هاتفه طالع شاشته فوجده رقماً غريباً، كاد أن لا يجيب ولكن تأخر الوقت أقلقه وأجبره علي الإيجاب.. كان الصوت غريباً وهو يقول :
_أستاذ غريب.
_أيوة أنا.. مين معايا؟
_فاعل خير.
قطب غريب جبينه يدرك دون جهد أن المتحدث لا يمت للخير بصلة فما من فاعل خير إلا وحمل كارثة لا خير أبداً..
_أستاذ غريب!
_اتفضل قول اللي عندك.
_أنا آسف اني أكون الشخص اللي بيبلغك بالخبر ده بس أنا مقدرش أسكت وأنا....
_اختصر من فضلك.
_فيه حاجة بتحصل من ورا ضهرك وانت للأسف مش حاسس بيها.
_تقصد ايه؟
_مدام رقية.
تأهبت حواس غريب كلها مع حروف اسمها التي نطقها هذا المجهول ليقول بحدة:
_مالها؟
_بتخونك..
_انت بتقول ايه ياحيوان انت....
_اهدي بس واسمعني، أنا معايا الدليل علي كلامي وإن متأكدتش بنفسك ان كلامي مظبوط من حقك تعمل فيا اللي انت عايزه.
عن أي دليل يتحدث؟ شعر غريب بقلبه يتحطم وروحه تنسحب منه ببطئ ومحدثه يقول:
_فيه مدرس معاها اسمه مسيو صلاح عيد، فيه بينه وبينها علاقة من زمان وتقدر تتأكد من زمايلهم، أنا مش ضد العلاقة اللي بينهم قبل جوازها من حضرتك لكن كان المفروض تقطع علاقتها بيه بعد الجواز منك وده للأسف محصلش.
_مستحيل أصدق الكلام اللي انت بتقوله ده ولو راجل وعندك الجرأة تعالي قدامي وعيد كلامك.
_قولتلك اني عندي الدليل علي كلامي والدليل جوة بيتك.
داخل بيتي؟ كيف؟
_وجوة أوضة نومها علي وجه التحديد، هداياه ليها ورسايلهم.. فتش تليفونها لو عندك الجرأة والرجولة اللي شككت حضرتك دلوقت في وجودهم عندي.
قال كلماته وأغلق الهاتف ليعتصر غريب الهاتف بين يديه بقوة.. لقد بدا هذا المتصل واثق جداً من دليله.. كيف يمكن أن يحدث هذا؟ هل تخونه رقية بالفعل؟ لا يستطيع قلبه تصديق امكانية حدوث ذلك.. فلو فعلت لحطمته ومزقت نياط قلبه دون شفقة ولصار بعدها عدماً لا شتات له ليجمعه، إن فعلت ستفتح علي كليهما أبواباً من الجحيم ستحرقهما سوياً دون رحمة.
_____
كانت نائمة فاستيقظت فزعة علي صفعة الباب التي اهتزت لها جدران المنزل بأكمله، ماإن رأته حتي اتسعت عيناها في دهشة امتزجت بلهفة ظهرت علي جل ملامحها وهي تهتف باسمه، قطبت جبينها حين وجدته يطالعها بجمود، لتنتبه إلي شعره المشعث وعيونه الحمراوتين، وجدته يتجه إلي خزانتها ويفتحها ملقياً بملابسها خارجاً، نحت دثارها وهي تنهض متجهة إليه تناديه مجدداً فأخرسها بنظرة رادعة قبل أن يعود لما يفعله، أدركت أنه يبحث عن شيء ما، فجأة وجدته يعتدل ويعتصر شيء ما في يده قبل أن يقذفه أرضاً وهو يتجه إلي طاولة الزينة ويبحث في أدراجها، تعلقت عيناها بماقذفه أرضاً فوجدته قميصاً قصيراً أحمر اللون كتب عليه بالخط العريض حرف ال s , فجأة إلتفت إليها وبيده سلسال ذهبي بإسم صلاح قطبت جبينها بقوة تحاول استيعاب مايحدث وهو يقول بصوت صارم قاس كالسكين :
_تليفونك فين؟
_مش عارفة من ساعة ماجيت من عند قمر امبارح وأنا مش.....
صمتت وقد رأته يتجاهل كلماتها ويخرج هاتفه يتصل بأحدهم، استمعت إلي طنين يأتي من أحد أدراج الكومود المجاور لسريرها، اتجه إليه علي الفور وفتح أدراجه يسحب الهاتف وسط دهشتها ويفتحه يفتش به قبل أن يتجمد كلية وعيونه تقرأ رسائلها مع هذا الرقم الغريب..
"وعدتيني نفضل مع بعض وفضلنا.. اختفيتي فجأة ليه ياحبيبتي؟"
"معلش ياصلاح كنت في البلد مع جوزي.. زيارة مفاجأة من أهل أمي، معلش حقك عليا.. هشوفك النهاردة بما ان جوزي سافر وفضيتلك ياحبيبي"
"ملحقتش أشبع منك امبارح كانت ليلة ولا ألف ليلة.. هشوفك تاني امتي؟"
"بكرة.. قبل ماغريب يرجع من السفر.. نفسي أشبع منك قبل ما جوزي يكتم علي أنفاسنا من تاني ولو اني مبشبعش منك أبداً"
هل من الممكن أن يتحطم القلب تماماً ثم يشتعل بأتون من جحيم يحيله رماداً فيصبح الصدر خالياً ورغم ذلك تشعر بخفقاته النافقة تؤلم بشدة حتي أن أنفاسك تختنق فلا تستطيع أن تخرج أحدهم دون أن تنهار كلية وتخور قواك؟ هذا ماشعر به غريب وهو يقرأ تلك الرسائل.. ألم لا يحتمل بصدره أنفاسه تختنق بقوة وجسده ينهار.. استطاع أن يقول لها بصوت مذبوح وهو يوجه الهاتف إليها :
_إيه الكلام اللي انتِ كاتباه ده؟
تطلعت إلي الهاتف تقرأ الرسائل قبل أن تتسع عيناها بهلع تتطلع إليه قائلة:
_والله العظيم ماكتبت الكلام ده، والله العظيم.....
_متحلفييييش.
ألقي الهاتف بقوة أرضاً تزامناً مع صرخته فتحطم الهاتف إلي أشلاء مسبباً لها الفزع وهو يقول بمرارة:
_مش انتِ الغلطانة، أنا اللي غلطت لما جبت واحدة من الشارع واديتها اسمي..واحدة خاينة طعنتني في ضهري بقسوة ومرمغت شرفي في التراب.
_غريب.....
قاطعها هادراً:
_متجيبيش اسمي علي لسانك.. قدامك دقيقتين وألاقيكي برة البيت، روحي للشارع اللي جيتي منه واياكي أشوف وشك بعد كدة.. لو شوفتك هقتلك يارقية.. هقتلك.
ألقي السلسال في وجهها قبل أن يخرج من الحجرة بسرعة وكأن شياطين الدنيا تطارده بينما يتبعه ندائها الملتاع باسمه،جلست علي السرير بألم ولم تعد قدماها قادرتان علي حملها، دموعها تساقطت أنهاراً خلفه وهي تقسم علي برائتها، ولكن لا مجيب لندائها ولا رحمة لدموعها الملتاعة، تطلعت إلي السلسال الملقي أرضاً وإلي الهاتف المحطم والقميص بألم، تدرك أنهما ضحية مؤامرة قذرة، آلمها تصديقه خيانتها رُغم الأدلة الملفقة، آلمها ظلمه إياها وطرده لها ولو فكر قليلاً لأدرك أنها خدعة يتعرض لها من قبل شيطان أراد تفريقهما، آلمها ظنه السيء بها المتأصل بقلبه والذي واجهها به مراراً و جعله يصدق خيانتها..آلمها سهولة إلقائه إياها بالشارع في هذا الوقت دون أن يهتم بمصيرها ورغم كل ألم بقلبها ينحره نحراً ويسفك دماءه إلا أن الألم بكرامتها المهدرة جعلها تستقيم بكبرياء، تمسح دموعها وتتجه إلي خزانتها تسحب حقيبتها الصغيرة وتضع فيها بعض الأشياء القليلة التي جاءت بها إلي المنزل، ارتدت ملابسها وتوجهت إلي الخارج، توقفت قدماها واستدارت تتطلع إلي وسادتها، تقدمت ببطئ إلي سريرها تدفعها قدماها دفعاً إلي هناك رغم رفض عقلها، مدت يدها وسحبت صورته الرابضة تحتها، تأملت الصورة للحظات تعاتبه بعينيها ودموعها التي سقطت مجدداً، كادت أن تلقي الصورة أرضاً وكلماته القاسية تتردد في مخيلتها ولكن ولصدمتها وجدت نفسها تحملها في حقيبتها يدفعها قلبها المغرم وروحها الملتاعة التي تنعي فراقه منذ الآن.
الخاتمة "ج١"
كان غريب يتطلع إلى دخان سيجارته بشرود ،كم كان أحمقاً حين ظن يوماً السوء بأبيه ،كان لابد وأن يثق بأن والده لا يمكن أن يأثم وأن ماله الذي أوصى به لرقية وراءه سبب وجيه،انها ابنته البيولوجية التي أنجبها من ثريا ..لقد أخبرت السيدة ألفت نعمات بذلك وأكد كلماتها خطاب مكتوب بخط ثريا لوالده،أغمض عيناه بألم لا يدري كيف يتعامل مع تلك الحقيقة وهو لم يزل بعد يعاني من آثار جروح غدرها ..عليه لأجل والده أن يُريحه في قبره ويخبرها بما اكتشفه ويمنحها حقها في ماله ..ليس عليه أن يتواصل معها شخصياً ليحقق ذلك فآخر ما يرغبه الآن هو رؤيتها أو التواصل معها..عليه فقط ان يجد من يفعل وحين يفعل سيطوي صفحتها من حياته إلى الأبد.
---------------
_يالهوي علي جمال الساعة.. شكلها غالي قوي ياتوحة.. هي دي اللي هتظبطلك الدنيا.
وضعتها في صدرها تخفيها فانتفضت علي صوت نعمات وهي تقول:
_انتِ بتعملي ايه في مكتب سي غريب ياتحية.
قالت بارتباك:
_ها.. مبعملش حاجة.. قصدي يعني كنت بروقها.
_بتروقيها.. غريب بيه ياغريب بيه.
_فيه ايه ياست نعمات، بتندهي لغريب بيه ليه؟ أنا شوفت الأوضة مكركبة شويتين قولت أنضفها.. مغلطتش يعني وعموماً ياستي بناقص خالص أنا رايحة المطبخ أغسل المواعين.
أمسكتها من يدها قائلة:
_تعالي هنا رايحة فين؟
_انتِ ماسكاني كدة ليه؟ سيبي ايدي ياست انتِ؟
دلف غريب إلي الحجرة يقول بحيرة بعد أن رآهما هكذا:
_خير ياست نعمات؟
_أنا قفشت البت دي بتسرق ياسعادة البيه.
_أنا بسرق.. حرام عليكي.. اتقي الله، ده أنا لحم اكتافي من خير غريب بيه وأبوه الله يرحمه.
_سيبك من الشوية بتوعها دول.. أنا شايفاها وهي بتحط ساعة سيادتك في صدرها وعلي فكرة يابيه.. دي أكيد مش أول مرة لإني ملاحظة ان فيه كذا حاجة نقصت من البيت وشكيت فيها بس للأسف مكنتش قادرة أتكلم قبل ماأتأكد.. وأنا اتأكدت حالاً.
_حرام عليكي ياست نعمات.. انتِ كدة بتظلميني.
_طلعي اللي مخبياه في صدرك ياتحية.
قالها غريب بصرامة جعلتها تتطلع إليه بخوف، ظهر عليها التردد قبل أن يهدر غريب قائلاً:
_طلعي الساعة.
نظرت اليه باستعطاف فقابلتها نظراته الصارمة أطرقت برأسها في يأس وقد أدركت أنها ضُبطت بالجرم المشهود ولا أمل لديها مطلقاً للنجاة، مدت يدها وأخرجت الساعة من صدرها ليقول غريب :
_اتصلي بالبوليس ياست نعمات.
_لا يابيه أبوس إيدك إلا البوليس.. أنا عندي ولاد هيتشردوا من بعدي.
قال بنبرة خالية:
_كنتِ فكرتي فيهم قبل ماتسرقي وتأكليهم حرام.
أمسكت يده تقبلها وهي تقول :
_أبوس إيدك ارحمني.....
نفض يدها وهو يقول:
_أنا معنديش رحمة للي زيك.
لطمت خدودها وهي تقول بانهيار:
_يامرك ياتحية.. ولادي هيروحوا فين من بعدي؟
_يلا ياست نعمات مستنية إيه؟
اتجهت نعمات للهاتف بينما تحية ترغي وتزبد ثم لمعت عيناها فجأة وهي تقول:
_أنا عندي كلام يخص الست رقية هيريح قلبك، لو اعترفت بيه ترحمني يابيه؟
توقفت يد نعمات التي تضغط الأرقام علي الهاتف فأشار لها غريب بنعم ثم قال لتحية:
_اتكلمي.
_توعدني الأول يابيه لو حكيتلك ترحمني وتسيبني أمشي وأنا أوعدك إنك متشوفنيش تاني أبداً.
_اتكلمي ياتحية.
_اوعدني الأول يابيه.. وعود بيت المنياوي دين في رقابيهم.
_أوعدك.
_الست رقية بريئة، ضحية لمؤامرة واللي خطط ليها الست نيفين وأخوها مراد.
اعتصر غريب قبضته بقوة بينما عيناه تتسع بصدمة وألم وحسرة وتحية تقص عليه تفاصيل تلك المؤامرة الحقيرة لينهش الندم قلبه وقت لا ينفع الندم.
______
_انتِ متأكدة انك بقيتي أحسن ياروكا.
استقامت رقية في سريرها تقول:
_صدقيني.. أنا بقيت كويسة الحمد لله.. سافري انتِ ومتقلقيش.. انتِ بقالك معايا هنا أسبوع.. أكيد وحشتي مامتك ده غير أجازتك اللي خلصت دي.
_أنا بفكر أستقيل من الشغل.
_بس انتِ بتحبي شغلك قوي ياقمر.
_بحب بدر وبيتي أكتر.
_ربنا يهنيكم ياقلبي.
_ويهنيكي ياعمري.
ابتسمت رقية بمرارة قائلة:
_الظاهر مبقاش فيها هنا يا قمر، الظاهر اني منحوسة، حتي الراجل اللي حبيته من بين كل رجالة الدنيا يطلع أخويا.
_الحمد لله ان جوازكم كان صوري لو كان حقيقي كانت هتبقي كارثة.
_الكارثة موجودة يابنتي.. أنا قلبي عرف الحب علي ايده هو وحتي لما ظلمني وجرحني فضل يحبه هو ولحد دلوقت رافض يصدق انه أخويا ولسة بيحبه ومعذبني وياه.
_بكرة الأيام هتداوي جرحك وتنسيكي غريب يارقية.
_ادعيلي أنساه ياقمر بالله عليكي..أنا بلعن قلبي كل يوم وأنا شايفاه باقي على حب مبقاش ينفع يكون موجود فيه.
_هدعيلك ياقلبي.. انتِ لسة مصممة ترجعيله ورثك من باباكي اللي حطه في حسابك في البنك لما بعتلي التقرير مع جواب مامتك الله يرحمها.
هزت رأسها بنعم فأردفت قمر:
_ولو اني شايفة انك غلطانة وده ورثك وحقك بس اللي تشوفيه هيريحك اعمليه.
_أنا مش عايزة أي حاجة تفكرني بيه وبعدين هعمل ايه بالفلوس دي كلها خليهاله.. مش دي الفلوس اللي افتكرني طمعانة فيها.. خليهمله ياقمر.
هزت قمر رأسها بينما استمعا لطرقات الباب فقالت قمر:
_ده أكيد بدر جاب الأكل وحجز تذاكر السفر.. انتِ متأكدة انك هتكوني كويسة لما نسافر.
_متأكدة طبعاً.. كتر خيركم قوي أنا مش عارفة أشكركم ازاي وخصوصاً بدر اللي رضا يخليكي تسافري وانتِ حامل.
نهضت تتجه للخارج وهي تقول:
_بطلي عبط.. ده أقل واجب.. وبعدين أنا عديت التالت.
اختفي صوتها فابتسمت رقية بحنان قبل أن يعاودها الحزن وذكري لصوت غريب وهو يردد نفس كلماتها الأولى حين شكرته علي اعتنائه بقدمها في البلدة.. تباً له ولذكرياتها معه والتي تنهش قلبها بحنين محرم.. تحاول بكل قوتها لفظه من قلبها ولا فائدة من ذلك حتي الآن.
_______
كان غريب يسحب تحية من يدها يجرها إلي منزل مراد حين توقف علي الباب وصوت نيفين الثائر يصله:
_أنا زهقت يامراد، بناقص غريب ده خالص.. صدقني مفيش فايدة، ده آخر مرة شوفته كان تقريباً بيطردني من مكتبه.
قال مراد بحنق:
_انتِ اللي بتروحيله كتير المكتب وده راجل بتاع شغل يعني خفي حبة يانيفين.. وبعدين اياكي أسمعك تقولي بناقص غريب دي تاني.. مش بعد كل اللي عملناه هنيجي دلوقت ونقول بناقص.
_وده فيه حاجة بتأثر فيه.. أنا قولت بعد مافرقنا بينه وبين مراته هيجري ويترمي في حضني بس الأستاذ طلع جبلة ومعندوش احساس.
أزاح غريب الباب الموارب ودلف إلي المنزل يقول بسخرية:
_الجبلة وصل ياست نفين.
ظهرت الصدمة علي وجه نفين بينما استقام مراد ناهضاً يقول بتوتر:
_سيبك منها ياغريب.. انت عارف انها عصبية ولسانها طويل بس قلبها طيب وبتحبك.
_وانت قلبك ايه يامراد طيب زيها؟
تطلع مراد إليه وإلي تحية الباكية جواره قبل أن يقول:
_هو فيه ايه ياغريب؟ والبت دي بتعيط ليه؟
_فيه إني اتخدعت فيك ياصاحبي كنت دايماً أقول انك غيرهم بس آن الأوان أفتح عيوني وأشوف انك زي أختك وأبوك، أفاعي بتلبس توب الفضيلة وفي أول فرصة بتخونوا وتلدغوا.
اقترب منه يقول بسرعة:
_غريب متصدقش......
قاطعه بلكمة قوية في وجهه ألقته أرضاً ثم ذهب إليه ومال يمسك ياقة بذلته يقول بقسوة:
_اسمي متنطقوش علي لسانك تاني ولو شوفتك في أي مكان هضربك قصاد الكل فتحاشاني أحسنلك.. اللي زيكم ربنا بينجيه منهم ويفتح عيونه علي زيفهم وسواد قلوبهم بسبب دعوة واحدة بس "واصرف عني ياالله شر ما قضيت".
نفض الياقة من يده ثم استقام يحدجهم جميعاً بنفور قبل أن يستدير مغادراً، بينما أسرعت نفين تمسك تحية من يدها بقسوة وهي تقول :
_انتِ قولتيله ايه يابت انتِ؟ انطقي.
نهض مراد يمسك فكه بألم قائلاً بحنق:
_سيبيها تغور يانفين.. أنا مش ناقص وجع دماغ وروحي هاتيلي تلج.
تركتها مرغمة فأسرعت تحية بالهرب بينما يقول مراد:
_انتِ لسة واقفة هاتي التلج بسرعة.
_طب وغريب؟
_هو بعد اللي حصل لسة فيه غريب؟ يغور هو كمان.. انتِ نفسك قولتي انه قضية خسرانة..أنا عملت حسابي في واحد تاني صحيح ثروته نص ثروة غريب بس أهو يقضي الغرض وخلاص، يلا يابنتي هاتي التلج بسرعة.
أسرعت تحضر الثلج بينما جلس مراد علي الأريكة يتحسس فكه المتورم وهو يقول بحنق:
_ايدك تقيلة قوي ياغريب وأنا كنت عملت فيك ايه يعني عشان تضربني بالشكل ده؟
_______
_انت نورتنا ياغريب ياولدي.. كيفك وكيفها بتنا رقية؟
كان يجول بنظراته في المكان عله يراها أو يلمح طيفها فما ان استمع إلي كلمات الشيخ همام حتي عاد بانتباهه إليه يدرك أن رقية لم تأتي إلي هنا ليقول بارتباك:
_كويسة ياحاج همام.
_بلغتك سلامي؟
قطب غريب جبينه فأردف همام:
_لما كلمتنا آخر مرة قالت انك لسة مسافر بلاد برة ومعاودتش، الله يعينك ياولدي ويقدرك.
تحدثهم ولم تخبرهم عن انفصالهما..ولم تخبرهم عن أباها الحقيقي.. لم تخبرهم بشيء أمازالت تخشاهم وتخشي العودة إلي كنفهم بعد ماحدث آخر مرة؟
_مجبتهاش معاك ليه ياولدي ؟اتوحشناها قوي.
_المرة الجاية ياحاج.. الحقيقة أنا جاي المرة دي عشان موضوع حابب أكلمك فيه، طلب ولو وافقت عليه هيبقي مفاجأة حلوة لرقية هتسعدها قوي.
_قول ياولدي ولو في ايدي ألبيلك طلبك أني مش هتردد واصل.
_أنا عايز أبني مدرسة هنا وأسميها علي اسم والدة رقية الله يرحمها.. مدرسة الثريا واللي هتكون تكريم ليها وإحياء لذكراها ودي حاجة هتسعد رقية وتريح قلبها.
اغرورقت عينا همام بالدموع وهو يقول:
_فكرة حلوة قوي ياولدي وأني موافق طبعا وعندي ليك حتة أرض مناسبة جداً.
_تمام قوي كدة..نتفق بقى على سعرها.
_عيب عليك ياغريب ياولدي، بقي انت عايز تحيي ذكرى بتي وأنى مشاركش وياك.. طب دي تبقي حتي عيبة.
نهض غريب يقول:
_تمام ياحاج، في أقرب وقت هجيب المهندس اللي هيبني المدرسة ونبدأ الشغل علطول.
_رايح فين إكده؟
_هسافر أصل ورايا شغل كتير متأخر بسبب سفرياتي الكتير في الفترة الأخيرة زي ماانت عارف.
_مش قبل ما تاكلك لقمة ويانا.
حاول غريب الاعتراض فقال همام بحزم:
_قولت هتاكل ويانا للول، ياآمنة ياتهاني يانجاة.. هموا وحضروا الوكل.. غريب مستعجل ياولية منك ليها.
________
_انت عايز منها ايه تاني؟ أنا مش قادرة أفهمك بصراحة.. يعني ظلمتها وجرحتها وعذبتها وجاي بكل بساطة عايز تعرف مكانها.
_قولتلك يامدام قمر اني عرفت غلطتي واتأكدت إني كنت ظالمها .. من فضلك عرفيني مكانها..أنا لازم ألاقيها في أسرع وقت.
_بقولك ايه ياجدع انت رقية تعبانة قوي من ساعة ماعرفت انكوا اخوات وماصدقنا تفوق من اللي كانت فيه، هي مش حمل هم زيادة فوق همومها.. ابعد عنها ياابن الحلال وخليك في حالك.. قوله حاجة يابدر؟
قطب غريب جبينه قائلاً:
_ايه الكلام اللي انتِ بتقوليه ده يامدام قمر.. مين اللي قال ان انا ورقية اخوات.. هي جابت الكلام ده منين بس؟
_انت ياراجل عايز تجننها وتجنني.. أنا هقوم من هنا قبل ماارتكب جريمة.
قال بدر:
_اهدي بس ياقمر.
ثم وجه كلماته إلي غريب قائلاً:
_انت مش بعت لرقية جواب مامتها اللي بتقول فيه ان عزيز بيه يبقي والدها وبعتلها نصيبها في ورثه.. هي لما عرفت تعبت قوي واضطرينا نسافرلها عشان نكون جنبها في الوقت الصعب ده، الصدمة مكنتش سهلة عليها طبعاً وانت عارف.
أدرك غريب مقصدهم فلعن نفسه لعدم انتباهه نتيجة لما كان يمر به من انفطار قلبه وحرقته مما أدي إلي تدهور الأمور بهذا الشكل فقال بسرعة:
_الموضوع حصل فيه سوء تفاهم كبير صدقوني.
ليشرع في قص مالديه عليهم لتتسع عينا قمر و بدر في دهشة كلما استطرد في الحديث.
الخاتمة "ج٢"
أوقفت رقية سيارتها تمسك مابين حاجبيها وهي تشعر بألم شديد برأسها، لقد كان اليوم مزدحماً بالعمل علي غير العادة.. العديد من المعلمين غائبين واضطرت هي للحلول مكانهم، تحتاج فقط إلي حمام دافئ تزيح به عن كاهلها تعب اليوم ثم تستلقي في السرير وتذهب في سُبات عميق تدع تلك اللوحة لتُنهيها بالغد، استقلت المصعد وتوجهت إلي شقتها في الدور الرابع، فتحت الباب ودلفت إلي المنزل، أغلقت الباب تزامناً مع فتحها زر الإضاءة تجمد جسدها بالكامل وصوته يأتي من خلفها منادياً بإسمها، هل تتوهم وجوده للمرة التي لا تحصي عددها أم أن وجوده تلك المرة حقيقة تخشاها، استدارت ببطء تبحث بعينيها عنه حتى استقرت عليه.. طافت عيناها علي ملامحه بلهفة قلب عاشق حتي الثمالة آثم لا محالة، تحاول قدر كل قوة تملكها أن تقتل كل حب بين جنبات فؤادها ولكنها حتي الآن لم تستطع، ربما مع مرور الوقت أما الآن فحبه لم يزل بقلبها حاضراً.
طافت عيناه بملامحها بدوره فزاد من خفقاتها، أدركت إثم مايفعلان فخلت ملامحها وقست عيناها وهي تقول:
_ممكن أعرف دخلت هنا ازاي وعايز ايه؟ لو جاي عشان ترجعلي ثروة بابا اللي رفضتها فحضرتك تعبت نفسك علي الفاضي، أنا مش عايزة أي حاجة .. كفاية قوي اللي شوفته من يوم ماعرفتك.. ممكن بقي تتفضل تمشي، أنا تعبانة ومحتاجة أرتاح.
_أنا مش جاي عشان الفلوس.
صوته يزيد وتيرة خفقاتها ويفقدها ثباتها لتقول بتوتر:
_أمال جاي ليه؟
_وحشتيني.
لم تتوقع كلمته التي أطاحت بمشاعرها، ودت لو ألقت بكل شيء وراءها واستسلمت لمشاعرها التي تطالبها بإلقاء نفسها بين ذراعيه ولكن كيف السبيل إلى ذلك،ذكرت نفسها..لم يعُد حبيبها بل صار أخاها الذي لن تُعده يوماً في وجدانها أخ لذا عليها الابتعاد قدر المستطاع، قست قلبها وهي تقول بسخرية:
_معقول.. غريب باشا المنياوي غفر لي خيانتي.. لأ وجاي يقولي كمان وحشتيني.. اممم.. ايه التنازل ده كله.. معقول حتة جواب يعمل ده كله.. معقول اكتشافه اني أخته لين قلبه بالشكل ده، عموماً مرسيه ياأخويا..شاكرين والله اهتمامك.. اتفضل بقي لو سمحت ارجع مصر وسيبني في حالي.
اقترب منها ببطء فتراجعت خطوة للوراء بتوتر رُغما عنها بينما يقول بصوت أجش:
_بتطرديني يارقية.. جبتي القسوة دي منين؟
_اتعلمت من المُعلم.
_أنا جاي لحد بيتك ومستعد أركع تحت رجليكي وأطلب منك تسامحيني، أنا غلطت غلطة كبيرة في حقك وظلمتك بس حبي ليكي هو اللي عماني وخلاني زي الطور الهايج أول ماشوفت الرسايل والهدايا.
قالت بألم:
_ومفكرتش ليه انها ممكن تكون مؤامرة.. مفكرتش ليه في احتمال اني ممكن أكون بريئة؟ لإنك حاكم عليا من يوم ماعرفتني بإثمي.. فمهما عملت ومهما شوفت مني هفضل في نظرك البنت اللي جت من الشارع عشان تسرق فلوسكم وبس.. مش كدة؟
_لأ مش كدة.. يمكن في البداية كان كدة بس لما عرفتك وعاشرتك وحبيتك اتأكدت من برائتك.. لكن اللي حصل بعدها مكنش قليل.. أي حد مكاني وكان هيشوف الرسايل والهدايا اللي في أوضة نومي كان هيتصرف زي ما انا اتصرفت لو عنده ذرة رجولة ماهو استحالة كنت اتصور انها ممكن تكون مؤامرة متنفذة من أهل بيتي.
_تحية مش كدة؟
هز رأسه فمطت شفتيها قائلة:
_زي ماتوقعت.. واللي وراها كان مراد وأخته.
قطب جبينه قائلاً:
_وعرفتي ازاي؟
_جالي عايز يرتبط بيا وأنا رفضته.
_الكلب الخسيس كان طمعان فيكي.
_وفيك لأخته.. بالمناسبة أخبارك ايه معاها؟ متخليش حاجة بسيطة زي دي تقف مابينكم.
_أنا عمري ماكنت هرتبط بيها بعد خيانتها ليا اول مرة.. وبعدين اللي حب من كل قلبه صعب حد تاني يدخل قلبه ويسكن فيه بعد حبيبته.. ياتري ممكن تلاقي في قلبك ذرة حب تشفعلي عندك وتخليكي تسامحيني يارقية؟
قالت بألم:
_الحب ده حتي القدر وقف ضده ومنعه، يمكن من رحمته بينا رغم كل شيء..كنا هنعمل ايه لو كنا اتجوزنا فعلاً ..مبقاش ليه لزوم الكلام ده دلوقت..أنا عموماً سامحتك،انت مهما كان أخويا فمن فضلك كفاية لحد كدة وامشي دلوقت أنا حقيقي تعبانة و.........
شعرت بدوار وسواد يسحبها قبل أن تسقط أرضاً وآخر ماتسمعه نداءه الملتاع باسمها.
_______
كانت تسبح في فراغ كبير، تشعر بالخوف.. لم تطلب طول حياتها شيء سوى الأمان ولم تشعر به إلا في كنفه.. في غيابه تعلمت أن تتدرع بقوتها وثباتها ورُغم نجاحها إلا أنها مااحتاجت سوى رؤيته لتدرك أن أمانها الكامل في حضرته هو وهو فقط دون غيره.
سحبها صوت حنون يشوبه الحزن من متاهتها، الصوت يصير أكثر وضوحاً.. إنه صوته يقول برجاء:
_سامحيني ياحبيبتي، سامحيني ياأهلي وناسي.. ياكل ماليا..عذبتك وآلمتك كتير، وغلطت في حقك غلطة كبيرة قوي بس وعد مني هصلحها.. وعد مني مكررهاش تاني.. وعد مني تكوني معايا أسعد الناس ياأعز الناس.
فتحت أهدابها ببطء تقول بضعف:
_مبقتش أصدق وعودك ياغريب.. وعدتني قبل كدة وخلفت وعدك.. وعموماً الكلام ده مبقاش ينفع دلوقت.. احنا لازم نبعد عن بعض ،معتقدش اننا ممكن نكون اخوات حتى بعد اللي كان بينا ونعيش مع بعض تحت سقف واحد، الأحسن لينا نفضل زي مااحنا.. كل واحد في مكان ولو علي السماح فأنا قولتلك إني سامحتك.. يبقي تسافر حالاً ومتقربش مني تاني.. أنا اتعذبت كتير ومبقتش قد عذاب أكتر.
أمسك يدها يتطلع إلي عينيها قائلاً بحب:
_مقدرش أبعد عنك يوم واحد.. ساعة واحدة ولا ثانية بعد كدة....
سحبت يدها من يده تقول بعصبية:
_انت اتجننت،قولتلك مبقاش ينفع احنا اخوات.. اخوات ياغريب.. ابعد عني بقي قولتلك كفاية عذاب.
_بس احنا مش اخوات يارقية.
استقامت جالسة تقطب جبينها وهي تردد:
_مش اخوات.. والجواب وكلام المحامي وورثي من بابا الله يرحمه.
_انتِ فعلا بنت عزيز المنياوي....
_انت هتجنني ياغريب لما انا بنته وانت ابنه يبقي مش اخوات ازاي بس؟
_سيبيني أكمل كلامي وانتِ تفهمي.. أنا مش ابن عزيز المنياوي، أنا ابن أخوه والحكاية كلها ابتدت لما بابا مات وجدي غصب علي باباكي يتجوز أمي، كان وقتها متجوز مامتك ثريا في السر وكان ناوي يعلن جوازهم بس حالة والدتي النفسية مكنتش تسمح انه يجاهر بجوازه من مامتك، وقتها مامتك عرفت وطلبت الطلاق، حاول باباكي معاها بس هي صممت علي رأيها وانفصلوا.. الست نعمات بتقولي انه مرجعش لطبيعته أبداً من يوم مافارق مامتك وكأن جزء منه راح بمرواحها، كرس حياته عشاني واعتبرني زي إبنه بس عمره مانسي مامتك ولا لمس أمي.. فضل يحب والدتك لحد آخر لحظة في حياته.
إذاً هو ابن عمها وليس أخاها أيمكن للقلب أن يفرح أكثر؟ ولكن ماذا عن جُرحها؟ رأي الفرحة تختفي من مقلتيها ويحل محلهما الحزن فأدرك أفكارها.. ركع جوار سريرها وأمسك يدها قائلاً:
_انسي الماضي يارقية.. أوعدك أمحيه بذكريات أحلي هنعيشها سوا.. انسي الماضي يارقية وارجعيلي.. أنا من غيرك كنت عايش بالاسم بس ميت من جوايا.. انتِ عارفة اني فضلت أحبك وأشتاقلك رغم سوء ظني بيكي وكأن روحي كانت واثقة في برائتك وقلبي كان متأكد من نقائك لكن عقلي رفض يصدقهم.. فضل الماضي يأثر علي تفكيري وقراراتي..انتِ متعرفيش أنا مريت بإيه قبل ماأعرفك،مريت بأسوأ تجارب ممكن يعيشها راجل، بس صدقيني أنا مجيتش هنا غير لما دفنت الماضي تحت سابع أرض.. مجيتش هنا غير وأنا واثق اني هقدر أسعدك واعوضك عن كل لحظة ألم عشتيها.. ارجعيلي لو لسة حقيقي بتحبيني.
تطلعت إلي مقلتيه الصادقتين المتوسلتين من خلال عيون اغرورقت بالدموع، كل ذرة في كيانها تطالبها بالعودة إليه وعقلها يخط أمامها عذاب الشهور الماضية، ليتغلب الحب علي العذاب وتحل المغفرة فتمحو الذنب ويغزو الأمل جدران اليأس فيهدمها.. لتجد نفسها في النهاية تهز رأسها ببطء فشعت السعادة بمقلتي غريب وكاد أن يغمرها فأوقفته قائلة بحزم:
_احنا متطلقين علي فكرة.
_يبقي مستنية إيه؟ يلا بينا علي المأذون.
_دلوقت وهنا.
_مش هقدر أستني لما ننزل مصر ولا هقدر أستني للصبح.
ترددت للحظة قبل ان يحسم شوقها إليه ورغبتها في ان تعود لتحمل لقبه وتصير في كنفه قرارها لتهز رأسها وتمنحه موافقتها.
______
تأخر الوقت كثيراً، هي بداخل حجرة العمليات منذ فترة، ماالذي يؤخرهم هكذا؟ قلبه يكاد ينفجر من فرط خوفه وقلقه عليها.. أغمض عينيه يستحضر طيفها، يخبرها أن تتمسك بالحياة لأجله، قمره_ جوهرته النادرة_ التي يحمد الله عليها في كل وقت، من منحت لحياته معني وجعلت لوجوده قيمة، لن ينسى أبداً وجهها هذا الصباح وهي تبتسم حين وجدته قلقاً ينكسر كل شيء يمسكه بيده، وحين حدجها بنظرة حانقة اقتربت منه وأمسكت بيديه تجلسه علي الأريكة وتتموضع بحضنه ثم تضع يده علي بطنها المنتفخة للحظات قبل أن تقول بصوتها الدافئ:
_مش عايزاك تخاف ولا تقلق طول ماأنا جوة أوضة العمليات، ربنا ماجمعناش بعد ده كله عشان يفرقنا، عايزاك أول ماتحس بالقلق تغمض عنيك وتفتكرني.. تفتكرني وأنا ببوسك هنا.
قبلت باطن كفه.
_وهنا.
قبلت وجنته ثم أنفه وجبهته قبل أن تمسك وجهه بكلتا يديها وتتطلع إليه بحب قائلة:
_عايزاك تفتكر حبي ليك اللي هيديني القوة ويخليني أرجعلك وفي حضني ابننا.. هديتي ليك وهديتك ليا ياحبيبي.
غمرها بقوة تلك المشاعر التي تضخمت في قلبه فنحت كل قلق وأزاحت كل خوف وها هي الآن تعود فتنحي كل قلق وتبعد كل خوف ليفتح عيناه علي مصراعيهما وصوت طفله يصل إليه بينما تخرج الممرضة وتبشره هو ووالدتها، تخبرهما أن الأم والطفل بخير، اغرورقت عيناه بالدموع وابتسامة رضا امتزجت بحب تعتلي ثغره وهو يردد بامتنان:
_اللهم لك ألف حمد وشكر.
_______
الشيطان غالباً ماينتصر علي ضعاف النفوس، في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً، تراهم أحياء ولكنهم في الحقيقة ميتون.
_معقول.. نفين.. انتِ فين يابنتي؟ وأخبارك إيه ؟ من يوم مااتجوزتي سعيد وانتِ اختفيتي.. أكيد مش فاضيالنا وعمالة تتنططي معاه من بلد لبلد.
ابتسمت نفين قائلة:
_أكيد بس وحشتوني فصممت آجي النهاردة وأشوفكم، أخبارك إيه وأخبار الشلة كلها؟
_عمرو طلق رودي..تخيلي؟
_معقول.. بعد قصة الحب اللي كانت مابينهم.
_طلع خاين وكمان بيضربها.
رفعت نفين يدها تتحسس شعرها الذي وارت به جانب وجنتها وحين تأكدت من وجوده قالت بارتباك:
_عمرو بيضربها؟ معقول؟
_أنا كمان مكنتش مصدقة، معقول رودي اللي رفضت تتجوز نص الشلة تقع في واحد بالشكل ده.. هي حاولت تداري في البداية بس حاجة زي دي مستحيل تستخبى، كريم شمتان فيها و بيقول تستاهل بس أنا صعبانة عليا قوي..
نهضت نفين تأخذ حقيبتها فقطبت سوزان جبينها قائلة:
_انتِ رايحة فين؟
_افتكرت ميعاد مهم قوى هشوفك بعدين.. سلام.
غادرت نفين علي عجلة وسط حيرة صديقتها بينما اتجهت الأولي إلي سيارتها الفاخرة ودلفت إليها تأخذ نفساً عميقاً تحاول به تهدئة انفعالها فلم تستطع لتضرب المقود بغضب ضربات متتالية قبل أن تنهمر دموعها بغزارة وهي تنتحب قائلة:
_مبسوطة دلوقتي ياست نفين؟ بكرة يقولوا عنك اللي قالوه عن رودي وبكرة يشمتوا فيكي ويصّعبوا عليكي، تستاهلي فعلاً.. انتِ اللي جيبتيه لنفسك.. جريتي ورا الفلوس وكانت كل همك.. عملتلك ايه الفلوس دلوقت مع واحد زي الحيوان اللي اتجوزتيه.. مين دلوقت هينجدك منه؟ أخوكي اللي أول ماباعك وقبض التمن سافر برة وقفل تليفونه؟ ولا قرايب مامتك اللي كانوا طمعانين فيكوا وأول ماعرفوا انها قضية خسرانة قاطعوكي.. هتروحي فين دلوقت يانفين؟ هترجعيله يضربك ويعذبك ويعاملك أسوأ معاملة ممكن حد يعاملهالك ولا هتهربي؟ وتهربي تروحي علي فين وانتِ متملكيش حتي العربية اللي انتِ راكباها دي؟ شوفتي آخرتها ايه يانفين؟
رن هاتفها فتطلعت إلي شاشته، إنه هو.. ارتعدت أوصالها تدرك أنه اكتشف رحيلها دون اذنه، سيحطم عظامها بكل تأكيد.. ماالذي ستفعله الآن؟إلي أين المفر؟ ظلت علي هذا الحال بضع لحظات قبل أن تلتمع عيناها و تقود سيارتها متجهة إلي الطريق الدولي بسرعة جنونية لا تبغي سوى موت محتوم يخلصها من عذابها التي باتت تعيشه في كل ثانية.
_______
بعض النفوس حين تُخطئ وينجيها الله لا تتعظ بل تتمادى وتظن أنها ستفلت بأفعالها في كل مرة.. الخطأ يُغفر بعد توبة ولكن حين تُصر عليه فلا تنتظر سوى نهاية عادلة وعقاب لكل اثم اقترفته ليصيبك الندم وقت لا يفيد الندم.
قالت تحية :
_أنا مش عارفة أقولك ايه ياست نعمات ومش عارفة أرد جمايلك عليا ازاي؟ لولاكي ولولا سؤالك وودك علي ولادي كانوا هيضيعوا.
قالت نعمات بطيبة:
_متقوليش كدة ياتحية، ولادك بقوا ولادي.. ربنا يحميهم ويبارك فيهم.
أطرقت تحية برأسها قائلة بحزن:
_من ساعة مادخلت السجن ودي بقت دعوتي في كل صلاة، ربنا يحميهم ويبعد عنهم شر نفسهم، وبدعي ربنا ليل ونهار ميبقوش زيي، حذرتيني كتير ياست نعمات ومسمعتش كلامك ودي النهاية، محبوسة بين أربع حيطان ومحرومة من ولادي.. خايفة عليهم قوي ياست نعمات.
_متخافيش عليهم، طول ماانا جنبهم يابنتي.
رفعت رأسها تتطلع إليها بامتنان قائلة:
_تعرفي ياست نعمات لما وقعت في الأزمة دي بعد ماسرقت الناس اللي اشتغلت عندهم بعدكم وعرفت انه عقاب ربنا لاني متعظتش وفضلت ماشية في السكة الشمال، مخوفتش علي نفسي قد ماخفت علي ولادي من بعدي، هيروحوا فين ومين هياخد باله منهم، ورغم ان أهل أبوهم موجودين بس خوفت يكرهوهم فيا، مخطرش في بالي غيرك انتِ، عقلي رفض اني أكلمك وقالي أكيد هترفض بعد كل اللي عملته معاكي بس قلبي قالي كلميها، الست دي فيها من الطيبة اللي يخليكي تآمني علي ولادك معاها وتبقي مطمنة.. كلميها يمكن توافق وتنقذك.. ووافقتي، وافقتي رغم كل شيء، وافقتي وريحتي قلبي ربنا يريح قلبك ويسعدك دنيا وآخرة زي ماريحتيني وفرحتيني.
_يابنتي اللي بيفرج هم الناس قليلة الحيلة ويقف معاهم ربنا بيفرج همه وانتِ مهما كان ولية مكسورة الجناح، أنا مش عايزاكي تشيلي هم ياتحية من هنا لحد ماتخرجي من المكان ده.. وفوقي لنفسك عشان خاطر عيالك.
_أخبارهم إيه؟ بيسألوا عليا؟
_كل يوم.
_لسة بتقوليلهم مسافرة؟
هزت نعمات رأسها فأردفت بحزن:
_بكرة يكبروا ويعرفوا الحقيقة.
_سيبك من بكرة وركزي في النهاردة، عافري عشان تخرجي بسرعة وتعوضيهم اللي فات بطيب سلوكك وحنيتك والتزامك.. ربنا بيغفر وبيسامح وولادك مسيرهم يسامحوا لو شافوا منك توبة بجد.
_والله العظيم تُبت وبستغفره علي ذنوبي ليل ونهار.
_وربنا غفور رحيم..قادر يسامحك ويخلي ولادك يسامحوكي.
_يارب ياست نعمات.. يارب.
_____
نرفض أوامر الكبار، نعترض علي تصرفاتهم ونحتج بقوة، نقسم أن لا نسير علي نفس الخطى حين نكبر حتي نكبر فنجدنا نسير علي نهجهم، نقلد تصرفاتهم، من يتطلع إلينا يجدنا نسخة مصغرة مما اعترضنا عليهم يوماً، نخشى أن يكون مصيرنا كمصيرهم، نحاول الهرب قدر مانستطيع، نبذل قصارى جهدنا لتبديل النهاية ولكننا في آخر الأمر نجد أنها محتومة فإن صرنا مثلهم فالنهاية ستكون واحدة لا محالة.
خرج مراد مترنحاً من هذا النادى الليلي، قد أفرغ خيبته وغضبه في معاقرة الخمر بعد أن خسر جلّ ماله في اللعب هذه الليلة، توقف يخرج علبة سجائره ويخرج واحدة يشعلها بعد محاولات عديدة، يأخذ نفساً عميقاً منها ويطلقه، يتطلع إلي الدخان المتصاعد يفكر في حياته التي تشبه هذا الدخان، من عدم إلي عدم، تؤذى أقرب الناس إليها بل تؤذى كل من حولها لا تساوى شيء ولن تساوى مهما فعل.
تذكر أباه في تلك اللحظة، تمثل أمامه يتطلع إليه بنظرة ساخرة.. يقول بشماتة:
_تشبهني كثيراً.. ألم أخبرك من قبل فكذبتني.
_لا.. لم أشبهك ولن أشبهك أبداً.
_إنك تشبهني حد التماثل، انظر إلي نفسك.. تقامر وتشرب الخمر وتبيع دمك ولحمك من أجل روحك العفنة....
_اصمت.. لا أريد منك حديثاً.. لا تُزد من عذابي.. يكفيك مافعلته بي طوال السنوات المنصرمة.. أوذيت بما يكفي.. ارحل وإلا قتلتك.
_كيف تقتلني وقد مت من قبل.. اقتل حالك إن استطعت ولكنك أجبن من أن تفعل.
اتجه إليه يقطع الطريق وعقله يصرخ بقوة وغضب:
_أخبرتك أن تصمت أيها الحقير وإلا........
انتبه علي صوت زمور سيارة وحين التفت تجاهه رآها تتجه إليه بسرعة فرفع كفيه أمام وجهه وقد أدرك حتمية اصطدامها به واستحالة مفاداتها، كانت صدمة قوية ارتفع بسببها فوق الأرض ثم سقط أرضاً مدرجاً بالدماء وسط صرخات بعض المارة الذين رأوا الحادث وتجمهروا حول جثة هذا الشخص المجهول يمسكون بصاحب السيارة الذي ظل يقسم أنه لم يرى هذا الرجل وأنه ظهر أمامه من العدم.
______
_شوفت آخرتها يافؤاد، شوفت غريب عمل فيا إيه؟ أديني اطردت من المدرسة وبقيت لا شغلة ولا مشغلة.
_أنا قولتلك بلاش تلعب مع الراجل ده بس انت مسمعتش الكلام، أهو دور في ماضيك وجاب كل حاجة تدينك ودي النهاية..قاعد تندب حظك وتندم بس بعد فوات الأوان.
_انت شمتان فيا ؟
_وهشمت فيك ليه ياعبيط انت؟أنا بس بفكرك اني حذرتك وانت مسمعتش كلامي.
_طب والعمل؟ أنا قربت أفلس.
_شوفلك أي شغلانة ان شا الله تبيع مناديل في الإشارة لحد ماربك يفرجها ونشوفلك عقد عمل برة يظبطلك الدنيا البايظة دي.
اتسعت عينا صلاح بصدمة قائلاً:
_أنا علي الآخر الزمن أبيع مناديل في الإشارة.. بقي دي نهايتها.. لأ طبعاً مستحيل.. بقولك ايه يافؤاد ماتسلفني لحد ماألاقي شغل كويس.
_منين؟ماانت عارف البير وغطاه..أقولك..افتكرت حاجة ممكن تفيدك وتظبطلك الدنيا.
_ايه هي؟لايمني عليها الله يخليك.
_الست عزيزة، جدة محمود عتمان اللي كانت عايزاك تديله درس فرنساوي برايفت وانت مرضيتش.
_مكنش عندي وقت.. دلوقت عندي كتير.. كلمتك أديله تاني؟
_لأ كلمتني علي عريس..ايه رأيك تكون انت العريس ده؟
قطب جبينه قائلاً:
_عريس لمين؟ هي مش بنتها ماتت.
_ليها هي.
اتسعت عينا صلاح بصدمة:
_انت بتقول ايه ياحيوان انت.. انا اتجوز الحيزبونة دي.. مستحيل ولو دفعتلي كل فلوس الدنيا، أنا قايم ماشي قبل ماأتهور وأخسرك انت كمان.
رحل غاضباً بينما يقول صديقه بسخرية:
_قوم واعمل الشويتين بتوعك دول، كلها يومين وفلوسك تخلص زي ماقولت وهلاقيك جاي تترجاني أكلمهالك، دنيا فانية بجد وسبحان مغير الأحوال.
______
التف الجميع حول الطاولة التي تحمل كعكة عيد الميلاد لهذه الطفلة الجميلة والتي تشبه أمها حد التماثل، تأملت رقية الجميع.. أهل والدتها الذين حضروا خصيصاً من البلدة لحضور حفل عيد ميلاد ابنتها، صديقتها قمر التي وقفت تداعب طفلها وإلى جوارها زوجها الذي يتأملها بحب، لتستقر عينها على غريب الذي مال يشعل شموع الكعكة ثم يقبل رأس طفلته وحين استقام نظر إليها بعشق وظلل ثغره ابتسامة لا يمنحها لسواها يجدد بمقلتيه وعده لها بالسعادة ضمن وعود أخري تثق بكل يقينها أنه سيفي بوعوده جميعها فمنذ عودتها إليه وماوعدها بوعد حتي وفي به لتكون في النهاية أسعد امرأة علي وجه الأرض.
__تمت بحمد الله__