
رواية ارض الدوم بقلم رحمة نبيل
رواية ارض الدوم الفصل الواحد والعشرون21 بقلم رحمة نبيل
الواحد والعشرون [ نور وسط الظلام ]
صلوا على نبي الرحمة .
ـــــــــــــــــ
تقف في منتصف منزلهم بعد ليلة واحدة من إعلان رغبته الفعلية في الزواج بها، ليلة كاملة قضتها تتقلب على الفراش وهي تفكر إن كان ما حدث حقيقة مجردة، أم مجرد خيال من رأسها الخصب الذي مال دون شعور منها له .
ابتلعت ريقها وهي ترفع عيونها له ببطء لتجده يراقب أي شيء حوله عداها، وكأنه يعمد لتجنب وجهها، ابتسمت بعدم فهم وتشنج.
هل حلمت البارحة بنظراته لها ؟!
تنفست تبعد عيونها عنه وهي تمنح كامل تركيزها لأحمد والذي أدركت في هذه اللحظة أن ساڤا قد اجبرته بشكل أو بآخر في هذا السفر، الرجل يبدو وكأنه تفاجئ كما الجميع أنها ستسافر معه .
فتحت فمها وكادت تستأذنهم لتغادر وقد أضحى الوقوف في مكان هو فيه عذابًا خالصًا، لكن قبل التحرك سمعت صوته يهتف بعدم فهم :
_ أنتِ جايبة السلسلة دي منين ؟؟
توقفت أقدامها فجأة واستدارت صوب الصوت الذي كانت تدركه جيدًا دون الحاجة للسؤال عن صاحبه .
نظرت لوجهه بملامح متعجبة، تتمسك بالسلسال بقوة وكأنها تتمسك بروحها تتراجع خطوة للخلف وكأنه سيهجم عليها وينتزعها منها .
زاغت عيونها وهو فقط كان سيُجن ليعلم كيف وصلت هذه الهدية لها، لقد كان ...يحتفظ بها حتى يجد فرصة مناسبة ليمنحها إياها.
وصوت يهتف في رأسه أن ما يدور بعقله الآن حقيقة .
وأن من منحها القلادة لم يكن سوى نفسه، نفسه غير الواعية .
نظرت رايانا حولها للجميع بخجل شديد، ليدرك مسلم غباءه الشديد في مثل هذا السؤال، لذا تنحنح بسرعة يحاول تبرير سؤاله الغبي أمام الجميع :
_ اصل ...كنت يعني ...كنت اشتريت واحدة شبهها قبل كده فعشان كده مستغرب أنها بتتباع هنا و...
توقف عن الحديث وهي نظرت له بعدم فهم ومسلم أبعد خصلاته عن عيونه بغضب شديد وهو يعلم أنه يفسد كل شيء بمرضه وتهوره أمامها .
نظرت رايانا ارضًا وهي تفكر في غرابته، لكنها لم تصل لشيء، لذا تحدثت بسرعة وهي تتحرك بعيدًا عنهم :
_ عن اذنكم أنا لازم ارجع دلوقتي .
ومن ثم تحركت بسرعة خارج المنزل ومسلم يراقبها، وبدون تفكير هرول خلفها بسرعة كبيرة قبل خروجها يوقفها على باب المنزل وهو يهتف بصوت خافت وصل لها ببساطة لقرب المسافة بينهما :
_ فروشكا ....
توقفت أقدامها وقد تجمدت في أرضها وهي تفكر بحيرة، يأتيها ليلًا ويناديها رايانا، ومن ثم صباحًا يتعامل كما لو أنه نسي اسمها.
استدارت له ببطء ليبتسم لها بسمة صغيرة يحاول بها ترميم الصدع الذي تسبب به بغباء في الداخل :
_ السلسلة ...عجبتك ؟!
رفعت حاجبها، ليبتسم وهو يدرك في هذه اللحظة أن صداع الصباح والشرود والخواء في عقله لم يكن من فراغ في الحقيقة، لقد زارها البارحة وهذ واضح، الكارثة الكبرى هو كيف زارها ومتى وأين ولماذا ؟؟
نظر ارضًا يفكر في شيء يتحدث به يلمح لما حدث بينهما البارحة حتى يعرف إلى ماذا وصل البارحة .
_ أنت مش فاكر صح ؟!
ارتجف صدره بقوة وقد شعر أن روحه تعرت أمامها في هذه اللحظة، يرمش بقوة وهو يرفع عيونه لها وقد بدت صدمته وشحوبه واضحين لها، فابتسمت بسمة صغيرة وهي تميل برأسها:
_ اصل كل ما تيجي ليا يوم تجيبلي حاجة تاني يوم تنساها تاني يوم، أنت بتمشي وأنت نايم ؟!
كان شاردًا بها دون شعور، ينفي برأسه قولها، ليت الأمر توقف عند حدود السير نائمًا، البارحة كان عقله منفصلًا عن الواقع، كل تصرفاته لم تكن صادرة من وعيه وعقله، بل من اعماق روحه وكأن شخصًا اخر يتحكم به، وهو يشاهده من بعيد حتى يستيقظ وينسى ما حدث له، الأمر اشبه بالانفصام إلا أنه ليس انفصامًا، ليس شخصًا آخر يتلبسه كمريض الانفصام، بل هو نفسه، لكن جزء منه هو من يتحرك وكأنه أخذ حرية كان يبتغيها .
والغريب أن هذا الجزء كان وحشًا سابقًا، كاد يقتل الكثيرين وحتى يقتل نفسه.
الآن كيف تحول الوحش لكائن وديع يذهب كل ليلة ليحضر لها الهدايا ؟؟
_ السؤال صعب ؟؟ أنت امبارح واليوم اللي جيت ليا فيه قبل كده كنت بتتكلم بشكل غريب، وده واضح، ممكن تفهمني ايه اللي بيحصل ؟!
رمش وهو يفكر أنها ليست مستعدة بالمرة لترى أعمق واحلك أسراره، هي أبصرت الجزء الذي يشرد من جسده ولم تبصره حين تسحبه نوبة بعيدًا عن هذا العالم، حتى هي لن يبصرها بها، بل سيتجمد وينعزل عن الجميع .
وهذه الحقيقة ارعبته عن نفسه، كيف يكون مسؤولًا عنها في هذه الحالة .
بلل شفتيه ولم يكد يتحدث بكلمة حتى قاطعهم رنين هاتفها، لتنظر له نظرة أخيرة قبل أن ترفع الهاتف وهي تجيب بسرعة وكأن رنينه أنقذها :
_ الو ساڤا ...
لكن لم يصل لها صوت ساڤا، بل وصل لها صراخها وصوت رجولي جوارها، اصوات كثيرة جعلتها تنتفض وهي تنادي اسم ساڤا بخوف جعل مسلم يتحفز وهو يقترب منها وقد أبصر الرعب الواضح على عيونها .
ومن خلال سماعة الهاتف سمع مسلم صوت صرخات ساڤا وصوت تحطيم جعل عيونه تتسع والتعجب يسكن عيونه .
اللحظة ذاتها التي خرج بها الجميع مرتعبًا على صرخاتها، وقبل أن يستفسر أحدهم عما يحدث منها كانت رايانا تهرول كالمجنونة خارج المنزل وكأن حياتها ستتوقف إن توقفت .
ومسلم الذي لم يفكر لثانية قبل أن يركض خلفها بسرعة مرعبة وصوت صرخات الفتاة تستنجد وتصرخ ترن داخل اذنه، وتبعه أحمد ويحيى والجميع حتى عيسى كاد يلحق بهم لولا أن اوقفه حاتم بسرعة والذي خرج على صوت الصرخات يشير له بتحذير ألا يترك نورهان وحدها :
_ ضلّك معها وما تخلّيها لحالها يا عيسى .
ومن ثم هرول خلف الجميع وقد كان هو الوحيد الذي يفكر تقريبًا، يود اللحاق بهم ليعلمهم أن ركضهم بهذا الشكل خلف رايانا لن يكون له عواقب محمودة في القرية بين الجميع، وأن عليهم التريث، لكن لا حياة لمن تنادي ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في منزل ساڤا ..
كانت تتلقى الضربات وهي تصرخ بصوت موجوع تحاول النهوض والمقاومة لكن سكينة كانت تحبط محاولتها كلما حاولت الإفلات من بين يديّ عمها العزيز .
أبتعدت عن مرمى حزامه وهي تبحث عن شيء تنقذ به نفسها حتى أبصرت مكنستها الخشبية في أحد الأركان لتجذبها بسرعة تضرب بها قدم سكينة التي أبتعد متوجعة صارخة، وقبل أن يستوعب أحدهم شيئًا كانت ساڤا تهبط بالعصا على جسد عمها، ومن ثم هرولت بثوبها الذي أصبح رثًا وهيئتها التي أضحت مزرية خارج المنزل.
لكن كانت خطوة واحدة قبل أن تشعر بجذور شعرها تكاد تنخلع من رأسها ويد عمها قد أحكمت على شعرها يسحبها للخلف صارخًا :
_ بتمدي ايدك عليا يا بنت الـ ***، لو ابوكِ معرفش يربيكِ ولا أمك أنا هربيكِ .
سقطت دموع ساڤا بقوة وهي تحاول تخليص نفسها من بين قبضته صارخة بوجع أصبح يستحكم جسدها بالكامل :
_ يا اخي ربنا ياخدكم كلكم ؟! ايـــــــــه افتكرت إني بنت اخــــوك دلوقتي عشان حبيبة القلب جات اشتكت ليــــك ؟! ولمــا كانت بتسحبني وراها الكباريهات كنت بنت *** عشان متسألش فيا ؟؟ سيبني...سيبنــــــي ..
كانت تصرخ بكل صوتها حتى شعرت أن حنجرتها تضررت، وفي هذه اللحظة بدا أن الناس ايقنوا أن هناك شيء خاطئ يحدث ...
فسمعت ساڤا صوت امرأة وهي تقتحم المكان تصرخ بعمها برعب :
_ أنت بتعمل ايه جدع أنت ؟؟ هتموت البنت في ايدك .
_ متدخليش يا ست أنتِ، بنت اخويا وبربيها .
اتسعت عيون المرأة وهي ترى مظهر ساڤا التي كانت مدمرة بكل ما للكلمة من معنى، تصرخ برعب وهي تجذب ساڤا بعيدًا عنه :
_ تربي مين يا عرة الرجالة، بتتشطر على ست يا زبالة، سيب البنت .
دفعها الرجل للخلف بغضب لتسقط السيدة ارضًا بقوة، وقد اشتعلت عيونها ولم تكد تتحرك حتى وجدت قذيفة تندفع من الباب وأحدهم يهجم على الرجل بشكل مخيف بدا كما لو أنها تقطع جسده بيديها العاريتين .
ولم يكن ذلك الشخص سوى رايانا التي هجمت عليه تجذبه من وجهه بعيدًا عن رفيقتها التي شعرت بالرعب من مظهرها، كانت تجذبه من عيونه ليصرخ الرجل بوجع جحيمي وقد ترك ساڤا تسقط ارضًا بلا حول ولا قوة .
ورايانا كان كمن تلبسها شيطان، تخدش وجه الرجل باظافرها، وتحشر أصابعها في عيونه، حتى شعرت بشخص يجذبها من شعرها بعنف، استدارت لتشعر بصفعة سكينة تهبط على وجهها بقوة، ولم تكد تستوعب ما يحدث حتى تلقت ضربة من الرجل على جانب رأسها، وبينما هو على وشك أن يتبعها بالثانية، شعر بكامل جسده يُطحن بالجدار خلفه .
كانت ثانية، فقط ثانية أبصر بها مسلم يد الرجل تمس وجه رايانا، حتى جن جنونه وهو ينقض عليه محطمًا كامل عظامه، ورنت الصرخات مرة ثانية في المنزل، لكن هذه المرة لم تكن صرخات ساڤا بل كانت صرخات عمها الذي سمع الجميع صوت تحطيم عظامه تحت قبضة مسلم والذي كان ينوي اخراج روحه .
ورايانا تراقب حالة مسلم برعب تتراجع للخلف كي لا يطالها أذى، ورغم الخوف إلا أنها كانت تشعر ... بالأمان.
سقطت دموعها وهي تستدير صوب ساڤا تزحف لها باكية تصرخ باسمها :
_ ساڤا يا عمري، ساڤا حبيبتي أنا هنا، ساڤا فوقي بالله عليكِ، طمنيني بس عليكِ .
ضمت رأسها وهي تصرخ بصوت مرتعب وقد كان جسد ساڤا ساكنًا سكون الأموات، ساكنة بشكل مرعب جعل صرخاتها تزداد، وهذا لم يساعد مسلم ليتوقف عن إخراج روح الرجل .
ولولا وصول الجميع وهرولة حاتم له وصرخات يحيى التي كانت كأنها قادمة من مكان بعيد، لم يكن مسلم ليتركه، وفي الواقع هو لم يتركه، بل سُحب من فوق جسد الرجل بصعوبة بواسطة يحيى وحاتم، وعيونه ماتزال مثبتة على جسده .
وأحمد كان متجمدًا على باب المنزل بوجه شحب مما يرى، كان جسدها ساكنًا ارضًا بشكل مخيف، ارتجف جسده ولم يكن يعي حتى ما يحدث حوله، ولم يدرك شيء حتى دفعة سكينة له جانبًا لتهرب .
كل ما كان يبصره هو جسد ساڤا الغارقة في دمائها بين ذراعيّ رايانا، وكل ما يسمعه صوتها وهي تخبره رغبتها بالتوبة .
تسأله إن كان فات الأوان بعد ؟!
هل فات الأوان ؟! رحلت قبل تحقيق توبتها؟! رحلت قبل شعورها بالراحة ليوم واحد كما أخبرته ؟!
ارتجف جسده من الفكرة وسقطت دمعة له مرتعبة وهو يهرول صوب رايانا ينزع سترته يلقيها على جسد ساڤا، ثم انتزعها هي شخصيًا من رايانا وركض بها خارج المنزل بسرعة وهو يصرخ بصوت مرتجف في وجه رايانا :
_ فين المستشفى اللي هنا ؟!
نهضت رايانا بسرعة وهي تبكي تشير له أن يلحق بها، وبالفعل هرول خلفها، تاركًا الجميع في حالة من الفوضى بمنزل ساڤا .
لولا حاتم الذي جذب مسلم ويحيى معه خارج المنزل، خلفهم عم ساڤا ملقى كالخرقة البالية جانبًا، دون أن يفكر أحدهم في رؤية إن كان قد نجا من يد مسلم أم لا ........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ عيسى اتصل بيحيى أو حاتم، أي حد يطمنا .
كانت تعلم أن لا مسلم أو أحمد سيكونون في حالة تسمح لهم بالتحدث معها، لذا لجأت لحاتم أو يحيى .
وعيسى لم يكن يمتلك في الواقع رقم حاتم يومًا، أو يفكر حتى في اقتنائه، لم تطرأ الفكرة برأسه لحظة، لذا رفع هاتفه يتصل بيحيى ينتظر رده .
وبعد مرة ومرتين وثلاثة، أجاب يحيى بصوت حانق وانفاس شبه لاهثة :
_ كنسلت عليك يبقى مشغول يا غبي يا راس القلقاسة أنت.
- والحلو بقى مشغول في ايه ؟! يكونش عندك اجتماع في مجلس الوزرا ؟!
نظر يحيى أمامه لمبنى المشفى الذي بدأ يظهر لهم :
_ لا رايحين المستشفى بمرات اخوك، أحمد هيطلع ...
صمت حين تكلمت نورهان برعب شديد :
_ مرات اخوه مين ؟! أنت بتقول ايه ؟؟ يحيى ايه اللي حصل اخلص ؟!
- روحنا البيت لقينا خنزير بري ماسك مرات اخوكِ وهاتك يا ضرب، وكان لسه هيدخل على مرات مسلم، بس حظه مسلم لمحه وخلاه مش نافع يتباع قطع غيار حتى .
اتسعت عيون نورهان بصدمة مما سمعت، تهمس بصوت مرتجف من تصاعد حدة الأحداث بهذا الشكل الغريب :
_ أنتم فين يا يحيى ؟؟ أنتم فين خليني اجي اشوف البنات ؟؟
_ مستشفى الدوم المركزي .
تحدثت نورهان بجهل وصوتها كان مرتجفًا :
_ أي واحدة دي أنا معرفهاش ؟!
- يا ختي هو فيه غيرها؟! امشي في نص البلد كده هتلاقي بيت صغير محطوط عليه يافطة أنها مستشفى او اسألي، وسلام عشان اخوكِ بياكل الدكتور .
اغلق الهاتف وطارت عيون نورهان لعيسى تهتف بخوف مما يمكن أن يحدث في هذه الحالة :
_ عيسى تعالى بسرعة خدني ليهم خليني اكون جنبهم ...
نهض عيسى يلحق بنورهان وهو يدس الهاتف في جيبه ينزع مفتاح المنزل، ثم جذب الباب خلفه بقوة، ومن ثم هرول خلف نورهان صوب المشفى التي لا يعلمون لها من مكان بعد ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يجلس بمكتبه وهو ينظر أمامه بروح منطفئة، يشعر بالمرارة تستحكم حلقه، ويد تخنقه، فك ازرار قميصه، يحاول التنفس بشكل طبيعي وقد كان المكان بأكمله يضيق على صدره ..
وكل ما حدث له يؤرق مضجعه، وذكرى خزيه لا تزال تمر أمام عيونه وكأنها تحدث مرات ومرات كل لحظة .
" أنت اتجننت يا محمد ؟! بنت مين دي اللي روحت طلبتها ؟! ومن غير ما تقولي ولا تقول لابوك ؟!"
نظر محمد لوالديه وهو يتنفس بصوت مرتفع، هو تهور يعترف بذلك، لكن ضياع رايانا منه للمرة الثانية كان يقتله، منذ سمع ذلك الشاب يتحدث عنها ويشير لها بزوجة أخيه وقد شعر بالرعب من ضياعها ففعل ما فعل .
" يا اما بالله عليك تفهميني، أنا بحب رايانا، والله عايش عمري كله على أمل تكون ليا "
" رايانا ؟! رايانا يا محمد ؟! من بين كل بنات القرية تقولي رايانا ؟!"
ابتلع محمد غصته وقد كان يعلم رأي الجميع حولها يدافع عنها بضيق :
" مالها بس رايانا يا حاجة ؟! كويسة و...."
" انا متكلمتش عن اخلاقها يا محمد، كويسة لنفسها يا بني بس مش ليك "
اتسعت عيون محمد وشعر بالعجز من معارضة والدته يفكر في الذهاب وحده، هل يمكنه ذلك حتى ؟! هل يستطيع تزوجها فوق رغبة والدته ؟!
" يا محمد يا حبيبي، رايانا دي مش ليك يا بني، عمرها ما كانت ليك، وإلا كنت هتبقى أول نصيبها يا حبيبي، ربك مش كاتبها ليك فبلاش تعاند، دي أرملة والكل في القرية معندهمش سيرة غيرها "
" يا ما بس ..."
" مبسش يا بني، أنساها وبكرة ربنا يرزقك باللي أحسن منها يا قلب أمك"
انكمشت ملامحه بوجع وهو يرفع عيونه لوالده يستنجد به، ليبعد الاخير عيونه عنه وهو يردد بجدية :
" أمك عندها حق يا محمد، روحي يا أم محمد للناس اعتذري منهم عن الموقف البايخ اللي ابنك حطنا فيه "
وهو فقط ظل واقفًا يراقبهم يحددون مصيره وكأن لا رأي له به، والدته تتجهز وتعد العدة لتحطم قلبه وتحطم احلامه، وهو فقط يراقبها بعجز، مقيد بطاعتهم، ومقيد بخوفه من الاعتراض.
إن اعترض كيف سيحيا معها، إن اعترض هل يستطيع العيش معها وهو يعلم أنها سبب غضب والديه منه ؟!
وأكثر ما يخنقه أن والديه لم يفكروا لحظة واحدة وهم يقررون بدلًا منه، لم يترددوا في تحطيم حياته، لم يتوقفوا ثانية وهم يدمرون حلمه الوحيد .
سقطت دمعة عجز منه، نفذ ما طالبوه به، لكنه يعلم يقينًا أنه يومًا لن يسامح والديه على تحطيمه بهذا الشكل، لن تنمحي غصته ولو بعد مئات السنين .
انتفض جسده على صوت صرخات يعلو في الخارج، صوتها وكأنه خرج من أفكاره .
تحرك بسرعة بعيدًا عن المكتب يخرج بسرعة من غرفته بخوف مما يحدث ليبصر بعض الاطباء يهرولون صوب شاب يحمل جسد مدمى غير واضح له .
ورايانا خلفهم تبكي وتتوسلهم أن يساعدوها، كانت تبكي لدرجة أنها انهارت ارضًا بمجرد أن دخل الجميع الغرفة واغلقوا الباب .
انهارت ارضًا أو هكذا ظنها، فقبل أن تمس الأرض كانت هناك يد تلتقطها بلهفة وحنان .
يد تمنعها السقوط دون التفكير في أي عواقب، يد ساندتها دون لحظة تردد واحدة .
ليدرك في هذه اللحظة أن والديه محقان، لا يمكنه الزواج بها، ليس لأنها لا تستحقه، بل لأنه هو من لا يستحقها، لن يكون يومًا يد تستند عليها حين سقوطها .
وهذه الحقيقة قتلته أكثر.
ابتلع ريقه وهو يتحرك صوب الجميع يهتف بصوت خافت مرتجف وعيونه عليها مثبتة يستجدي منها نظرة سماح وغفران :
_ رايانا .
كانت غير واعية لما يحدث ومسلم يحاول جذبها صوب أول مقعد ليريحها عليه وصوته يهمس دون وعي :
_ هتكون بخير، متقلقيش باذن الله هتكون بخير .
بكت وهي تهمس بصوت متحشرج والقهر يزين نبرتها :
_ ضربها لغاية ما وقعت ما بتنطقش وانا مكنتش موجودة حتى عشان ادافع عنها يا مسلم .
وعز على مسلم أن تلوم نفسها، نفس اللوم الذي ما يزال يجلد به نفسه حتى الآن منذ موت الفتاة بين يديه من عشر سنوات .
يرفض أن تدخل بهذه الدوامة التي تقتله منذ عشر سنوات، دوامة لن تخرج منها بخير أبدًا.
حاول التماسك وهو يهمس بصوت مرتجف :
_ أنتِ...ملكيش ذنب، لو كنتِ هناك كنتِ ساعدتي، مينفعش تلومي نفسك على شيء ملكيش دخل فيه .
لا يمكنها لوم نفسها وهي لم تكن هناك، لكن هو كان هناك وقتما ماتت بين ذراعيه ولم يفعل شيء.
وما الذي كان سيفعله لها بين الأمواج ؟؟
ربما كان يتركها تتشبث بالمركب وتنجو ؟!
انتفض جسده على صوت خلفه ينادي اسمها، استدار معها ببطء صوب صاحب الصوت ليبصره، ذلك الرجل الذي حاول أن ينتزعها منه .
تركها بهدوء على أحد المقاعد يستقيم وهو يقف أمامها بينها وبين محمد، حتى قطع الرؤية عنها بالكامل ولم تكن رايانا تبصر سوى ظهر مسلم فقط .
_ نعم ؟!
حاول محمد أن يتجاوزه ويصل لرايانا، لكن مسلم قطع طريقه وهو يجذب يده بعيدًا عنها يتحدث بصوت هادئ كي لا يلفت الإنتباه صوبها :
_ متحاولش حتى ترفع وشك فيها، مش بس ايدك .
نظر له محمد والعجز داخله أصابه بالكره لنفسه ولجميع من ساهم في إبعادها عنه :
_ وأنت دخلك ايه؟؟ سيب ايدي أنا عايز اتكلم معاها و....
" زوجتي ... امرأتي....تخصني " وكلمات ملكية أخرى تدافعت لعقل مسلم بقوة حتى كاد يبصقها في وجه محمد، لولا أنه تماسك فلا ينقصه أن ينظر لها أحدهم نصف نظرة تؤذيها ولا يمتلك هو حقًا شرعيًا ليعمي عيونهم، سينتظر فقط حتى يفوز بها ويقسم بالله سيري قريتها جحيمًا، وسيكون اول حطبة له هو ذلك الحقير الذي يحاول نزعها منه ودس نفسه في حياتها .
_ دخلي أنها مش طايقة تشوف وشك ولا فايقة تكلمك، فلمّ نفسك وامشي من هنا بلاش تسبب ليها مشاكل وخلي عندك شوية رجولة .
ابتلع محمد ريقه وهو ينظر لرايانا التي كانت تسمع كلمات مسلم وتدعو الله أن يرحل، لكن غصتها التي تقف في منتصف حلقها، جعلتها تقف بهدوء وهي ما تزال تحتمي بظهر مسلم بعيدًا عن أيدي محمد :
_ مفيش حاجة نتكلم بيها يا محمد، والدتك امبارح قالت كل حاجة خلاص، واظن عيب على دكتور كبير زيك يجي يقف يتحايل يتكلم مع واحدة زيي، أنت تستحق واحدة أحسن مني والدتك عندها حق .
ولم يكد محمد يجيبها ويبرر لها ما فعلت والدته وقالت، حتى تحدث مسلم من بين أسنانه والغضب يعميه :
_ هو يطول هو وأمه ؟؟ مين دي اللي احسن منك اساسًا ؟؟
صمت ينظر لمحمد من فوق لأعلى ثم أكمل :
_ وايه بقى الميزة اللي الست الوالدة شيفاها فيك عشان تستكترك عليها ؟؟ البالطو بتاعك ولا السماعة ولا بياضك ؟! لأن دول مش ميزة غير عند الجهلا بس .
أحمر وجه محمد بقوة، بينما مسلم ابتسم له بسمة واسعة :
_ لكن رغم كده اشكر لي والدتك جدا وقولها إني مقدر حركة الجدعنة دي، وانها قدرت تمشي كلمتها عليك وتبعدك عن وشي، لاني مكنتش هبقى سعيد لو دخلت السجن في واحد زيك ميسحتقش حتى اوسخ ايدي بيه، فما بالك يتقدم لرايانا ؟؟
والإهانة التي تلقاها محمد كانت كبير، لذا نظر نظرة أخيرة لرايانا، يرحل من أمامها بسرعة كبيرة تاركًا الأخيرة تنظر لاثره بعيون متسعة مصدومة من كلمات مسلم.
هل دافع عنها للتو ؟!
تراجعت للخلف كردة فعل طبيعية لاستدارة مسلم المفاجئة، لينظر هو لها مضيقًا عيونه وداخله كلمات كثيرة، لم يتحدث بها بسبب خروج الطبيب الذي تحرك لهم يخبرهم وضعها .
وكان أول الواقفين جواره هو أحمد والذي كان اقربهم للباب.
_ اللي حصل ده اعتداء واضح ولازم البوليس يكون عنده علم باللي حصل، البنت مفيش فيها حتة سليمة ووضعها مش بسيط و....
_ هنقلها القاهرة لو لازم.
كانت كلمة خرجت من فم أحمد بسرعة رافضًا كل الهراء الذي خرج من فم الطبيب، أي حالة صعبة واي غباء، ساڤا لا يمكن أن تتأذى، ليس الآن وهي لم تتخطى خطوتها الأولى في التعافي من سموم حياتها حتى .
رفع الطبيب عيونه صوب أحمد، يهز رأسه بهدوء شديد :
_ يكون افضل لأن هي محتاجة أشعة عشان نتأكد إن مفيش اي نزيف داخلي لأن واضح فيه ضربة قوية على الراس، ده غير الكسور الداخلية، يفضل تتنقل القاهرة وتعملوا محضر بالواقعة، هجهزلكم التقرير الخاص بيها، إن شاء الله تقوم بالسلامة، عن اذنكم .
رحل تاركًا الجميع صامتين بشكل غريب وأحمد يراقبهم بشرود وكأنهم ليسوا أمامه، كان متذمرًا من السفر معها كي لا يحمل همها وهي بكامل صحتها، الآن هو من يطالب بالسفر معها وهي غائبة عن الوعي، والغريب أنه مستعد لحملها وحمل كل همومها إن كانت ستفيق في النهاية .
رفع أحمد عيونه صوب مسلم يتساءل بصوت خافت مرتجف بعض الشيء :
_ العربية لسه موجود يا مسلم ؟؟
هز مسلم رأسه بنعم :
_ بتعرف تسوق ؟!
نظر له أحمد ثواني ونعم كان يستطيع ربما، لكنه لم يجرب منذ سنوات خاصة طريق سفر طويل، مسح مسلم وجهه وهو يشير صوب حاتم :
_ حاتم هيسوق بيك للقاهرة ويكون معاكم عشان لو احتجت حاجة يكون فيه حد معاك .
في الواقع جاء سبب ارسال حاتم تحديدًا، ليدعم موقف صديقه لدى أحمد إلى جانب السبب الذي ذكره له .
اومأ أحمد الذي نظر صوب رايانا التي كانت تقف وهي تحدق في باب الغرفة بأعين شاخصة ووجه شاحب .
_ محتاج شنطة هدوم ليها معلش .
ورايانا لا تعي ما يحدث من حولها، حتى سمعت صوت مسلم يهمس لها بصوت خافت :
_ رايانا .
سقطت دموع رايانا بقوة تهمس بخوف وقد بدأ قلبها ينقبض بشكل مرعب :
_ يعني ايه ؟؟ ساڤا هتسيبني ؟؟
_ رايانا هي هتكون كويسة بس ....ممكن تجيبي ليها لبس من عندك، أحمد هيسافر بيها القاهرة لازم تتعالج معاها هناك .
_ هروح معاه و....
فجأة توقفت وهي تفكر في حياتها، هل يمكنها حتى الذهاب هناك دون الموت على يد عمها وعز الذي سيجد مائة سبب لقتلها هذه المرة .
ماذا عن والدها، تخشى الرحيل فيستغل عمها ذلك ويمس والدها بسوء، من سيقف له ؟؟ جدتها العجوز أم شيما المسكينة ؟!
سقطت دموعها بعجز، لكنها قررت السفر دون التفكير فيما سيحدث لها بعد ذلك، ساڤا تحتاج لها كذلك، هي وحدها، لا يمكنها تركها هكذا .
_ هسافر معاها، لازم اكون معاها عشان اساعدها مش هينفع تسافر لوحدها كده معاهم، لو فاقت مش هتكون مستريحة ومحدش هيقدر يساعدها زيي.
نظر لها مسلم ورغم رفضه أن تبتعد، إلا أنه كان يقدر ما تقول، لذا تنهد ولم يكد يتحدث حتى سمع الجميع صوت نورهان وهي تهتف بصوت لاهث بعدما جاءت ركضًا مع عيسى :
_ خير يا جماعة، هي كويسة؟
تحركت عيون مسلم صوب نورهان، ليبتسم بسمة صغيرة وهو يهمس لرايانا :
_ اهي ربك بيدبرها .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
وساعات كانت بعد ذلك، وكأن الوقت يركض دون منحها حتى فرصة التنعم بقربها .
تقف مع مسلم خلف البحيرة تراقب السيارة تبتعد عنها، لا تصدق أنها تركت ساڤا ترحل دونها، لا تعلم كيف حدث ذلك؟!
ساڤا ما كانت لتتركها يومًا وقت حاجتها، هي حقيرة هذا ما هي عليه .
أخذ الأمر من مسلم ساعات طويلة فقط ليقنعها بالعدول عن رأيها، يدرك أن حياتها الآن ليست ملك يديها ولا يده حتى، هو يستطيع حمايتها، لكنه لا يستطيع فعل ذلك داخل منزلها .
تنهد بصوت مرتفع وهو يراقب رحيل السيارة، حتى سمع صوت شهقات مكتومة في المكان، استدار لها وهو يمسح وجهه بتعب شديد يهمس لها بحنان :
_ فروشكا ...
هنا وانفجرت في البكاء بصوت مرتفع تنهار ارضًا أمامه قبل حتى أن يبادر بالمساعدة :
_ إزاي ؟؟! ازاي سيبتها تروح من غيري، انا مش هسامح نفسي، بالله عليك عايزة اروح معاها، وديني ليها حاسة قلبي واجعني، أول مرة تبعد عني و...
صمتت وهي تدفن وجهها بين كفيها باكية، لم تستطع السفر خوفًا على نفسها وعلى والدها الذي أبصرت نظرات الشر تجاهه من عمها وعز، كانت مقيدة جوارهم لا تستطيع مساعدة صديقتها .
جلس مسلم القرفصاء أمامها بهدوء، يخرج منديل من جيب بنطاله يمده لها بهدوء ودون كلمة تاركًا إياها تكمل انهيارها دون أن يقاطعها هو، يراقبها بهدوء شديد، حتى توقفت بعد دقائق تبعد يديها عن وجهها لتبصر أول شيء منديلًا أمامها..
رفعت عيونها له ليبتسم بحنان شديد، مدت يدها بتردد تمسك المنديل وهي تمسح وجهها به، وقد كانت هذه ربما المرة الأولى التي يعطيها أحدهم منديل تجفف به دمعها، كان ينتهي كل بكاء لها بأن تجف الدموع عن وجنتيها بعد انهيار .
أما عنه فقد كان يراقبها بهدوء شديد يتوعد أن تكون المرة القادمة كم ثوبه أو افضل ..يده هي من تجفف دمعها .
_ أحسن ؟!
رفعت عيونها له، تراقبه ثواني قبل أن تهز رأسها بنعم، أما عنه فابتسم بسمة صغيرة :
_ متقلقيش عليها، أحمد ممكن يكون متحكم وعقلاني وخنيق، بس اجدع إنسان ممكن تعتمدي عليه في حاجة، وطالما حط سلامة صاحبتك في دماغه مش هيرجع بيها غير وهي كويسة .
ابتلعت ريقها تتحدث بصوت خرج مرتجف :
_ مش هاين عليا تكون لوحدها في لحظة زي دي، مش هاين عليا تعاني لوحدها وأنا مش جنبها، أنا...
انفجرت في البكاء مجددًا وقد اوجعها قلبها على ترك ساڤا وحدها :
_ ساڤا كانت معايا من صغري، من اول ما جات القرية وهي أقرب حد ليا، الوحيدة اللي صاحبتني من غير ما تفكر في كلام الناس، كانت بتدافع عني لو حد قرب منه وهي ....
مسحت دموعها بيد مرتجفة :
_ لو حصل ليها حاجة انا هموت وراها والله .
زفر مسلم لا يدرك كيف يخرجها من حالة الشجن الخاصة بها، ينظر صوب البحيرة بعجز وقد فكر في أخذها والسفر بها خلفهم، لكن آخر ذرات تعقله منعته ذلك .
_ فاكرة اول مرة شفتك فيها ؟!
رفعت عيونها له بتعجب، ليبتسم وهو ما يزال شاردًا بالبحيرة وذكرى أول لقاء يمر أمام عيونه، ذلك اليوم حينما أخذ يردد على الجميع تعليماته حول استثناء النساء من رحلتهم هذه، لتتحول بوصلتهم تدريجيًا صوب النساء دون شعور .
_ يوم ما فكيتي الجسر ووقعتيني على وشي في المايه.
ضحكت رايانا بصوت خافت وهي تتذكر ذلك اليوم، كان مسلم يومها مرعبًا بهيئته، والتي لم تقل رعبًا، لكنها على الأقل علمت أي القلوب يسكن هذا الجسد المخيف .
رفعت عيونها له ببطء :
_ خوفت منك لما زعقت عشان كده فكيته .
ضحك مسلم بصوت منخفض :
_ يا ستي والله كنت بزعق ليحيى عشان ميخوفكيش فجه على دماغي، صحيح خيرا تعمل ...
ضحكت بصوت مرتفع وهي تتذكر صرخته ذلك اليوم والتي ظنتها موجهة له، ومن ثم وقعت عيونها عليه وهو شارد بها لتتوقف عن الضحك بخجل، ليبتسم هو لها بحنان يبعد عيونه عنها بهدوء :
_ لو اعرف وقتها إني هفضل اقع على وشي كل ما اشوفك كنت هربت لآخر البلاد .
_ ياه للدرجة دي بخوف ؟!
خرجت كلماتها ساخرة بعض الشيء .
ليجيب هو بجدية :
_ لا أنا اللي بخوف.
نظرت له بشك ليتنهد بصوت مرتفع :
_ كلامي للدكتور كان صح يا رايانا، أنتِ خسارة فيه، وخسارة فيا انا كمان بس ...حظك اني مش زيه لأني مش هقدر ابعد زيه ببساطة.
صمت وهو يتنفس بصوت مرتفع :
- مع الوقت هتعرفي وتتأكدي أنك كنتِ تستحقي حد احسن بكتير اوي مني، حد يعيش معاكِ حياة طبيعية و....حياة أنا ممكن غصب عني مقدرش اقدمها ليكِ، بس انا يا رايانا مش ...مش هعرف أبعد و....لو مش موافقة عليا فدي فرصتك، ابعدي وأنا هفهم ومش هحاول إني اجبرك عليا .
نظرت له بعدم فهم لا تعلم سبب كلماته هذه وبدون مقدمات ينصحها بالابتعاد عنه، وكل ما تردد في رأسها، صوته قبل ليلة حين أخبرها ألا تبتعد عنه حتى إن طلب منها، هل كانت إشارة منه أن تتمسك به ؟؟ هل هذا اختبار مثلًا ؟؟
وهو فقط كان يتابعها يدرك أنه حقير كي يضعها في هذا الإختيار دون توضيح ما الذي ينتظرها إن اختارت جانبه .
لكنه فقط يريدها، بكل ذرة داخله لا يريد سواها من الحياة، هو أناني لدرجة أنه قد يتزوجها ومن ثم يسجن نفسه في كل ليلة بعيدًا عنها على أن يبصر بسمتها صباحًا .
يمكنه أن يعود لتلقي العلاج لاجلها، أن يعود ليُصعق بالكهرباء حتى ويعيش نفس الوجع مجددًا لأجلها، لكنه لا يستطيع تركها لأجلها.
لذا وضع الخيار بيدها .
_ رايانا أنا مش ...طبيعي زي ما أنتِ شايفة، أنا فيه حاجات كتير...حاجات يمكن متعرفيهاش عني و....ممكن لو عرفتيها تـ..
صمت يحاول التفكير في كلمات يمهد بها حالته دون الكشف عنها بشكل كامل :
_ أنا كنت عايش عشر سنين من عمري في امريكا، وصدقيني انا العشر سنين دول شوفت فيهم ايام اتمنيت فيها لو اقدر اموت نفسي، أو أن كنت اموت يوم ما فكرت أسافر، شوفت حاجات عقلك عمره ما يستوعب أنها حقيقة، وده أثر عليا بشكل سلبي و...
هنا توقف ولم يستطع المواصلة بكلماته وهي فقط تستمع بصدمة، هذه كانت المرة الأولى التي يفتح بها مسلم قلبه لها، ويخبرها ما يخصه، وعلى عكس ما ظن فهذا لم يثر فيها سوى حزنًا عليه، وأمنية أن تربت على ظهره .
لكنها في النهاية ابتسمت بسمة صغيرة وهي تنظر للسلسال برقبتها تتلمسه بهدوء شديد قبل أن ترفع عيونها به تتحدث بصوت خافت :
_ لما لبست السلسلة وشوفتها استغربت ليه حد ممكن يهادي حد بسلسلة عبارة عن كورة سودة، لغاية ما بصيت ليها من زاوية تانية وشوفت فيها نور جميل ..
نظر لها مسلم ثواني قبل أن يحرك نظراته للقلادة، فخلعته هي ببساطة ترفعه أمام عيونه تحرك بهدوء :
- لو بصيت ليه من الزاوية العادية هتشوف ضلمة وبس، لكن بص لما تحرك الزاوية دي ...فيه نور .
صمتت ثم قالت ببسمة :
_ النور ده أنت.
اتسعت عيون مسلم بقوة من كلماتها وشعر بقلبه يكاد يتوقف من تشبيهها، هو اشترى لها القلادة بمجرد أن أبصرها لأنه ذكره بها، ذكره بوجودها الذي ينير ظلمته، وجودها الذي حتى اسوء جزء داخله احبه .
رفع عيونه بها لتبتسم وهي ترتدي السلسال مجددًا، تردد بهدوء :
_ تفتكر لو شيلنا النور من الكرة دي هيبقى عامل ازاي ؟؟
ختمت حديثها وهي تنهض تنفض ثوبها، تنظر له من الاعلى وهو ما يزال يجلس القرفصاء، لتبتسم بسمة صغيرة :
_ أنا اقتنعت من زمان بفكرة الشرير يا مسلم، فمعتقدش اني هغير رأيي بعد كل السنين دي ...
وهنا ختمت حديثها ووجودها في المكان تنظر له نظرة أخيرة، قبل أن تشكره بصوت خافت وترحل بهدوء تاركة إياه يجلس مكانه مصدومًا يلاحقه بنظراته، يبتسم بعدم تصديق لما قالت .
أحدهم يراه نورًا ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دخل المكان بهدوء وهو يدور بعيونه بين الرفوف بحثًا عنها، لكن وعلى عكس العادة خاب ظنه ولم يجد بمحل العم رجب سوى رجب فقط .
زفر بضيق يتحرك صوب مكتب رجب الذي يقبع في ركن المحل الكبير، يسحب المقعد وهو يلقي بجسده عليه زافرًا بصوت مرتفع جعل رجب يرفع عيونه له بعدم فهم، لكن هو فقط تنهد يقول :
_ الدنيا دي صعبة يا عم رجب اوي ليه ما تسبش اتنين بيحبوا بعض في حالهم، ليه دايما لازم توجعهم ؟!
نظر له رجب بعدم فهم، وما زالت أصابعه تتحرك مع حبات مسبحته :
_ مين دول اللي الدنيا بتوجعهم؟!
_ ابطال الرواية اللي بقرأها، والله الواحد مبقاش عارف يشيل هم نفسه ولا هم شخصيات الرواية اللي بيقرأها الموضوع بجد بقى مزعج .
ورجب فقط يراقبه بلا ردة فعل، حتى تنهد بصوت شبه مسموع وقد ارتفع صوب استغفاراته، لكن يحيى كان معتادًا على حركات رجب، يميل على مكتبه وهو يردد بجدية :
_ ألا قولي يا عم رجب، قبل ما تتجوز مراتك كنت بتحبها ؟!
رفع رجب حاجبه بسخرية من كلمات يحيى :
_ أحبها ؟!
- ايوة أمال اتجوزتها كده على العمياني ؟!
_ لا اتجوزتها عشان محترمة وبنت حلال.
لوح يحيى يده في وجه رجب وقد فقد الأمل في رؤية قصة حب واقعية تنتهي بالزواج، كان يأمل بقصة مسلم ربما، لكن بما يحدث أمامهم الأمور غير مبشرة .
_ شوفت مفيش أي أمل واحد إني ممكن في يوم اتجوز اللي بحبها يا عم رجب .
_ وهي مين دي اللي بتحبها ؟! وايه اللي يمنعك تتجوزها ما تغور تتجوزها .
ضرب يحيى على المكتب بصوت مرتفع جعل رجب ينتفض انتفاضة شبه محسوسة وقد كاد قلبه يتوقف في لحظة، لكن يحيى لم ينتبه وهو يقول بضيق :
_ اهي هي دي المشكلة يا عم رجب، العائق قدامي إني اتجوز اللي بحبها هي إنها مش موجودة اساسا .
_ والله لو موجودة وبتفهم ما تقعد معاك ثانية واحدة .
نظر له له يحيى بحنق شديد :
_ ايه يا عم رجب أنت مفكرني هعامل مراتي زي ما بعاملكم كده ؟؟ اكيد يعني مش هعاملها زيك .
صمت ثم ابتسم بشرود وهو يتخيل نفسه متزوج من امرأة جميلة يحبها وتحبه، حنونة ورقيقة :
_ مراتي دي ليها حنيت ورقة ودلال مفيش بنت في بلدك لمحهم ولا هيلمحهم و...
توقف عن الحديث في اللحظة التي ابصرها تخطو بها للمحل مبتسمة بسمة صغيرة وهي تتحرك مع طفلة صغيرة تحملها بين يديها، تدور بها في المكان وهي تتعامل مع الفتاة برقة جعلته يشرد دون شعور وهو يكمل حديثه .
_ هي بس ترضى عني وانا هجيب ليها الدنيا كلها تحت رجلها .
كان يتحدث ورجب كعادته لا يهتم، فقط ينظر ليده التي تحرك حبات مسبحته، يزفر ومن ثم رفع عيونه يتحدث بتعقل:
_ الله سبحانه وتعالى بـ...
لكن توقفت كلماته في حلقه حينما أبصر المقعد أمامه فارغًا من يحيى الذي اختفى عن أنظاره، نظر حوله بعدم فهم يبحث عنه لكن لا أثر له .
_ بسم الله هو اتحرق ولا ايه؟؟
أما عند يحيى فقد كان في أقصى المحل عند رفوف الحلوى حيث تقف هي مع الصغيرة التي يظهر عليها البكاء، تحملها بين يديها تبتسم لها بحب :
_ بصي كل ده عشانك اختاري اللي تحبيه وانا هجيبه ليكِ .
لكن الفتاة فقط كانت تستند برأسها على كتف كارا دون كلمة فقط دموع تهبط بهدوء وكأنها قد استسلمت للاوجاع .
رفعت كارا عيونها كي ترى حال الفتاة لكن أثناء ذلك توقفت وهي تبصره هناك قريبًا منها على بعد خطوات فقط، مما جعلها تضم الصغيرة لها وكأنها تحتمي بها من نظراته، لا تقوى على مواجهة بينهما حتى ينتهي ما يحدث في هذه الأيام وتنتهي زيارة خالها الوشيكة .
أما عنه فكان يراقبها ببسمة صغيرة، يقترب منها ينتزع منها الصغيرة بحنان شديد يهمس بسخرية ممازحة :
_ هاتيها..
وبالفعل سحب الصغيرة من بين ذراعيها وهو يرفعها أمام عيونه يبتسم لها بحنان شديد جعل الأخيرة تنظر له بريبة وهي لا تعلم من هذا، استدارت وهي تنظر باستجداء لكارا، لكن الأخيرة فقط كانت تتابع ما يفعل يحيى .
ويحيى ابتسم وهو يمسك الفتاة بين أحضانه ينظر لها وهو يضيق عيونه هاتفًا بهدوء :
_ بالله عليكِ ده ينفع ؟؟ lady زي القمر زيك تعيط بالشكل ده ؟؟
نظرت له الفتاة بعدم فهم ولم تكد تتحدث بكلمة، حتى ضمها له يحيى يهمس لها بلطف :
_ بتعيطي ليه يا مسكرة أنتِ ؟؟
وضعت الفتاة اصبعها بفمها وهي تنظر حولها بعدم فهم وخوف شديد، ليسحب يحيى اصبعها وهو يرتب لها خصلاتها بحنان :
_ اسمك ايه مسكر أنت ؟؟
رمشت الفتاة وهي تنظر حولها لكارا التي ابتسمت لها تشجعها على الحديث معه، ومن ثم عادت له تقول بصوت خافت باكي :
_ عايزة بابا ..
رفع عيونه صوب كارا التي هزت رأسها بحزن فتفهم ما حدث، كانت الفتاة احدى وافدات الدار .
_ يا عيون بابا أنتِ اعتبريني بابا وقوليلي عايزة ايه وانا اجيبه ليكِ .
سقطت دموع الصغيرة وهي تميل برأسها على كتفه تبكي بصمت، وكارا تتنفس بحزن، كانت الفتاة وحيدة مع والديها توفت والدتها بعد سنتين من ولادتها لتحيا باقي حياتها مع والدها فقط، حتى لحق بوالدتها منذ اسبوع، ومنذ ذلك الوقت تنقلت بين جيرانها حتى آل بها الحال للملجأ مع الجميع.
ويحيى شعر بالحزن لأجل الصغيرة التي لم يعلم قصتها بعد، لكن يبدو أنها جديدة في هذه الحياة المليئة بالوحدة والقهر، قبل رأسها بحب شديد وهو يضمها له بلطف أكثر يهمس لها بحنان بعض الكلمات التي لم تكن تصل لكارا، يتحرك بها بين ممرات المحل، وهو يدور بها وكأنه يغني لها تهويدة.
وكارا تتابعه بعيونها بانبهار ازداد حين رؤيتها لهذا الجزء منه، الرجل كان مرحًا غير مباليًا، غير مهتم، غير جاد لدرجة أن آخر شيء توقعت رؤيته منه هو هذه المسؤولية وهذا الحنان الذي ينبثق منه ..
كانت تتحرك خلفهم تراقبهم وهو يدور بالصغيرة في المكان ورجب يتابع ما يحدث بعدم فهم .
قبل أن يتحرك بعيونه صوب كارا يبصر بها إعجابًا واضحًا، ليدرك أنه ربما لم يخطأ حين اقترح ذلك الأمر على يحيى .
الشاب كان كما قال، يخفي جزءًا لا يبصره إلا من يرغب هو بأن يبصره .
مرت دقائق وكارا تتابعهم دون كلل أو ملل، تراقبه وهو يعطيها حلوى كثيرة، وقد بدأت الصغيرة تتفاعل معه ببسمة واندماج حتى نست تقريبًا سبب حزنها، أو تناست.
وما هي إلا دقائق قليلة، حتى عاد لهم يحيى وهو يحمل الصغيرة نائمة على كتفه ويده الاخرى يحمل الحلوى لها يضعها على المكتب .
_ حطهم في شنطة الله يكرمك يا عم رجب لغاية ما اروح انيم رنا .
نظر له الرجل بتقدير ومن ثم جمع له كل ما اختار، ليبصر يحيى يضع بعض الأموال أمامه، ولم يكد يرفض المبلغ، حتى قاطعه يحيى وهو يردد بجدية :
- معلش ده رزقك يا عم رجب مش هنفضل ناخد كده، تعالي يا كارا معايا عشان انيمها في مكانها .
رمشت كارا وهي ما تزال مسحورة بذلك الجانب الجاد الحنون منه، واسمها الذي نطقه بهذه الطريقة دون سخرية ودون مزاح .
الرجل لم يبذل جهدًا لتزداد افتتانًا به.
لكنه وكأنه يرفض أن تراه لطيفًا إذ تحدث بحنق :
_ اتطرشتي ؟! أنتِ يا ما ؟!
هزت رأسها تقول بخفوت وصدمة من كلماته :
_ ايوة حاضر، أنا هروح ارجع رنا للملجأ يا عم رجب لو بابا اتصل قوله عشان تليفوني على الشاحن في البيت .
ومن ثم نظرت ليحيى تشير له أن يتحرك معها وضربات قلبها تسبقهم ..
خرج الاثنان من المكان، وقد كان يحيى يفكر في شيء بصمت حتى تحدث بصوت مسموع:
_ أول مرة افكر في الموضوع ده، بس لو احنا اخدنا البلد دي الاولاد والناس دول مصيرهم ايه ؟؟
صمت وقد شعر لأول مرة بالتردد في رغبته، لكنه شعر أنهم على كل حال ليسوا بأفضل الأحوال هنا، هم يحتاجون رعاية أكثر، ربما يبني لهم ملجأ افضل في القاهرة وينقلهم .
ابتسمت وهي تراه قد اتخذ دور الأب في هذه اللحظة :
_ ربك كريم، سواء هما أو احنا فربنا هيدبر لينا حياتنا ..
_ أنتم ؟؟
كانت كلمة شاردة منه وكأنه انتبه للتو أن هناك هم على هذه الأرض .
ابتسمت له حين وصلوا للملجأ فتحت الباب وتحركت معه للداخل تلوح للمشرفة هناك وهي تشير له أن يلحق بها صوب غرفة الفتيات تشير على فراش فارغ ليضع الصغيرة عليه بحنان ومن ثم يرفع الغطاء عليها مقبلًا خصلاتها بحب .
ولم يكد يبتعد حتى شعر بجسد يلتصق بقدمه وصوت رقيق يهتف بسعادة :
_ يحيى ...
انفرج فم يحيى عن بسمة واسعة وهو يميل بسرعة يحمل الصغيرة بين يديه :
_ سماء هانم وحشتيني .
_ ماما دلال جابت ليا فستان جديد شوفت .
ختمت حديثها تشير للثوب الذي ترتديه لتلمع عيون يحيى بانبهار شديد :
_ ايه ده ايه ده ؟! ايه الجمال ده، متخرجيش بيه كده قدام حد عشان هيحسدوكِ.
ابتسمت له سماء فانزلها بحب شديد وهو يمسك الحقيبة التي كانت ممتلئة بالحلوى يعطيها البعض لها لتبتسم وهي تردد بسعادة :
_ هروح اوزع على الباقيين.
ومن ثم هرولت للخارج لتوزيع الحلوى على الجميع تاركة يحيى يتابعها بعيون سعيدة .
قبل أن يرفعها صوب كارا التي توترت من نظرته فجأة، يتحرك صوبها يضع حقيبة الحلوى بين يديها وهو يردد بعد تنهيدة صغيرة :
_ مش هتنفعي بالشكل ده مع الاولاد في المستقبل، من حسن حظك إني أب شاطر..
ختم حديثه بجدية ثم تحرك خارج المكان بسرعة تاركًا إياها في منتصف الغرفة تحمل بين يديها كيس الحلوى وعيونها متسعة على الباب الذي خرج منه وكلماته تتردد بأذنها بعدم تصديق .....
ــــــــــــــــــــــــــــــ
توقفت السيارة الخاصة به بعد قيادة طويلة نسبيًا ليلتقي به واخيرًا في المكان المتفق عليه، منزل فخم في منطقة نائية بعيدة عن العمران .
هبط من السيارة يبصر الرجل يجلس في الحديقة أمامه، فتحرك بهدوء شديد صوبه يرسم بسمة واسعة رافعًا يده في الهواء :
_ باشا ليك وحشة والله سمعت أنك كنت مسافر .
رفع الرجل عيونه صوب عز الدين يشير له بالجلوس :
_ اقعد يا عز الدين مش عايز كلام كتير ملوش داعي .
رمش عز الدين متفاجئًا من حديث الرجل الوقح، لكنه تجاوز وصمت، لن يعاتبه أو يطالبه بالتحدث معه بشكل أفضل، ليس وهو في أرضه على الأقل .
_ خير يا عز الدين أنت وابوك بقيتوا مفكرين الأرض بتاعتكم بجد وبقيتوا تتصرفوا من غير ما ترجعوا ليا ؟؟
_ ما عاش ياباشا هو بس زي ما قولتلك عرفت أنك مسافر ومكناش حابين يعني نزعجك و....
قاطعه الرجل وهو ينظر له بسخرية لاذعة وقد حمل كوب العصير الخاص به يدفع الثاني صوب عز الدين بهدوء :
_ تزعجني ؟! أنت ليه مفكر أننا فاتحين عربية درة مشوي والبلدية جاية تسحبها منك يا عز الدين ؟!
حمل عز الدين الكوب كي يرطب حلقه بعدما جف من الخوف يحاول التحدث، لولا أن ضرب الرجل كأسه على الطاولة محطمًا إياه بغضب :
_ ده حشيش يا روح امك، الأرض مزروعة حشيش ولو حد شم خبر منهم هنروح كلنا في ستين داهية .
ارتجف عز الدين وهو يحاول أن يتحدث ويبرر اخفاء حقيقة وصول احفاد المريدي للأرض:
_ يا باشا دول شوية عيال و...
فجأة توقف عن الحديث حينما جذب الرجل ثوبه بغضب شديد يصرخ بجنون :
_ شوية عيال ؟! شوية عيال؟! شوية العيال دول لو موقفوش عند حدهم كلنا هنروح في ستين داهية بسببك أنت وابوك، انهاردة قبل بكرة يوصلني خبر أنكم اتصرفتوا في الموضوع ده بأي شكل ممكن .
هز عز الدين رأسه وتجاهل الحديث عن عرض مسلم لهم بترك البلاد مقابل الزواج من رايانا وتجاهل ذكر تفاصيل فشلهم العديدة في إبعادهم، فقط هز رأسه بنعم وابتعد عن الرجل .
_ تمام يا وائل باشا اللي تشوفه .
_ مش اللي اشوفه، انا عايز الصح يا عز الدين، مش هتاخد البلد انت وابوك من غير مقابل والمقابل اللي طلبته منكم كان بسيط، تخدموني في شغلي وبس .
هز عز الدين رأسه وهو يحاول التفكير في طريقة للتخلص منهم، و وائل يراقبه بهدوء :
_ اشرب العصير يا عز الدين، اشرب وفكر كويس عشان أي حركة فيها غباء منك هتبقى بموتك أنت وكل عيلتك نفر نفر، مفهوم ؟!
_ مفهوم يا باشا ... مفهوم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اندفع جسدها صوب الباب تصرخ برعب وهي تحاول ابعاد يده عن جسدها وقد ارتجف كامل جسدها بتقزز تصرخ باسم والدتها، تشعر أن أنفاسها على وشك الانحسار في صدرها، جسدها بالكامل بدأ يتصبب عرقًا .
تبعد جميع الأيدي عنها ولكن هذه الأيدي مصممة على جذبها للخلف مجددًا حيث الغرفة الشبه مظلمة، حيث صوت العصفور الذي يعلو بحسرة وكأنه يرثيها، تبكي بخوف رغم جهلها ما يحدث معها، تبكي ولا تفهم .
تتوسل وتصرخ وتنتظر النجدة ..
كل ذلك وجسدها على فراش المشفى ينتفض بشكل مرعب جعل الممرضة تهرع من الغرفة وهي تصرخ باسم الطبيب .
انتفض جسد أحمد من مكانه بسرعة وهو يتحرك صوب الغرفة يتحدث بعدم فهم :
_ ايه فيه ايه حصل ايه ؟؟ ايه اللي بيحصل ليها ؟!
لكن الممرضة لم تقف وهي تهرول تنادي الطبيب، ثواني وصدحت المكبرات باسم طبيب للتوجه صوب غرفتها، وأحمد يقف في الممر بأعين متسعة ووجه مرهق بعد ثلاثة أيام من غيابها عن الوعي، ثلاثة أيام منذ أحضرها للقاهرة ولا ردة فعل لها، ثلاثة أيام جحيم مروا عليه مع نورهان وحاتم على أمل أن تستيقظ .
هو ظن الأمر ابسط من كل هذا، مجرد كدمات وجروح تحتاج للوقت لتُشفى وليس غيبوبة اختيارية .
تحرك صوب الغرفة بسرعة وهو يقف على بابها يحاول معرفة ما يحدث، ليرى جسدها ينتفض بشكل مرعب شهق وهو يلتصق بالجدار خلفه في اللحظة التي اقتحم بها الطبيب الغرفة وهو يصرخ بتعليمات للتمريض وأحمد يراقب دون علم لما يحدث ..
هي فقط تعرضت للضرب ومن المفترض أن يكون الأمر ابسط صحيح ؟؟
لكن هنا لم تكن معركة ساڤا جسدية بالمرة .
فجأة وجد أحمد نفسه يُدفع خارج الغرفة والأصوات تصبح اهدأ وأبعد وهو ينظر للغرفة ولم يشعر سوى بيد نورهان التي عادت للتو من الخارج وحاتم يقف جانبًا يتابع بهدوء .
_ خير يا أحمد مالك ؟؟ ساڤا كويسة ؟!
وأحمد فقط ينظر للباب بهدوء شديد قبل أن ينفي برأسه ببساطة يبتلع ريقه هامسًا بنبرة شاردة :
_ مش عارف ...مش ...اتمنى أنها تكون بخير .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ انا بخير يا بنيتي بس أنتِ ترجعي زي الاول لأجل ما قلبي يرتاح يا حبيبة جدتك .
أبتسمت لها رايانا بسمة صغيرة وهي تميل مقبلة كفها بحب شديد :
_ أنا بخير يا حبيبتي أنتِ بس ارتاحي وما تشيلي هم، انا بخير، هروح بس ....اطمن على البارو بعدين هخرج عشان اطمن على ساڤا، ادعيلها يا جدتي ترجعلي بخير .
ابتسمت لها جدتها بحنان وهي تراقبها تذبل يوم بعد الآخر وقد فُرض عليها حصار من عمها وعز الدين منذ ايام، لكنها رغم ذلك لم تستسلم لهم أو تنحني يومًا وما زالت تعافر في وجوههم ..
خرجت من غرفة جدتها تمر على غرفة والدها تراقبه وهو يتناول فطوره من يد شيما بهدوء وقد أصبح يتحرك بشكل شبه طبيعي مؤخرًا، لكنه ما يزال يلزم الصمت، وقد خمن الطبيب أن الأمر اختياري بحت .
نظرت له ثواني قبل أن تتحدث بصوت هادئ لهم :
_ السلام عليكم .
اتسعت بسمة شيما وهي تستدير لها :
_ عليكم السلام يا حبيبتي تعالي افطري مع ابوكِ يلا، جهزت ليكِ الاكل اللي بتحبيه و...
_ تسلمي يا شيما انا فطرت مع جدتي و...كنت جاية اقولك إني هروح انضف بيت ساڤا .
نهضت شيما وهي تتحرك صوبها بلهفة :
_ هي رجعت ؟؟ عاملة ايه دلوقتي ؟!
_ لا مرجعتش بس حابة انضفه عشان لو رجعت متشوفش البهدلة اللي فيه وتفتكر، مع اني مش حابة أنها ترجع تقعد فيه لوحدها .
نظرت صوب والدها بهدوء والأخير يتناول فطوره دون أن يرفع عيونه بها يدعي عدم الإنتباه لحوارهما .
_ كنت بفكر تيجي تقعد معايا هنا .
نظرت شيما خلفها لزوجها، قبل أن تعود بنظراتها ببسمة مترددة لا تدرك رأي عزيز بالأمر، لكنها نطقت بهدوء :
_ اكيد يا حبيبتي بيتك وبراحتك .
_ ده بيتنا كلنا يا شيما، عامة أنا هروح انضف بيتها واشتري طلبات البيت، فيه حاجة محتاجاها ؟!
_ سلامتك يا راي.
ابتسمت لها رايانا ونظرت مرة أخيرة لوالدها ومن ثم تحركت خارج المنزل بالكامل، ولم تكد تخرج من شارعها حتى ابصرته يقف على باب منزله يتحدث مع بعض الرجال .
انتبه لتوقف جسد بالجوار فرفع عيونه يبصرها متوقفة ترمقه بشر وكأنها إن مُنحت الفرصة ستخرج خنجرًا تطعنه به ..
_ طيب يا رجالة نكمل كلامنا بليل بقى لما البارو يفوق .
ابتسم له الرجال وودعوه وهو نظر لها بهدوء شديد مبتسمًا :
_ صباح الخير يا راي .
ابتسمت له بسمة واسعة صافية جعلته يتعجب وبشدة، فهذه ربما المرة الأولى التي تبتسم فيها رايانا له .
أما عن رايانا تحركت بعيدًا عن باب منزلها تغلقه خلفها :
_ صباح الخير يا عز الدين، اخبارك ؟!
تعجب عز الدين وقد شعر بشيء خاطئ بها لكنه أجاب بنبرة مترددة :
_ أنا كويس و...
توقف عن الحديث حينما وجدها تتحرك صوبه تقول بهدوء شديد وبسمة أكبر :
_ الف مبروك، نسيت ابارك ليك امبارح بعد الخبر السعيد اللي سمعته، بس معلش مشغولة الفترة دي بموضوع ساڤا أنت عارف .
رمش عز الدين بعدم فهم :
_ الله يبارك فيكِ بس على ايه ؟!
تحركت نظرات رايانا بهدوء على نقطة خلف عز الدين تطيل النظر بها وقد اتسعت بسمتها أكثر وهي تردد :
_ هو مش امبارح كنت مع عمي بتتقدم لبنت رئيس عمال الأرض الشرقية ؟؟ سمعت أنكم قرتوا الفاتحة امبارح وقررتوا يكون الفرح في خلال شهرين .
والصدمة التي ارتسمت فوق ملامح عز الدين أخبرتها أنها أصابت الهدف وبامتياز، لكن صدمة عز الدين لم تكن هدفها على أية حال، بل هذا ما كان هدفها ..
زوجة عز الدين التي تقف خلفه في هذه اللحظة وهي تسمع ما قيل بعيون متسعة وصدمة كبيرة تحاول أن تفهم ما قيل .
_ ايه ؟! جواز ؟! جواز ايه ده اللي بتتكلم عنه يا عز الدين ؟؟
استدار عز الدين بفزع للخلف وهو يبصر زوجته تقف وتراقبه بنظرات مصدومة مشتعلة جعلته يلعن رايانا ويتساءل كيف علمت الأمر .
ورايانا تراقب ما يحدث ببسمة تشكر كارا العزيزة في رأسها والتي كانت جارة لتلك الفتاة وعلمت كل ما يحدث واخبرتها به بالصدفة البحتة بالطبع .
اشرقت ملامح رايانا بقوة وهي تبصر اندفاع الفتاة صوب عز الدين تصرخ بجنون :
_ لا يا روح امك لو مفكرني زي الهبلة الاولى هعديهالك واسكتلك تبقى غلطان، ده انا هفضحك أنت وامك وابوك يا ولاد الـ..
ولم تكد تختم كلماتها حتى اقترب منها عز الدين يكتم صرخاتها وهو يجذبها للداخل وقد اشتعلت الأجواء حولهم بوصول سكينة التي لم تقترب منها رايانا حتى الآن تحضر لها القاضية ..
ابتسمت لهم رايانا وقد اسعدت صباحها بمشهدهم، واطربت آذانها بصرخاتهم، تتحرك صوب منزل المريدي بأمل أن تسمع ما يطمئنها عن ساڤا وقد كانت ثلاثة أيام فترة طويلة لا تبصرها بها ولا تسمع صوتها .
وصلت لتراه كالعادة يستغل صباحه في التدريب البدني وكأنه يستعد لخوض حرب ما .
وعلى باب المنزل يجلس عيسى وهو يلعب بهاتفه وبمجرد أن ابصرها ابتسم لها :
_ صباح الخير .
رفع مسلم عيونه صوب القادم ليبصرها تتقدم منهم بهدوء، فابتسم وهو يكمل تمارينه بهدوء شديد يراها تتقدم صوب عيسى كعادتها كل صباح منذ ثلاثة أيام، تردد بهدوء ولهفة شديدة :
_ عيسى اتصل باحمد أو نورهان يطمنونا على ساڤا .
هز عيسى رأسه وقد كان ينتظرها بالفعل منذ ايام، وقد كانت تعتمد على هاتفه، أو هاتف يحيى للتواصل مع احمد أو نورهان أو حتى حاتم لمعرفة آخر الأخبار.
ومسلم الفترة الأخيرة حاول أن يقلل كلامه معها، ليس وهو على يقين لتحكمها الكامل به، وهو لا يرغب في أي تشتت في هذه اللحظة، ليس وهي لم تصبح له بعد .
رنين والآخر وصوت مكبر الصوت يصدح في المكان، ومسلم يدعي اهتمامه بالتدريب، بينما كل ذرة من كيانه تجاورها وتربت عليها بحنان .
واخيرًا بعد محاولات صدح صوت أحمد في المكان بأكمله وهو يتحدث بصوت خافت بدا متعبًا :
_ الو يا عيسى ..
_ الو يا أحمد أنت كويس والكل كويسين عندك ؟؟
همهمة خافتة صدرت من فم أحمد، همهمة لا معنى لها سوى إرهاق وتعب واضح .
توقف مسلم عما يفعل وهو يعتدل يمسك زجاجة مياه يتحرك صوبهم ليتساءل عما يحدث معهم، لولا صوت أحمد الذي قطع رغبته يردد بجدية :
_ عيسى محتاج منك خدمة أنت أو يحيى أو مسلم، أي حد فيكم لو يقدر يوصل لرايانا يوصلها رسالة عشان تساعدني نخلص الموضوع اسرع .
اعتدلت رايانا في جلستها جوار عيسى ترفع عيونها صوب مسلم بعجز وقد خافت التحدث بكلمة وكأن حديثها قد يفتح باب لاخبار سيئة، هل حالة ساڤا بهذا السوء ؟؟
أدرك مسلم ما تمر به؛ لذا امسك الهاتف من يد عيسى يرفعه له متحدثًا بهدوء شديد :
_ خير يا أحمد ساڤا والكل كويسين ؟!
صمت طويل من الطرف الآخر تبعه زفرة قصيرة من فم أحمد، صمت كان أثقل على قلب رايانا من الحديث، شعرت بأن جسدها بالكامل يرتجف حتى نطق أحمد واخيرًا بما يريد .
_ عايزك تقول لرايانا تجهز لعزا ساڤا ...........
ــــــــــــــــــــــــــــ
"ما زلت أؤمن
أن الانسان لا يموت دفعة واحدة
وإنما يموت بطريقة الأجزاء
كلما رحل صديق مات جزء
وكلما غادرنا حبيب مات جزء
وكلما قُتل حلم من أحلامنا مات جزء
فيأتي الموت الأكبر ليجد كل الأجزاء ميتة
فيحملها ويرحل"..
- جبران خليل جبران.