همس بإنهيار: آدم مات يانور.. آدم مات.
قالت كلامها وقفلِت.
مقدرتش أستوعب الجملة، لساني تقل و رجلي مابقتش شايلاني، قعدت على الأرض و الجملة بترن في وداني ومش قادرة أفهمها تقيلة لدرجة إن عقلي رافض يستوعبها ، أنا اه مش بحب آدم.. لكن عمري ماقدرت أكرهه، مش لدرجة إنّي أتقبّل موته أبداً.
الموبايل كان في إيدي حاولت أدوَّر على رقم ماما أكلّمها بس مش قادرة أشوف بسبب غزارة دموعي.
رنّيت عليها ، ردّت بصوت مخنوق من البُكا: أيوة يانور؟
صوتها أكّدلي كلام همس، كان عندي أمل يطلع غلط.
قومت من على الأرض وقولتلها بصوت مبحوح: مكانكم فين؟
_في مستشفى....
_____
وصلت للدور اللّي موجودين فيه.
صوت صريخ طنط صفيّة نفض قلبي عمّو حسن كان قاعد على الأرض ودموعه نازلة بصمت ، عيوني كانت بتمر عليهم كلّهم باين عليهم الكسرة .. إلّا سامِر ،كان واقف جامد عيونه حمرا عروق وشّه باينة ضامم إيده وضاغط عليها.
مقدرتش أقرّب منّه، خوفت أقول أيّ كلمة ينهار.
______
تاني يوم غسّلوه و كفّنوه ، أخدوه علشان يصلّوا عليه ويدفنوه.
سامر اتحرّك معاهم بس وقّفته بسرعة: من فضلك خدني معاك.
إكتفى بهزّة من راسه بمعنى لأ ومشي.
جريت وراه ومسكت إيده المتشنجة برجاء: عايزة أجي معاك، وهفضل في العربية مش هنزل منها.
منطقش و كمّل طريقه وأنا مشيت وراه . وصلنا و هوّ نزل بسرعة وشال جثمان آدم معاهم للمسجد للصلاة عليه... صلاة لا ركوع فيها ولا سجود..
_________
خلّصوا الصلاة و سامر رجع ركب وساق وراهم ، كل ده وهوّ جامد مفيش دمعة واحدة بس نزلت من عينه ولا نطق بكلمة.
شال نعشه معاهم و صمّم يدفنه بنفسه وكل ما حد يقرّب يساعده يبعده بإيده.
الناس بدأت تمشي و بابا أصر على عمّو حسن ومراته إنهم لازم يمشوا ، مفيش غير سامر واقف رغم إن المكان بيخنقني وعايزة أجري بأقصى سرعة عندي بعيد عنّه إلّا إنّي دخلت.
_مش ناوي ترحم نفسك؟!
مردّش عليّا فَ قرّبت منّه حطيت إيدي على كتفه: الرجالة بتعيط وتصرخ عادي على فكرة.
كإن كلامي عطاله إشارة يسمح لنفسه بالإنهيار.
حضنّي وعيّط عيّط بصوت عالي لفّيت إيدي حواليه وضمّيته ليّا ، دراعاته بتضغط عليّا لدرجة ألمتني بس مقدرتش أتكلّم.
قال بإنهيار وهوّ بيحاول يكتم صوت عياطه في كتفي: نعشه كان تقيل عليّا لدرجة إنّي حسّيت إنّ
ظهري اتكسر، نزّلته قبره وروحي إتسحبت منّي تحت ...مش قادر أصدّق إنّه خلاص مبقاش موجود...
_ اااااااه
صرخت بألم و محسّيتش بأي حاجة تاني دوّامة سودة إتسحبت فيها .
_____
فوقت بصّيت حواليّا بإستغراب ، لوهلة حسّيت إن كل حاجة عدّت كانت كابوس لكن الرؤية وضحِت وقدرت أشوف ملامح سامر اللّي قاعد جنبي بعيونه الدبلانة أكّدلي إن ده مش كابوس للأسف حقيقة.
بصّيت للكانيولا اللّي في إيدي بإستغراب حاولت أتعدِل و اقوم لكن ثبّتني بإيديه وقال بهدوء: إرتاحي انتي لسّه تعبانة.
_تعبانة!! ده شويّة إرهاق أو هبوط مش أكتر.
أخد نفس طويل واتنهّد: ... انتي حامل يانور ، و كان عندِك نزيف بس الحمدلله وقِف.
_____
عدّى أربع شهور وهوّ بيحاول يثبت قدّامي؛ عشان نفسيتي ماتتعبش، بقى هادي وكلامه قليّل.
_يا سامر انا مش عارفة...
قطعت كلامي أوّل مَ دخلت أوضتنا، واقف في ركن بعيد و بيصلّي قعدت واستنّيته يخلّص لكن سَجد وسجوده طال لدرجة قَلقتني.
روحت قعدت واتربّعت جنبه على الأرض صوت نَفَسه كان عالي، ثواني وقام من سجوده ، سلّم و بص لي دموعه كانت نازلة و من غير ولا كلمة نام على رجلي.
مَدّيت إيدي وأخدت المصحف من على المَسنَد اللّي ورايا
فتحت سورة البقرة وبدأت أقرأ من الآية 155
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوفِ وَالجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَموَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)
أُولَئِكَ عَلَيْهِم صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ (١٥٧) ﴾.
كنت بقرأ بهدوء علشان يقدر يستشعِر معنى الآيات،
بصّيت عليه كان مغمّض عيونه ، مشّيت إيدي في شعره وردّدت الآيات من تاني بهمس لحد مَ حسّيت إن راسه تِقلِت ونفسه إنتظم.
___________ بعد سبع سنين
_ يا آدم بقا كفاية لعب وتعالى كمّل مذاكرتَك.
بابا بضيق: مَ تسيبيه يلعب مع ابن خالته ، ماتبقيش واقفة فوق راسه كده.
_ يا بابا ده..
سامر شدّني من إيدي و قعّدني جنبه: ماقال لك تسيبي الواد اللّه! كمّل وهوّ بيغمز : ركّزي مع أبوه.
قولتله برخامة: لأ انا توبت ، بقيت بغُض بصري.
جزّ على أسنانه وهو بيبعد عنّي بغيظ: اللّهمّ قوّي إيمانِك... يلّا طيري من هِنا بقى، هوّينا.
قرّبت منّه تاني و شاورتله على آدم اللّي بيلعب في الجنينة قدّامنا: تعرف ده مين؟
بص عليه بإستغراب: ابننا يانور، سلامة عقلِك.
ركّزت مع ضحكة آدم وهوّ بيجري و رجعت بصّيت لسامِر من تاني، عيوني لمَعت بحب وهمست :
ده طير حُب.
تمت
