رواية أوار جنية الظلام الفصل الثالث عشر13 بقلم ندي محمود توفيق

رواية أوار جنية الظلام الفصل الثالث عشر13 بقلم ندي محمود توفيق
أنهت عباراتها التي كانت النهاية ربما لكل شيء وفتحت باب السيارة ونزلت واسرعت شبه ركضًا لداخل البناية ودموعها تنهمر فوق وجنتيها بغزارة بينما هو فنزل أيضًا من السيارة ووقف يحدق على أثرها بشرود وأسى، ظل واقفًا مترددًا في أرضه يقاوم بين شعور كبريائه وعشقه لها ورغبته في الركض خلفها وأخذها بين ذراعيه وأخبارها بمدى حبه لها، وبنهاية ذلك الصراخ كان قلبه هو المنتصر واتخذ قراره بمسامحتها واعطائها فرصة ثانية لعل تلك الفرصة تكون هي الحياة وبداية عشقهم، قاد خطواته مسرعًا ومتلهفًا يلحق بها للأعلى إلى شقتها لكنه تصلب بأرضه عند أول درجة من السلم عندما سمع صوت صراخها المرتفع الذي تبعه صمت قاتل ومرعب، فركض وهو يقفز على السلم درجتين  مع بعضهم ليصل بسرعة لها وهو مفزوع، وصل إلى طابق شقتها فوجدها ملقية على الأرض أسفل الدرج وفاقدة الوعي فهرول نحوها في ارتيعاد وجثى على الأرض بجوارها يضع كفه أسفل رأسها ويرفعها بحذر يهتف في صوت مرتجف من فرط الخوف:
_راندا افتحي عينك أنتي سمعاني.. راندا ابوس ايدك ردي عليا

كانت راندا قد غابت بعالم آخر لا تشعر فيه بأي شيء ربما حتى بحياتها التي قد تفقدها، أما هو فاستقام واقفًا وهو يلهث بعنف من فرط التوتر وباللحظة التي انحنى بجزعه للأسفل ليحملها بين ذراعيه ويذهب بها للمستشفى، حاول تحريك ذراعيه لكن صابه شلل جعل كل أطرافه تتصلب وتتجمد ولا يستطيع تحريكها، رفع نظره أمامه عندما رأى طرف رداء أسود اللون فرأى " أوار " أمامه في هيئتها الحقيقية ويزين ثغرها ابتسامتها الشيطانية المرعبة واسنانها سوادء ممتلئة بسائل اسود غريب وكذلك عينيها سوداء يسيل منها نفس السائل ووجهها كله ممتلئ بنقوش فرعونية وطلاسم شيطانية وشعرها الأسود الطويل ينساب على ظهرها وجانبي كتفيها يعلوه طرحة زفافها السوداء المماثلة لردائها.
اتسعت عيني " عز " بذهول امتزج بارتيعاده من مظهرها المرعب ولم يلبث ثواني حتى وجد صوت شيطاني غليظ يخرج منها وهي تسأله بخبث:
_ألا تتذكرني يا عز ؟!

حاول الحركة لكن أطرافه كلها كانت في حالة شلل تام فقرر أن يفتح فمه يقرأ ما يحفظه من القرآن الكريم لكن فور فتحه لفمه وجد نفسه يرتفع للأعلى بجسده كله وأصبح معلق في الهواء وفمه مازال مفتوح لكنه لا يستطيع التحدث وجحظت عينيه بصدمة وخوف وهو يحدق بها وهي تقترب منه ثم وقفت أمامه وفتحت فمها فرأى شيء أسود اللون أشبه برياح يخرج منها ويستقر في جوفه ، مع صوت صراخها الذي كاد يفقده سمعه من قوته، ثم اختفت من أمامه ووجد نفسه يسقط من هذا الارتفاع على الأرض فيصدر هو تأوهات مرتفعة متألمًا من أثر اصطدامه الشديد بالأرض وظل لحظات طويل على الأرض يتألم لا يستطيع النهوض ويسعل بقوة للدرجة التي جعلته يشعر أن روحه ستخرج من شدة سعاله وعدم تمكنه من أخذ أنفاسه جيدًا، استمر سعاله لدقائق طويلة وهو يحاول أخذ أنفاسه حتى هدأ أخيرًا قليلًا وسقط نظره على " راندا " التي مازالت فاقدة وعيها فاستقام واقفًا متحاملًا على نفسه متجاهلا الآم جسده وسعاله وحملها بين ذراعيه ونزل بها الدرج متجهًا لسيارته يضعها بالمقعد الخلفي ويستقر هو بمقعده الامامي لينطلق بالسيارة يشق بها الطرق مسرعًا متجهًا إلى أقرب مستشفى.
                                           ***
داخل المستشفى....
كان عز جالسًا على أحد المقاعد الحديدية في طرقة المستشفى أمام غرفة الفحص الطبي منتظر خروج الطبيب ليطمئنه على وضع راندا، بجواره زجاجة ماء كبيرة يشرب منها محاولًا السيطرة على سعاله الشديد أو تهدئته حتى لكن دون جدوى، بعد وقت طويل نسبيًا من الفحص الطبي خرج الطبيب من الغرفة فهرول "عز " نحوه وسأله بقلق:
_خير يادكتور طمني فاقت ؟
سأله الطبيب بصوت رخيم واهتمام:
_حضرتك جوزها؟
اماء " عز " بالإيجاب دون تردد أو تفكير مؤكدًا على معلومة أنه زوجها فأجابه الطبيب بعبوس:
_للأسف المدام حصلها نزيف شديد في المخ واحنا الحمدلله قدرنا نسيطر على الوضع ونوقفه حاليًا بس النزيف كان شديد جدًا وسببلها غيبوبة ودلوقتي هننقلها على غرفة العناية المركزة، هتفضل تحت العناية الطبية والملاحظة لأن حالتها مش مستقرة ابدّا وفي خطر على حياتها في أي لحظة
وقع أثر الكلمات على أذنيه كوقع الرعد في الأذن والصدمة احتلت تعابير وجهه ممتزجة بحزنه الشديد الذي جعله يرغب في الصراخ بكل ما تبقى لديه من قوة لكنه تماسك أمام الطبيب وسأله بثبات مزيف:
_طيب الغيبوبة دي ممكن تفوق منها امتى ؟ 
زم الطبيب شفتيه بحزن وقال في يأس:
_للأسف مقدرش احدد لأن ممكن تطول شوية لو حالتها مستقرتش ووضعها زي ما قولت لحضرتك صعب جدًا بس أنت ادعيلها وان شاء الله تقوم بالسلامة ربنا قادر على كل شيء
هز رأسه متفهمًا ولما يقوى على التفوه سوى بكلمة " شكرًا " للطبيب وظل متسمرًا بأرضه للحظات في حالة بين الذهول والندم أنه المتسبب فيما حدث لها، فجلس على أقرب مقعد وجده أمامه ودفن رأسه بين راحتي كفيه محاولًا التحكم في زمام دموعه حتى لا تنهار فوق وجنتيه كالشلال، ثم أخرج هاتفه من جيبه وأجرى اتصال بـ " فارس " الذي كان حاليًا بمنزل سامي مع أخيه يخططون لحل وطريقة للتخلص من " أوار "، فالتقط هاتفه وأجاب على صديقه الذي وصله صوته ليس طبيعيًا منتزج بصوت سعاله القوى:
_أنت فين يافارس ؟ 
أجاب فارس بهدوء وهو يتنهد الصعداء بضيق:
_أنا في بيت الدكتور سامي .. اتوفي النهاردة
غضن " عز " حاجبيه بدهشة وسأله بتعجب:
_!مات ازاي ؟
هتف فارس بإيجاز وعبوس:
_موضوع طويل ده ياعز لما اشوفك هحكيلك
انقطع صوت عز للحظات ولم يسمع سوى صوت سعاله الشديد ثم تحدث وقال مبتسمًا بأسى وسخرية:
_موضوع طويل ليه أكيد " أوار" قتلته 
ساله فارس باستغراب وقلق بسيط:
_أنت تعبان ولا إيه مال صوتك غريب وليه بتكح جامد كدا؟
خرج صوت يحمل بحة ألم وحزن:
_انا في المستشفى راندا جالها نزيف في المخ ودخلت في غيبوبة وأنا في حاجة غريبة دخلت جسمي الله اعلم هتنهي عليا امتى
جحظ فارس عينيه بصدمة وهتف بهلع:
_إيه اللي بتقوله ده انا مش فاهم حاجة .. قولي انتوا في مستشفى إيه وأنا جايلك
أخبره باسم المستشفى فهب واقفًا متحفزًا في هلع وماهر بدوره ظهر الفزع عليه وسأله ماذا حدث فأخبره ما قاله " عز " لتظهر تعابير جامدة على صفحة وجه ماهر تنم عن فهمه كيف راندا صابها النزيف، تنفس الصعداء بضيق شديد ورتب على كتف أخيه يحاول التخفيف عنه متمتمًا:
_هانت يافارس هنخلص منها أن شاء الله وراندا وعز هيكونوا كويسين، روح اطمن عليه وافهم منه التفاصيل كويس
مسح فارس على وجهه وهو يتأفف بحنق وللحظة شعر بأنه سينهار باكيًا لكنه تماسك وأخذ نفسًا طويلًا بقوة ثم نظر لأخيه وأخبره بجدية:
_متقولش لـ ليلى حاجة أعصابها هتتعب اكتر وأنا ما صدقت أنها هديت شوية.. لو سألت عليا قولها أي حاجة لغاية ما أرجع

اماء ماهر بالموافقة بينما فارس فاستدار بجسده ينوي الرحيل لكنه تسمر عندما رأى ليلى تقف أعلى الدرج وتحدق به بعينان دامعة ووجه كله إحباط وحسرة ويبدو أنها سمعت حديثهم فلا تحتاج لأحد لكي يخفي عنها الحقائق، اطال هو أيضًا النظر في وجهها بأسف وشعور بالخزي من نفسه أنه لا يستطيع حماية أحبائه، نزلت هي درجات السلم بهدوء ثم أسرعت في خطواتها نحوه وهذه المرة لم ترتمي هي بين ذراعيه كعادتها بل ضمته هو وحاوطت رأسه بكفيها وهي تضمه ليدفن هو رأسه بين خصلات شعرها في رقبتها يتنفس عبقها الجميل ليسمع همسها الجميل وسط بكائها محاولة امداده ببعض القوة التي هي في أمس الحاجة لها:
_أنا جمبك يافارس.. خليك قوي عشان نقدر نحمي بعض، ومتقلقش راندا وعز هيبقوا كويسين 
مال بوجهه نحو رقبتها أكثر وطبع قبلة مغرمة كانت قبلته تتحدث عن ما في قلبه دون الحاجة للشرح بلسانه وابتعد عنها و راح يطبع قبلة أخرى فوق جبهتها هامسًا باهتمام ودفء:
_اوعي تطلعي من البيت هنا لغاية ما ارجع تمام
هزت رأسها بالموافقة وقالت في حنو:
_مش محتاجني معاك طيب آجي معاك 
ابتسم فارس وقال في شجن وحب:
_أنا في أشد الحاجة ليكي يا ليلى والله بس خليكي هنا هكون مطمن عليكي اكتر وماهر قاعد كمان معاكي لغاية ما ارجع
اخذت نفسًا عميقًا وهتفت بقلة حيلة منصاعة لرغبته:
_حاضر ولما توصل ابقى طمني عليهم وخد بالك من نفسك 
اماء لها بالموافقة ثم استدار وغادر وبقت هي مكانها تحدق في أثره بقلق، حتى وقعت عيناها على ماهر الذي كان جالسًا على مقعده لم يتحرك فاستقر نظرها عليه تتمعنه بشرود غريب وإذا بها تسمع تلك الوساوس الشيطانية في أذنها مجددًا محاولة السيطرة عليها وتحثها على أذيته مجددًا، فاخفضت رأسها ارضًا وحاوطتها بكفيها تضغط عليها بكل عنف محاولة إسكات ذلك الصوت صارخة تهتف:
_كفاية بقى ابعدي عــــنــي 
هب ماهر واقفًا بفزع واسرع نحوها وحاول جذب كفيها من حول رأسها ليُهدأ اعصابها المتشنجة لكنها ازدادت انفعال أكثر ودفعت يديه بعيدًا عنها بشراسة ثم تطلعت بوجهه وتحولت نظراتها البريئة والناعمة لأخرى مرعبة وشيطانية وهي تبتسم له بشر ثم فتحت فمها وتحدثت بصوت غليظ ليس صوتها وهتفت:
_ليلى هي اضعفكم ولذلك ستكون ورقتي الرابحة ولن يستطيع أحد حمايتها مني
اتسع بؤبؤي عيني ماهر بصدمة وظل متسمرًا للحظات حتى تدارك نفسه وراح يمسك زوجة أخيه من ذراعيها ويهزها بعنف صارخًا بها:
_ليلى فوقي ليلى
وضع يده على رأسها ليقرأ لها قرآن حتى تتخلص من ذلك السحر وتعود لوعيها لكن بمجرد لمسه لرأسها انتفض مبتعدًا عنها وهو يصرخ متألمًا فرفع كفه ونظر في باطن كفه ليجد يده احترقت، ثم رفع نظره مجددًا يتطلع في ليلى فرأى " أوار " تقف خلفها وتنظر له مبتسمة ثم انطلقت قهقهاتها الشيطانية بقوة.
تسارعت أنفاس ماهر وكذلك نبضات قلبه من هول المشهد وما يراه أمامه وهو يرى أمامه زوجة أخيه تقف كجسد مسلوب الروح رأسها مطأطأة أرضًا وفاقدة وعيها لكنها مازالت تقف على قدميها لا يدري كيف، وخلفها تلك الجنية المرعبة تتطلع به وتضحك، وزاد الأمر سوءًا بقدوم سمر التي وقفت أعلى الدرج ونظرت له باستغراب تسأله:
_في إيه ياماهر مالك سمعت صوتك اتخضيت أنت كويس، ومال ليلى واقفة كدا ليلى ؟
كانت ليلى تقف وظهرها للدرج لذلك لم تتمكن سمر من رؤية حالتها الحقيقية، أما ماهر فمازالت عيناه معلقة على " أوار" التي التفتت ونظرت لسمر بابتسامة شر ثم بدأت بالتقدم نحوها وسمر لا تراها فقط هو من يراها، شعر بأنه سيفقد عقله خشية من أن تأذيها فراح يتلفت حوله كالمجنون بحثًا عن أي شيء يمكنه من خلاله صرفها، فالتقطت عينيه مسجل صغير كانوا يستخدموه في العزاء لتشغيل القرآن فأسرع نحوه وضغط على زر التشغيل فارتفع صوت القرآن في الصالة بأكملها مما اغضبها بشدة وجعلها تختفي فورًا، وفور اختفائها اختل توازن ليلى وكادت أن تسقط لكنه التقطها قبل سقوطها وحملها بين ذراعيها وصعد بها الدرج متجهًا بها إلى غرفة سمر التي فزعت بدورها عندما رأت حالة ليلى وكانت لا تفهم شيء.
وصل ماهر بـ ليلى للغرفة ووضعها على الفراش ثم التفت نحو سمر التي كانت خلفه وتراقب بجهل وحيرة، حدقها مطولًا بنظرة امتزجت بالحب والاهتمام ولا إراديًا كان يبسط ذراعه أمامه ويحاوطها بها ثم يجذبها لصدره مقبلًا رأسها بحنو ويسأل:
_أنتي كويسة؟.. حاسة بأي حاجة ؟
هزت رأسها بالنفي وهي تبتعد عنه بهدوء.. في ظروف أخرى وموقف آخر ربما ضمه لها هكذا كان سيجعلها تحلق في السماء أو ربما يصيبها بالذهول ويطرح في عقلها تساؤلات لا نهاية لها، لكن كان فضولها وحالتها النفسية السيئة أقوى من أن تنشغل بكل تفصيلة صغيرة فراحت تسأله بقلق:
_مالها ليلى وايه اللي حصل ؟
تنهد ماهر الصعداء مغلوبًا وقال في جدية:
_هحكيلك بس نفوقها الأول ونطمن عليها
اماءت له بالموافقة ثم اقتربت من الفراش وجلست على حافته بجوار ليلى وكذلك ماهر الذي كان هو يحاول إفاقتها بطريقة طبية، وبعد لحظات طويلة نسبيًا فتحت عيناها ببطء حتى اتضحت الرؤية أمامها تمامًا ورأت كل من ماهر وسمر بجوارها وأدركت أنها بالغرفة على الفراش، حاولت تذكر كيف وصلت لهنا وما الذي حدث لم تتذكر أي شيء فنظرت لماهر وسألته بخوف يلوح في عينيها الرقيقة:
_إيه اللي حصل ياماهر وازاي اغمى عليا ؟
أجابها بصوت رخيم ونظرة ثقة ليهدأ من روعها:
_متخافيش محصلش حاجة أنتي دوختي شوية وأنا جبتك هنا في أوضة سمر
شردت لثواني عندما قذف بذهنها ذلك المشهد وهي ممسكة برأسها وتصرخ على أوار أن تتركها وشأنها، فحدقت بماهر باضطراب شديد تهتف:
_آخر حاجة فكراها لما كنت سامعة صوتها في ودني، إيه حصل بعد كدا؟
سقط نظرها بمحض الصدفة على يده فلمحت احمرار باطن كفه فأمسكت بكفه بسرعة ونظرت به مندهشة بارتيعاد وهتفت بصوت مرتجف:
_أنا اللي عملت فيك كدا صح ؟
فزعت سمر عند رؤيتها لمنظر الحرق في يد ماهر وصاحت بقلق:
_أنت ساكت ازاي ومستحمل ياماهر الحرق ده .. هروح اجبلك مرهم الحروق
وثبت واقفة وغادرت الغرفة مسرعة لتجلب له الدواء بينما ليلى فـ أنهارت باكية وهي تدفن رأسها بين كفيها وتهتف:
_انا بقيت خطر على كل اللي حواليا وممكن أذي أي حد من غير ما أحس
ثم رفعت رأسها ونظرت بعجز وعينان غارقة بالدموع وتمتمت:
_خلي فارس بعيد عني ياماهر ابوس إيدك أنا لو اذيته عمري ما هسامح نفسي، بص انتوا الاتنين خليكم بعيد عني خالص اقفلوا عليا الباب ومحدش فيكم يدخلي خالص
كان يتمعنها بحزن وإشفاق على حالتها ثم أخذ نفسًا عميقًا واطلقه زفيرًا متهملًا وراح يمسح على كتفها ويربت عليه بود صادق:
_بلاش الكلام اللي يزعلني منك ده يا ليلى .. مش عايز اشوفك ضعيفة ومستسلمة كدا بعدين متقلقيش على فارس هي لا يمكن تأذيه أو حتى تخليكي تأذيه لأنها عايزاه يسلم ليها روحه طوعًا عشان تقدر تحقق هدفها اللي بتسعاله، بلاش بقى تستسلمي ليها واحنا خلاص قربنا من النهاية ومبقاش بينا وبينها غير شعرة يعتبر
توقفت عن البكاء وقالت بيأس وقلة حيلة وصوتها المبحوح:
_حاولت ومازالت بحاول وأن شاء الله هفضل احاول لغاية ما نتخلص من شرها
مسح على شعرها بحب اخوي وابتسم لها ثم همس بخفوت جميل:
_كويس أوي .. ريحي بقى أنتي دلوقتي ونامي شوية وأنا هروح لسمر.. لو احتجتي أي حاجة اندهي علينا
اماءت له بالموافقة تبادله الابتسامة المحبة وراقبته حتى انصرف ليتركها وحدها بالغرفة تقاوم حزنها وخوفها وكذلك تحاول التفكير في حل يُمكنها من التخلص من سيطرة تلك الجنية عليها....
                                     *** 
كانت سمر تسير مهرولة وهي تحمل بين يديها حقيبة الاسعافات الاولية وبطريقها للدرج حتى تصعد لغرفة ليلى وتعالج يد ماهر، لكنها توقفت بعد اولى خطواتها على الدرج عندما رأته ينزل فنظر هو إلى ما تحمله بين يديها وإلى هلعها على وجهها فابتسم لها بحب وقال:
_سبتها ترتاح شوية وتنام لغاية ما يرجع فارس 
هزت رأسها بالتفهم وهتفت في اهتمام شديد:
_ طيب تعالى يلا اقعد عشان اشوف الحرق اللي في ايدك ده
اكمل خطواتها ينزل الدرج وهو يجيب مبتسمًا بعبث:
_تحت أمرك يادكتورة 
لم تكترث لمزاحه وكانت قد ولته ظهرها بالفعل واتجهت إلى الأريكة تجلس عليها وتفتح الحقيبة تجهز الدواء، وفور جلوسه بجوارها وجدها تلتقط كفه دون أي مقدمات فقط علامات القلق والاهتمام هي المستحوذة عليها وبدأت على الفور في معالجة الحرق بالمرهم، كانت منشغلة في مداوة يده ولا تنتبه لنظراته المغرمة وهو يتابعها مبتسمًا، مستسلم كليًا لها وباسط كفه أمامها طوعًا حتى لا يصدر أي تاوهًا.. ربما حالة الهيام المسيطرة عليه أفقدته حاسة الشعور بالألم، رفعت هي نظرها بمحض الصدفة تخطف نظرة سريعة وطبيعية تراقب تعبيراته لتطمئن ما إذا كان يشعر بالألم أم لا، فرأت ما لم تكون تتوقعه وهو تأمله بها وابتسامة الشغف التي تزين شفتيه فانزوت بنظرها فورًا عنه في ارتباك وخجل شديد.
كانت قد انتهت من وضع المرهم وبدأت في لف شاش ابيض رقيق حول يده، فتنفست الصعداء بصعوبة محاولة التحكم بزمام توترها وهي تتهرب بنظراتها من الالتقاء به وقررت الخروج من تلك القوقعة المرعبة بذكائها وهي تسأله باستحياء دون أن تنظر لوجهه:
_حصل إزاي الحرق ده.. احكيلي اللي حصل  
تنهد ماهر بانزعاج متذكرًا ما حدث واجابها بصوت غليظ:
_أوار قدرت تسيطر على ليلى تاني وبقت تتكلم بلسانها ولما أنا حاولت افوقها كنت عايز أقرا قرآن عليها واول ما حطيت ايدي على شعرها اتحرقت وبعدين ليلى اغمى عليها، وكمان عز وراندا في المستشفى فارس راحلهم واضح أنها أذتهم كمان 
كتمت سهر شهقتها بكف يدها محدقة في ماهر بذهول أمتزج بالرعب الشديد، ثم أبعدت كفها وسألته بتأكيد:
_عز وراندا دول صحاب فارس صح ؟ 
هز رأسه مؤكدًا على سؤالها، فظلت هي متمعنة النظر به في ارتيعاد للحظات حتى امتلأت عينيها بالعبرات فمد هو كفه يمسك على وجنتيها متمتمًا بحنو:
_!بتعيطي ليه بس ياسمر؟
أنهارت باكية وكأنها كانت تنتظر سؤاله لتترك العنان لدموعها وراحت تجيبه بصوتها المبحوح والمتقطع:
_أنت مش ملاحظ أنها أذت كل اللي حوالين فارس صحابه ومراته وحتى خالو مات، أنا خايفة عليك ياماهر
اخذ نفسًا عميقًا ثم انتقل بكفه من وجهها لشعرها يمسح عليه بدفء ويهمس في نظرة تبعث الاطمئنان والسكينة كلها ثقة:
_متقلقيش أن شاء الله مفيش حاجة هتحصل 
تأملته برجاء وتعلق شديد يلمع في عينيها السابحة في عبراتها:
_متسبنيش ياماهر أنا مليش غيرك بعد خالو
ابتسم لها بحب نقي والتقط كفها يحتضنه بقوة ثم رفعه لشفتيه يقبّل ظاهره مبتسمًا ويتمتم بعينان غارقة في الولع:
_اطمني أنا حتى لو حاولت اسيبك معدتش هقدر، مبقتش مخير دلوقتي ومبقاش بإيدي
تطلعت به باستغراب وحيرة.. لا تفهم المغزي الحقيقي وراء عباراته لكن يكفيها وعده بأنه لن يتركها، فابتسمت له بحب وبادلها هو الابتسامة يتمعنوا في بعضهم البعض بصمت تاركين الحرية للغة العيون تتحدث بدلًا عنهم....
                                       ***
داخل المستشفى....
كان يسير فارس في طرقة المستشفى يتلفت حوله بحثًا عن صديقه بين العامة، فسقط نظره عليه ليجده جالسًا على أحد المقاعد الحديدية وعلامات السهم بادية على معالمه الهزيلة، ساكنًا تمامًا يحدق في السقف بيأس، تقدم فارس نحوه بخطى هادئة حتى وصل إليه ووقف للحظة يحدق في حالته البائسة، رفع " عز " رأسه ونظر لفارس عندما انتبه لوجوده.. تطلع إلى صديقه بوجه عاجز يملأه القهر والحزن ثم أشاح بنظره ثانية واخفض رأسه أرضًا فتنهد فارس الصعداء بأسى وجلس بجواره ورفع كفه يربت على كتفه بدفء وهمس في اهتمام وقلق حقيقي:
_راندا عاملة إيه؟ 
خرج صوت " عز " مكتومًا يحمل بحة البكاء والقهر يجيب على فارس بيأس:
_ في العناية المركزة الدكتور قال حالتها خطرة ومعنى كلامه أنها ممكن متقومش منها ومحدش عارف هتفوق ولا لا من الغيبوبة دي
 
أطلق فارس زفيرًا حارًا بحزن وراح يردد ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) ثم مسح على وجهه ووضع كفه على كتف عز يضغط عليه بقوة ويهتف بثقة:
_اطمن هتفوق أن شاء الله وهتبقى زي الفل مش هتسيبك
أخذ " عز " يسعل بقوة مجددًا وأجاب بصوت مبحوح وعينان متلألأة بالدموع:
_مش هسامح نفسي لو حصلها حاجة يافارس.. احنا كنا متخانقين وأنا كنت طالع وراها اصالحها بس ملحقتش.. ملحقتش اقولها أني بحبها بجد ومستعد اتغاضي عن أي شيء خلاص وأني عايز نبدأ أنا وهي من جديد
هتف فارس بحنو مبتسمًا يحمل له الأمل ويمده به رغم قلقه عليهم وبالأخص على صديقه:
_هيحصل كل ده هيحصل أن شاء لله خلي املك في ربنا كبير.. بس طمني انت إيه حصلك ليه بتكح كدا ؟
ظهر الغضب وشرارة الانتقام على ملامح عز وسأله:
_أنت لسا موصلتش لأي طرف خيط يعرفنا سر المقبرة عشان نخلص منها
تأفف فارس بحنق وقال في إصرار:
_لسا للأسف بس قربت خلاص أنا حاسس أنها النهاية.. لازم اخلص منها قبل ما تخلص على كل أهلي
هتف عز بنظرة رجولية مهيبة نابعة من حقده على " أوار " وعزيمته على مساعدة صديقه والتخلص منها معًا:
_البردية يافارس هي السر افتكر أنت محررتهاش غير لما طلعت البردية من مكانها أكيد هي فيها السر كله أنا متأكد
اجابه فارس باستغراب وعدم فهم:
_مهو قدامك ياعز أنا وأنت فسرنا كل حرف فيها وملقيناش فيها حاجة
هتف عز بثقة تامة:
_أكيد فيها حاجة احنا مخدناش بالنا منها أو حاجة معمولة بشفرة مستحيل يكون ملهاش لازمة، فكر كويس إيه اللي ممكن يخلي المقبرة تتفتح تاني خصوصًا أن دكتور سامي قال محدش غيرك يقدر يفتحها
التزم فارس الصمت للحظات يفكر ثم تمتم بقوة:
_يعني أنت تفتكر أن سر المقبرة في البردية ؟
هز " عز " رأسه بالإيجاب في ابتسامة ماكرة فـ بادله فارس الابتسامة بدوره ثم ربت على ظهر " عز " بنظرة يخبره من خلالها أنه سيقوم باللازم ثم سأله باهتمام شديد وهو كله آذان صاغية:
_" احكيلي طيب حصل إيه معاك أنت وراندا وعملت إيه " أوار

تنهد " عز " بقوة ثم بدأ بسرد كافة التفاصيل لفارس بداية برؤيته لراندا وهي ملاقاة على الأرض نهاية بما أدخلته " أوار " في جوفه وهو ما يجعله يسعل دون توقف وأنفاسه تضيق عليه شيئًا فشيئًا....
                                          ***
داخل منزل " سامي " بتمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل كان ماهر حاليًا على الأريكة بالصالون في الطابق الأرضي وجهه عابس وبين أصبعيه سيجارة يدخلها بين شفتيه ويخرجها مع زفيره الممتلئ بأدخنتها، كان شارد تمامًا وعقله مشغول بأخيه وزوجته وسمر التي جذبها معه للهلاك والآن يخشى عليها الأذى أكثر من نفسه، لا يعرف متى وكيف استحوذت على كامل تركيزه واهتمامه هكذا، هو لن يبالغ أن قال أنه يريدها أن تكون بين ذراعيه طوال الوقت ربما خوفًا عليها وربما حبًا لها أو ربما الاثنين معًا، عقله حتى لا يتوقف عن التفكير فيما سيفعله حالما يتخلصوا من تلك الجنية وتعود حياتهم لطبيعتها.. كيف سيتركها بمفردها حتى وأن كان الأمر طبيعيًا لها فهذه ليست المرة الأولى ولا الأخيرة لتكون فيها وحيدة بالنسبة لها، لكنه لن يكون طبيعيًا له ولن يستطيع تركها بعد شعوره بأنها أصبحت تحت مسؤوليته، ربما حتى وإن استطاع فعلها فقلبه لن يتركه يعيش في سلام بعيدًا عنها وسيجعل حياته جحيمًا بدونها.
فاق من شروده على صوت رنين الباب فاستقام واقفًا واتجه فورًا للباب بعدما توقع أن الطارق هو أخيه، فتح الباب ورأى فارس أمامه بوجه منهك وعابس فافسح له الطريق للدخول بينما فارس فضيق عينيه بتعجب عندما وصلت لأنفه رائحة السجائر واخفض نظره ليد أخيه فرأى السيجارة بين أصبعيه.. ابتسم بقيلة حيلة وقال وهو يتجه نحو الأريكة يجلس عليها:
_طالما وصلت معاك للسجائر يبقى قلقك وخوفك تخطاني أنا
أطلق ماهر تنهيدة قوية في أسى ثم راح يطفأ السيجارة التي انتهت تقريبًا وجلس بجواره أخيه متمتمًا:
_أعمل إيه حتى النوم مش عارف انامه من القلق
سأل فارس باهتمام وعينان تملأها اللهفة والحب:
_ليلى كويسة ؟ 
اماء ماهر بالايجاب وأجابه بهدوء:
_كويسة نايمة في الأوضة فوق.. طمني راندا وعز عاملين إيه؟
رفع فارس كفيه لوجهه يمسح على شعره نزولًا بوجهه ويهمس في قهر:
_راندا في العناية في غيبوبة وعز تعبان، يمكن لو موصلتش
للسر في أسرع وقت واتخلصت من " أوار"  ملحقش انقذهم
هتف ماهر في جدية:
_في كتب كتير في مكتب دكتور سامي دور فيها يافارس يمكن تلاقي أي طرف خيط
هز رأسه بالنفي وقال باقتناع تام وصوت غليظ:
_لا هو " عز  " عنده حق السر شكله فعلًا في البردية 
سأل ماهر باهتمام:
_هي لسا معاك صح ؟
اماء فارس برأسه مجيبًا:
_أيوة معايا هريح الليلة دي بس وبكرا أن شاء الله هنخلص من كل ده نهائي 
أنهى كلماته ثم نظر إلى وجه أخيه وسأله بجدية وفضول:
_هتعمل إيه مع سمر احنا أكيد مش هنفضل قاعدين في بيت الراجل كدا كتير ومينفعش أنا وليلى نرجع بيتنا وأنت تقعد  معاها وحدكم واكيد أنت مش هتقدر تسيبها وتمشي
 تنهد ماهر مطولًا وأخرج زفيرًا متهملًا وهو يجيب برزانة وثبات مريب:
_نعدي بس تلات أيام العزا دول وبعدها هبقى افكر هعمل إيه، يمكن لغاية ما تخلص التلات أيام نكون عرفنا نوصل للسر كمان
حديقه فارس بنظرة ماكرة وهتف مترقبًا للإجابة بكل فضول:
_ولو ده حصل هتعمل إيه يعني وقتها بقى؟
ماهر بعينان تلمع بوميض مختلف ونبرة صوت رجولية كلها ثقة واحتواء:
_وقتها هيبقى في كلام تاني طبعًا.. هو في حاجة في دماغي وفي قرار بس لسا خليه لوقته أن شاء الله
اشاح فارس بوجهه بعيدًا وهو يضحك على أخيه الذي يحاول أخفاء ماهو معلوم بالفعل، أما ماهر فغضن حاجبيه مستغربًا وسأله بعدم فهم:
_بتضحك ليه؟ 
نظر فارس له بابتسامة دافئة تحمل الحب الأخوي الصادق وراح يربت على كتفه متمتمًا وهو يغمز له بخبث:
_مبروك مقدمًا يادكتور 
استقام واقفًا بعدما انتهي وقال وهو لا يزال محافظًا على ابتسامته:
_تصبح على خير أنا هطلع اريح شوية وأنت كمان روح نام وارتاح.. بكرا يمكن يكون نهاية الكابوس ده 
ظل ماهر يحدق في أخيه وهو يسير مبتعدًا متجه إلى غرفة ليلى ويتساءل كيف فهم القرار الذي سيأخذه، هل أمره مكشوف لهذا الحد، إذًا ربما حتى سمر تعرف بحقيقة ما بدأ يكنه لها في قلبه منذ فترة...
                                         ***
فتح الباب بحرص شديد ثم دخل بكل هدوء واغلق الباب خلفه بحذر، نزع عنه معطفه القصير وعلقه ثم تقدم من الفراش وتمدد بجوارها والتف بجسده مقابلًا لها يتأمل ملامحها بهيام، صفاء ونقاء وجهها أثناء نومها لا يمكن مقاومته، فطالما اعتاد منذ زواجهم أن يتأملها هكذا أثناء النوم دون كلل.
مال بوجهه نحوها وراح يوزع قبلاته الحارة فوق وجهها حتى أحست هي به وفتحت طرف عينيها وابتسمت له بغرام لكنها عادت وأغلقت عينيها مجددًا من أثر النعاس المسيطر عليها فابتسم هو أيضًا وبسط ذراعه أسفلها ثم جذبها لصدره فابتسمت هي وسط نومها ووضعت رأسها فوق صدره بكل راحة وحاوطت جسده بذراعها وهي تلصق جسدها به أكثر .. تريد أن تكون بين أحضانه بحواسها قبل جسدها، أما هو فانحني وطبع قبلته على شعرها هامسًا بصوت منخفض كله أمل وثقة:
_أن شاء الله بكرا ياحبيبتي هوفي بالوعد اللي وعدته ليكي وهتخلص من " أوار" للأبد ونرجع لحياتنا ونخلص من الكابوس واللعنة دي
كانت هي نائمة بين ذراعيه لا تشعر ولا تسمع أي شيء فأغلق هو أيضًا عينيه ليرتاح قليلًا بعد ذلك اليوم الطويل والمرهق...
                                         ***
بتمام الساعة الثالثة والنصف فجرًا فتحت ليلى عينيها دفعة واحدة على صوت يهمس باسمها يناديها " لــيــلـي " وإذا بـ " أوار " تقف أمامها بجوار الفراش تنظر لها مبتسمة بشيطانية ثم رفعت يدها ورفعت سبابتها فجعلت ليلى تبتعد عن حضن فارس وتستقيم واقفة وهي مغيبة تحدق في عيني أوار التي سحبتها بسحرها الأسود، ثم أشارت لها أوار برأسها على المخطوطة التي تركها فارس فوق المنضدة بجوار الفراش، فاماءت لها ليلى برأسها طوعًا ومدت يدها إلى البردية والتقطتها ثم سارت بها إلى الخارج ومن الغرفة إلى الدرج تنزل إلى الطابق الارضي حتى وصلت لباب المنزل ففتحته وخرجت إلى حديقة المنزل ثم اتجهت إلى أحد الجوانب المخفية بجوار الحائط وبدأت بالحفر بيديها الاثنين ووضعت البردية داخل الحفرة ثم دفنتها بالأتربة، واستقامت واقفة وهي تنفض الأتربة عن يديها وتعود لداخل المنزل مجددًا ثم إلى غرفتها وتدخل بين ذراعين فارس مجددًا الذي فتح عينيه عندما شعر بحركتها وسألها باستغراب:
_كنتي فين ياحبيبتي ؟ 
ابتسمت له وقالت بطبيعية تامة:
_روحت اشرب مايه ورجعت 
هز رأسه بتفهم واغلق عينيه مجددًا يكمل نومه وهو يضمها لأحضانه بينما هي فرأت أوار تقف أمامها وتبتسم لها بنصر وخبث فأغلقت ليلى عينيها لتغرق في ثباتها العميق مجددًا وكأن شيئًا لم يكن.....
تعليقات



<>