رواية بلاء قمطريرا جزء الثالث من قدر صبا الفصل الرابع 4 بقلم سمية رشاد

     

رواية بلاء قمطريرا جزء الثالث من قدر صبا الفصل الرابع 4 بقلم سمية رشاد

الفصل الرابع

مع همسات القمر الراجية للشمس لتفيق من غفوتها وتعم الأرض بنورها لتتركه يستريح قليلا قبل أن يستجد دوامه في الليل مرة ثانية، كانت حور جالسة على السرير المنصوب بغرفة الضيوف تنعي قلبا ظنت أن عشقها له سيكون قادرا على إعادته لطريق النور ولكن مع صرخته الغاضبة منها لإزعاجه في نومته علمت أن طريقها معه سيطيل وربما بعد خوضها الكثير من عثراته لن تستطيع الوصول لمبتغاها


نهضت من مكانها تمحي دموعها التي أغشت الرؤيا على عينيها متجهة إلى سجادة الصلاة تطويها بحسرة بعدما أدركت أنه لن يفيق؛ فكيف له أن يفعل وهو ظل مستيقظا يعبث بهاتفه حتى قرآن الفجر وبالنهاية غفى دون الاستماع إلى حديثها بأن ينتظر إقامة الصلاة متعللا بعمله في الصباح


ساعات طويلة مرت عليها وهي تتقلب على كلا جنبها تترجى النوم ليطرق لها بابا عله يريح فؤادا أنهكه التفكير ولكن هيهات أن يستجيب وشطرا منه يخوض أشرس المعارك مع إبليس وعلى ما يبدو أن النتيجة لصالحه، فرت من بين شفتيها شهقة مقهورة وهي تستمع إلى سبابه البذيء الذي أطلقه لتوه وهو ينهض من فراشه أثر هاتفه الذي صدح معلنا عن قدوم وقت استيقاظه، التفت إليها عاقدا حاجبيه باستغراب مقتربا منها سائلا بقلق

-حور.. مالك في إيه؟!


هزت رأسها بالنفي دون أن تجيبه بشيء فما يمكنها قوله قد قالته وانتهى الأمر فأسند راحته على كتفها مرددا بقلق أكبر

-حور..بصي لي في إيه


أتبع كلمته الأخيرة بذراعيه اللذان امتدا لمساعدتها على النهوض فأشاحت ببصرها إلى الجهة الأخرى هامسة باختناق

- مفيش حاجة.. روح شغلك


تنهد ضائقا بنفاذ صبر مديرا وجهها إليه برفق هاتفا بهدوء مصطنع وهو يعود جالسا بجوارها

-طيب مش هقول تاني..مالك؟!


مررت يدها على وجهها بعنف هامسة بشفاة مرتعشة ونبرة مختننقة

-أنا مخنوقة..وقلبي ييوجعني


شعر بجملتها تحرق جدار قلبه وتشعل نيرانا لا قدرة له على إخماد أنينها فأحاط وجهها بين يديه بحنان ليسألها برفق مشبعا عينيه من كل جوارحها التي حرمه خجله من نفسه أن يتشبع منها

-مالك يا حور.. في إيه يا حبيبي


حاولت جذب وجهها من بين راحتيه إلا أنه أبى متشبثا بها تحت دفء عينيه اللتان تطالعنها برجاء كي تريح وصب فؤاده فهمست برفق منافي لحمم الرجاء التي تقذفها عينيها

- خايفة عليك.


أومأ بإيجاب مشجعا إياها كي تكمل حديثها علها تريح فؤادها الذي يسكن بين أضلعه هو فأردفت بأمل غرسته نظرتها بقلبه

- شايفة الشيطان بيسحبك كل يوم خطوة للنار والغشاوة اللي عملها على عينك خلتك ماشي وراه وكأنه بيسحبك للجنة.. خايفة في الجنة ملقيش ياسين اللي بدعي ربنا يجمعني معاه فيها.. خايفة في يوم أصحى ألاقيني مش قادرة أكمل معاك بسبب وصول جبل الهموم للقمة..


كادت تكمل اعترافها الذي شعر به وكأنها نقلت ما تشعر به لقلبه فأوقفها بتساؤل شاعرا بالقلق يحاوطه من حديثها

-أنت ممكن تبعدي عني في الوقت اللي محتاجك تاخدي بإيدي فيه؟

-ياسين أنت مش عايزني آخد بإيدك أنت كل ما أحاول أفتح لك طريق تقفله أدامي وتقضي على أملي فيك.. امبارح طلعتني لسابع سما لما غرست الأمل في قلبي بس النهاردة وقعتني على وشي من غير سابق إنذار.. أنت عارف يعني إيه ابنك يقولي هو ليه بابا مصحيش يصلي معانا ومعرفش أرد عليه؟.. أنت الحجر الأساسي اللي البيت مبني عليه ولو الحجر دا بس اتهز البيت هينهدم


سحب شهيقا قويا محتلا إياه بين جنبات صدره وما لبث أن زفره بقوه وهو يتأمل ملامحها بشرود أقرب للتيه فضمت عينيها إليه وهي تهز رأسها بحركة تدل على التوسل فهمس بهدوء منافي لأمواج ضميره التي تصرخ رافضة

- طيب متتعبيش نفسك بسببي ولا تفكري في الموضوع دا.. فترة كسل هتعدي عليا وهرجع زي ما كنت


هزت رأسها عدة مرات بنفس معتصرة عينيها بقوة وهي تردد بحسرة

- مش هتعدي.. لو فضلت تقول كدا هتفضل كدا طول حياتك ومش هتعدي.. حق ربنا مينفعش نتهاون فيه عشان احنا مش ضامنين عمرنا.. قاوم كسلك وقول اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل.. وابدأ من الأول تاني.. مش بقولك ارجع زي ما كنت مرة واحدة.. بس ابدأ خطوة خطوة صلي في المسجد ومش عايزاك تصلي القيام كله صلي ولو ركعتين اتنين.. اقرأ وردك ولو صفحة واحدة.. الأغاني اللي بقيت تسمعها استبدلها بالقرآن..طهر قلبك بالقرآن والطاعات.. وانتزع المعاصي من جذورها بتوبتك.. امحي رواسب التقصير من قيعان الكسل..وعد إلى نقاء قلبك بتقوى الله.. ورمم فتات ضميرك بالغوص بين آيات الله.


ابتسم بحنان على لهجتها التي دائما ما تتحول للفصحى عندما تنفعل وما لبث أن أغمض عينيه سامحا لجفنيه أن يتعانقا بقوة شاعرا بكلماتها تحيي ضميرا ظن أن لن يحور بعد دفنه تحت قيعان المعاصي مفكرا بقلق في وجع قلبه الذي نشبته كلماتها ولا سبيل لإطفاء اشتعاله سوى فعل ما يريح وصب ضميره مرة أخرى


ضيقت عينيها بأمل تخشى أن ينتزعه من بين ضلوعها كما فعل سابقا ومن ثم طالعته بترقب ويديها ترتفعان لموضع يديه معانقة إياهما بتشجيع فأومأ بايجاب كما السابق ونهض من جوارها بهدوء تاركا إياها متخبطة بين قلب يهمس لها بأن تتحلي بالصبر وعقل يبتسم بسخرية من قلب لا يجلب سوى الألم لذاته

**********

خرجت (عائشة) من غرفتها متبخترة بزيها الأسود رافعة أنفها بكبرياء أجادت إتقانه بعد ليلة مليئة بالانتظار لمحبوب أقسمت بأن قلبها لا يحتاج منه سوى ابتسامة واحدة، بل نظرة واحدة مفعمة بالحياة بدلا من تلك الفاقدة لها والتي ما عاد يرمقها سوى بها، نظرة واحدة وسترضخ إليه بكل جوارحها ولكن يبدو أن فؤاده يستكثر عليها حتى هذه النظرة فلا يترك لها سوى التحسر على عشق يذوب في أعتى مراحل شبابه، ألقت السلام على الجميع بهدوء بعدما وجدتهم مجتمعين على مائدة الطعام وكل منهم ينظر إلى طعامه بشرود، ارتعش بدنها قليلا بعدما رفع نظره إليها وسرعان ما جذبت مقعدها بغيظ إلى الأمام بعدما عادت عيناه تنظران إلى طبق طعامه بجمود كعهده معها


- رايحة فين يا عائش

هتفت بها صبا وهي تطالع زيها الكامل باستغراب فأجابتها بهدوء وهي توزع نظراتها بينها وبين من يسكن الفؤاد والوجدان

- راجعة الجامعة بقا يا صبا.. كفاية كدا..أعتقد الأجازة معادش لها لزوم دلوقتي


أومأت إليها صبا باستحسان من فعلتها فعائشة قد تمنعت عن عملها كمدرسة في الجامعة منذ تلك الليلة التي تم القبض على إياس بها معللة بأنها لا تستطيع دخول الجامعة ومن التحقت بها بسببه ليس بها بينما نهض إياس من مقعده ببرود بعدما استمع إلى ما يريد مقبلا يدي والديه كما يفعل منذ الصغر


راقبته عائشة بتمعن حتى اختفى من أمامها وسرعان ما جذبت حقيبتها وذهبت خلفه دون حتى البدء في تناول طعامها


بعد ساعات طويلة قضتها في التنقل بين قاعات المحاضرات التي اشتاقت إلى أجوائها إلى درجة كبيرة؛ سارت بعقل شارد متجهة إلى مكتبها وهي تتعثر في كل خطوة تخطوها بذكرى لها مع زوجها الحبيب تجعل الدموع تتكدس في عينيها بحنين دون إرادة منها، توقفت بمحلها وهي تستمع إلى من يهتف باسمها من بعيد

-يا دكتور لو سمحت.. دكتور عائشة


التفتت حيث مصدر الصوت فإذا بها ترى أحد الطلاب يهرول تجاهها حاملا أحد الكتب بين يديه ويلتقط أنفاسه بشدة أثر ركضه خلفها، نظرت إليه باستفهام من خلف نقابها الذي يخفي وجهها عنه فهتف باعتذار

- أولا بعتذر لحضرتك إني وقفتك بس حضرتك مانعة أي شاب ييجي مكتبك


أومات إليه بإيجاب كي يسترسل حديثه فتابع بهدوء وأنفاسه تعود لطبيعتها مشيرا لأحد الأوراق بين يديه

- كنت محتاج حضرتك تساعديني في فهم المعادلات دي لأني مفهمتهاش أوي في المحاضرة محتاج توضيح بعض النقط بس


أومات إليه بإيجاب وكادت أن تطلب منه أن يريهم

لها في المحاضرة القادمة خوفا من بطش زوجها الذي حذرها سابقا من الوقوف خارج القاعات مع الطلاب إلا أن الأوان بدى لها مدى فواته على ذلك وهي تراه قادما تجاهها من بعيد وعيناه تلمعان بشرر تعرفه جيدا


ابتلعت ريقها بتوتر وهي تخبر الطالب بأنها ستجيبه في المحاضرة القادمة، كاد أن يتحدث بشيء إلا أنه لم يجد من يتحدث إليه فهي قد هرولت من أمامه بسرعة البرق وكأنها رأت تنينا غاضبا يقترب منها


تصنمت بمحلها بتوتر عند استماعها لصرخته الغاضبة باسمها والتي أعلمتها جيدا أن خطوة واحدة للأمام ستكون نهايتها بعدها، ارتجفت أوصالها باضطراب وهي تستمع إلى وقع خطواته التي تقترب منها، التفتت حولها لترى من ينقذها من بين يديه إذا سولت له نفسه بأن بنفس غضب الشهور السابقة بها إلا أن المكان بدأ لها خاويا من الطلبة وكأنه مهجور من زمن بعيد، أغمضت عينيها بقوة وهي تشعر بقبضة يده على ذراعها فهمس بهدوء أسكن الرعب بقلبها أكثر من لو كان صارخا

- تعالي معايا من غير ولا كلمة


كادت أن تتصنع الغضب وهي تحاول إبعاد يده عن ذراعها برفض إلا أن نظرته لها جعلتها تومىء رأسها بإيجاب وتسير معه دون اعتراض


لم تمر دقائق كثيرة وكانت جالسة بجواره بسيارته وقلبها يحلق بين فضاء صدرها الواسع من فرط سعادتها بغيرته التي يشتد وميضها مع مرور الأيام فعلى الرغم من خوفها من ردة فعله والتي لم ينفس عنها حتى الآن إلا أن قلبها أبى ألا يفرح لمثل هذا الفعل


بقيت تتأمل ملامحه باشتياق وهو يقود السيارة بغضب أخبرتها به انفعالات جسده ووجهه؛ فعيناه اللتان دائما ما أطلقت عليهما حبتي البندق صارتا أقرب للقهوة القاتمة في أوج لحظات فورانها، شفتاه اللتان دائما ما كانت تحقد عليه بسبب لونهما الوردي الذي تتكالب الكثير من الفتيات وتفعلن كل الحيل للوصول إلى لونهما أصبحتا باللون الأحمر الدامي من فرط ضغطه عليهما، حتى أنفه المرتفع لأعلى باعتدال وهدوء انكمش قليلا للداخل بسبب التقاطه لأنفاسه بعنف، أذنيه وخصلات شعره التي تتمايل بعنف مع نسمات الهواء التي لا تقل في ثورانها عن ثوران قلبه هو ولكن لزم على قلبها الاعتراف قسرا بأنه وإن كان في أعتى لحظات غضبه فستبقى وسامته تسرق أنفاسها في كل مرة تنظر إليه بها فلا تدري كيف له أن يكون جذابا في كل حالاته هكذا؟ كادت أن تمرر عيناها على أدق تفاصيل وجهه تأكلهما بعينيها وسرعان ما انتفضت شاهقة برعب وهي تستمع لنبرته العالية

- أنا مبسمحش لنفسي أقف مع طالبة ولا بسمح لطالبة تيجي لي مكتبي بس حضرتك بقا فاتحاها سبيل


طالعته ببرود منافي لتلك الضجة التي تعج بداخل قلبها ثم انحنت تمرر يدها على أطراف عبائتها منشغلة عنه بإزالة غيارها الوهمي مجيبة إياه دون النظر إليه

- أعتقد دى حاجة بقت من آخر اهتمامك اليومين دول!!


شدد على قبضة يده بعنف محاولا السيطرة على أعصابه التي تحاول بعثرتها فصارا في صراع قاسي؛ فبينما كان هو يعمل جاهدا على إغلاق شلال غضبه كي لا تتناثر مياهه أكثر من ذلك وتصيبها بالأذى كانت هي تفتح لغضبه منفذا من الجهة الأخرى غير عابئة بأن هذا الذي تحاول الكشف عنه من الممكن أن يغرقهما معا فلا يبقى منهما سوى ذكرى تندثر تحت الأيام، ارتجف بدنها بتوتر ملحوظ جعل الحرج يتسلل إلى أعماقها فحاولت إخفاء حرجها وهي تقول

- الجديدة أولى بالغيرة دي أنا خلاص معادش يتغار عليا


التمس أنين قلبها من نبرتها الكسيرة فتنهد بأسف وهو يهتف بتحذير واهي

- عائشة.. متحاوليش تعصبيني


طالعته بعتاب تسأله بسخرية من حالها

- حتى دي معادش ليا حق فيها؟


زفر بضيق من ذاك الموقف الذي وضعهما القدر به وسرعان ما هتف بجمود وهو ينظر للطريق أمامه متجاهلا حديثها

- المشهد اللي شوفته النهاردة ميتكررش تاني عشان أنت عارفة كويس ردي هيكون إزاي


رفعت بنصريها تجاه عينيها ماحية تلك الدموع العالقة بمآقيها قبل أن تنهمر فتنهمر خلفها الجيوش التي تنتظر اندفاع قوادهم فلا تستطيع ردعهم وهي مجردة من الأسلحة الرادعة وخاصة في حضرته، لم تقو على التحكم في يمناها التي عرفت طريقها إلى يده اليسرى فانتفض ناظرا إليها باندهاش من فعلتها فهمست تسأله بقلب أبى الصمود أكثر من ذلك

- إياس.. أنت بتعاقبني على إيه؟


- أنا مبعاقبش حد.. أنت اختارتي أسهل الطرق وطلبتي البعد ليكي كل الحرية.. أنا مبعملش غير إني بنفذ رغبتك

قالها بعدما عاد إلى جموده السابق فصاحت تسأله بقهر

- رغبتي إني أبعد عنك؟!.. أنت مدرك أنت عملت إيه؟


- أنا عارف أنا بعمل إيه كويس ومش ندمان على أي حاجة عملتها عشان أكفر عن ذنبي


- ذنب إيه؟... قول لي ذنب إييه.. افهم بقا أنت ملكش علاقة بموت زوجها.. أنت المحكمة طلعتك بريء ليه مصر تطلع نفسك مذنب وترهق قلوبنا كدا؟

صاحت بها بانهيار بعدما فاض بها الكيل مما فعل ومازال يفعل بسبب ذنب مصر على إلصاقه لذاته رغم شهادة الجميع ببراءته، انتظرت إجابته عما تحدثت به عله يفصح على ما يريح قلبها إلا أنها هزت رأسها بأسف وهي تراه يتابع في قيادته دون أن يكلف نفسه عناء الإجابة، مر الوقت عليهما كالدهر كل منهما يشغله فكر الآخر دون إفصاح وكأنهما أغراب لا زوجين كلاهما سكن للآخر، كاد أن ينحرف من ذاك الطريق الدائري متجها إلى بيت العائلة إلا أنه أوقف السيارة جانبا وهو يستمع إلى رنين هاتفه كي يستطيع الإجابة ولكنه تردد في الإجابة قليلا وعيناه توزع النظر بين هاتفه وبين الطريق أمامه، استطاعت عائشة التقاط اسم المتصلة قبل أن يرفع هاتفه إلى إحدى أذنيه مجيبا بنبرة لم تبين جنس المتصل حفاظا على مشاعرها إلا أنها ابتسمت بسخرية مدركة جيدا أنه ليس بحاجة لكل هذا، لم تمض ثواني وكان إياس يوميء رأسه بإيجاب مرددا عدة مرات قبل أن يغلق الهاتف

- حاصر حاضر.. متقلقيش جاي حالا

أعاد تشغيل السيارة وكان أن يكمل طريقه تجاه البيت إلا أنه ضغط على مكابحها سريعا وهو يستمع إلى نبرتها المرتعشة التي لم تترك شيئا من جوارحه إلا وجعلته يتمزق إربا

- متروحنيش.. أنا هاجي معاك عندها!!

**********

صداع فتاك تكاد رأسه أن تنفجر بسببه، يشعر وكأن أحدهم علق أكيال من حديد فوق أعينه وكل عدة دقائق يضاعف حجمها كي يزيد من عذابه، وضع يديه على كلتا عينيه يعتصرهما بألم وهو يكاد ينتحب من قلة حيلته... يريد سجائره حالا علها تستطيع مداواة بعضا من ألمه ولكن كيف له أن يأتي بها في هذا المنزل الملغم بالأشخاص من جميع الجهات؟.. فكل عدة ساعات تقدم إليه جدته(صبا) وتبقى تتحدث معه عن العديد من الأمور من ضمنها والده، لا ينكر أنه يحب رفقتها وحديثها كثيرا منذ صغره حتى أن جده كان يغار منه؛ إلا أنه الآن لا يريدها ولا غيرها كي يتركوه يفعل ما يريد، انتفض من جلسته متمددا على الفراش متصنعا النوم فحقا ليست لديه القدرة على محادثة أحد في هذا الوقت


شعر بالفضول وهو يستمع إلى أنفاس أحدهم، يكاد يقسم أن صوتها أوصل إليه كم الضيق الذي يتشبث بصاحبها، استمع إلى خطوات القادم تقترب ومع كل خطوة يخطوها يشعر وكأن الضيق القائم بهذا الشخص ينتقل إليه وكأنه كان بحاجة إلى هذا الضيق أيضا!.. شعر بالشخص المجهول هويته يقف أمامه عدة ثواني وسرعان ما تخبطت أنفاسه هو الآخر وهو يستمع إلى حمحمته التي جعلته يوقن جيدا أن الشخص ذو الأنفاس المختنقة ليس أحدا سوى أباه، دعى ربه سرا أن ينهي معاناته ويجعله يذهب من أمامه سريعا إلا أن الصدمة ألجمته وهو يشعر بشفتاه تطبق على جبينه بحنان أبوي جعلته يتذكر مواقف كثيرة ذات مشاعر مشابهه لمثل هذه المشاعر التي أنساها له الشيطان وأعمى بصيرته عنها.

لم يستطع بعد هذا الموقف الذي قلب كل موازينه أن يستسلم لسلطان النوم كما أراد عقب مغادرته بل نهض جالسا وهو يشعر بصداع رأسه يتفاقم لدرجة لا تطاق من فرط التفكير، لا إراديا راحت ذاكرته إلى حديث عمه ( إياس) في تلك الليلة التي أتى به إلى هنا وسؤال واحد يدور في عقله؛ أمن الممكن أن يكون العدو حبيبا وسندا؟

الفصل الرابع من هنا 

لقراءة باقي الفصول اضغط هنا

لقراءه الجزء الاول من قدر صبا من هنا

تعليقات



<>