رواية مرصمة بالدماء الفصل الاول 1 بقلم سيلا وليد
تسللت ببطء، بخطوات حذرة، ثم اتجهت نحو ابنتها.
سحبت إحدى الوشحات السوداء، ودثرتها بها جيدًا، تضمها كأنها تحتمي بجسدها الصغير
فتحت الفتاة عينيها بفزع.
— أمّه…
وضعت كفها سريعًا على فمها.
— إشّ… يا روحي، مش إنتِ بتحبي أمّك؟
— طبعًا.
ابتلعت ريقها وهمست، وقلبها يرتجف:
— تاج… إحنا لازمن نهربوا من إهنه.
— ليه يامّه؟
أوقفتها قبل أن يعلو صوتها، وقربت فمها من أذنها:
— بعدين يا بنيّتي، لازمن نطلعوا قبل ما حد يحس بينا.
بعد فترة، خرجت من الباب الخلفي.
توقفت أمامه، عيناها ممتلئتان بالامتنان والخوف، وقالت بصوت مبحوح:
— بتشكرك يا واد عمي.
هز رأسه محذرًا:
— رحمة… خلي بالك من بنيتك. متخلنيش أندم يا بت عمي إني ساعدتك.
— ربنا كريم.
أشار بيده نحو عربة كارو تقف في العتمة:
— اركبي العربة دي، هتوصلك محطة الجطر، وإوعاكي… إوعاكي تتصلي بيا واصل.
بعد ساعات، كانت تجلس في القطار، تضم ابنتها ذات العشر سنوات إلى صدرها،
دموعها تنسدل على وجنتيها في صمتٍ موجع، تبكي على قدرٍ كُتب عليها: الهجرة… والاقتلاع من الجذور.
رفعت الطفلة رأسها تنظر إليها ببراءة جارحة:
— ليه سبنا دارنا وأرضنا يا أمّه؟
مسحت دموعها سريعًا، وحاولت أن تبدو قوية، ألا تنكسر أمام عيني ابنتها:
— جدرنا يا أمّه… تاج، لازمن تعرفي إني عملت إكده علشان أحافظ عليكي، يا بنيّتي.
— بس كده هنبعد عن جبر أبويا يا أمّه…
ارتعش قلبها، وشدتها إلى صدرها أكثر، كأنها تخشى أن يخطفها القدر من بين ذراعيها.
بأحد المنازل العريقة…
جلس أمام زوجته، وقال بصوت مثقل بالذنب:
— صدجيني يا وردة، غصب عني… عادات وتجاليد، ولازمن أمشي عليها.
رمقته بعيون دامعة، وقهرها يفيض:
— إني عندي تتجوز عليّ يا هارون، بس رحمة بت حكيم لا… إني مش موافجة.
دلف ليل فجأة، وهتف بصوت متوتر:
— إيه اللي سمعته ده يا عمي؟ صحيح هتكتب كتابك الليلة على مرت أخوك… رحمة؟
نهض هارون بعصبية:
— عندك حل تاني يا ليل؟
ببيتٍ آخر…
— بلّغي بتك، عيلة الهلالي هيكونوا إهنه بعد العشا، ومتجلجش على تاج… أنا هربيها.
— واه؟ تربيها كيف؟ أومال ليه تتچوز؟
دلف أحد الشباب غاضبًا:
— إيه اللي سمعته ديه يا جدي؟ عايز ترجع عمتي رحمة بيت الهلالي بعد اللي حصل؟
نظر إليه بصرامة:
— صفوان… لما الكبار يتكلموا، الصغيرين يسكتوا.
أومال أسيبهم يجتلوك، ويجتلوا واد عمك؟
عمتك هتتجوز واد الهلالي… دي العادات والتجاليد، جوزها مات، أخوه يتجوزها.
ضربت إحدى النسوة على صدرها تصرخ:
— الحجني يا حج… رحمة هربت بالبِنته!
