رواية بريئة في قبضة كبير الصعيد الفصل الاول1بقلم سهر احمد
بتبدأ قصتنا في الصعيد
الفصل الأول
بين هيبة القصر… وضجيج القاهرة
قصر عائلة الحناوي – الصعيد
الليل كان تقيل… تقيل زي الهم اللي ساكن في صدور أهل الدار.
قصر الحناوي واقف في نص البلد زي جبل، أبوابه عالية، وساحته واسعة، ورجال الحراسة واقفين قدام البوابة كأنهم حيطان ما بتتهزش.
جاسر مصطفى الحناوي كان واقف في البلكونة الكبيرة، عبايته السودة متكتفة حوالين كتافه، وعينيه باصة للضلمة قدامه.
صوت ابوه — العمدة مصطفى طاهر الحناوي — طلع من وراه تقيل وهيب:
"يا ولدي… البلد مش ناچصه نار جديدة. خلّيك عاچل." ياولدي وحسب الاچمور صوح وبعاجل علشان تكسب
اتكلم جده طاهر الحناوي
ايوه ياولدي ابوك عنده حچ اسب الاچمور صوح علشان تعرف تغلب عدوك لازم تعرف نچاط ضعفه وتلعب عليها علشان تغلبه انا عارف ان طارك معاهم ان هم السبب في موت هناء مراتك بس احسبها صوح بعجل علشان متنامش ونرجع نخسر روح تانيه كفياك خسرنا عمك ممدوح ومراتك وابن عمك ياولدي مبچاش فينا نفس نبكي علي روح تانيه ياجاسر ياولدي بيكفياك دم وچتل دلوك استهدي بالله ياولدي من وجت ماابن عمك وعمك راحوا جدام جسر الصاوي علشان يخدو طار هناء وطاخوهم رجل سيف الصاوي غدر وجلنا جتتهم واحنا بجينا خايفين يجي اليوم اللي تفكر فيه انت كمان بالطار وتروح تخده
جاسر ما لفّش وشه، صوته خرج خشن:
"اللي يمد إيده علي حد من عيله الحناوي يا بوي… تتقطّع له. دي عاداتنا، ولا مهنغيّرهاش عشان حد."
من جوّه الدار، صوت عياط طفلة صغيرة كسر السكون.
جنات.
أميمة المنشاوي خرجت شايلة الصغيرة، بصت لابنها بوجع:
"حرام عليك يا جاسر… البِت ملهاش ذنب. دي أمها راحت وسبتهالك امانه في رجبتك ورجبتنا ياولدي بيتك طفلة ملهاش ذنب في موت امها
جاسر شد فكه، عينه لمعت بنار مكبوتة:
"ما تجيبوش سيرة أمها چدامي!"
الصمت نزل تقيل تاني.
الطفلة كانت باص له بخوف… واشتياق.
مدت إيدها الصغيرة ناحيته:
"ابوي …"قاالت
الكلمة خرجت بريئة… لكن زلزلت على قلبه زي طعنة. سيف اخترقت قلبه
لف وشه ومشي. جنات الصغيره ببرائه يابوي انا بحبك كش عايزة تروح مني كيف امي مش عايزة ابچي واحدة من غيرك
سبها جاسر ومشي متاثرش بكلام بينته انها مش عايزة تخسر ابوها وتبقي لوحدها
مازن قرب من أمّه وقال بهدوء:
"إكده غلط ياما… أخوي غبي بطرجته دي بيضيع بنته من بين إيديه."البنت دي خساره في جاسر لو انا ينفع اخودها اربيها ياما كنت عملت اكده بس ابوها عايش مهينفعش اربيها انا وهو موچود
من بعيد، صوت حازم العطار دخل الساحة وهو بيقول:
"جاسر ياصحابي سمعت خبر اكده ان … رجاله سيف الصاوي اتشافوا حوالين الأرض اللي في الجبل." وبيحاولوا يقضوا علي رجالتنا اللي هناك
جاسر نزل السلم بخطوات ثابتة، عينه بقت جامدة: برفعه حاجب وعصبيه ونرفزه وهو بتفتح باب قصره وخارج
"يبقى الليلة طويلة… ومالهاش آخر." ليله ابوه سواءه اللي ياچي علي طريچ جاسر الحناوي امه دعايه عليه
الكاميرا — لو كانت موجودة — كانت هتثبت على وش الطفلة الصغيرة…
وهي واقفة في حضن جدتها… بتبص لباب القصر اللي خرج منه أبوها.
باب تقيل… زي قلبه.
وفي القاهره في شقه بطلتنا
القاهرة – شقة عائلة سجا
زحمة عربيات، صوت ميكروباص بيزعق، وبلكونات مليانة غسيل.
داخل شقة متوسطة في حي شعبي بالقاهرة…
سجا واقفة قدام المراية، لابسة بلوزة بسيطة وبنطلون أسود، ماسكة ورقة النقل في إيدها.
أمها منال داخلة وراها بتقول بقلق:
"يعني لازم تسافري الصعيد؟ مفيش مدرسة هنا يعني؟"
سجا لفّت لها، ابتسامة خفيفة باينة فيها تعب سنين:
"ماما… أنا عايزة أبدأ من جديد. هنا كل شارع بيفكرني بحاجة."حصلتلي
والدها قاعد على الكنبة، صوته هادي لكنه حاسم:
"الصعيد مش سهل يا سجا. الناس هناك غير هنا."
سجا ضحكت بخفة:
"وأنا مش سهلة برضه يا بابا."
مروان دخل فجأة وهو شايل مفاتيحه:
"هو إحنا هنسيب أختي تروح لوحدها بلد ما نعرفش فيها حد؟"
يزن رد من وراه بهدوء:
"يا عم سيبها تاخد نفسها شوية."سجا محتاجه تتحرر من وجعها يمكن تجربه مختلفه اللي هتبدائه في الصعيد تخرجها من ديره الوجع والكسره دي وتخليها اقوي
هُدى قربت من سجا وهمست:
"هو في حد هناك مستنيكي؟"وقصه هتخدك هناك ممكن السفريه دي بتنديكي لحاجه تكون راحه ليكي
سجا سكتت لحظة… وبصت لورقة النقل.
وبدات تفتكر لما المدير انس المحمدي بعتلها وعرفه قرر النقل
فلاش باك
امنيه العاملة في المدرسة راحت لي سجا وندهتلها قولت مس سجا المدير الاستاذ انس عايزك في مكتبه
سجا ردت بستغراب متعرفيش أستاذ انس عايزين ليه
أمنية ردت بنفي قالت لا والله يامس سجا معرفش هو بعتني وقالي ابلغك انه عايزك في مكتبه
سجا بإبتسامة شكرت شكراً ياامنيه طب روحي انتي بلغيه اني رايحه لحضرته فوراً
مشت امنيه تشوف شغلها وكلمت زملتها العامله قالت ليه المدير بعتني لأستاذه اندهله مس سجا مش عارفه حصل حاجه منها ولا ايه عشان يطلبها
قالت هند زملتها واحنا مالنا بقا خلينا في حالنا في حالنا احنا هنام بنشتغل ملناش دعوة مين عايز مين ومين مش عايز مين ومين هيفضل ومين هيرفض من الشغل احنا خلينا في لقمه عشنا خلينا نجيب اكل ولادنا متحبيش سيرة حد ياامنيه وترميه بالبطل انت عنك بنات مترديش يتقال عليهم حاجه وحشه وعندك كوم لحم لو اتفصلتس من شغلك مش هتعرفي تشتغلي تاني وهتتعبي لحد ماتلقي شغل ينسبك وحد يوافق بشغلك عيشي ياامنيه انت مش ناقصه بلوي نصيحه اشتغلي وسيبك من قالوا وقولنا علشان متخسريش شغلك ولقمه عيشك
عند سجا
راحت سجا للمدير خبطت برقه خبطتين سامح ليها انس بالدخول ادخلي ياسجا اقعدي ارتاحي الاول
بداء بهدواء يبلغها خبر النقل هي
وزميلتها يارا عبدالوارث وميار الشازلي الي مدرسه في الصعيد
المدير انس بحيره من امره قال انت وصديقاتك يارا وميار جه قرر من الوزارة بنقلكم مدرسه في الصعيد قالت الصعيد ازاي واهلي امشي من هنا ازاي وانا بحب المدرسة هنا وكل الناس اللي هنا قال انس ده قرر اتمضي عليه خلاص مفيش وقت للرفض منكم تقدري انت وزميلتك تمشوا علي الب البيت تحضروا شنطكم علشان السفر بكرة الصبح على طول قال ودعوا اهلكم ورتحوا النهاردة في البيت عشان تقدروا تسفروا الصبح وقفت سجا علشان تخروج من المكتبه وقفه انس بحماس انسه سجا اكيد انت عارفه تنك اكتر واحدة محتاجة السفريه دي قد ايه عشان كدا رشجتك السفريه اهو تشتغلي وتغيري جو هناك شكراً يافندم يلا وريني همتك ونشاطك هناك عايزك تشرفيني هناك انا عارف انك قويه وهتكوني قدها
باك
عند سجا في بيت اهلها اكدت علي كلام اخوها يزن قالت ممكن يزن معاه حقة يامروان ممكن تكون دي لحظه الهدوء اللي هتخرجني من كسرتي وترجعني اقوي من الاول انا مسفره اشتغل مش انتحر متخفش يامارو
"مفيش حد مستنيني… بس يمكن أستنى نفسي هناك."
الكاميرا تنتقل على شنطة سفر مفتوحة على السرير.
هدوم مترتبة…
وحياة قديمة بتتقفل بهدوء.
عدي الليل بوجعه وتوديع الاهل والاحباب
وفي اليوم التالي
الليل بدأ يهدى شوية…
بس قلب سجا كان مليان صوت.
قعدت على طرف السرير، شنطتها مفتوحة قدامها، حاطة هدومها واحدة واحدة كأنها بترتب سنين مش ملابس.
منال دخلت وقعدت جنبها، مسكت إيديها:
"أنا مش خايفة من الصعيد يا سجا… أنا خايفة عليكي. انتي لسه طالعة من وجع."
سجا بصت لأمها، عينيها لمعت بس ابتسمت:
"الوجع مش بيخلص وإحنا واقفين مكانا يا ماما… يمكن هناك أتعلم أتنفس من غير ما أفتكر."
أحمد منصور دخل الأوضة بهدوء، صوته كان فيه أبوة وقلق:
"لو حسّيتي بأي حاجة تضايقك… ترجعي في نفس اليوم. بيتك هنا مفتوح."
سجا قامت حضنته:
"أنا مش ههرب يا بابا… أنا رايحة أبدأ."
مروان كان واقف عند الباب، صوته فيه غيرة أخ كبيرة:
"ولو حد فكر يضايقك… أقسم بالله أروحله لحد عنده."
سجا ضحكت:
"هو أنا رايحة حرب؟ دي مدرسة يا مروان!"
يزن ابتسم بخفة:
"انتي مش بتروحي مكان عادي… انتي بتروحي عالم تاني."
هُدى قربت منها وحضنتها:
"متتغيريش هناك… خليكي زي ما انتي."
سجا بصت في المراية مرة أخيرة…
وشافت بنت مش ضعيفة.
مش مكسورة.
بس لسه بتدور على مكانها.
قفلت الشنطة.
وكأنها قفلت باب مرحلة كاملة من حياتها.
رجوع للصعيد – قصر الحناوي
الليل فعلاً كان طويل.
صوت طلق نار اتسمع من بعيد في الجبل.
رجالة الحناوي كانوا واقفين، مستنين إشارة واحدة من جاسر.
حازم قرب منه وقال بهدوء خطير:
"لو اتحركنا دلوقتي… هنخلص عليهم."
جاسر عينه كانت بتلمع بنار:
"مش دلوك."
الكل استغرب.
رائد قال بعصبية:
"هنستنى لحد ما يقضوا علينا؟!"
جاسر لف لهم، صوته واطي بس مرعب:
"اللي يضرب من غير ما يفكر… يخسر. وأنا مش ناوي أخسر حد تاني."
كلام جده رجع يرن في ودانه:
"احسبها صوح يا ولدي… علشان تعرف تكسب."
رفع عينه للسما…
وهمس لأول مرة من سنين:
"يا رب… اكفيني شر قلبي."
وفي نفس اللحظة…
جنات كانت نايمة في حضن جدتها، ماسكة طرف عباية أبوها اللي سابها على الكرسي.
كأنها خايفة يصحى الصبح…
وما تلاقيهوش.
أول لقاء… في مكان ما كانش مكتوب له يكون عادي
مدرسة القرية – صباح جديد
سجا دخلت المدرسة بخطوات ثابتة.
نظرات المدرسين مختلفة…
كلمة "جاية من القاهرة" بتتقال همس.
مديرة المدرسة قالت بابتسامة رسمية:
"دي مس سجا… هتمسك فصل أول ابتدائي."
سجا دخلت الفصل.
الأطفال صوتهم عالي، ضحك، حركة، طاقة.
لكن في ركن بعيد…
طفلة قاعدة منكمشة على نفسها، في آخر دُقرة في الفصل، باصة للأرض.
سجا مشيت ناحية الأطفال، ابتسمت، لكن عينيها كانت رايحة ناحية البنت الصغيرة.
قربت منها بهدوء… نزلت لمستواها.
"مالك يا قمر؟ إيه مقعدك لوحدك كده؟"
البنت رفعت عينيها بخجل… عيون واسعة مليانة خوف.
"اسمك إيه يا حبيبتي؟"
قالت بعفوية وبراءة:
"اسمي… جنات يا مس."
قلب سجا دق.
"وأنا مس سجا يا قلبي… أنا هنا معاكي. لو حبيتي تحكي، أنا موجودة في أوضة المدرسين. تعاليلي في أي وقت."
جنات بصتلها ثواني… وبعدين قربت منها فجأة وحضنتها.
"حاضر يا مس… بحبك يا مس سجا."
سجا اتفاجئت… بس حضنتها بقوة.
حسّت بحاجة غريبة جواها…
إحساس أمومة كانت فاكرة إن ربنا ما كتبهاش ليها.
مسحت على شعرها:
"وأنا كمان بحبك يا جوجو."
من بعيد…
مدرسة همست لمدرسة تانية:
"دي بنت كبير البلد…"
وفي نفس اللحظة…
باب المدرسة اتفتح.
خطوات تقيلة دخلت الساحة.
هيبة سكتت المدرسة كلها.
جاسر مصطفى الحناوي.
عينه كانت بتدور على بنته.
لكنها اتجمدت…
لما شافها.
في حضن غريبة.
جاسر وقف عند باب الفصل… عيونه على البنت اللي في حضن سجا.
كل عضلة في جسمه متوترة، قلبه بيتحرك بسرعة… لكنه حاول يخفي أي إحساس.
صوت المدرسين والأطفال اتخفى في دماغه… كل اللي شايفه هو جنات، ابنته الصغيرة، في حضن واحدة غريبة عن عالمه.
حازم قرب له وقال بصوت منخفض:
"يا صحبي … إنت عارف مين دي؟"
جاسر مردش… رفع إيده عشان يخفف عصبيته… بس اللي حصل هو العكس.
جنات بصدفة رفعت راسها وبصت له… وابتسمت برقة… إبتسامة بريئة كأنها تقول له: "ابوي… أنا بخير."
جاسر كتم أنفاسه… قلبه دق جامد إحساس غريب دخل جوه.
ماكنش يعرف إذا كان غضب… ولا خوف… ولا شوق. لطفلته اللي عمره مااتعامل معاها بي حنيه اب خايف علي بنته وحساسها بوجوده وامانه جمبها وجنات بتشبه امها هناء بشكل كبير
بعد شويه جيرت جنات بسرعة علي حضن ابوها كانها بتستمد منه الامان بس هو ولا اهتام بحبها ومشاعره تجاهه اخده وروح القصر
بس الحاجة الوحيدة اللي كان عارفها: انه مش هيسيب أي حد يمس ابنته… مهما حصل.
الليل سكت تاني… بس الهيبة لسه ساكنة في القصر.
جاسر رجع لغرفته، ماسك قلبه بين إيديه…
وشعر بحاجة… أن حياته هتتغير للأبد.
