
في فيلا الشرقاوي
عاصم ( بحدة):
– سليم… سيب السكينة. دلوقتي.
تلتفت الأنظار ببطء.
عاصم يقف عند المدخل.
وجهه جامد… عيناه سوداوين بالغضب.
فكه مشدود كأنه يكسر أسنانه.
رؤى (بشهقة):
– عاصم…!
زين يتنفس براحة ممزوجة بالخوف.
سليم لا يبعد السكين، لكنه يهتز.
سليم (بصوت مبحوح):
– عاصم…
– ما تقربش.
يتقدم عاصم خطوة واحدة فقط، يرفع يده بثبات.
عاصم (بصوت منخفض لكنه آمر):
– سيبها يا سليم.
– مش هتوسّخ إيدك بدمه.
ينظر إلى مراد…
نظرة قاتلة، خالية من أي شيء إلا الحقد.
يبتسم مراد ببطء… ابتسامة سامة.
مراد (بسخرية لاذعة):
– آه…
– فارس الأخلاق بنفسه.
يضحك ضحكة قصيرة.
مراد:
– بصراحة؟
– أنا مش مستغرب إنك تطلع كده.
تشتعل عينا عاصم.
عاصم:
– اخرس.
مراد (ببرود مستفز):
– ليه؟
– الحقيقة بتوجع؟
ينظر إليه من أعلى لأسفل.
مراد:
– دم الخيانة كان دايمًا في عروقك.
– أنا ما غسلتش دماغك…
– أنا بس فتحت الباب اللي إنت كنت مستني تفتحه.
يصمت المكان.
مراد:
– لو كنت طيب بجد…
– ما كنتش صدّقت إن زياد قتل رائد.
– لكن جواك؟
– كنت محتاج سبب تكرهه.
يرتعش فك عاصم.
مراد:
– محتاج حد تهرب عليه غضبك…
– ضعفك…
– فشلِك.
زين (غاضب):
– بس!
لكن مراد لا يتوقف.
مراد (بحقد):
– خطفت بنتُه بإيدك.
– حبستها شهور.
– وبتيجي دلوقتي تعمل فيها الضحية؟
يرفع حاجبه.
مراد:
– وبالمناسبة…
– ليل لسه في قبضتي.
الصمت ينفجر.
عاصم يتجمد لثانية واحدة…
ثم—
عاصم (بصوت وحشي):
– إيييه؟!
في حركة خاطفة،
يندفع للأمام.
سليم يفلت السكين تلقائيًا.
عاصم ينتزع مراد من ياقة ملابسه بعنف
ويسدد له لكمة قوية تسقطه أرضًا.
رؤى تصرخ.
زين يحاول التقدم لكن يتوقف.
عاصم (يصرخ وهو يضربه):
– ده علشان رائد!
لكمة ثانية.
عاصم:
– أخويا اللي قتلته!
لكمة ثالثة.
عاصم:
– ده علشان ربى!
– علشان الكرسي اللي حبستها فيه!
يحاول مراد الدفاع عن نفسه، بلا جدوى.
عاصم (منفجر):
– ده علشان ليل!
– سبع شهور عذاب بسببك!
يضربه مجددًا، صوته يرتجف.
عاصم:
– علشان حاولت تقتل زياد!
– علشان كسرتنا واحد واحد!
مراد (بضحكة مكسورة بين الضربات):
– متأخر…
– اللعبة خلصت.
يمسكه عاصم من قميصه، يرفعه قليلًا.
عاصم (بعيون دامعة):
– لأ…
– لسه ما بدأتش.
يحاول زين وسليم الإمساك به.
زين:
– عاصم! كفاية!
– مش كده!
سليم:
– سيبه…
– الشرطة…
– ليل أهم!
يتوقف عاصم فجأة.
أنفاسه ثقيلة.
ينظر إلى مراد الملقى أرضًا…
ثم يتمالك نفسه بصعوبة.
مراد (بهمس سام):
– هتشوفها…
– بس مش زي ما تحب.
يرفع عاصم رأسه ببطء.
عاصم (بصوت بارد مرعب):
– لو شعرة واحدة منها اتأذت…
– هخليك تتمنى الموت وما يجيش.
تُغلق الكاميرا على وجه مراد
وهو يبتسم…
لكن لأول مرة
في عينيه… خوف.
***********************
في إيطاليا – فيلا الساندرو فيريتي / المساء
الفيلّا غارقة في ضوء خافت.
نوافذ زجاجية واسعة تطل على البحر، أمواجه تضرب الصخور بإيقاع بطيء… مقلق.
الساندرو فيريتي يجلس على كرسي جلدي داكن،
كوب قهوة إيطالية في يده، لم يشرب منها.
عيناه ثابتتان… لا ترمش.
يدخل أحد رجاله، ماركو روسّي (أربعيني، ملامحه حادة).
ماركو (بانحناءة خفيفة):
– بوس.
يرفع الساندرو عينه فقط.
الساندرو:
– تكلّم.
ماركو:
– الرجل المصري… مراد الشرقاوي.
– تحرّك بدون إذن.
– خطف فتاة في القاهرة… ابنة رجل اسمه زياد الزهراوي.
يضع ماركو ملفًا رفيعًا على الطاولة.
ماركو:
– عملاؤنا أكدوا:
– الفتاة مختطفة.
– مراد في فيلته بمصر الآن.
– الوضع هناك… بدأ يتحرك.
يصمت الساندرو لثوانٍ.
ثم يبتسم… ابتسامة باردة جدًا.
الساندرو (بهدوء مخيف):
– قلت له.
ينهض ببطء، يتجه نحو النافذة.
الساندرو:
– قلت له:
– لا نساء…
– لا أطفال…
– لا ضوضاء.
يضرب الكوب على الطاولة.
صوت الزجاج يتشقق.
الساندرو (بغضب مكتوم):
– وهو؟
– اختار أسوأ شيء ممكن.
يلتفت فجأة.
الساندرو:
– هل تعرف ماذا يفعل الآن؟
ماركو:
– يجذب الأنظار.
– الشرطة المحلية بدأت تشك.
– وهناك تحركات… غير رسمية.
يضيق الساندرو عينيه.
الساندرو:
– هذا الأحمق…
– لن يرتاح حتى يجلب الإنتربول و الـFBI فوق رؤوسنا.
يتنفس بعمق، ثم يقول بنبرة حاسمة:
الساندرو:
– انتهى.
يصمت الجميع.
ماركو (بحذر):
– بوس… تقصد…؟
الساندرو (قاطِعًا):
– مراد انتهى.
– لا تحذير.
– لا فرصة ثانية.
يمشي ببطء في القاعة.
الساندرو:
– جهّزوا الفريق.
– خلال 48 ساعة نكون في مصر.
يتوقف، ثم يضيف بصوت منخفض لكنه قاتل:
الساندرو:
– وأنا سأكون هناك.
تتسع عينا ماركو.
ماركو:
– بنفسك؟
الساندرو:
– نعم.
يقترب من الطاولة، يلتقط صورة مراد من الملف.
الساندرو (باحتقار):
– هذا الرجل ظنّ نفسه لاعبًا.
– لكنه مجرد ضجيج.
يمزق الصورة نصفين.
الساندرو:
– وسأطفئه…
– قبل أن يحرقنا جميعًا.
يصمت، ثم يضيف بجملة أخيرة كالحكم النهائي:
الساندرو:
– من يخون قواعدي…
– يُمحى.
تغلق الستارة على وجه الساندرو
وهو ينظر إلى البحر…
وكأن قرار الموت صار حقيقة لا رجعة فيها.
*************************
القاعة عادت إلى سكونها،
لكن الهواء نفسه صار أثقل.
الساندرو يقف أمام الطاولة، يخرج هاتفًا أسود قديمًا…
رقم محفوظ باسم واحد فقط دون لقب.
يتردد لحظة نادرة… ثم يضغط الاتصال.
رنّة… رنّتان…
يأتيه صوت امرأة، هادئ لكنه مشحون.
الصوت النسائي:
– توقعت اتصالك.
يرتسم ظل ابتسامة على شفتي الساندرو.
الساندرو:
– وأنا توقعت أنك ما زلتِ تكرهينه بالقدر نفسه.
صمت قصير… ثم زفير طويل.
المرأة:
– الكراهية لا تبرد يا ساندرو.
– بل تنضج.
يجلس الساندرو ببطء.
الساندرو:
– مراد تجاوز كل الخطوط.
– خطف فتاة… ليل.
يتغير النفس في الطرف الآخر فجأة.
المرأة (بحدة مكبوتة):
– ماذا قلت؟
الساندرو:
– ليل الزهراوي.
– في قبضته الآن.
يعلو الصوت لأول مرة.
المرأة:
– هذا الوغد…
– أقسم أنني لو كنتُ هناك الآن…
يقاطعها الساندرو بنبرة باردة لكنها متفقة معها.
الساندرو:
– ستكونين هناك.
– معي.
صمت طويل… ثقيل.
المرأة (بصوت يرتجف غضبًا):
– كنت أعلم أنه لن يتوقف.
– لم يكتفِ بما فعله بنا…
– الآن يمد يده إلى ليل؟
يتشدد صوتها، يصبح قاسيًا.
المرأة:
– تلك الفتاة…
– ليست مجرد ضحية.
– هي ابني الذي لم أنجبه.
يغمض الساندرو عينيه لحظة.
الساندرو:
– إذن نفكر بالطريقة نفسها.
المرأة:
– تريد قتله.
الساندرو (بلا تردد):
– أريد محوه.
ضحكة قصيرة، مظلمة، تخرج من الطرف الآخر.
المرأة:
– أخيرًا…
– رجل يفهم.
تتنفس بعمق.
المرأة:
– سأعود إلى مصر.
– لا يهمني شيء آخر.
الساندرو:
– خلال 48 ساعة.
المرأة:
– سأكون جاهزة.
يصمتان لحظة، ثم تضيف بنبرة مليئة بالحقد:
المرأة:
– مراد ظنّ نفسه إلهًا.
– لعب بحيوات الناس…
– وكسر قلوبًا لا تُكسر.
الساندرو:
– وكل من يفعل ذلك…
– يدفع الثمن.
المرأة (بقسوة):
– هذه المرة…
– لن تكون له فرصة للهروب.
ينحني الساندرو قليلًا للأمام.
الساندرو:
– سنفعلها معًا.
المرأة:
– معًا.
وقبل أن تُغلق الخط، تقول جملة أخيرة، ببرود قاتل:
المرأة:
– لأجل ليل…
– لن أرحمه.
يغلق الساندرو الهاتف ببطء.
ينظر إلى الفراغ أمامه.
الساندرو (همسًا لنفسه):
– مراد…
– انتهيت.
*************************
روما – فندق قديم مطل على النهر / بالليل
الأوضة شبه ضلمة.
ستارة خفيفة بتتحرك مع هوا الليل.
نادين قاعدة على طرف السرير،
في إيدها موبايل مقفول…
وعلى الترابيزة صورة قديمة:
آدم… وهي… وزين وهو طفل.
تبص للصورة كتير…
كتير قوي.
نادين (بهمس مكسور):
– كبرت يا زين…
– بقيت راجل أقوى مني.
تبتسم ابتسامة صغيرة، مليانة وجع.
نادين:
– ما بقيتش خايفة عليك.
تقوم، تقرّب من الشباك، تبص على نور روما.
نادين (حديث جواها، كأن آدم واقف قدامها):
– سامحني يا آدم…
– ما عرفتش أكون زوجة عادية.
– كنت دايمًا في حرب… حتى وأنا بحبك.
تغمّض عينيها.
نادين:
– ما خنتكش…
– أقسم إن قلبي ما عرفش غيرك.
– بس صدّق الكذبة…
– ومراد عرف إزاي يدمّر كل حاجة.
تاخد نفس عميق، وصوتها بيترعش.
نادين:
– قتل أبويا…
– وسابك تشك فيّا…
– وسرق من زين طفولته.
تمسح دمعة نازلة غصب عنها.
نادين (كأنها بتكلم زين):
– كنت بشوفك نايم يا حبيبي…
– وأوعدك إني هحميك مهما كان التمن.
تضحك بمرارة.
نادين:
– واهو أنا…
– لسه بوفي بوعدي.
تلف ناحيّة المراية، تبص لنفسها.
نادين:
– ما بقيتش الست اللي ينفع ترجع.
– في دم… ما بيتنسيش.
تاخد الصورة وتضمّها على صدرها.
نادين (بصوت مكسور قوي):
– آدم…
– تقدر تحب من تاني.
– ما تحسّش بالذنب عشاني.
تتنفس بالعافية.
نادين:
– وزين…
– ما تكرهش الدنيا بسببي.
– خليك أحسن منّا كلنا.
تسكت لحظة طويلة…
وبعدين تهمس بحزم حزين:
نادين:
– مراد مش هيأذي حد تاني بعد كده.
– ده آخر وعد مني.
تحط الصورة على الترابيزة بهدوء،
كأنها بتحط قلبها.
نادين (آخر همسة):
– سامحوني…
– أنا تعبانة.
تطفي النور.
يفضل نور المدينة بس…
وست عارفة إنها ماشية لنهايتها لوحدها.
***********************
سويسرا – مطار زيورخ الدولي / نهار بارد
صالة الوصول مزدحمة، أصوات الإعلانات تتردّد بلغات متعددة.
لوكاس يقف قرب الحاجز الزجاجي، معطفه مفتوح، سماعته الطبية ما زالت في جيبه كأنها تذكّره بالعملية التي تركها.
ينظر إلى ساعته للمرة الرابعة خلال دقيقتين.
لوكاس (بضجر واضح، يتمتم):
– رائع… تركتُ قلبًا مفتوحًا على طاولة العمليات…
– لأقف هنا مثل سائق تاكسي.
يتنهّد، يخرج هاتفه، يكتب رسالة ثم يتراجع عن إرسالها.
لوكاس:
– لا… لا تستحق حتى رسالة.
يرفع رأسه فجأة حين يسمع صوت عجلات حقيبة تقترب.
كارلا تظهر من بين الحشود: نظارة شمسية كبيرة، معطف أنيق، ملامح متوترة تخفيها بابتسامة مصطنعة.
لوكاس يحدّق بها لحظة… ثم يبتسم ابتسامة جانبية باردة.
لوكاس:
– أخيرًا.
– هل تعرفين كم شخصًا كاد يموت لأنك قررتِ “الهروب” اليوم؟
تنزع كارلا نظارتها، تنظر له ببرود مماثل.
كارلا:
– لا تبالغ.
– أنت تحب الدراما أكثر من العمليات.
يضحك بسخرية قصيرة.
لوكاس:
– أنا أحب الانضباط.
– شيء لم تسمعي به يومًا.
تتقدّم نحوه، تترك الحقيبة بجانبه.
كارلا:
– كنتَ تستطيع أن تقول لا.
لوكاس (بحزم):
– وأترككِ تعودين وحدكِ؟
– لا. ليس لأنني أخاف عليك…
– بل لأن الفضيحة ستلحق باسمي.
ترفع حاجبها، مبتسمة.
كارلا:
– صادق كعادتك.
يتفحّص وجهها بدقة طبية، يلاحظ الإرهاق.
لوكاس:
– تبدين…
– أقل أناقة من المعتاد.
كارلا (بنفاد صبر):
– مررتُ بأسبوع سيئ.
لوكاس:
– زواجكِ بأكمله كان أسبوعًا سيئًا.
تصمت لحظة، ثم تلتفت بعيدًا.
كارلا:
– مراد… ليس طبيعيًا.
يلتفت إليها بسرعة.
لوكاس:
– الآن فقط اكتشفتِ؟
– قلتُ لكِ سابقًا:
– رجل ثري، غامض، عربي، ومهووس بالسيطرة…
– وصفة مثالية لكارثة.
تضغط على أسنانها.
كارلا:
– لا يهم.
– انتهى.
لوكاس:
– انتهى؟
– أم هربتِ كعادتكِ وتظنين أن الأمور تُمحى بالمسافة؟
تنظر له بحدّة.
كارلا:
– جئتُ لأنني أحتاج مكانًا آمنًا.
لوكاس (باردًا):
– إذًا لا تفكري في البقاء طويلًا.
– شقتي ليست ملجأً للعلاقات الفاشلة.
تضحك بخفة مصطنعة.
كارلا:
– لا تقلق…
– لن أزعجك أكثر مما أزعجتك الآن.
يتنهد، يلتقط حقيبتها.
لوكاس:
– سيارة الأجرة بانتظارنا.
– لدي عملية أخرى بعد ثلاث ساعات…
– وأنتِ لديكِ قصة طويلة لن تهمّني.
تسير بجانبه، ثم تقول بنبرة مترددة:
كارلا:
– بالمناسبة…
– مراد كان يحدثني كثيرًا عن رجل بدوي…
– قال إنه سبب له مشاكل كبيرة.
يتوقف لوكاس فجأة، يلتفت إليها بعينين حادتين.
لوكاس:
– بدوي؟
كارلا:
– نعم…
– اسمه رائد، أظن.
يهزّ كتفيه بلا مبالاة.
لوكاس:
– غريب…
– لدي بدوي آخر دمّر أعصابي هنا.
– لكن العالم مليء بهم.
تضحك كارلا ببرود.
كارلا:
– صدفة سخيفة.
لوكاس:
– العالم كله مبني على الصدف…
– ثم ندّعي أننا لم نكن نعرف.
يتابعان السير…
كلاهما لا يعلم أن الخيوط بدأت تلتف حولهما ببطء.
***********************
سويسرا – شقة رامي / مساء هادئ
الضوء الرمادي يتسلّل من النوافذ الواسعة.
رائد يقف وسط الصالة، شعره ما زال رطبًا بعد الاستحمام، قميصه بسيط، ملامحه أقل شحوبًا… لكن عينيه تحملان قلقًا لا اسم له.
انتهى من ترتيب ملابسه في الخزانة.
تقدّم بخطوات بطيئة، كأن الشقة ليست غريبة… ولا مألوفة.
رائد (بصوت منخفض):
– غريب…
– أشعر أنني دخلت هذا المكان من قبل.
يمرّ قرب مكتبة خشبية، يلمح إطار صورة مقلوبًا قليلًا.
يمدّ يده، يعدّله.
يتجمّد.
الصورة الأولى
رامي… شاب أكثر حيوية.
إلى جانبه رائد نفسه، يضحك بحرّية لا يعرفها الآن.
وشخص ثالث… عاصم.
تضيق عيناه.
رائد (يهمس):
– هذا…
– هذا أنا؟
يمدّ يده ليلمس الزجاج…
وفجأة—
وميض
ضحكة عالية.
صوت محرك سيارة.
يد على كتفه.
صوت ضبابي (من الذاكرة):
– “شد حيلك يا بطل…”
يرتدّ رائد للخلف، يضع يده على رأسه.
رائد (بألم):
– آه…!
يسقط الإطار من يده، يرتطم بالأرض.
ينحني، يتنفّس بصعوبة.
يرى صورة أخرى.
الصورة الثانية
رامي مع شابة جميلة، تضحك وتتشبث بذراعه.
رائد:
– نيروز…
– قال لي رامي هذا الاسم.
تزداد نبضات رأسه.
صور تتلاحق.
وميض آخر
دم.
صرخة مكتومة.
اسم يُنطق بحدّة.
صوت بعيد:
– “رائد… انتبه!”
يركع على ركبتيه، يضغط على رأسه بكلتا يديه.
رائد (بصوت مبحوح):
– توقّفوا…
– كفى…!
في تلك اللحظة، يُفتح باب الشقة بسرعة.
إلينا تدخل، معطفها الطبي فوق ذراعها، المفاتيح بيدها.
تتجمّد حين تراه على الأرض.
إلينا (بفزع):
– رائد!
ترمي المفاتيح، تركض نحوه، تجثو أمامه.
إلينا:
– انظر إليّ…
– هل تسمعني؟
يرفع رأسه بصعوبة، عرق بارد على جبينه.
رائد:
– رأسي…
– يؤلمني بشدة.
تنظر بسرعة إلى الصور الملقاة، تفهم فورًا.
إلينا (بحزم لطيف):
– قلتُ لرامي أن يبعد الصور…
– الذاكرة لا تحب المفاجآت.
تضع يدها خلف رأسه بلطف.
إلينا:
– تعال…
– سنذهب إلى الغرفة.
يحاول الوقوف، يترنّح.
رائد (بضعف):
– رأيتُ أشخاصًا…
– أشعر أنني أعرفهم…
– لكن لا أستطيع الإمساك بهم.
تساعده على النهوض، ذراعه حول كتفيها.
إلينا:
– هذا طبيعي.
– ذاكرتك تستيقظ، لكنها خائفة.
توصله إلى الغرفة، تجلسه على السرير، ترفع الوسادة خلف رأسه.
إلينا (بصوت هادئ جدًا):
– أغمض عينيك.
– تنفّس معي.
يفعل، أنفاسه متقطعة.
رائد:
– الرجل في الصورة…
– عاصم…
– لماذا أشعر أنه مهم جدًا؟
تتردد لحظة… ثم تختار الصدق الآمن.
إلينا:
– لأنه كان جزءًا من حياتك.
– لكن ليس الآن… ليس بعد.
تضع كمادة باردة على جبينه.
إلينا:
– لا تجبر نفسك.
– الذكريات ستعود حين تكون مستعدًا.
يفتح عينيه قليلًا، ينظر لها.
رائد (بامتنان صامت):
– كلما رأيتك…
– أشعر بالأمان.
تبتسم ابتسامة صغيرة، مهنية… لكنها دافئة.
إلينا:
– هذا دوري.
– وأنا هنا.
تغلق الستائر، تخفّض الإضاءة.
رائد يستلقي أخيرًا، الألم يهدأ ببطء…
لكن الصور لم تختفِ.
خارج الغرفة، الإطار المكسور على الأرض…
ووجه عاصم يبتسم من الماضي.
**********************
في مصر – مكان مهجور جنب الغابة / بالليل
الضلمة تقيلة… ما بيقطعهاش غير نور خافت داخل من شباك مكسور.
ليل قاعدة على الأرض، إيديها لسه متربطة نص ربطة، نفسها سريع…
بس عينيها مولعة بعناد.
ليل (بتكلم نفسها بصوت واطي):
– مش هافضل هنا…
– عاصم هييجي، بابا هييجي…
– بس لو قدرت أخرج لوحدي… هخرج.
تبص حواليها.
تلاحظ مسمار طالع من عمود خشب.
تزحف بالراحة، وتبدأ تحتك بالحبل فيه.
وجع…
دم خفيف…
بس ما بتوقفش.
ليل (بهمس مكسور):
– الوجع أهون من إني أستنى.
طَق!
الحبل يتقطع.
تتجمد ثانية…
مفيش صوت.
تقوم بالراحة، تفتح الباب الحديد المخلوع نص فتحة.
هوا الليل يخبط في وشها. حرية.
تجري.
الغابة – لسه بالليل
فروع الشجر بتخبط في وشها، فستانها بيتقطع، نفسها بيتحرق…
بس ما بتقفش.
وفجأة—
صوت وراها غاضب:
– استني!
واحد من الحراس.
شافها.
الحارس (بيزعق):
– وقفي يا بنت!
تزود جريها، دموعها بتنزل، قلبها هيطلع من صدرها.
ليل (بنفس متقطع):
– يا رب… خطوة بس… خطوة واحدة…
تشوف نور بعيد.
طريق.
تطلع من الغابة فجأة، وتجري من غير ما تبص—
صوت فرامل حاد
خبطة جامدة
جسم ليل يتخبط ويتحدف على الأرض… ساكن.
العربية – على نفس الطريق
العربية تقف بعنف.
جواها نيروز، ماسكة الدركسيون بإيدين بيترعشوا.
نيروز (بفزع):
– يا نهار أبيض!
– لا… لا… لا!
تنزل بسرعة، تجري على الجسم المرمى على الأرض.
نيروز:
– بالله عليكِ قولي إنك كويسة… أرجوك…
تنزل على ركبتها…
تنور موبايلها.
النور يقع على الوش.
نيروز (بتشهق):
– ل… ليل؟!
تقع على ركبتها جنبها.
نيروز (بانهيار):
– لا… مستحيل…
– ليل! ردي عليا!
تمسك وشها، تلاحظ الكدمات والدم الخفيف.
نيروز (بتعيّط):
– أنا… أنا ما شفتكيش… طلعتي فجأة قدامي…
تسمع صوت خطوات جاي من بعيد.
نيروز تلف، تشوف ظل الحارس طالع من الغابة.
تتجمد لحظة…
وبعدين تتحرك بغريزة.
نيروز (بحزم رغم الخوف):
– لا… مش هياخدوها.
تفتح باب العربية اللي ورا بسرعة، وتشد ليل بكل قوتها.
نيروز (بتنهج):
– سامحيني… سامحيني…
تحطها في العربية، تقفل الباب بعنف، وتجري على الكرسي.
الحارس يقرب وهو بيزعق:
– استني!
تشغل العربية وتدوس بنزين بأقصى سرعة.
الطريق يبلعهم.
جوا العربية – بعد شوية
ليل مغمى عليها، راسها على الكرسي.
نيروز سايقة ودموعها نازلة.
نيروز (بتكلمها كأنها سامعاها):
– كنت راجعة من الصعيد…
– قلت أرجع القاهرة الليلة بدل الصبح…
تضحك بمرارة.
نيروز:
– سبحان الله…
– كأن ربنا بعَتني ليكي.
تبصلها بخوف وحب.
نيروز (بحزم):
– أقسم لك…
– محدش هياخدك تاني.
تمسك الموبايل بإيد بترتعش.
نيروز:
– سليم…
– لازم تيجي فورًا.
العربية بتشق الطريق في الضلمة…
ووراهم، مكان الخطف بقى فاضي.
************************
في فيلا الزهراوي – الصالة الكبيرة / بالليل
الصالة مليانة ناس… بس في حاجة ناقصة.
زياد واقف عند الشباك، إيده مقفولة بقوة، عروقه باينة.
حور قاعدة على الكنبة، عينيها مورّمة من العياط، وجميلة وملك جنبها بيحاولوا يهَدّوها.
فجأة أدهم يلف ويبص حواليه بتركيز.
أدهم (بقلق فجأة):
– استنوا كده…
– فين رؤى؟
المكان يسكت لحظة.
مازن:
– كانت هنا من شوية…
أدهم (يبص تاني حواليه):
– وسليم؟
– وزين؟
– …وعاصم؟
الهوا تقيل فجأة.
حور (بصوت بيترعش):
– عاصم مش هنا؟
زياد يلف بعصبية.
زياد:
– يعني إيه مش هنا؟!
قبل ما الصوت يعلى أكتر،
آدم اللي كان ساكت طول الوقت، يطلع نفس ببطء… نفس واحد فهم كل حاجة.
يمرر إيده على وشه، وبعدين يرفع راسه بعينين سودا.
آدم (بهدوء يخوّف):
– راحوا فيلا الشرقاوي.
الكل يبصله مرة واحدة.
جميلة (بفزع):
– إيه؟!
ملك:
– يعني راحوا عند مراد؟!
آدم:
– سليم مستحيل يقعد هنا دقيقة وهو عارف إن أبوه هو اللي خطف ليل.
– وزين عمره ما كان هيسيبوه لوحده.
– ورؤى… قلبها بيغلب عقلها أول ما الموضوع يبقى فيه ليل.
يبص لزياد في عينه.
آدم:
– وعاصم…
– لو ما راحش، أبقى أنا ماعرفوش.
زياد يخبط على الترابيزة بإيده.
زياد (بغضب مكبوت):
– مراد لعب بالنار.
أدهم (بقلق أب):
– بس دول عيال يا آدم…
– مراد ده شيطان، ومعاه سلاح، وحواليه حرس!
حور تقوم فجأة وكأنها هتقع، جميلة تمسكها.
حور (بانهيار):
– بنتي هناك…
– وولادنا رايحين للموت!
آدم (بحزم قاطع):
– لأ.
– مش هسمح الليلة دي تتحول لبحر دم.
يمشي ناحية الموبايل.
مازن:
– هتعمل إيه؟
آدم:
– أول حاجة: مش هنطلع كلنا وراهم.
– ده اللي مراد عايزه… لخبطه ودم.
يبص لزياد.
آدم:
– يا زياد، لو رحت وإنت بالحالة دي… هتقتله.
– أو هو اللي هيقتلك.
زياد يشد على سنانه… وما يعترضش.
آدم (يكمل):
– أنا هتصرف بطريقتي.
– مراد مش موضوع عيلة وبس…
– ده ملف أمني.
يتصل، صوته واطي بس حاسم.
آدم (في التليفون):
– فعّلوا الخطة ب.
– عايز مراقبة كاملة على فيلا الشرقاوي حالًا.
– من غير تدخل… لحد ما أدي الإشارة.
يقفل، ويبص للجميع.
آدم:
– عاصم وسليم وزين…
– لو فاهمين هما بيعملوا إيه، هيخلّوا مراد يغلط بنفسه.
أدهم:
– ولو ما حصلش كده؟
آدم يبص في الأرض ثانية… وبعدين يرفع عينه.
آدم:
– ساعتها…
– هندخل نلحق اللي يتلحق.
حور تمسك إيد زياد، بتعيّط في صمت.
حور (بهمس موجوع):
– رجّعلي بنتي…
– وكل الولاد…
– بس رجّعهملي.
زياد يحط إيده فوق إيدها، صوته مبحوح.
زياد:
– أقسم لك…
– مراد مش هيشوف صبح بعد الليلة دي.
*************************
فيلا الشرقاوي – الصالة الرئيسية / ليلًا
مراد ملقى على الأرض.
وجهه ملطخ بالدم، أنفاسه متقطعة.
عاصم فوقه، يمسكه من ياقة قميصه، ينهال عليه بالضرب بلا رحمة.
عاصم (وهو يضرب):
– دي علشان رائد!
(ضربة)
– ودي علشان ربى!
(ضربة أقسى)
– ودي علشان ليل… علشان كل نفس خدته وإنت بتفكر تأذيها!
مراد يضحك ضحكة مختنقة بين الدم.
مراد (بسخرية متكسّرة):
– كفاية يا بطل…
– إيدك تعبت… وأنا لسه عايش.
عاصم يصرخ بجنون ويضربه مرة أخرى، لكن يده ترتجف… الإرهاق بدأ يظهر.
الحراس يندفعون للأمام.
حارس 1:
– … لازم نوقفه!
قبل أن يصلوا،
سليم يقف أمامهم، سكينه لا تزال بيده.
سليم (بجنون):
– خطوة واحدة… وأقسم بالله هتحفروا قبوركم هنا!
زين يقف بجانبه، يفتح ذراعيه بابتسامة ساخرة.
زين (ببرود كوميدي):
– يا جماعة، براحة…
– الليلة دي حجز كامل، مفيش استقبال ضيوف.
أحد الحراس يحاول الالتفاف.
زين يلتفت بسرعة.
زين:
– لا لا لا… من هنا الخروج، من هنا المقبرة، اختار براحتك.
رؤى واقفة في الزاوية، تبكي بشدة، يداها ترتجفان.
رؤى (بصوت مكسور):
– عاصم… كفاية…
– بالله عليك كفاية… هتضيّع نفسك!
لكن عاصم لا يسمع.
عيناه سوداوان… لا يرى إلا مراد.
يرفع قبضته ليضرب مجددًا…
وفجأة…
يدخل حارس آخر من الباب الخارجي، وجهه شاحب، أنفاسه متلاحقة.
الحارس (برعب):
– سيّد مراد…
– البنت…
– البنت هربت!
الصالة كلها تتجمّد.
سليم:
– إيه؟!
رؤى (بشهقة):
– ليل؟!
زين (ينسى الكوميديا):
– هربت… إزاي يعني هربت؟!
مراد، رغم أنه تحت قبضة عاصم،
تتغير ملامحه فجأة…
الغضب يشتعل.
مراد (يزأر):
– إنت بتقول إيه يا حيوان؟!
يحاول النهوض، لكن عاصم يضغط عليه أقوى، يثبته بالأرض.
عاصم (بصوت منخفض مرعب):
– بتكذب…
– صح؟
ينظر مباشرة في عيني مراد.
عاصم:
– دي تمثيلية…
– عايزنا نمشي…
– عايز تشتت انتباهنا.
مراد يضحك… ضحكة مجنونة.
مراد:
– يا سلام على الذكاء!
– شايفني في مسرح؟!
يلتفت للحارس بغضب.
مراد:
– مين كان ماسكها؟
– فين الحراس اللي بره؟!
الحارس (بصوت مهزوز):
– في حارس بيجري وراها…
– بس…
– بس اختفت في الغابة اللي ورا المكان.
عاصم يشد قبضته أكثر.
عاصم (بغضب مكتوم):
– لو ده كذب…
– أقسم بالله هخليك تتمنى إنك مت قبل اللي عملته في رائد.
مراد ينظر له نظرة حقد خالص.
مراد:
– ولو صدق؟
– هتعمل إيه؟
– هتجري زي المجنون تدور عليها؟
– وتسيبني؟
عين عاصم تهتز لحظة…
لحظة شك قاتلة.
سليم (بصوت حاد):
– عاصم…
– لو كانت فعلاً هربت… لازم نتحرك دلوقتي!
رؤى (تبكي):
– يمكن تكون مصابة…
– يمكن حد أذاها!
زين (بجدية غير معتادة):
– لو مراد بيكذب، هنرجع نكمّل تكسير العضم.
– بس لو بيقول الحقيقة…
– كل ثانية بتعدي خطر.
عاصم ينظر لمراد نظرة طويلة…
يحاول أن يقرأه.
عاصم (ببرود قاتل):
– لو لمست شعرة منها بعد اللي حصل…
– مش هسيب حد يدفنك.
ثم يدفعه بقوة أرضًا ويقف.
مراد يسعل، يضحك بدم.
مراد:
– متأخر يا عاصم…
– اللعبة بدأت من زمان.
قطع المشهد على
وجوه متوترة،
قرار صعب،
وخطر أكبر من أي وقت مضى.
************************
في مشفى قنا العام – ليلًا
(محافظة قنا، على الطريق بين القاهرة والأقصر)
أضواء النيون البيضاء قاسية.
رائحة المطهرات خانقة.
ممر طويل، بارد، وصوت خطوات متقطعة.
نيروز جالسة على أحد المقاعد البلاستيكية أمام غرفة العمليات.
يديها ترتجفان…
وجهها شاحب…
عيناها متورمتان من البكاء.
باب غرفة العمليات مغلق.
اللافتة الحمراء مضاءة.
"عمليات جراحية – ممنوع الدخول"
نيروز تضع يدها على فمها، تحاول كتم شهقتها.
نيروز (بهمس مكسور):
– يا رب…
– يا رب ما يكونش حصلها حاجة…
– أنا ما كنتش شايفاها… والله ما كنت شايفاها…
تمر ممرضة بجانبها، تنظر لها بشفقة ثم تكمل طريقها.
نيروز تخرج هاتفها بيد مرتجفة،
تتردد ثانية…
ثم تضغط اسم:
«سليم»
يرن…
يرن…
في القاهرة…
القاهرة – سيارة متوقفة على جانب الطريق
سليم القيصري يقف بجانب السيارة،
وبيجاد خلف المقود، يشرب قهوة باردة.
هاتف سليم يرن.
ينظر للاسم، يشعر بانقباض مفاجئ.
سليم:
– نيروز؟
يرد بسرعة.
مشفى قنا – اتصال هاتفي متقطع
سليم (قلق):
– نيروز؟ إنتِ فين؟ صوتك مالُه؟
ينفجر صوت نيروز بالبكاء.
نيروز (بشهقات متقطعة):
– سليم…
– أنا… أنا خبطت حد…
– خبطت ليل…
يصمت سليم فجأة.
وجهه يتجمّد.
سليم (غير مستوعب):
– إيه…؟
– إنتِ بتقولي إيه؟
نيروز (بذعر):
– كانت طالعة من الضلمة…
– أنا ما لحقتش أفرمل…
– وقعت قدامي…
– ولما نزلت من العربية…
(تنهار)
– طلعت ليل يا سليم… ليل!
في القاهرة،
بيجاد ينتبه فورًا.
بيجاد:
– في إيه؟!
سليم يرفع يده له أن يصمت، عينيه لا تزالان على الهاتف.
سليم (بصوت مخنوق):
– طيب… طيب اسمعيني…
– هي فين دلوقتي؟
نيروز:
– في… في مشفى قنا العام…
– دخلوها العمليات…
– الدم كان كتير…
– أنا… أنا كنت هموت من الخوف…
سليم يمرر يده في شعره بعنف، يدور حول نفسه.
سليم:
– إنتِ لوحدك؟
نيروز:
– أيوه…
– معرفش أعمل إيه…
– حاسّة إن قلبي هيقف…
صوت باب غرفة العمليات يُفتح لحظة،
ثم يُغلق من جديد.
نيروز تنتفض.
نيروز (تصرخ في الهاتف):
– يا سليم… أنا خايفة…
– لو جرالها حاجة…
– مش هسامح نفسي!
صوت سليم يصبح حاسمًا فجأة، رغم ارتجافه الداخلي.
سليم:
– بصّي لي…
– متتحركيش من المشفى.
– اسمعيني كويس.
نيروز:
– حاضر… حاضر…
سليم:
– أنا جاي حالًا.
– أنا وبيجاد.
– ربع ساعة ونكون على الطريق.
ينظر لبيجاد.
سليم (بحزم):
– اتحرك… دلوقتي.
بيجاد (من دون أسئلة):
– قنا؟
سليم يومئ برأسه.
بيجاد:
– مسافة طويلة… بس نوصل.
يعود سليم للهاتف.
سليم (بصوت أهدأ، دافئ):
– نيروز…
– بصّي عليّا…
– إنتِ ما عملتيش حاجة غلط.
– حصل قضاء وقدر.
نيروز تهز رأسها رغم أنه لا يراها.
نيروز:
– بس هي…
– هي أختهم…
– هي بنت زياد…
– ليل…
سليم:
– وأنا جوزك.
– ومش هسيبك لوحدك ثانية.
– استنيني… سامعة؟
نيروز (بدموع):
– سامعاك…
يغلق الخط.
مشفى قنا – من جديد
نيروز تنزل الهاتف ببطء.
تضغطه على صدرها.
تنظر إلى باب غرفة العمليات،
وتهمس بصوت مبحوح:
نيروز:
– استحملي يا ليل…
– عاصم أكيد جاي…
– كلهم جايين
***********************
صباح اليوم التالي – مشفى قنا العام
ضوء الصباح يتسلّل من النوافذ العالية،
باهت… متعب… كأنه هو الآخر لم ينم.
الممر نفسه.
المقاعد البلاستيكية نفسها.
لكن نيروز تبدو أصغر، أضعف، كأن الليل سرق منها سنوات.
جالسة،
ظهرها منحنٍ،
عيناها معلّقتان على باب العناية المركزة.
الكوب الورقي أمامها لم تلمسه.
الهاتف في يدها مطفأ…
وكأنها تخاف أن يرن.
خطوات مسرعة تُسمع من آخر الممر.
سليم القيصري يدخل أولًا،
ملامحه مشدودة، عيونه حمراء من السهر والطريق الطويل.
خلفه بيجاد، أكثر هدوءًا لكن القلق واضح في قبضته المشدودة.
نيروز ترفع رأسها ببطء.
لحظة صمت.
ثم تنهار.
نيروز
(تقف فجأة، صوتها مبحوح) – سليم…
لم تُكمل.
ارتمت في حضنه بقوة.
سليم يضمّها فورًا،
كأن العالم كله سيتفكك إن تركها.
سليم
(بصوت منخفض، ثابت) – أنا هنا…
– خلاص، أنا جيت.
نيروز تبكي دون صوت،
كتفاها يهتزان.
نيروز
– دخلت العمليات امبارح بالليل…
– خرجوها من شوية…
– بس…
(تتراجع خطوة، تنظر له بذعر) – حطّوها في العناية المركزة يا سليم…
سليم يُغمض عينيه لحظة،
يأخذ نفسًا عميقًا.
سليم
– طيب…
– اسمعيني كويس.
يمسك وجهها بين كفيه، يفرض عليها أن تنظر له.
سليم
– إنتِ عملتِ اللي تقدري عليه.
– إنتِ أنقذتيها… فاهمة؟
نيروز تهز رأسها نفيًا، دموعها لا تتوقف.
نيروز
– لو كنت أبطأ ثانية…
– لو كنت شايفتها بدري…
– كانت…
سليم
(بحزم لطيف) – بس.
– مفيش “لو”.
بيجاد يقترب بهدوء، ينظر لباب العناية المركزة.
بيجاد
– الدكتور قال إيه؟
نيروز تمسح دموعها بسرعة، تحاول التماسك.
نيروز
– النزيف اتوقف…
– بس عندها ارتجاج شديد…
– ولسه تحت المراقبة…
بيجاد يومئ برأسه، يفهم أكثر مما يُقال.
بيجاد
– يعني المرحلة الجاية أصعب.
سليم يشدّ نيروز إلى جانبه، يجلسان معًا.
لحظة صمت ثقيلة.
ثم بيجاد يخرج هاتفه.
سليم
(ينظر له) – هتعمل إيه؟
بيجاد
– هبلّغهم.
– دلوقتي.
نيروز ترفع رأسها بقلق.
نيروز
– مين…؟
بيجاد
– الكل.
ينسحب خطوتين بعيدًا، يتصل.
بيجاد
– أيوه يا زياد بيه…
(يصمت لحظة) – ليل اتلاقت.
يتغيّر صوته، يصبح أثقل.
بيجاد
– أيوه…
– في مشفى قنا العام.
– كانت في عملية طول الليل…
– دلوقتي في العناية المركزة.
يتنفس بعمق.
بيجاد
– نيروز هي اللي لاقتها…
– حصل حادث وهي هربانة.
يصمت، يستمع.
بيجاد
– أيوه… فاهم.
– بس أهم حاجة دلوقتي تيجوا بهدوء…
– الحالة حرجة، وأي توتر ممكن يأثر.
يغلق الخط.
يعود إلى سليم ونيروز
بيجاد
– زياد عارف.
– آدم… عاصم… كلهم في الطريق.
نيروز تشحب.
نيروز
– عاصم…؟
سليم يشدّ يدها.
سليم
– عاصم هيهمه حاجة واحدة.
– إن ليل تعيش.
ينظر في عينيها بثبات.
سليم
– والباقي…
– هيتحاسب.
نيروز تنظر مجددًا إلى باب العناية المركزة،
عيناها مليئتان بالخوف…
وبالأمل.
من خلف الزجاج،
أجهزة… أسلاك…
وجسد ليل ساكن، محاط بالضوء الأبيض.
نيروز تهمس:
نيروز
– سامحيني…
– سامحيني بس قومي.
سليم يقبّل رأسها بهدوء.
سليم
– هتقوم.
– ليل قوية…
– وأقوى من اللي حاول يكسرها.
***********************
فيلا الزهراوي – القاهرة – صباحًا
الهاتف في يد زياد…
الشاشة سوداء.
المكالمة انتهت، لكن صداها ما زال يرن في رأسه.
زياد واقف في منتصف الصالون،
ظهره مستقيم لكن كتفيه مثقلان،
كأن خبرًا واحدًا كسر كل ما بناه داخله.
لا يتكلم.
آدم يراقبه من بعيد،
يعرف هذا الصمت…
هذا ليس صمت رجل قوي،
هذا صمت أب خائف.
آدم
(بحذر) – زياد…؟
زياد يرفع عينيه ببطء.
فيهما شيء لم يروه فيه من قبل.
زياد
(بصوت مكسور) – لقوها.
لحظة صمت.
حور تقترب خطوة، قلبها يخفق بعنف.
حور
– ليل…؟
زياد يبتلع ريقه.
زياد
– في مشفى…
– في قنا.
الصمت ينفجر.
حور
(تصرخ) – قنا؟!
– يعني إيه قنا؟!
تركض نحوه، تمسك بذراعيه بقوة.
حور
– بنتي فين؟
– هي عايشة؟!
– قولي إنها عايشة يا زياد!
زياد يحاول أن يكون صلبًا… يفشل.
زياد
– كانت في عملية طول الليل…
– دلوقتي في العناية المركزة.
حور لا تسمع الباقي.
تنهار.
تجلس على الأرض فجأة،
كأن قدميها خانتاها.
حور
(تبكي بحرقة) – ليل…
– يا روحي…
– يا بنتي…
ملك تسرع إليها، تجثو بجانبها.
ملك
– حور… حبيبتي، قومي…
– لازم تبقي قوية.
لكن حور تدفعها بعيدًا، تزحف نحو زياد وتمسك بقدميه.
حور
– خدني ليها.
– دلوقتي.
– والله ما أستنى ثانية!
تنظر له بعينين متورمتين.
حور
– زياد… دي بنتنا.
زياد ينحني فورًا، يرفعها من الأرض ويضمّها بقوة.
لأول مرة…
يبكي بصوت.
زياد
– أنا معاكي.
– هنروح.
أدهم يتقدم، وجهه متجهم.
أدهم
– قنا مش ساعة ولا اتنين.
– لازم نتحرك بعقل.
جميلة تمسك يد زوجها، عيناها مليئتان بالخوف.
جميلة
– يعني إيه؟
– نقعد نستنى؟
أدهم
– لا.
– بس مش كلنا نسيب الفيلا.
ينظر حوله.
أدهم
– في ناس اختفت…
– وفي لعب كبير شغال.
مازن يتنهد بعمق.
مازن
– صح.
– لو كلنا مشينا، نكون كشفنا نفسنا.
آدم يتدخل أخيرًا، صوته حاسم.
آدم
– القرار بسيط.
ينظر إلى زياد مباشرة.
آدم
– زياد وحور لازم يروحوا.
– ملك معاهم.
يلتفت إلى البقية.
آدم
– أنا وأدهم ومازن نفضل هنا.
– نرتب… ونستنى الأخبار.
حور ترفع رأسها فجأة.
حور
– لا.
– أنا مش هسيب ليل تاني.
زياد
(يمسك يدها) – إنتِ مش سايباها.
– إنتِ رايحة لها.
ثم ينظر للجميع، بنبرة لا تقبل النقاش.
زياد
– اللي حصل ليل مش حادث.
– واللي عمل كده… لسه طليق.
صمت ثقيل.
ملك (بصوت مرتجف) – هتشوفنا يا ليل…
– وهتعرفي إننا جايين.
حور تمسح دموعها بعنف، تقف.
حور
– خمس دقايق.
– أغيّر هدومي.
ثم تلتفت إلى زياد، تمسك وجهه.
حور
– لو بنتي جرالها حاجة…
زياد يقاطعها فورًا.
زياد
– مفيش “لو”.
يضع جبهته على جبهتها.
زياد
– ليل هتعيش.
– وأنا مش هسيب حقها.
*************************
فيلا الشرقاوي – الصالون الرئيسي
الهواء ثقيل.
مراد ملقى على الأرض، أنفاسه متقطعة، آثار الضرب واضحة على وجهه.
عاصم يقف فوقه، صدره يعلو ويهبط، قبضتاه ما زالتا مشدودتين.
سليم الشرقاوي يمسح الدم عن يده،
زين واقف بجانبه، يراقب بحذر،
رؤى تبكي بصمت، عيناها لا تفارقان المشهد.
فجأة…
يرن هاتف عاصم.
الجميع ينتبه.
عاصم ينظر إلى الشاشة…
اسم بيجاد.
يرد فورًا.
عاصم
(بحدة) – قول.
صوت بيجاد يأتي متقطعًا، متوترًا.
بيجاد (من الهاتف)
– عاصم…
– لقينا ليل.
عاصم يتجمّد.
عاصم
– إزاي…؟
– هي فين؟!
بيجاد
– في مشفى… في قنا.
– حصل حادث…
– نيروز… صدمتها بالعربية.
الصوت يختفي.
الكلمات لا تصل كاملة… لكنها كافية.
وجه عاصم يفرغ من الدم.
عيناه تتسعان…
ثم يفقد التركيز.
عاصم
(بهمس مبحوح) – صدمتها…؟
الهاتف يسقط من يده.
زين – عاصم…؟
لكن عاصم لا يسمع.
يتراجع خطوة…
ثم أخرى…
وكأن الأرض تهتز تحته.
عاصم
(بصوت مكسور) – ليل…
فجأة، يلتفت بعنف.
يترك مراد تمامًا، كأنه لم يعد يراه.
سليم
(مستغرب) – إيه اللي حصل؟!
عاصم يصرخ فجأة، صرخة مرعبة.
عاصم
– الحراس!
– ادخلوا… دلوقتي!
يدخل حراس عاصم مسرعين، مدججين، عيونهم على سيدهم.
عاصم
(ببرود قاتل) – قيّدوا مراد.
– وكل رجاله.
– ولا واحد يتحرك.
مراد (يضحك بسخرية متقطعة) – خايف عليها؟
– شكلك حبيتها بجد…
عاصم يلتفت إليه ببطء.
نظرة واحدة…
تجعل الضحكة تختفي من وجه مراد.
عاصم
– ولا كلمة.
– أنت ميت… بس لسه.
الحراس ينقضّون، يقيدون مراد ورجاله بقسوة.
زين (يهمس لسليم) – أنا أول مرة أشوفه كده…
– ده مش عاصم اللي نعرفه.
سليم – دي نظرة واحد ممكن يولّع الدنيا.
عاصم يلتفت إليهم فجأة.
عاصم
(بسرعة) – أنا ماشي دلوقتي.
ينظر إلى رؤى.
عاصم
– إنتِ معايا.
رؤى
(مصدومة) – أنا…؟!
عاصم
– مش هسيبك هنا.
– يلا.
ثم ينظر إلى سليم وزين.
عاصم
– إنتوا…
– اقعدوا مع الكلب ده.
يشير إلى مراد باحتقار.
عاصم
– لو فكر يتنفس من غير إذني…
– اقطعوا النفس.
مراد (بابتسامة باهتة) – فاكر إنك سبقتني؟
– اللعبة لسه مخلصتش.
عاصم لا يرد.
لا يلتفت.
لا يسمع.
يمسك يد رؤى بقوة، يكاد يجرّها.
رؤى
(تبكي) – عاصم… هي هتعيش؟!
يتوقف فجأة.
يلتفت إليها.
في عينيه خوف عارٍ…
غير مموّه.
عاصم
– لازم.
ثم يركض.
الباب يُفتح بعنف…
ويُغلق بعنف أكبر.
يبقى في الصالون:
مراد مقيد، يلهث.
سليم ينظر إليه بحقد صامت.
زين يتنفس بعمق.
زين
(بسخرية سوداء) – شكلك خسرت أهم ورقة يا مراد.
مراد يبتسم…
ابتسامة صغيرة… غامضة.
***********************
مطار ليوناردو دا فينشي – روما | صالة المغادرة الدولية
الضجيج منظم، بارد…
أصوات النداءات، خطوات المسافرين، عجلات الحقائب.
نادين تمشي بخطوات ثابتة، معطف داكن، شعرها مرفوع بإحكام.
عيناها لا تتحركان كثيرًا… لكن فيهما شيء خطير،
شيء لا يشبه الحزن فقط…
بل قرار نهائي.
إلى جوارها، الساندرو، أنيق كعادته، ابتسامة صغيرة واثقة على شفتيه.
ينظر إلى لوحة الرحلات.
الساندرو
(بابتسامة انتصار) – روما… القاهرة.
– أخيرًا.
يلتفت إليها.
الساندرو
– بعد سنين…
– مصيبة حياتي هتنتهي.
نادين لا تبتسم.
لكن عينيها تلمعان… لمعانًا مظلمًا.
نادين
– مراد…
– ما دمّرش بس حياتنا.
– هو قتل ناس جوه قلوبنا ولسه بيتنفس.
الساندرو يضحك ضحكة خافتة.
الساندرو
– وده أكتر شيء بيخليني مستمتع.
– لأول مرة…
– هكون أنا النهاية.
يتقدم موظف المطار، يفحص جوازي السفر، يشير لهما بالمرور.
يمشيان نحو بوابة الصعود.
الساندرو
(وهو يسير) – عندك أي تردد؟
نادين تتوقف فجأة.
تنظر أمامها… لا إلى الساندرو.
نادين
– لا.
– في حاجات…
– ما ينفعش تتغفر.
تستأنف السير.
في منطقة الانتظار، يجلسان قرب الزجاج الكبير.
الطائرة واقفة، ضخمة، صامتة… كأنها شاهدة على ما سيحدث.
الساندرو يخرج هاتفه، ينظر إلى صورة قديمة…
يمسح الشاشة.
الساندرو
– مراد فاكر نفسه دايمًا سابق بخطوة.
– بس نسي إن في ناس…
– بتصبر كتير.
نادين تشبك أصابعها بقوة.
نادين
(بصوت منخفض جدًا) – وهو نسي إن الدم…
– لما يفضل من غير حساب،
– بيرجع يطالب بثمنه.
ينظر إليها، لأول مرة بجدية حقيقية.
الساندرو
– إنتِ مخيفة لما تتكلمي كده.
تلتفت إليه ببطء.
نادين
– لا.
– أنا عادلة.
يُعلن عبر مكبر الصوت:
“الركاب المتجهون إلى القاهرة… يرجى التوجه إلى بوابة الصعود.”
يقف الساندرو فورًا.
الساندرو
– لحظة تاريخية.
نادين تنهض معه.
تأخذ نفسًا عميقًا.
يتجهان إلى الصف.
وفجأة…
صوت رجولي يأتي من خلفهما، هادئ…
لكن مشبع بسخرية لاذعة.
الصوت
– القاهرة؟
– يا لها من صدفة جميلة…
يتجمد الساندرو في مكانه.
كتف نادين يتصلب.
الصوت يقترب خطوة.
الصوت
– واضح إن الرحلة دي…
– فيها حسابات كتير.
نادين لا تلتفت.
الساندرو يضغط على فكه.
الصوت يكمل، أخف… أخطر:
الصوت
– تشرفنا…
– واضح إننا هنقضي الرحلة سوا.
قطع.
— ولا تُكشف الهوية.
*************************
يتقدم الرجل خطوة إلى الضوء…
الملامح تتضح.
رامي.
يتوقف الزمن.
عينا نادين تتسعان، أنفاسها تختنق،
الدم يتجمد في عروقها حرفيًا.
رامي
(بذهول ساخر) – …
– لانيرا؟
نادين تفتح فمها… تحاول الكلام…
ولا يخرج منها سوى همسة مكسورة:
نادين
– ر… ر…
الساندرو ينظر بينهما، ثم يبتسم ابتسامة واسعة مستمتعة.
الساندرو
(بمرح قاتل) – يا سلام!
– واضح إن الرحلة بقت ممتعة.
– يلا بينا… الطيارة مش هتستنانا ولا أسراركم.
رامي يضحك ضحكة قصيرة، مليئة بالاستهزاء، وهو يثبت نظره على نادين.
رامي
– عمري ما تخيلت إن الصدمة الأكبر…
– تطلع مش في القاهرة.
نادين تبتلع ريقها بصعوبة…
وجهها شاحب…
وعيناها تقولان شيئًا واحدًا:
انكشف السر.