رواية اشباح المخابرات الفصل الحادي عشر11والاخيربقلم ايه محمد رفعت


رواية اشباح المخابرات الفصل الحادي عشر11والاخيربقلم ايه محمد رفعت

اشراقة صباح هذا اليوم كانت تنذر بقدوم شيءٍ مخيف، تهيأ للنبش عن شرٍ تم التعتيم عليه لأعوامٍ، ومازالت المخابرات المصرية تبذل قصارى جهدها للكشف عنه، وفي سبيل ذلك خصصت أقوى ضباط الجهاز لحل تلك المعضلة، والجميع يعلم أن ما لم يتم الوصول إليه خلال فترة وجيزة سيكون واضحًا بالصبر والتخطيط الجيد. 

والآن وفي تلك القاعة السرية المجهزة على أعلى مستوى من التكنولوجيا والاجهزة الحديثة، اجتمع القادة بشكلٍ أكثر سرية، والجميع ينتظر انضمام الفريق المنتظر والذي سيقع عليه تنفيذ أخطر مهمة قد تُسجل في ملفات المخابرات المصرية. 

وكان أول من حضر بالخارج "زين" الذي تفاجأ بوجود "قدس"، فاذا به يقترب منها مندهشًا من وجودها: 
_قدس! 

سحبت بصرها الهائم بالباب الموصود، حيث كانت تفكر فيما ينتظرها خلفه، اسرعت إليه باسمة: 
_شريك! 

قابلها ببسمةٍ بشوشة، وتساءل باستغرابٍ: 
_إنتِ جيتي هنا أمته؟ 

أجابته وهي تنزع حقيبة يدها: 
_لسه واصلة من دقايق، واستغربت جدًا لما لقيت حد داخلي بالشفرة السرية اللي بيني وبين الاسطورة، وقال إنه عايزني دلوقتي، أمنت خروجي كويس وجيت معاه . 

ارتبكت ملامح" زين" وردد بهمس مسموع لها: 
_كده الموضوع خطير فعلاً، وشكلك مطولة معانا هنا. 

زوت حاجبيها بدهشةٍ: 
_وده يضايقك في إيه؟ 

اجابها باندفاع: 
_يضايقني طبعًا، لما تطولي هنا هكون قلقان طول الوقت على قطعة الكوكيز بتاعتي!  انت ناسي انك عيني التالته ولا إيه يا شريك! 

ضحكت بصوتها كلها، ومالت لحقيبتها بعدما نزعت عنها الكاب الأسود الذي أخفى ملامحها كليًا، ثم إنحنت تفتح السحاب وتستخرج قلمًا أسود اللون، منحته إياه وهي تغمز له بشقاوةٍ: 
_عيني ليك يا شريك. 

انتزع القلم منها في لهفةٍ، فككه ببراعة واستخرج منه شريحة صغيرة للغاية، استل هاتفه يضعها به فاذا به ينتقل لبث مباشر، يرى فيه محبوبته وهي تجلس على مكتبها الصغير، تتناول كوب النسكافيه خاصتها وتتابع هاتفها بشرودٍ سحر زيتونته لدرجةٍ اخفت عن بصره تلك التي تطالعه ببسمة راضية عما فعلته من أجل من تراه شقيقًا لها لم تحصل عليه، تركت له مساحته وانسحبت للخارج تستعلم عن غرفة شبيهتها ورفيقتها المقربة! 
                              *****
ارتدى جاكيته الأسود، وفتح باب غرفته يستعد للهبوط، فإذا به يراها تهبط الدرج وتنجرف عن غرفته للأسفل، وحينما استمعت لصوت باب غرفته يُفتح، استدارت تلقائيًا تجاهه وحينما رأته سحبت بصرها وكادت أن تستكمل طريقها، فاعترضها "ياسين" بحديثه ومازال يقف أمام باب غرفته بثباتٍ: 
_إمبارح فهمنا سبب نظرة القتال دي، النهاردة سببها إيه بقى احنا تقريبًا لسه على الصبح!

ظلت محلها توليه ظهرها، فأغلق "ياسين" الباب ورنا إليها يستطرد بسخريةٍ:
_إيه حلمتي بيا فقايمه تعاقبيني إني زورتك في الحلم بغير ارادتي! 

استدارت تجاهه تطالعه بشراسةٍ وقوة، ورددت: 
_اللي بيحلم بحد بيكون بيفكر فيه، فمعتقدش اني دايبة في هواك لدرجة إني أفكر فيك قبل النوم!

تنهد بصوتٍ مسموع، وسحب نفسًا استغاثيا يؤهل ذاته لما سيقول: 
_إيه رأيك نأخد النهاردة هدنة من بعض، على الأقل نكون فايقين للمهمة اللي الكل بيرعبنا منها دي، نكون مركزيين فيها أكتر من نظراتك القاتلة دي، انا بحس إنك نفسك تسحبيني للحلبة! 

كبتت ضحكاتها وأمنيتها التي لفظها هو، ورددت بمكر: 
_على حسب معرفتي بيك انك مش بتقاتل ستات! 

ابتسم ودس يديه بجيب بنطاله: 
_لما نكتب كتابنا هسمحلك بده وبالمرة أكتسب من خبراتك. 

ربعت يديها امام صدرها بشراسة: 
_إنت بتحلم وإنت صاحي يا سيادة الرائد! 

هز رأسه بالنفي وقال بثقة : 
_هو انتِ عندك شك إن مراد زيدان هيقبل يجوزك لحد غيري؟ 

وهبط إحدى الدراجات وهو يستكمل بما اخجلها: 
_أو إنتِ نفسك هتقبلي براجل غيري! 

واجهته بقوة زائفة ورددت: 
_إنت مغرور على فكرة. 

هز رأسه نافيًا: 
_لا صريح. 

تحلت بالصمت قليلًا،ثم قالت بخبث: 
_وانا كمان هكون صريحة معاك، انا عارفة إن ده هيحصل في يوم من الأيام بس الله أعلم إنت حبال صبرك هتمتد لحد فين؟ 

زوى حاجبيه يهاجم انزعاجه الطفيف منها، فابتسمت بانتصار وقالت: 
_لما تصلح الجزء اللي مش عاجبني في شخصيتك وقتها هفكر، و انت وشطارتك بقى. 

وتركته وكادت بهبوط الدرج بانتصارٍ، فنطق بغيظٍ: 
_خليكي فاكرة إني حذرتك من جناني يا مرين. 

رفعت زُرقتها إليه ورددت بدهشةٍ: 
_إيه ده انت طلعت مجنون يا ياسين!!  وده حصلك من إيه؟  من تدريبات الجوكر والاسطورة ولا من عشرتك لزين!! 

استغل وقوفها على الدرج السفلي للطبقة الذي يقف أعلاها، هي تظهر بالدرجة السفلية ومازال يقف على الطبقة الاعلى، فإذا به يهتف بمكر: 
_مهو مفيش شخص عاقل هيتحملك يا ميري!  

وأضاف وهو يهبط درجة فالاخرى بثقة ورزانة: 
_للأسف لازم أعمل نفسي مجنون وإلا ردود افعالي تجاه أفعالك وكلامك مكنش هيعجبك أبدًا. 

فكت ذراعيها وصاحت باندفاع: 
_انت تقصد إيه بكلامك ده؟ 

شملها بنظرة تقييمية مخادعة، وقال: 
_زي إني لو عاقل أكيد كنت هحب بنت بجد مش إنتِ خالص!  إنتِ بتتقمصي دور الشاويش فتحي بره وجوه المهمات، نفس الـFace تقريبًا. 

وأشار لها بانتصارٍ بعدما رأى جحوظ عينيها، وردد ببراءة مصطنعة حينما أستمع لصوت أنفاسها الصاخبة : 
_انتِ كنتِ بتجري ولا إيه؟   تقدري تستخدمي الاسانسير لو تعبتي من الجدال معايا. 

ولوح لها منتصرًا: 
_هكون تحت بس مش في انتظارك للأسف ، محتاج لعقلي عشان أوزن بيه المهمة في وجود القادة. 

وغمز وهو يتخطاها مستكملًا طريقه: 
_لما يمشوا هنرجع نتجن مع بعض تاني عنيدة هانم! 

لكمت درابزين الدرج بحدة، فاذا بها تستمع لصوت ضحكات تأتي من الاعلى، هبطت "قدس" الدرج وهي تطرق كف بالآخر: 
_والله العظيم جنرال بكل ما تحمله معنى الكلمة، وأكتر حد قادر يخليكي تاكلي في نفسك كده. 

قابلتها بنظرة غاضبة، وصرخت فيها: 
_لو مدحتي فيه تاني هحدفك وراه يا قدس، وبعدين انت جيتي امته؟ 

اشارت على مصعد الطابق العلوي، واجابت: 
_من شوية وطلعت أوضتك قالولي لسه نازلة من شوية فنزلت وراكِ عشان ليا نصيب أسمع العركة دي. 

سحبت بصرها للأسفل تتفقده ثم جلست على الدرج تزفر بغيظٍ، جعل "قدس" تهبط إليها، تجاورها بمحل جلوسها: 
_وبعدين يا مرين نهاية الحرب دي إيه، انتِ بتحبيه ومازالتِ بتكابري، طيب ليه كل ده؟ 

شملتها بنظرة تعاتبها،  وقالت: 
_متوقعتش تسأليني سؤال زي ده وانتي عارفة كل حاجة! 

هزت "قدس" رأسها بتفهمٍ، ورددت: 
_ايوه فاهمه كل حاجة، هو غلطان في وجهة نظره وإنتِ طريقتك اللي بتحاولي تفهميه الصح كلها غلط. 

واضافت بعقلانية: 
_بصي يا مرين، ياسين اتربى في بيت شاف فيه والدته وكل الستات بشكل معين، فحاليًا هو شايف نموذج جديد ومختلف عن اللي اتعود يشوفه فآ.. 

قاطعتها والحزن يكسو زُرقتها: 
_فبيحاول يضغط عليا عشان أكونله النموذج ده مش ده اللي عايزه تقوليه!  بس ده عمره ما هيحصل يا قدس أنا زي ما أنا هفضل كده، ولو هو بيحبني بجد هيتقبلني باختلافي مش باجباري أكون بالشكل اللي هو عايزه. 

شملتها بحيرة، وشردت بملامحها القوية الجذابة، كانت ترتدي بنطال من الجلد الأسود، وكنزة بيضاء من الصوف برقبة ومن فوقها جاكيت من الجلد الأسود، وحذاء أبيض رياضي اللون، تقص خصلات شعرها بدبوس ضخم منحها مظهر جذاب، وجهها الأبيض وعينيها الزرقاء تمنحها جاذبية خاصة، فاتنة بمظهرها الذي مازال يُقاس بالرجولي!! 

افاقت "قدس" من شرودها وهي تلكزها بثقة وقوة: 
_قومي يا بنتي ننزل، والله العظيم ما في جمالك ولا شياكتك، بكره يعقل ويرجع ندمان، انتي عارفة إني شهادتي فيكي مجروحه بس قولت اغير نفس الحوار المتكرر بينا وأرمي كلمتين شهادة في حقه وهو ميستهلش قومي قومي. 

ضحكت حتى بدت غمازاتها الساحرة، ورددت بسعادة: 
_كده تبقي صاحبتي وحبيبتي! 

"ونهضت تضع يدها بين يدها المطوية، بينما تمازحها "قدس: 
_والله الفريق ده كله ما فيه حد عاقل وكاريزما زي زين، هو في دنيا لوحده كده ومش درايان بالنار الشعلة دي. 

زمت شفتيها بسخطٍ وقالت: 
_ده هو اللي ماسك علبة الكبريت يا قدس! 

وأشارت بنزقٍ: 
_انزلي خلينا نستلم المهمة دي، وربنا يلطف بينا من الشخص اللي عايشلي في تحقيق حلم خالد بن الوليد ده. 

توقفت" قدس" محلها واستدارت تتساءل باهتمامٍ: 
_مين ده؟ 

انزاح عنها الغضب وابتسمت تلقائيًا حينما تذكرت لمحات من طفولتهما بينما يصرح لسانها بهيامٍ: 
_ياسين، بيحب سيدنا خالد بن الوليد بشكل هوسي وطول عمره بينجذب لقصصه وغزواته، وأكتر شيء بيعجبه فيه إنه عمره ما خسر غزوة داخلها سواء كان مع المشركين أو لما أسلم وبقى في جيش المسلمين! 

أمسكت على ابتسامتها وتنحنحت بخشونة مضحكة: 
_أممم... طيب انزلي يا حبيبتي انزلي! 
                          ******
اجتمعوا جميعًا أمام باب القاعة الموصود، مازال القادة مجتمعين بالداخل قبل الاجتماع بهم، وكل تلك الاجراءات تزيد من ارتباك الاجواء. 

جلس "زين" منعزلًا عنهم وهو يحمل هاتفه بلهفةٍ، يخشى أن يُمنع عنه الهاتف بتلك المهمة فيحاول التمتع برؤيتها قبل "الدخول لمحل الانطلاق، بينما تجلس "مرين" جوار "قدس على مقاعد الانتظار، قبالة" ياسين" الذي يتابعها من الحين والآخر، فاذا به يسحب سماعته ويضعها على أذنيه ثم أغلق عينيه للخلف ومال للخلف يستمع لشيءٍ خفي. 

مرت دقائق اضافية حتى انفتح الباب صدفة وطل من أمامهم أحد العساكر يشير لهم بالدخول، وانصرف على الفور، اعاد "زين" هاتفه لجاكيته ونهضت "مرين" و"قدس" يرنون إليه، فوقف ثلاثتهم باستغراب من عدم انضمام "ياسين" لهم، استدروا صوبه فوجدوه مازال يربع يديه ويميل للخلف مغلقًا عينيه باسترخاءٍ تام، ناداه "زين" باسترابة: 
_ياسيـــن! 

لم يستمع إليه وكأنه قد غفاه النوم، فأشارت "قدس" إلى زين"": 
_الظاهر انه معلي صوت السماعات فمش هيسمعك. 

اقترب منه ينزع السماعات عن الهاتف وهو يتمتم بغضب:
_بتسمع إيه!!

 انطلق الصوت الذي كان يهيم به والذي لم يكن سوى صوته المسجل على الهاتف حتى لا يسمع للموسيقى المصحوبة لاغنيته المفضلة والتي كانت مسجلة بصوته الرائع
_قسمًا برب الخلق أني عاشقًا
وجميع همسات الليالي شهود
لو كان موتي في هواكي واجبًا
فالموت في عينيكي أسمى خلود

قلبي محارب في سبيلك مخلصًا
والحب وحده قاهرًا كل الجنود
أنا لا أهاب المنفى مادمتي معي
فالوطن أنتي والبلاد والحدود

يا حبيبتي ومليكتي وأنيستي في رحلتي
تأتي الرياح بما تشاء مادمتي أنتي سفينتي
جئتيني بعد الصوم عيد
الحب رزق من الإله والله يرزق من يريد

قسمًا بمن سواكي اني هائمًا
وأكاد من فرط الحنين أدوب
قلبي على كل النساء محرمًا
انتي قدر في حكايتي مكتوب

لو كان حبي خطيئتي فلتعلمي
مادمت حيًا على الغرام لا أتوب

الخمر في الأديان أمر محرم
والحب سكر حلال دومًا للقلوب

تأتي الرياح بما تشاء مادمتي أنتي سفينتي
الله مطلعًا شهيد جئتيني بعد الصوم عيد
والحب رزقًا من الإله والله يرزق من يريد

صعق الجميع وعلى رأسهم "زين" الذي ارتجفت أصابعه الممسكة بالهاتف وخاصة حينما اقتبس نظرة سريعة للنيران التي إهتاجت من عيني "ياسين" الغاضب، بينما تبرق له قدس" بصدمة أجبرت لسانها الثقيل على نطق": 
_إنت ليك في الغنا، صوتك حلو!  

اندهشت لما تفوهت به، وخاصة بوجودهم بمكان لا ينبغي لهم التفكير بأي شيءٍ قد يبدو تافهًا، ومن بين ردود الافعال كانت تراقبه بصدمة وتخبط، وتعيد التطلع للهاتف الذي مازال يحمله "زين"، تود لو سرقته منه عسى أن تستمع إليها مرارًا، لم تستطع أن تلتقط الا بضعة كلمات، حتى جذبه" ياسين" من يده وأوقفه بنفسه، سماع صوته واحساسه بقول تلك الابيات مس قلبها بشكلٍ كبير. 

جاهدت للخروج من حالتها الغريبة هذة، فانصاعت ليد "قدس" التي دفعتها للدخول رفقتها، بينما ردد "ياسين" من بين اصطكاك أسنانه: 
_قولي أنا لازم اعمل معاك أيه وهعمله؟  

منحه ابتسامة واسعة وقال ساخرًا منه: 
_هو في ظابط بيغني كلام مُحن من ده، لا وكنت بتتريق على هيبتي اللي اتهدرت في غسيل بدل إبليس توابيت، أهي هيبتك بجبهتك بكاريزمتك كلهم طاروا يا شريك. 

وغمز له وهو يهرول بالدخول: 
_احتفظ بحق الرد لما نطلع أوضتنا، القادة في انتظارنا! 

حبس "ياسين" غضبه الشديد وتنحنح بخشونة يستبعد أفكاره الاجرامية ثم ولج خلفه للداخل بصمتٍ قاتل. 
                تمت بحمد الله 
تعليقات



<>