رواية أوار جنية الظلام الفصل الخامس عشر15 بقلم ندي محمود توفيق

رواية أوار جنية الظلام الفصل الخامس عشر15 بقلم ندي محمود توفيق
قضى وقتًا طويلًا يفسر كل كلمة وكل حرف فيها دون جدوى بينما " أوار " كانت تقف تتابعه دون أن يراها وهي تبتسم بشيطانية ظنًا منها أنه لن يكتشف السر مهما حاول، لكن فجأة ظهرت علامات الفزع والرعب على محياها عندما رأت فارس جرح أصبعه دون قصد وهو يلتقط سكين كان موضوعة فوق طبق من الفاكهة ويقطع ثمرة تفاح فجرح أصبعه.
ترك فارس السكين من يده بسرعة متالمًا ومال بجزعه للأمام ليلتقط منديل ورقي يضعه على جرحه الذي بدأ في النزيف لكن دون قصد سقطت نقطة دم على البردية، فنظر لها مزعورًا وبينما كان على وشك أو يقوم بمسح الدماء بسرعة قبل أن تفسد البردية تصلبت يده في الهواء واتسعت عيناه بذهول وصدمة وهو يرى البريدية تمتص الدماء وتظهر كلمات جديدة لم تكن مكتوبة من قبل، عيناه ظلت تراقب المخطوطة وذلك السحر الذي يحدث أمام عينيه وهو يبتسم بخبث وسعادة.
بدأ في قراءة الرموز الهيروغليفية الجديدة بصوت خافت :
_قام الملك بلعن عشقيته أوار بعد قتلها وأصبحت روحها ملازمة لجسده داخل مقبرته، روحها المتعطشة للشر أن تحررت من سجنها لن ترحم أحد ، فقط دماء من نسلي تستطيع فتح مقبرتي ولن يتمكن من التخلص من شر روحها الملعونة وحبسها في المقبرة مجددًا إلا نفس الدماء ، إعادة البردية لمكانها هو سر التخلص منها 
لمعت عيني فارس بالقوة معلنة عن بداية نصره الحقيقي، أما أوار فكانت تراقبه وهي تشتعل بنيران الغضب وتحولت لهيئة مرعبة بإمكانها أن تقذف الرعب في قلوب أي بشر، وفجأة انطفأت الاضواء وعم الظلام في أجواء الغرفة ، فتلفت فارس حوله مبتسمًا دون خوف وراح يحدثها بخبث:
_وصلنا للنهاية خلاص ، وهتكون نهايتك على أيدي زي ما وعدتك
وصله صوتها المرعب الذي لما يشبه أي صوت سمعه منها من قبل وهي تهدده:
_أن حاولت دخول المقبرة أعدك بأنك لن ترى زوجتك الحبيبة مرة أخرى يافارس ، قد لا استطيع أذيتك لكن استطيع أذية كل أحبابك
أنهت عباراتها واشتعل من العدم إضاءة شموع ضعيفة أظهرت له وجهها وهيئتها التي جعلت عينيه تتسع بارتيعاد وتصلب مكانه، عندما سمعها تكمل بابتسامة كانت كفيلة لقذف الرعب في أوصاله لأول مرة:
_أنت أيضًا لن تخرج معي وستكون نهايتك داخل المقبرة مثلي ، ستموت وتتعفن داخلها دون أن يشعر بك أحد
استعاد قوته وصلابة جأشه ورد عليها بابتسامة كلها ثقة ونصر:
_المقبرة دي نهايتك أنتي مش أنا ، هترجعي لسجنك وأنا هرجع لحياتي 
انطلقت منها ضحكة شيطانية مرتفعة كلها سخرية وراحت تحدق في فارس بأسف وتقول بمكر:
_يبدو أنك لما تقرأ السطور الأخيرة في المخطوطة ، كم أنت مسكين يافارس 
تلاشت ابتسامة فارس تدريجيًا ولاحت نظرات القلق في عينيه عندما رأى تلك الثقة التي تحدثه بها، وراح فورًا يلتقط البردية ويقرأ الكلمات من جديد فوجد أن هناك سطور أخرى ظهرت لم يقرأها ومعناها بالعربية ( لكن من وصلت تلك البردية ليديه وتعرف على سر مقبرتي ولعنتها ، كُتب عليه الهلاك مع تلك الروح الشريرة، من يدخل مقبرتي لن يخرج منها مجددًا، أنت الآن أمام اختيارين إما أن تعيش حياتك معذب بشر أوار أو أن تخسر روحك فداء لأنقاذ العالم من لعنتها )
احتلت الصدمة تعابير وجهه وراح ينظر لها مدوهشًا فهتفت هي بشر :
_لقد خرجت حيًا المرة السابقة لأنني كنت أحتاجك وأنا اخرجتك لكن هذه المرة لن يخرجك أحد
أنهت كلماتها واختفت من أمامه وعادت إضاءة الغرفة كما كانت فجلس هو على مقعده يحدق في الفراغ مذهولًا.. يحاول استيعاب ما قرأه للتو.. كأنه يقف على مفترق طرق أحدهم يؤدي إلى عذاب ابدي والآخر يؤدي إلى الجحيم، وما عليه الآن سوى اختيار إما أن يترك تلك اللعنة تسلب منه كل احبائه أو يضحي بنفسه من أجلهم.
                                     *** 
داخل المستشفى تحديدًا في إحدى العنابر الخاصة بالمرضى كان ماهر ممد بجسده على فراش وقدمه ملتفة بشاش طبي بعد إن قام الأطباء بتضميدها وتجبيسها جراء الكسر الذي تعرض له أثناء الحادث، وكانن تجلس بجواره على مقعد صغير سمر وهي تتطلعه باهتمام وقلق، التف ماهر برأسه نحوها بعدما انتهي الطبيب من فحصه وانصرف وراح يتمعن في وجهها الممتلئ بالجروح والخدوش البسيطة جراء الاصطدام .. وبأعلى جبهتها يوجد جرح عميق فقام الأطباء بوضع لاصق طبي عليه بعدما انتهوا من تضميده وتعقيمه.
مد كف يده والتقط كفها يحتضنه بين كفه بنظرة كلها حنو واهتمام وهو يسألها:
_حاسة بألم أو أي حاجة ياسمر ، أنتي كويسة طمنيني ؟ 
ابتسمت له بحب وقالت في رقة ممتزجة باضطرابها:
_أنا كويسة الحمدلله ياماهر والله متقلقش دي جروح بسيطة مفيهاش حاجة ، أنت الأهم رجلك حاسس بألم لسا فيها 
تمتم بهدوء وصوت رجولي رخيم:
_لا المسكن اللي ادهوني الدكتور ريحني وهدي الألم
رددت بصوت خافت مسموع ( الحمدلله ) ثم نظرت له بحيرة وتعبيرات وجه جدية كلها خوف وتعجب:
_ أنت إي اللي خلاك تميل بالعربية فجأة ياماهر ومكنش في أي حاجة قدامنا 
أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه زفيرًا متهملًا عندما تذكر تلك المرأة العجوز المرعبة التي ظهرت من العدم في منتصف الطريق أمامه فجأة وهي تنظر له بوجه خالي من التعبيرات وبشرة شاحبة أشبه ببشرة جثة هامدة فرت الدماء منها، وكردة فعل لا إرادية انحرف بالسيارة عن الطريق حتى يتفادها وبتلك اللحظة تعرضوا للحادث.
كانت سمر تتمعنه بتركيز منتظرة تفسيره وأجابته لكنه شرد في لحظة تذكره للحادث وتلك العجوز التي لا يوجد لها تفسير سوى أنها " أوار " ، هذا اسوء سيناريو قد يتخيله أن ينال سمر من الأذى نصيب، فاق من محيط مخاوفه على صوتها وهي تهتف:
_ماهر أنت سرحت في إيه .. أنا بكلمك؟
التفت لها وابتسم بود وقال في رزانة مخترعًا كذبة حتى لا يفزعها بالحقيقة ويزيد من وضع الأمر سوءًا بالنسبة لها:
_مش عارف يا سمر بس الدركسيون فلت مرة واحدة ومعرفتش اسيطر عليه، الحمدلله أنها جات على قد كدا
تنهدت الصعداء وهزت رأسها بتفهم بينما هو فمد كفه والتقط كفها وراح ينظر في عينيها بندم وأسف وتمتم بانزعاج:
_مكنتش هسامح نفسي أبدًا لو حصلك حاجة واتأذيتي بسببي ، سامحيني أنا آسف.. من وقت ما مشيتي معايا في الطريق ده والأذى ملاحقك ، أنا السبب مكنش ينفع اخليكي تيجي معايا هنا أو ادخلك في كل ده 
مال ثغرها معبرة عن بسمة رقيقة ونظرة كلها غرام ثم رفعت كفها الثاني واحتضنت به كفه الممسك بكفها بين كفيها وهمست:
_أنا اللي اخترت اكون معاك ياماهر لأني كنت عايزة كدا ومهما حصل ومهما يحصل عمري ما هندم على القرار ده، فمتتأسفش صدقني رغم كل حاجة أنا مبسوطة بوجودي معاك، سبق وقولتلك وهقولها تاني.. أنت دلوقتي مبقتش مجرد صديق عادي بقيت كل حاجة بنسبالي وبعد خالو مش فاضلي غيرك
لمعت عينيه بوميض السعادة الغامرة الممتزجة بالعشق، وهو لا يفهم هل ينبغي له أن يأخذ تلك العبارات كاعتراف صريح بالحب أم ماذا ؟.. لكنه لن يمهل نفسه التفكير في الخطوة القادمة وسيتبع ما يحسه عليه قلبه، وبلحظة كان يعتدل في نومته ويصبح نصف جالسًا ثم تأمل في تعبيرات وجهها بهيام ورفع أنامله لخصلات شعرها يمسح عليها بحنو نزولًا إلى وجهها ثم خرج صوت خافتًا يحمل من بحة الغرام ما يذيب القلوب:
_سمر أنا بـحـبك 
فغرت عيناها وشفتيها بصدمة على أثر وقع تلك الجملة الغير متوقعة، واستحوذ عليها الذهول للحظات وهي تتمعنه بصمت ترى نظراته المفعمة بالهوي وهو يتبسم لها ويهز رأسه مؤكدًا اعترافه، فاجفلت نظراتها عنها بسرعة في استحياء شديد واطرقت رأسها أرضًا فسمعته يسألها بلهفة ودفء:
_مش هتقولي حاجة؟
فهمت ما يرمي إليه بسؤاله فاتسعت ابتسامتها بخجل أكثر وهمست بصوت ناعم بالكاد يسمع مجيبة:
_واللي قولته من شوية ده مش كفاية
ضحك بخفة وهو يهز رأسه بالنفي في خبث ثم بسط ذراعه أمامه ولفه حول كتفيها ثم ضمها لصدره في دفء مجيبًا:
_لا مش كفاية بس هعتبرها حاجة شبهها وهكتفي بيها دلوقتي مؤقتًا
ابتسمت بين ذراعيه في خجل شديد ونظرات تغمرها فرحة العشق، بينما هو فأخذ يمسح على شعرها بحنو وابتسامته السعيدة تعلو ثغره باتساع....
                                        *** 
عودة لفارس....
خرج من غرفة المكتب وقاد خطواته البطيئة تجاه غرفة زوجته، لم يكن ذاهبًا ليطمئن عليها بل لتودعيها.. فربما سيكون هذا اللقاء هو الأخير بينهم.
وقف أمام باب غرفتها ثم أخذ نفسًا عميقًا و تمالك أعصابه وعبراته قبل أن ينهار باكيًا، فـ لا ينبغي له أن يظهر لها أي شيء، سيكون وداع صامت وغامض.. لن يعذبهم بحقيقة عدم عودته وموته المحتوم داخل تلك المقبرة الملعونة.
مد يده أخيرًا إلى مقبض الباب بعد وقت طويل من الاستعداد لذلك الوداع المؤلم وفتح الباب ودخل وهو يبحث بنظره عنها حتى تسمر بأرضه في ذهول وهو يحدق بزوجته التي وجدها تقف بالشرفة فوق السور وتنظر له بشيطانية مبتسمة في خبث، تسارعت أنفاسه ونبضات قلبه وبثانية كان يهم بالركض نحوها حتى يلحق بها قبل أن تسقط لكن هناك قوى خفية ربطت قدميه بالأرض فأصبح متصلبًا مكانه لا يتستطيع الحركة، فراح يصرخ بها في هلع:
_لــيــلــى بتعملي إيه انزلــي
ابتسمت له بشر وقالت بصوتها لكن لا الكلمات ولا النظرات لها، فقد كانت مسلوبة بسحر ولعنة " أوار " التي وصلت لذروة تمكنها منها:
_دي النهاية يا فارس زي ما قولت.. والنهاية يا هتكون بموتك أو موتي مفيش خيار تالت لازم واحد فينا يعيش والتاني يموت ، اختار أنت 
رغم معرفته بأن تلك الكلمات عائدة لـ " أوار " لكن كونه يسمعها من زوجته كان وقعها على نفسه أصعب من حقيقة موته داخل المقبرة، فتمالك أعصابه وتجاهل الرد عليها ومناقشتها بل راح يخاطب زوجته المغيبة محاولًا إعادتها للواقع:
_ليلى ابوس إيدك فوقي ياحبيبتي فوقي متسمحلهاش تسيطر عليكي أنا خلاص عرفت السر وهنهيها للأبد، انزلي عشان خاطري انزلي
إجابته بقسوة وغضب وهي تلقي تهديداته الصريحة:
_سلم روحك وإلا هرمي نفسي من هنا
حاول الحركة من مكانه لكنه مازال متصلبًا بأرضه ولم يكن تهديدها له عبث بل وجدها تميل بظهرها للخلف تنوي أن تلقي بجسدها فصرخ في فزع وهو يرتجف ويقول:
_لاااا ، اوعي يا ليلى .. خلاص هعمل اللي هي عايزاه انزلي 
ارتفعت ابتسامة النصر فوق شفتيها وراحت تتطلعه بشيطانية ثم ألقت أمامه سكين تحمل نقوش فرعونية وأشارت له بنظراتها أن يقوم بالتنفيذ، فراح ينقل نظره بينها وبين السكين بتردد يفكر في طريقة لخداعها حتى ينقذ زوجته ونفسه، فأذن له يسمع همس أوار في أذنه تقول بشر:
_مصير زوجتك بين يدي أن لم تنفذ ما أريد ستشهد على موتها أمام عينيك ، هيا نفذ فلم يتبقى أمامك الكثير من الوقت
مد يد المرتجفة للسكين بعدما لم يجد أمامه حل سوى التصرف كأنه خضع لها، التقطها من الأرض وتمعن بها فوجدها نفس السكين التي جرحته بها ليلى وقام بحرقها، تلألأت الدموع في عينيه ورفع السكين لرقبته ثم ثبت نظراته على نظرات " ليلى " يحدثها بلغة العيون وعيناه تذرف الدموع دون توقف، عيناه كانت تعرض كل لحظاتهم الغرامية معًا كأنها شريط سينما تتحدث عن مدى حبه له وشعوره بالقهر والعجز وهو يراها تقف تحمل حياتها بين يديها بأقل حركة ستفقد روحها للأبد.
فبدأ في قراءة بعض آيات القرآن والأدعية دون أن يحيد بنظره عنها وكانت أوار بدورها بدأت تنزعج وتثور من همهماته باسم الله وكلماته، أما ليلى فقد بدأ تأثير أواخر يضعف عليها و بلحظة قذف في ذهنها ذلك الكابوس الذي رأته منذ مدة والآن هاهو يتحقق بالضبط، حدقت في فارس ونظراته له ودموعه وتلك السكين التي فوق رقبته فصرخت بفزع وقد فاقت تمامًا وتحررت من السحر ونزلت من فوق السور وتهتف :
_لا يافارس 
ابتسم بسعادة غامرة وانزل السكين من على رقبته فورًا وقد لمعت عيناه بالأمل مجددًا، أما ليلى فقد هرولت نحوه وارتمت بين ذراعيه وهي في حالة انهيار عصبي تبكي بحرقة وترتجف بين يديه، بينما هو فكانت عبراته تسقط ويبكي معها كالطفل الصغير وهو يوزع قبلاته على شعرها في ارتيعاد وفزع، راحت تهتف ليلى بين بكائها الهستيري:
_أنا ازاي كنت هخليك تعمل كدا في نفسك ، كنت هعيش من بعدك ازاي ، سامحني يافارس أنا مكنتش في وعي 
أبعدها عنه برفق وراح يحدق في تعابير وجهها بعيناه الدامعة أخذ يتأمل ملامحها كأنه يحفظها في عقله لآخر مرة فربما تكون الأخيرة حقًا ، حاوط وجهها يكفيه ثم تمتم في صوت مبحوح:
_أنا اللي المفروض اطلب السماح، أنا السبب في كل اللي احنا فيه ده.. أنا اللي فتحت بوابة جهنم دي.. أنا السبب ، بس خلاص الليلة هي الأخيرة أنا وصلت للسر وهروح الليلة دي وهنهي اللعنة دي للأبد 
تلألأت عيناها بوميض الحماس والفرح وهتفت له وهي تحسه على النهوض:
_بجد يافارس.. الحمدلله ، طيب ومستني إيه يلا بينا نروح حاليا
ظهرت ابتسامته الحزينة وهتف في ثبات يحمل خلفه انهيار عظيم:
_أنا هروح وحدي يا ليلى مينفعش تيجي معايا 
اختفت بسمتها ورمقته باندهاش ثم هتفت بغضب معترضة:
_وأنا مش هسيبك تروح وحدك مستحيل.. هاجي معاك 
مسح على وجنتيها بحنو وقال في صوت يحمل بحة القهر:
_مقدرش اخدك صدقيني في خطر عليكي ، أنا عايزك بس توعديني بكام حاجة قبل ما امشي 
تطلعت له باستغراب فوجدته يكمل وقد امتلأت عينيه بالدموع وبدأت الكلمات تخرج بصعوبة من بين شفتيه من فرط حزنه وهو يلقي عليها وصياته:
_اوعديني أنك تكملي الحلم اللي كنتي بتسعيله ومتوقفيش لغاية ما توصلي ، وكمان حافظي على تواصلك مع بابا وماما أنتي عارفة أنهم بيعتبروكي بنتهم وهيكونوا سند ليكي 
تسارعت أنفاسها بارتيعاد من كلماته المريبة وهتفت بعدم فهم :
_ أنت بتقولي الكلام ده ليه، أنت راجع تاني يافارس مش هتسيبني ويكونوا سند ليا ليه وأنت موجود معايا
سالت دموعه فوق وجنتيه وقال في أمل يحاول إبعاثه في نفسها ليطمئنها رغم انعدامه لديه:
_أن شاء الله هرجع ، أنا بقولك الكلام ده لأن الاحتمال ده موجود للأسف 
نظرت له بثقة وشجاعة قوية رغم انهيارها ودموعها التي تنهمر بصمت وقالت:
_فارس لو فيها رجعة نبقى هنرجع مع بعض ولو مفيهاش نبقى برضوا هنكون مع بعض ، أنا طول الفترة اللي فاتت كنت بسمع كلامك وبنفذ اللي أنت عايزه بس المرة دي لو على جثتي مش هسيبك تروح المكان ده وحدك ، لو فيها موت يبقى هنموت مع بعض 
أجابها فارس بحزم وهو يرفض رفض قاطع :
_المرة دي غير أي مرة فاتت ، لازم انهي اللعنة وحدي مينفعش تكوني معايا مستحيل اخدك معايا للموت ب ايديا
بتلك اللحظة كان ماهر وسمر وصلوا للمنزل حتى أنهم وصلوا للغرفة وكانوا يقفون أمام الباب فلمحتهم ليلى وشهقت بفزع عندما رأت وضعهم ، التفت فارس بدوره ينظر له لضيق عينيه بصدمة واقترب منهم يسأل بقلق:
_إيه اللي حصل مالك ياماهر 
اجاب ماهر بهدوء مبتسمًا بعدما تقدم نحو أحد المقاعد وهو ممسك بعكازه يستند عليه ويتحرك به:
_مغيش حاجة حادث بسيط الحمدلله وعدي على خير 
انفعل فارس من هدوء الأعصاب الذي يتحدث به أخيه وهتف:
_يعني إيه حادث بسيط ، أنت رجلك مكسورة وتقول بسيط ازاي متتصلش بيا
قال ماهر في نظرات ذات مغزى يرسلها لأخيه ليفهم معناها:
_ملوش لزمة يافارس هي كانت محاولات وباتت بالفشل 
سكن فارس وارتخت عضلات وجهه ليظهر محلها اليأس والخنق، منذ قليل كان سيفقد زوجته والآن يكتشف أنها حاولت قتل أخيه أيضّا، جلس على اقرب مقعد أمامه ودفن رأسه بين كفيه وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة من فرط شعوره بالخنق، فمازال نفسه مذبذبة ولم يتخطي ذلك المشهد المرعب الذي حدث من قليل عندما ليلى حاولت قتل نفسها ، فلم يلبث ليستوعب حقيقة أن دخوله للمقبرة سيكون موته حتى شهد على محاولة انتحار زوجته نهاية بحادث أخيه.
رفع رأسه عندما شعر بكف ليلى وهو يمسح على شعره وتهمس بالقرب من أذنه في قوة تمده به:
_كل ده هينتهي الليلة دي ياحبيبي ، بس لازم نتحرك من غير تأخير ، لأن كل وقت بتاخده وهي حرة قوتها بتزيد اكتر 
هب فارس واقفًا ثم ضم ليلى لصدره يحتضنها بحنو ثم ابتعد عنها وأشار لأخيه بأنه يريد التحدث معه فاستقام ماهر واقفًا وغادر الغرفة مع فارس بمساعدته ليجد فارس يتحدث بجدية :
_انا عرفت السر ياماهر المقبرة هتفتح بدمي ولازم ارجع البردية مكانها عشان أوار تتحبس من تاني 
لمعت عيني ماهر بفرحة وقال في تعجب:
_ازاي اكتشفت السر 
هتف فارس بحزم ونظرة رجولية وهو يوصي أخيه:
_مش ده المهم .. المهم أني هروح دلوقتي ومش عايز اسمع منك كلمة هاجي معاك ، أنت هتفضل هنا عشان تاخد بالك من ليلى وسمر ، لأن ليلى مش كويسة وممكن في أي لحظة تأذي نفسها 
هتف ماهر بغضب:
_أنت عايزني اسيبك تروح وحدك ازاي يافارس 
اجابه فارس بحكمة:
_عشان أنا مش هقدر اسيب ليلى وحدها ومفيش حد اقدر استأمنه عليها غيرك 
حديقه ماهر بضيق لكنه التوم الصمت كدليل على موافقته وانصياعه لرغبة أخيه بيننا فارس فتلألأت عينيه بالعبرات واقترب من أخيه ليعانقه بحرارة عناق طويل ويهمس في بحة رجولية تدمي القلب:
_خدي بالك من نفسك ياماهر ، ومش هوصيك على مرات أخوك ليلى أمانه معاك خد بالك منها ومتسيبهاش
ابتعد بعد لحظات وتطلع في وجه أخيه فوجده ينظر له بقلق وحنق شديد فابتسم فارس وربت على كتفه متمتمًا بابتسامة مازحًا:
_متقلقش عليا ده مشوار مسافة ساعتين وراجع ياراجل أن شاء الله 
هتف ماهر بصوت رجولي غليظ :
_لولا ليلى وسمر مكنتش سبتك تروح وحدك أبدًا 
ابتسم فارس بأسى وقال في هدوء غريب:
_سيبها على الله ، أن شاء الله خير ، أنت بس متنساش اللي وصيتك عليه 
                                        ***
بعد مرور ساعة تقريبًا كان فارس قد تجهز وأخذ كل شيء سيحتاجه معه واهمهم تلك المخطوطة وغادر المنزل بعدما ودع أخيه وكذلك زوجته التي أوهمته بأنها ذعنت لأوامره ولن تذهب معه، لكن فور رؤيتها له وهو يستقل بسيارته وينطلق بها تسللك دون أن يشعر بها أي من ماهر أو سمر وغادرت المنزل واستقلت بسيارة سمر بعدما تمكنت من سرقة المفتاح دون أن تشعر بها وانطلقت بالسيارة تشق طريقها بسرعة عالية لكي تلحق بزوجها......

تعليقات



<>