رواية هيبة الجزء الثاني2 ثمن العشق الفصل السادس6 بقلم مريم محمد غريب

رواية هيبة الجزء الثاني2 ثمن العشق الفصل الثاني2 بقلم مريم محمد غريب
رواية هيبة الجزء الثاني2 ثمن العشق الفصل السادس6 بقلم مريم محمد غريب
 أرستقراطية 
لم تدم جلستها برفقة صديقتها المقرّبة، بمجرد أن استمعت إلى الحديث الهام الذي أدلت به غادرت مسرعة، بينما تلحق هي به قبل أن يرحل

هرولت "ليلى" راكضة نحو "دياب نصر الدين" الذي بالكاد قطع نصف الباحة الخارجية ليستقلّ سيارته...

توقف ما إن رآها تعدو بهذا الشكل، وسألها فور وصولها أمامه:

-إيه يا ليلى مالك بتجري كده ليه؟

جاوبته بلهاثٍ خفيف:

-أنا لازم أخرج حالًا.

عبس مرددًا: تخرجي؟
ليه؟ عاوزة تروحي فين؟

أبدت شجاعة كبيرة وهي ترد عليه بثقة:

-رايحة لنديم الراعي.

-لمين؟! .. سألها بخشونةٍ

بادرته "ليلى" بثباتٍ:

-مش إللي بتفكر فيه. أنا رايحة له عشان أنهي معاه كل حاجة
نديم دلوقتي بيدوّر على أي حاجة تكون فيها نقطة ضعفي.. لازم يسمعها مني
إني خلاص مابقتش عايزاه..

دياب باستهجانٍ: لا والله؟
وخلاص قررتي إنك رايحة له؟ على جثتي لو لمح ضلّك تاني أصلًا
وخليه يحاول كده وأنا هاقضي عليه نهائـي..

رجف قلبها للحظة، وردّت عليه بتصميمٍ:

-انت مش محتاج تهدد وتتوّعد. تفتكر أنا لو عايزة أرجع له فعلًا كنت هاجي وأقولك إني رايحة له؟
نديم خلاص انتهى من حياتي. وبما إنك قلت لي لو احتجت حاجة أو حسيت إني لوحدي أجي لك
ف أنا أهو جاية لك. لأني واثقة إن محدش غيرك يقدر يخرجني من هنا ويساعدني.. 

وصمتت قليلًا تعاين ملامحه الحادة تكسوها لمحاتٍ من الوجوم، ثم تابعت:

-دياب.. انت طلبت مني أناديك بابا
لازم أحس فعلًا إنك أد الكلمة دي. مش ممكن تسمعها مني منغير ما أحسّها
ساعدني. خليك جنبي وساندني في أي قرار أو تصرف.. والأهم
إديني ثقتك.. عشان أقدر أنا كمان أدي لك ثقتي!

ظل "دياب" ينظر إليها صامتًا لبرهةٍ طويلة، يتفكّر بكلامها، وفي قلبه ميلٌ قوي لإكتساب ثقتها بالفعل

لكنه في نفس الوقت تعلّم ألا يثق، بها لأنه يعلم بأنها تحب ذلك الرجل والحب هو المرادف الصحيح للضعف، وبمن حولها لأنهم جميعًا لم يرحمونها

الجميع بلا أستثناء.. 

ومع هذا حسم "دياب" أمره أسرع مِمّا توقعت وقالت باقتضابٍ:

-ماشي.. أنا بنفسي هاوديكي لحد عنده.. وهاستناكي وأرجعك هنا.

*****

لم تكن "راندا منصور" معتادة على هذا النوع من التجوال..

ولا على هذا الاتساع الخام الذي لا يعرف التهذيب، الصحراء بدت لها فجّة، صادقة أكثر من اللازم، بينما قلبها _ رغم أرستقراطيته _ كان يرتجف بإعجابٍ خفي بهذا العالم الذي تراه للمرة الأولى

أوقف "عمر" سيارته الرياضية فجأة، دون تمهيدٍ، في بقعةٍ مفتوحة لا يحدّها سوى الأفق وسلسلة من الجبال ذات القمم الشاهقة...

-وصلنا. أهلًا بيكي في نويبع.

نظرت حولها بدهشة صامتة، ثم قالت بتحفّظٍ واضح:

-هو. ده المكان إللي هانقعد فيه؟

ضحك "عمر" ضحكة قصيرة وهو ينزل من السيارة ويلقي بابها خلفه بلا مبالاة:

-كنت متوقع الريأكشن ده. عمومًا الصحرا مابتحبش الرسميات
أعتبري نفسك في العصر البدائي وأفصلي من حياتك شوية.

تنهدت "راندا" بعمقٍ وهي تراقبه يدور حول السيارة، ولا يسعها إلا الذهول من نفسها، كيف طاوعته و وافقت على مرافقته هكذا بثقةٍ عمياء

فقط لأنه طلب منها أن يلتقيا على إنفرادٍ ليقررا مصير هذا الانجذاب المتبادل بينهما!

إنها حتى لم تخبر عمتها عندما سألتها إلى أين ستذهب معه.. كذبت عليها وقالت أنها ستلتقيه بمكانٍ عام

فإذا به يسرقها إلى هذا المكان المنعزل!!

نزلت ببطءٍ، تحاول أن تثبّت فستانها الجلد القصير مع الرياح، بينما كان "عمر" يفتح صندوق السيارة بعنفٍ محسوب، يُخرج الأغراض التي يحملها عادةً عبر تنقلاته

شواية، طقم آلات حادة، فحم، لحم

حتى الخضروات وصندوق المشروبات وبعض الحلوى المصنّعة

كل شيء أُلقي على الرمال بلا اكتراثٍ، وباشر بنصب الطاولة وترتيب أدواته بعنايةٍ..

تابعته "راندا" من مكانها، منبهرة، مترددة، متوترة 

لا تصدق ما تفعله هنا، معه، إنه "عمر".. ابن الطبقة الأرستقراطية التي تنحدر منها

ربما لم تربط بينهما صداقة، زمالة، لكنها عرفته جيدًا

ابن الوزير الأسبق، والسفير الحالي، الطالب المتفوق، ثم رجل الأعمال الناجح الذي أمتلك منتجع سياحي متواضع بمساعدة أبيه، ثم ما لبث أن طوّره ليصبح اليوم من أكبر وأفخم سلاسل فنادق البلاد..

ورغم ما حققه من نجاحاتٍ على الصعيد المهني، إلا إن حياته الخاصة بقيت لغزًا، البعض أكتفى بتفسير عزوفه عن الارتباط والزواج لحرصه على شقيقته ورعايته الشديدة لها، حتى دوى خبر زواجها مؤخرًا بالوسط الراقي 

فازدادت التكهنات بشأنه، الجميع الآن صار في انتظار ارتباطه هو الآخر، ومعرفة هوية سعيدة الحظ التي ستحمل أسمه.. "عمر البدري"..

الرجل الذي يمتلك دماءًا نبيلة ونسبًا لامعًا يناقض مظهره الوحشي البربري الذي تراه عليه الآن.. وفي كل وقت بلا مواربة...

-عمري ما تخيّلت إن دي حياتك فعلًا! .. تمتمت "راندا" بصوتٍ منخفض بالكاد إلتقطه

التفت إليها فجأة، بعينين تلمعان وقال بهدوءٍ:

-لأ.. انتي بس إللي ماكنتيش عايشة
ماتفكريش إن حياة القصور دي هي الحياة الحقيقية يا راندا
بصي حواليكي دلوقتي. وشوفي العالم على صورته الأصلية
منغير تذويق أو مبالغة.. انتي حتى لبسك ده مش عاكس حقيقتك.

تجمدت في مكانها، وشعرت بحرارة تسري في وجنتيها وهي تراه ينرمقها بنظراتٍ متفحصة متفرّسة، فأخفضت بصرها فورًا مغمغمة بشيء من العصبية:

-ماكنتش أعرف إن بداية كلامنا هايكون انتقاد بالشكل ده.. لما أسلوب حياتي مش عاجبك كده بتضيّع وقتك معايا ليه؟

اقترب منها خطوة، ثم أخرى، حتى صار قريبًا بما يكفي ليُربك أنفاسها، لكنه توقف قبل أن يتجاوز حدوده وقال بخفوتٍ:

-راندا.. انتي فاكرة إني جبتك هنا عشان أفرجك على الصحرا؟
أو انتقدك زي ما بتقولي؟ بصيلي من فضلك..

إنصاعت لطلبه ورفعت رأسها على استحياءٍ، نظرت إلى عينيه الرماديتين، بينما يحثها بهدوءٍ:

-ردي على سؤالي بقى..

هزّت رأسها بخجل مرددة:

-أنا مش عارفة انت جايبني هنا ليه يا عمر!

عمر مبتسمًا بجاذبيته المعهودة:

-تمام. أنا هقولك طبعًا جايبك هنا ليه
بس إيه رأيك ناكل الأول عشان نلحق فقرة الشاي قبل الغروب
مش عايز أحكي لك عن متعة اللحظات دي.. انتي هاتجربي بنفسك.. موافقة؟

أومأت له ببطءٍ، فأشار لها بالجلوس على مقربةٍ منه فوق المفرش المبطن، بينما أشعل الفحم بيده، بلا قفازاتٍ، الشرر تناثر، وكأنه يشبهه

وأخذ يتحدث إليها وهو يباشر بتقطيع الخضروات بمهارةٍ فائقة وتتبيل اللحم المقدد:

-أنا اتربيت في بيت مايعرفش يعني إيه استقرار
أول ما بدأت أفهم يعني إيه حياة أبويا شرد في شغله وبقت حياته كلها سفر
وبقيت أنا مكانه.. بقيت مسؤول عن كل حاجة في غيابه
أمي وأختي. ولو ماتعرفيش أمي كانت ظروفها زي ظروف ريهام أختي
وكانت أسوأ منها كمان.. ف لكي أن تتخيّلي إني تقريبًا كنت بربّي طفلتين مع بعض
كنت بالنسبة لأمي مش إبنها. أنا كنت أب. حرفيًا..

صمت "عمر" الآن، وكأن ذكرى والدته ورواية لمحاتٍ عن حياتها تثير في نفسه مشاعر مريرة لا يمكنه وصفها بالكلمات، حاول أن يغيّر مسار الحديث قليلًا...

-عايز اقولك يعني إن عمري ما كنت مترفه زي ما بيقولوا عني.. وكمان مش بقول إني جامد
لكن اتعلّمت إزاي أقدّر الحياة. وشوفت بعيني إن الانسان بيمتلك نَعم كتير جدًا في حياته
ساعات بيتغابى ويغفل عنها.. وساعات بيشوفها وبيفوّتها وبمزاجه. انتي بقى يا راندا من النوع الأول..

عبست مرددة بامتعاضٍ:ا

-كلامك بيحرج لو مش واخد بالك!

ابتسم ابتسامة نصفها إعجاب، نصفها تحدٍّ وقال:

-عارف. وعاجبني.. بحب لما أحرجك شوية.. عشان تباني.

توترت قليلًا في جلستها، تضم يديها إلى حجرها، بينما جلس هو على الرمال بلا اكتراثٍ، كأنه جزء من المكان بسرواله "الكارجو" عاجي اللون، وكنزته البيضاء الضيّقة التي أبرزت جزعه العضلي في إنطباعٍ مغوي..

ناولها علبة من المشروب الغازي قائلًا:

-متخافيش. مش هاخدك على أد جرأتي
أنا جايبك هنا عشان نتواجه.. منغير ألقاب
منغير تحفظات.. منغير أي قيود تمنع حد فينا إنه يعرف التاني كويس..

رمقته بنظرة طويلة، فيها فضول أنثى لم تختبر هذا النوع من الرجال من قبل.. وتمتمت:

-اختلافك عن أي راجل قابلته.. مخوّفني يا عمر!

ابتسم وقال بثقةٍ فجة:

-خوفك في محله يا راندا. لأني واقع فيكي من أول نظرة.. وده أخطر اختلاف في حياتي.

سكتت، لكن قلبها لم يسكت..

كانت تعرف أن الإعجاب الذي بدأ يتسلل إليها ليس آمنًا…
لكنه كان حيًّا، ومغريًا، وصعب الهروب منه!!

بعد قليل، كان اللحم قد استوى، ورائحته انتشرت في المكان كإغراء بدائي لا يُقاوَم

قام "عمر" وأعدّ لكليهما طبقين، ثم عاد إليها ومدّ لها طبقها بيده قائلًا:

-اتفضلي.. أهو شيف الصحراء شخصيًا.

نظرت "راندا" إلى الطبق المليئ بالأصناف لشهيّة، ثم إليه، وقالت بابتسامةٍ خجولة:

-هو احنا هاناكل بإيدينا يعني؟

رفع حاجبه بمرح..

-ده امتحان بسيط للأرستقراطية بتاعتك.

ضحكت ضحكة قصيرة خرجت منها دون قصد، ثم حاولت استعادة وقارها وقالت بجدية متكلّفة:

-طيب. بس لو الفستان اتوسخ إنت المسؤول.

ضحك وهو يناولها قطعة خبز محمّصة:

-أهو كده بقى في ذكرى خاصّة بينّا عمرك ما هاتنسيها.. ولا هاتنسي إني خلّيتك تاكلي بإيدك..

أخذت لقمة صغيرة بحذرٍ ودسّتها بفمها، راحت تلوكها ببطءٍ، ثم اتسعت عيناها بدهشة وهي تردد:

-حلو!

مال نحوها قليلًا وقال بغمزة:

-ع الدوّاق!

هزّت رأسها بخفة..

-واضح إنك واثق في نفسك زيادة عن اللزوم.

-لو ما وثقتش فيها. هثق في مين؟

ضحكت مرة أخرى، أكثر ارتياحًا، ثم قالت وهي تنظر حولها بينما لا تتوقف عن المضغ:

-غريبة. أنا عمري ما تخيّلت نفسي ممكن أرتاح في مكان معزول بالشكل ده!

-وأنا عمري ما تخيّلت إن اللحظة دي ممكن تيجي. وإنك تكوني هنا قدامي إنهاردة ومع بعض أنا وانتي..

خفضت عينيها بخجلٍ، وقالت بهدوء:

-احنا بعض فعلًا.. بس كل حاجة محسوبة
لأني اتعودت تكون حياتي محسوبة!

وضع الطبق جانبًا، وأسند ذراعيه خلفه، ونظر إلى السماء لحظة قبل أن يعود بعينيه إليها ويتساءل بصوتٍ خفيض:

-وحياتك محسوبة على مين يا راندا؟

ارتبكت، وأجابت بعد ترددٍ:

-على نفسي. على الناس.. على إللي يليق بيا.

مال بجسده للأمام، نبرته فقدت خفتها وهو يستنطقها:

-وإللي يريحك؟

سكتت..

لم تتوقع أن يسألها بطريقة مباشرة كهذه، لكنها جاوبته:

-مش دايمًا بفكر فيه.

ابتسم ابتسامة خفيفة، لكنها لم تكن مرحة هذه المرة وقال:

-أنا طول عمري عايش منغير حساب. يمكن عشان كده حياتي فوضى. بس عمري ما خنت نفسي ولا مشاعري.

رفعت رأسها إليه ببطء وسألته:

-والفوضى دي ما بتخوفكش؟

هزّ كتفيه..

-بتخوفني. بس بتخليني حي
صدقيني مافيش أمتع من إنك تعيشي كل لحظة في حياتك منغير ما تحسبيها
بيكون الوقت كله مفاجآت.. حياة..

صمتا لحظة، قبل أن تقول بصوت ٍخافت:

-أنا خارجة من تجربة علّمتني الخوف!

نظر إليها بجدية تامّة وهو يقول:

-علّمتك تخافي. ولا تخبي؟

ارتجفت أنفاسها..

-يمكن الاتنين!

اقترب قليلًا، لكن صوته جاء أهدأ من قبل..

-أنا مش طالب منك تجري ورا اندفاعي. ولا تبقي زيي..

ثم أضاف بصدقٍ عارٍٍ:

-بس نفسي تبقي على طبيعتك. لأن إللي أنا شايفه قشرة.. وراندا الحقيقية وراها!

نظرت إليه طويلًا، ثم قالت بارتباك صريح:

-وأنت؟ طبيعتك دي. ممكن تكون آمان؟

ابتسم ابتسامة رجل يعرف خطورته ولا ينكرها وقال:

-لأ. بس عمري ما هكدب عليكي..

سكن المكان فجأة 

الصحراء، النار، الليل الذي بدأ يزحف…

لم تعد "راندا" تعرف متى تحوّل الصمت إلى ضغط خانق، كانت تجلس في مكانها، جسدها ثابت، لكن داخلها لم يكن كذلك

لم يقترب "عمر" فورًا، وهذا ما زاد ارتباكها..

نظر إليها طويلًا، لا يطاردها، بل ينتظر اللحظة التي تسقط فيها الدفاعات وحدها...

-انتي عارفة إيه أكتر حاجة ملفتة فيكي؟

لم تجبه..

رفعت عينيها فقط، بحذر أرستقراطي لا يخلو من الفضول، فأجاب على نفسه:

-إنك مش بتحاولي تكوني ملفتة. بس كل حاجة فيكي بتعمل كده من نفسها
وإنك ساكتة.. بس مجرد وجودك كفاية أوي عشان أي حد يبص لك ومايقدرش يحيد عنك ثانية..

تنفست بعمق لا يخلو من التوتر وهي ترد بخفوتٍ:

-عمر.. خلّي بالك
انت بتتسرع!

ابتسم بهدوء، لكن صوته جاء جادًا:

-وانتي بطيئة أوي على نفسك.

رفعت رأسها، ثم قالت وفي عينيها ألم واضح:

-أنا خارجة من تجربة دمّرت ثقتي!

-وأنا مش جاي أصلّحك.

-أومال جاي تعمل إيه؟

خفض صوته، صار أعمق وهو يرد عليها:

-جاي أتعامل معاكي زي ما إنتي. جاي أعمل معاكي إللي كنتي تستاهيله من الأول..

اقترب أكثر..

كانت بإمكانها أن تبتعد.. لكنها لم تفعل!

-راندا. أنا معجب بيكي. مش هاخبي
ومش هاضغط عليكي. بس مستحيل أزيّف مشاعري..

أنفاسها تسارعت وهي تقول باضطرابٍ:

-إعجابك ده بيخليني أحس إني ضعيفة.. آه حاسة بانجذاب ناحيتك
بس في نفس الوقت حاسة بالتهديد. ومش قادرة أكون معاك على راحتي
لأني لسا ماتحررتش من نديم.. وطول الوقت خايفة أكون صريحة معاك.. ف تفهمني غلط زي ما بيحصل كل مرة!

مدّ يده ببطء، لمس أطراف أصابعها فقط، لم تسحبها

همس لها: قولي لأ.. وأنا هبعد..

فتحت فمها..

لكن الكلمة لم تخرج!

نظر في عينيها، رأى التردد، الرغبة، والخوف متشابكين

وفي لحظة واحدة، حاسمة، قرر..

اقترب وأمسك وجهها بين كفّيه بلطفٍ يناقض اندفاعه…

ثم قبّلها!

لم تكن قبلة خاطفة، أو متوحشة..

كانت طويلة، ثابتة، كأنها اعترافٌ صامت بإعجابه بها الذي أدّخره بداخله لسنواتٍ دون أن يجرؤ على البوح، أو حتى الاقتراب

إنها القبلة الثانية لهما في أقل من أسبوع!

شعرت "راندا" بأن الزمن تباطأ..

تصلّبت أول لحظة، ثم أغمضت عينيها دون وعي، أنفاسها خرجت متقطعة، وقلبها كان يطرق صدرها بعنفٍ

لعله ضغط قليلًا، لعله تجاوز أيضًا.. لعله كسر وعوده بضبط نفسه كما قال منذ لحظاتٍ

لكنه كان من الاهتمام الكافِ حين سمعها تئن تحت شفتيه بغتةً، ابتعد بلحظة، إلا إنه ظل قريبًا..

جبينه مائل نحوها، صوته منخفض ومشحون وهو يقول من بين أنفاسه:

-أنا مش مجرد مرحلة في حياتك يا راندا.. وحياتك إللي عدّت دي أنا مسؤول أخليكي تنسيها نهائي..

ثم أضاف بثباتٍ:

-إللي عملته دلوقتي كان ضروري. عشان أثبت لك إنك طول ما انتي معايا
عمرك ما هاتفكري فيه.. مشكلتي معاكي أول ما برفع إيدي عنك.. دماغك بتلف وترجع له.

فتحت عينيها ببطء، نظرت إليه وكأنها تراه لأول مرة، وهمست بصوتٍ مرتعش:

-عمر.. كفاية من فضلك
ممكن تروّحني؟ أنا مش قصدي حاجة
بس انت بوظت تركيزي خالص.. أنا شايفاك بس
مش قادرة أتكلم ولا أفكر.. بليز روحني!

نظر إليها مليًا، ثم ابتعد وأفلتها، منحها المساحة الآمنة أخيرًا وهو يقول بهدوءٍ:

-حاضر يا راندا.. زي ما تحبي. هاروّحك.

وقام بوثبة رشيقة يجمع الأغراض ليضعهم بحقيبة السيارة ثانيةً..

بينما "راندا" تضع يدها على شفتيها، ليس خجلًا، بل دهشة من نفسها

كانت تعرف الآن، المعركة لم تعد مع عقلها، بل مع قلبها الذي أحست بخفقه لأول مرة منذ مدة طويلة.
تعليقات



<>