
في فيلا الشرقاوي — صباح اليوم اللي بعده
نور الصبح كان داخل من الشباك الواسع…
بس ما قدرش يطرد الضلمة اللي مالية الصالة الكبيرة.
مراد كان متربط في كرسي تقيل في نص القاعة.
هدومه مكركبة، وشه مورّم من ضرب عاصم…
بس عينيه؟
لسه فيهم نفس لمعة الجنون.
الباب اتفتح ببطء.
دخل زياد الأول.
وراه عاصم.
وبعدين سليم وزين.
مراد رفع راسه واحدة واحدة…
وأول ما عينه جت في عين زياد، ابتسم ابتسامة معوجة.
مراد بسخرية:
— أخيرًا… زياد الزهراوي بنفسه. جاي تتشفى؟
زياد ما ردش على طول.
مشي ناحيته بخطوات ثابتة.
مفيش في عينيه الراجل الطيب اللي الكل يعرفه…
كان في حاجة تانية. حاجة باردة.
زياد بهدوء مخيف:
— لأ. جاي أشوفك على حقيقتك… من غير أقنعة. من غير لعب.
مراد ضحك ضحكة مجنونة واطية:
— أنا عمري ما كنت مستخبي. إنت اللي كنت أعمى.
عاصم قبض إيده بعنف…
بس زياد شاور له يهدى.
زياد قرّب أكتر… لحد ما بقى واقف قدامه على بعد خطوة.
— قتلت رائد.
— خلت عاصم يكرهني ويصدق إني خنته.
— خليته يخطف بنتي ويوديها بلد غريبة سبع شهور.
— حاولت تقتلني بحادثة عربية.
— هددت عيلتي أكتر من مرة.
— وآخر حاجة… خطفت ليل تاني.
صوته ما عليش…
بس كل كلمة كانت كأنها قلم على وش مراد.
مراد بص له بحقد أعمى.
— عمرك ما كنت غير الأفضل في كل حاجة يا زياد… في الجامعة… وسط الناس…
حتى يوسف كان بيثق فيك أكتر مني.
اسم يوسف غيّر الجو فجأة.
سليم بص لأبوه بصدمة.
زين عقد حواجبه.
زياد قال بهدوء:
— يوسف كان عارف حقيقتك.
مراد ابتسم بسخرية مرّة:
— يوسف؟ الضعيف ده؟
كان دايمًا يقولي: "ارجع يا مراد… الطريق ده هيهدك."
وبص لعاصم:
— بس كان غبي زيكم. ما فهمش إن القوة بتيجي بالخوف.
عاصم اتحرك خطوة لقدام:
— ما تجيبش اسم عمي يوسف على لسانك.
مراد بص له باحتقار:
— وإنت… نسخة من خالد. نفس النظرة، نفس المثالية الغبية.
خالد كان بيكرهني… وإنت ورثت الكره.
عاصم بصوت واطي بس مرعب:
— إنت ما تستاهلش تنطق اسم أبويا.
مراد لف لزياد تاني:
— فاكر بنتك نجت بمعجزة؟ لأ. كانت صدفة غبية.
لو العربية دي ما ظهرتش…
زياد قاطعه ببرود:
— ما كانتش صدفة. كانت إرادة ربنا.
وسكت لحظة وبعدين كمل:
— نيروز بنت يوسف. الراجل اللي كنت بتخاف منه…
لأنه الوحيد اللي وقف لك في الجامعة.
حتى وهو عيان، ما سكتش.
مراد صرخ فجأة:
— كنت أقوى منه! أقوى منكم كلكم!
سليم، اللي كان ساكت طول الوقت، اتقدم خطوة.
بص لأبوه… نظرة مفيهاش أي احترام.
— أنا كنت فاكر إنك قدوة.
مراد لف له بعصبية:
— وأنا لسه أبوك!
سليم ببرود قاتل:
— لأ. أبويا مات يوم ما عرفت حقيقتك.
الكلمة دي وجعته أكتر من أي ضربة.
زين ابتسم نص ابتسامة ساخرة:
— وتحب أقولك الأحلى؟
ليل اعترفت عليك رسمي… وكل الأدلة ضدك.
مراد بص لهم كلهم… عينه مولعة.
— مش هتسجنوني كتير. هطلع.
وساعتها هقتل زياد بإيدي دي.
المرة دي مش هيفلت.
زياد ما اتحركش.
قرّب منه لحد ما بقوا وش لوش.
— الفرق بيني وبينك يا مراد…
إني في يوم من الأيام كنت فاكرِك صاحبي.
وإنت كنت بتحسدني… وبتكرهني…
وبتكبر الكره جواك سنة ورا سنة.
والنهارده… كل حاجة خلصت.
مراد همس بحقد:
— ما خلصتش حاجة.
زياد بص له نظرة أخيرة… نظرة واحد فقد كل وهم.
— خلصت.
— لأنك مبقتش تخوّف حد.
لف عشان يمشي.
عاصم وقف قدام مراد لحظة.
بص له بنظرة هادية… مختلفة عن غضبه قبل كده.
— مش هضربك النهارده.
— ولا هصرخ.
— هسيب العدالة تاخدك…
وده أقسى عليك من أي حاجة أقدر أعملها.
مراد حاول يضحك…
بس الضحكة طلعت مكسورة.
سليم وزين بصوا لبعض في صمت…
مفيش كلام يتقال.
الأربعة خرجوا من الصالة.
وسابوا مراد لوحده.
متربط.
باصص حوالينه…
ولأول مرة يستوعب إن العظمة اللي كان بيحلم بيها…
ما كانتش غير وهم كبير.
*********************
سويسرا — شقة رامي — صباح بارد رمادي
الستائر نصف مفتوحة. ضوء خافت يدخل إلى غرفة المعيشة.
الحقائب مفتوحة على الأريكة. ملابس مبعثرة. أوراق. جواز سفر. هاتف مفتوح على صفحة حجز الطيران.
رائد يتحرك بسرعة غير معتادة.
ليس ارتباكًا… بل قرار.
وجهه صار مختلفًا منذ الليلة الماضية.
لا حيرة.
لا ضياع.
برود عسكري حاد.
الينا وقفت عند باب الغرفة تراقبه بصمت لثوانٍ.
— رائد… ماذا تفعل؟
لم يلتفت إليها.
— حجزت أول رحلة إلى القاهرة. بعد ثلاث ساعات.
تجمدت.
— ثلاث ساعات؟! أنت بالكاد استعدت ذاكرتك أمس!
أغلق الحقيبة بعنف.
— ولهذا السبب تحديدًا يجب أن أذهب الآن.
اقتربت منه.
— جسمك لم يتعافَ بالكامل. نوبات الصداع لم تنتهِ. هذا ضغط عصبي هائل…
التفت إليها أخيرًا.
— ثلاث سنوات يا إلينا.
ثلاث سنوات وأنا ميت رسميًا.
مراد اعتقد أنه تخلص مني.
الجميع يظنني ضحية… أو ذكرى.
صوته كان منخفضًا… لكنه مليء بالغضب المكبوت.
— كنت في مهمة ميدانية. انفجار. فوضى.
ثم ظلام.
استيقظت بلا اسم… بلا رتبة… بلا وطن.
اقترب خطوة منها.
— أنا مقدم مخابرات يا إلينا.
ولدي عائلة.
وأخ… وأصدقاء… وناس يعتمدون عليّ.
تنفست بعمق.
— وهل تعتقد أنهم وحدهم في مواجهة مراد؟
— نعم.
قالها بلا تردد.
— مراد ذكي. خطير. يلعب بعقول الناس.
آخر ما أتذكره قبل الانفجار أننا كنا نقترب منه.
كنت أملك خيطًا يربطه بكل شيء.
إذا ظن أنني مت… سيشعر بالأمان.
عيناه اشتعلتا.
— سأظهر فجأة.
وسينهار كل شيء بناه.
الينا أمسكت بذراعه.
— أنت لا تعرف الوضع الآن. ربما الأمور تغيرت. ربما…
قاطعها.
— لا أملك رفاهية الانتظار.
صمتت لحظة، ثم قالت بصوت أهدأ:
— أنت لا تذهب فقط "لكشف الحقيقة".
أنت ذاهب لتنتقم.
توقف.
لم ينكر.
— لو أردت الانتقام… لما حجزت طائرة.
كنت سأختفي وأصل إليه بطريقة أخرى.
ثم أضاف ببرود:
— أنا ذاهب لأنهيه قانونيًا… أو بأي طريقة تُنهيه للأبد.
نظرت إليه بقلق حقيقي.
— وماذا عنك؟
ماذا عن حياتك هنا؟
ماذا عن…ّا؟
سكت لحظة.
نظر إليها… تلك النظرة التي تجمع بين الامتنان والوجع.
— حياتي لم تكن هنا أبدًا.
كنت هاربًا من نفسي… حتى بدون أن أعرف.
اقترب ولمس خدها بخفة.
— أنتِ أنقذتِني.
أعدتِني للحياة.
لكن حياتي هناك.
دمعت عيناها.
— وأنا؟
تنفس ببطء.
— لو طلبتِ مني البقاء… سأضعف.
صوتها ارتجف:
— إذن لا تطلب مني أن أكون قوية الآن.
لحظة صمت ثقيلة.
ثم ابتعد عنها قليلًا، وعاد إلى الحقيبة.
— الطائرة بعد ثلاث ساعات.
سأرسل لك العنوان فور وصولي.
قالتها بمرارة خفيفة:
— أنت مستحيل.
حتى وأنت عائد للحرب… تفكر كأنك في مهمة رسمية.
توقف لحظة.
— لأنها مهمة رسمية.
بل أهم مهمة في حياتي.
حمل الحقيبة.
— مراد يعتقد أن رائد مات.
سأريه أن الموت أحيانًا… يتأخر فقط.
اقتربت منه محاولة أخيرة.
— على الأقل دعني أرافقك.
هز رأسه.
— لا.
هذه حرب قديمة.
وأنا من بدأها… وأنا من سينهيها.
نظرت إليه بعجز.
— لن أستطيع إيقافك… أليس كذلك؟
أجاب بهدوء حاسم:
— لا.
ثم مر بجانبها نحو الباب.
وقبل أن يفتحه، توقف.
— إلينا… مهما حدث هناك… لا تصدقي أي خبر قبل أن تسمعيه مني.
همست:
— فقط عد حيًا.
فتح الباب.
— دائمًا أفعل.
وأغلقه خلفه.
بقيت واقفة في الصمت…
بين الخوف…
والإحساس أن شيئًا كبيرًا جدًا بدأ يتحرك.
*********************
سويسرا — بعد دقائق من خروج رائد
الينا بقيت واقفة في منتصف الغرفة لثوانٍ…
ثم فجأة تحركت.
التقطت هاتفها بيد مرتجفة، بحثت عن اسم واحد فقط.
رامي.
ضغطت اتصال.
رنّ مرتين فقط.
— ألو.
صوته ثابت… عملي… كعادته.
— رامي… رائد استعاد ذاكرته.
صمت قصير في الطرف الآخر.
لم يصرخ.
لم ينصدم.
تنفّس ببطء فقط.
— متى؟
— الليلة الماضية. والان خرج من الشقة. حجز تذكرة لمصر… بعد ثلاث ساعات. قال إنه سيُنهي مراد بنفسه!
خطوات خفيفة سُمعت من جهة رامي، كأنه ابتعد إلى مكان أكثر خصوصية.
— هل هو مستقر جسديًا؟
تجمدت لحظة من السؤال.
— أنت لا تسمعني؟! هو ذاهب للحرب!
— أسمعك جيدًا يا إلينا. لذلك أسألك. هل هو مستقر؟
أغلقت عينيها.
— جسده بخير… لكن داخله… كأن شيئًا انفجر.
رد بهدوء محسوب:
— جيد. هذا يعني أن قراره واعٍ… ليس اندفاع نوبة ألم.
انفجرت فيه:
— أنت هادئ بشكل مستفز! أوقفه!
— لا أستطيع.
قالها ببساطة.
— وحتى لو استطعت… لن أفعل.
سكتت لحظة.
— ماذا؟!
تنهد رامي ببطء.
— رائد عاش ثلاث سنوات بلا اسم.
أنتِ رأيتِ ماذا فعل به فقدان هويته.
الآن عاد له كل شيء… لن يستطيع الجلوس مكتوف اليدين.
— لكنه قد يُقتل!
— أو قد ينقذ الجميع.
نبرته لم تتغير.
— اسمعي جيدًا. رائد ليس مراهقًا مندفعًا.
هو مقدم مخابرات ميداني.
التحرك السريع جزء من تكوينه.
سكت لحظة، ثم أضاف بنبرة أكثر جدية:
— وأنا لن أتركه وحده.
رفعت رأسها.
— ماذا تقصد؟
— أقصد أنني سأسبق خطوته.
بدأ صوته يأخذ طابع الأوامر.
— أرسلي لي رقم رحلته الآن.
وسأرتب أمرين:
أولًا، استقبال غير معلن في القاهرة.
ثانيًا، تأمين مراقبة على تحركاته.
— مراقبة؟!
— نعم.
إذا قرر الذهاب مباشرة إلى مراد… سأكون هناك قبله.
تنفست بسرعة.
— أنت كنت تعلم أن هذا سيحدث… أليس كذلك؟
ابتسم ابتسامة خفيفة لم ترها، لكنها سُمعت في صوته.
— كنت أعلم أن ذاكرته ستعود يومًا.
وكنت أعلم أن أول شيء سيفعله… هو البحث عن العدالة.
سألته بخوف:
— هل مراد يعرف أنه حي؟
— لا.
توقف لحظة.
— وهذا أكبر سلاح معنا.
خفض صوته قليلًا.
— لكن إن ظهر رائد فجأة أمامه… سيصبح الهدف على ظهره.
— إذًا ماذا ستفعل؟
— سأدعه يصل… لكن تحت سيطرتي.
قالها ببرود استراتيجي.
— لن أسمح له أن يتحول من شاهد إلى ضحية.
صمتت لحظة، ثم همست:
— هو لا يستمع لأحد الآن.
— أعرف.
نبرة رامي أصبحت أعمق قليلًا.
— لذلك لن أحاول منعه… سأوجهه.
أغلقت عينيها.
— أنا خائفة عليه.
رد بهدوء صادق:
— وأنا أيضًا.
ثم عاد صوته صارمًا من جديد.
— إلينا، ركزي معي.
هل ترك أي مستندات هنا؟ أي أوراق قد تكشف شيئًا؟
— لا… أخذ كل شيء.
— جيد.
إذا تواصل معك بعد الوصول، لا تسأليه كثيرًا.
استمعي فقط.
واجعليه يشعر أن لديه نقطة عودة.
— نقطة عودة؟
— نعم.
كل جندي يحتاج إلى مكان يعود إليه… حتى لو لم يعترف بذلك.
سكت لحظة.
— وأنا سأكون في القاهرة خلال ساعات.
تجمدت.
— أنت لست هناك الآن؟
— لا. كنت في تحرك آخر.
لكنني سأغير خطتي.
ثم أضاف بهدوء حاسم:
— هذه المعركة لن تُحسم بالعاطفة.
مراد يلعب بالنار منذ سنوات.
لكن هذه المرة… كل القطع تتحرك ضده.
تنفست ببطء.
— اعتنِ به يا رامي.
رد بصوت ثابت:
— رائد أخي قبل أن يكون زميلي.
ولن أسمح أن يخسره أحد مرة أخرى.
أنهى المكالمة.
مصر — مكان غير معلن
رامي أنزل الهاتف ببطء.
وجهه لم يحمل ذعرًا…
بل تركيزًا.
فتح حاسوبه المحمول فورًا.
بدأ يكتب بسرعة.
رسائل مشفرة.
اتصالات قصيرة.
— فعلوا بروتوكول "ظل".
قالها لأحد رجاله عبر سماعة الأذن.
— هدفنا يصل القاهرة خلال ساعات.
لا احتكاك مباشر.
لا إظهار وجود.
مراقبة فقط.
ثم أضاف بصرامة:
— وأريد تقريرًا كاملًا عن وضع مراد الآن.
كل حركة. كل زائر.
أغلق الحاسوب.
رفع رأسه قليلًا… ونظر أمامه بشرود قصير.
— كنت عارف انك هترجع يا رائد…
لكن أتمنى أنك لا تتأخر دقيقة واحدة أكثر من اللازم.
أمسك مفاتيحه.
وغادر بخطوات ثابتة.
المعركة بدأت تتحرك فعليًا الآن.
**********************
فيلا الزهراوي — مساء هادئ ثقيل بعد العاصفة
البيت ممتلئ… لكن الصمت يملأه أكثر من الأصوات.
ليل كانت في غرفتها، مستندة إلى الوسائد، شاحبة قليلًا لكن عينيها يقظتان. آثار الإجهاد واضحة، وضماد خفيف على رأسها.
حولها دائرة صغيرة من الأمان:
رؤى ممسكة بيدها.
حور جالسة قربها تمسح على شعرها.
جميلة وملك ونيروز وربى قريبات، كل واحدة تحمل قلقها بطريقتها.
في الخارج، في الصالة القريبة من الغرفة، كان الرجال مجتمعين:
آدم، أدهم، مازن، سليم القيصري، وبيجاد.
الجو مشحون… لكن مضبوط.
داخل الغرفة
رؤى همست وهي تحاول الابتسام:
— أقسم بالله يا ليل لو تهوريتي مرة ثانية كده… هربطك في السرير بنفسي.
ابتسمت ليل بخفوت.
— كنت ههرب… ومش هرجع تاني.
حور احتضنتها فورًا.
— متقوليش كده… قلبي وقف عليكي.
نيروز اقتربت بخجل واضح.
— أنا لسه مش مسامحة نفسي.
ليل نظرت لها بامتنان صادق.
— أنتِ سبب إني أكون هنا… مش هناك.
لو سيارتك ما ظهرتش… كان ممكن أكون رجعت لنفس الجحيم.
ربى جلست قرب قدم السرير، صوتها هادئ لكنه قوي:
— أهم حاجة إنك وسطنا. والباقي يتحل.
جميلة تنهدت.
— الحرب لسه مخلصتش.
ملك سألت بقلق:
— هم ليه عاصم وزياد راحوا لوحدهم؟
في الصالة
آدم كان واقفًا أمام النافذة، يضم يديه خلف ظهره.
سليم القيصري جلس واضعًا مرفقيه على ركبتيه.
بيجاد يمشي ذهابًا وإيابًا.
أدهم ومازن جالسان بصمت ثقيل.
مازن قطع الصمت:
— مش مرتاح إني سايبهم يواجهوه لوحدهم.
آدم رد بهدوء عسكري واضح:
— لأن المواجهة دي مش مواجهة عضلات.
دي مواجهة ملفات.
نظر إليه بيجاد.
— تقصد إيه؟
آدم التفت لهم.
— مراد دلوقتي مقيد.
أي خطوة زيادة… أي احتكاك… ممكن تتحول لقضية ضدنا.
اللي لازم يكون موجود هناك… هو ولي الأمر، وصاحب القضية المباشرة.
أدهم فهم بسرعة.
— يعني زياد… وعاصم بصفته زوجها.
— بالضبط، قال آدم.
— لو دخلنا كلنا… الموضوع هيتحول لمواجهة عائلية.
لكن دلوقتي إحنا محتاجينها تبقى قضية رسمية.
سليم القيصري أضاف:
— وكمان… وجودنا هنا ضروري.
نظروا له.
— مراد مش شخص بيلعب بورقة واحدة.
لو عنده خطة احتياطية… ممكن يحاول يستهدف البيت.
ليل هنا… ونيروز… وربى…
مش هنسيبهم.
بيجاد توقف عن المشي.
— يعني إحنا خط دفاع.
— مش خط دفاع، صحح آدم.
— خط سيطرة.
سكت لحظة، ثم أكمل:
— عاصم لو انفعل… زياد هيكون موجود يوقفه.
زياد لو ضعف… عاصم هيكون سنده.
التوازن هناك موجود.
أدهم زفر ببطء.
— بس أنا كأب… مش قادر أقعد مستني.
آدم نظر له بنظرة عميقة.
— وأنا كأب مش قادر أسيب ابني زين يتحرك لحظة من غير ما أعرف هو فين.
لكن دي معركة أعصاب… مش اندفاع.
بيجاد قال بهدوء:
— والشرطة؟
آدم رد بثبات:
— الإجراءات ماشية.
والاعترافات اتسجلت.
ومراد مش هيطلع منها بسهولة.
داخل الغرفة مجددًا
ليل سمعت جزءًا من الحديث عبر الباب المفتوح نصف فتحة.
نظرت لأمها.
— بابا مش بيعمل كده من نفسه… صح؟
حور ابتسمت بحنان رغم القلق.
— أبوكي طول عمره طيب…
بس لما الموضوع يخصك… بيبقى شخص تاني.
رؤى ضغطت على يدها.
— وعاصم؟
تورد وجه ليل قليلًا.
— عاصم… مش هيسيب حقي.
ربى قالت بابتسامة هادئة:
— ومش هيسيبه ياخده بطريقه غلط.
نيروز تنفست بعمق.
— أهم حاجة إننا منغلطش زيه.
مراد وقع لأنه صدق إن القوة معناها سيطرة.
ملك أضافت:
— والقوة الحقيقية… إننا واقفين مع بعض.
ليل أغمضت عينيها لحظة، ثم فتحتها بعزم واضح.
— مش عايزة انتقام.
عايزة نهاية قانونية.
ساد الصمت لحظة.
ثم دخل آدم الغرفة بهدوء.
نظر لليل مطمئنًا.
— ارتاحي.
كل حاجة ماشية صح.
ليل سألته مباشرة:
— هو بابا هيرجع النهارده؟
آدم رد بثقة:
— هيرجع…
والمرة دي مش شايل خوف… شايل قرار.
نظرت ليل حولها.
كلهم هنا.
البيت ممتلئ بالحماية.
خارج الفيلا… الحرب تُدار بحساب.
داخلها… تُصان القلوب.
والمعركة هذه المرة… ليست فوضى.
بل ترتيب دقيق لنهاية رجل ظن نفسه لا يُهزم.
***********************
غرفة الصغار — فيلا الزهراوي
الغرفة مليئة بألعاب مبعثرة، سيارات بلاستيكية، مجسمات أبطال خارقين، وقطار صغير يدور في مساره بلا هدف… مثل أفكارهم تمامًا.
أدهم كان جالسًا على طرف السرير، مرفقيه على ركبتيه، شاردًا بطريقة أكبر من عمره.
مازن يتمدد على الأرض يقلب في لعبة بيده دون اهتمام حقيقي.
كارم يجلس على السجادة ممسكًا بدب صغير.
وآسر يحاول تركيب مكعبات فوق بعضها ثم يهدمها بضحكة قصيرة.
الصمت بينهم ليس طبيعيًا…
مازن قطع الصمت أولًا:
— هو ليه البيت بقى هادي كده فجأة؟
أدهم لم يرفع عينيه.
— مش هادي… هو بس… الكبار بيخبّوا حاجة.
كارم نظر لهم بعينين واسعتين.
— هو في وحش في البيت؟
مازن ضحك ضحكة قصيرة.
— لا يا عم، مش وحش… بس في مشكلة.
كارم شد الدب إلى صدره.
— زي لما بابا وماما يتخانقوا؟
أدهم تنفس ببطء.
— لا… أكبر.
سكت قليلًا ثم قال بنضج غريب:
— لاحظتوا إن ماما بقت تبص لليل كتير وهي نايمة؟
وإن بابا بقى ماسك تليفونه طول الوقت؟
و عمو آدم صوته واطي بس عينه مش مطمّنة؟
مازن اعتدل وجلس.
— أيوه… وكمان عاصم بقى بيشد على إيده جامد لما يقعد.
شوفت كده امبارح.
كارم همس:
— هو حد زعل ليل؟
أدهم نظر له، ثم خفض صوته.
— أظن… حد حاول يأذيها.
اتسعت عينا مازن.
— يعني يخطفها تاني؟
أدهم هز رأسه سريعًا.
— لا. مش هيقدر.
(ثم أضاف بثقة طفل يحاول أن يكون رجلًا)
لو حد حاول… أنا هكسر رجله.
مازن ابتسم بخفة.
— إنت؟ ده أنت لسه بتخاف من الضلمة.
أدهم رمى عليه وسادة.
— بطلت من زمان.
كارم رفع يده فجأة.
— أنا هعضه!
انفجر مازن ضاحكًا.
— يا سلام… كارم البطل.
آسر كان يراقبهم بصمت، ثم قال بكلماته المتقطعة:
— ليل… نايمة كتير.
ساد الصمت لحظة.
أدهم قال بهدوء:
— هي تعبانة شوية… بس هتبقى كويسة.
مازن نظر له بشك.
— إنت عرفت منين؟
أدهم تردد، ثم قال:
— سمعت بابا وهو بيقول إن الأمور تحت السيطرة.
— يعني إيه تحت السيطرة؟ سأل مازن.
فكر أدهم قليلًا.
— يعني… الكبار ماسكين المشكلة… ومش هيسيبوها تكبر.
كارم اقترب منه وجلس بجانبه.
— هو لما أكبر هبقى زيكم وأفهم؟
أدهم ابتسم لأول مرة.
— لأ… لما تكبر هتبقى أقوى مننا كلنا.
كارم فكر قليلًا ثم قال بجدية:
— طب أنا عايز أبقى زي عاصم.
مازن رفع حاجبه.
— ليه؟
— عشان بيخلي ليل تضحك.
ساد الصمت مرة أخرى… لكن هذه المرة دافئ.
أدهم تمتم:
— عاصم مش بس بيخليها تضحك…
هو بيخليها تحس إنها أمان.
مازن نظر له بدهشة.
— إنت بقت بتفهم في الحب كمان؟
أدهم احمرّ وجهه قليلًا.
— مش حب… بس باين.
آسر فجأة قال بصوت صغير:
— أنا بحب ليل.
كارم قفز:
— وأنا كمان!
مازن رفع يده:
— وأنا.
نظروا جميعًا إلى أدهم.
ابتسم بخفة، ثم قال بهدوء ناضج:
— كلنا بنحبها.
وعشان كده محدش هيقدر يقرب منها.
ثم نهض، واتجه نحو النافذة الصغيرة، ينظر إلى حديقة الفيلا حيث الأضواء خافتة.
مازن اقترب منه.
— لو في خطر حقيقي… هيقولولنا؟
أدهم رد دون أن يلتفت:
— لأ.
— ليه؟
— عشان إحنا صغار في نظرهم…
بس مش أغبيا.
كارم تمتم وهو يحتضن دبه:
— أنا سامع ماما بتعيط امبارح.
أدهم التفت بسرعة.
— متقولش كده قدامها.
هي بتبقى قوية عشاننا.
مازن تنهد.
— نفسي كل حاجة ترجع عادية.
أدهم نظر لهم جميعًا… ثم ابتسم ابتسامة صغيرة لكنها ثابتة.
— هترجع.
بس يمكن بعد ما نتعلم شوية حاجات.
— زي إيه؟ سأل مازن.
— إن العيلة أهم من أي حاجة.
وإن اللي يزعل حد مننا… يبقى زعلنا كلنا.
كارم رفع قبضته الصغيرة.
— فريق!
ضحكوا جميعًا، حتى آسر حاول أن يرفع يده الصغيرة مقلدًا إياهم.
ووسط براءتهم، كانوا يشعرون بشيء أكبر منهم…
توتر في الهواء.
نظرات الكبار.
أبواب تُغلق بهدوء.
همسات لا يفهمونها تمامًا.
لكن شيئًا واحدًا كانوا متأكدين منه بطريقتهم الطفولية البسيطة:
طالما هم معًا…
وليل بينهم…
فالبيت ما زال بيتًا.
************************
القاهرة — شقة فندقية فاخرة مطلة على النيل
الستائر نصف مسدلة… الضوء رمادي… الجو ثقيل.
الساندرو فيريتي يقف أمام النافذة، كوب قهوة سوداء بيده، عيونه باردة كأنها حجر.
نادين تجلس على الأريكة، ظهرها مستقيم، لكن أصابعها متشابكة بقوة.
يدخل أحد رجال الساندرو، ينحني قليلًا.
— تم التأكد يا سيدي.
مراد في فيلته… مقيد.
معه رجلان أكبر سنًا… وشابان.
الساندرو لم يلتفت.
— أسماء.
— زياد الزهراوي… وعاصم القاسمي… وسليم الشرقاوي… وزين العطار.
هنا فقط التفت ببطء إلى نادين.
— يبدو أنك تعرفينهم.
عينا نادين لمعتا بشيء بين الألم والكره.
— أعرفهم جيدًا.
خرج الرجل، وأغلق الباب بهدوء.
ساد صمت ثقيل.
الساندرو اقترب من الطاولة، وضع الكوب، وقال بنبرة ثابتة:
— إذًا… اللعبة انتهت.
مراد ضعيف الآن.
أفضل لحظة لقتله.
نادين رفعت رأسها ببطء.
— ليس قتله فقط…
يجب أن يموت وهو يدرك أنه خسر كل شيء.
ابتسم الساندرو ابتسامة باهتة.
— الانتقام ليس مسرحية يا نادين.
طلقة واحدة تكفي.
— لا.
(نظرت له بحدة)
أنت تريد التخلص من مشكلة.
أنا أريد إغلاق جرح عمره عشرون عامًا.
اقترب منها أكثر.
— أخوكِ الضابط حذركِ، أليس كذلك؟
رامي… قال لا تتجاوزا القانون.
ابتسم بسخرية خفيفة.
— أنا لا أتلقى أوامر من ضابط شاب مهما كان ذكاؤه.
نادين أغمضت عينيها لحظة.
— رامي لا يفهم.
لا أحد يفهم ماذا فعل بي مراد.
الساندرو جلس أمامها.
— حدثيني… مرة أخيرة.
تنفست ببطء، كأنها تستحضر شريطًا قديمًا.
— قتل أبي.
بدم بارد… ثم تلاعب بالأدلة.
جعل آدم يظن أنني خنته…
طلقني… وانهار كل شيء.
ثم… عندما كنت أبحث عن الحقيقة…
هددني… جرّني إلى عالمك… عالم القذارة هذا.
رفعت عينيها نحوه.
— أنا لم أكن “لانيرا” لأنني أردت المال.
كنت أبحث عن سلاح أواجهه به.
الساندرو ضحك ضحكة خافتة.
— الجميع يقول ذلك.
كل من يعمل معنا يدّعي أنه مجبر.
نظرت له ببرود.
— وأنت؟
لماذا أصبحت ما أنت عليه؟
صمت لحظة… ثم قال بصدق قاسٍ:
— لأنني أحب القوة.
ولأن العالم يحترم من يخشاه فقط.
تبادلوا النظرات… نظرات خالية من التعاطف.
نادين وقفت.
— مراد لن يذهب للسجن.
السجن رحمة.
هو يجب أن يموت.
الساندرو نهض ببطء.
— سنتحرك الآن.
فيلته تحت المراقبة… لكن رجالنا يمكنهم الدخول بهدوء.
نقتل الهدف… ونخرج.
— لا.
(نبرتها صلبة)
أنا من سيضغط الزناد.
رفع حاجبه.
— تثقين بيدك؟
— أكثر مما أثق بأي رجل في هذه المدينة.
اقترب منها، صوته منخفض:
— وإن كان هناك شهود؟
زياد… عاصم… ابنه؟
لم تتردد.
— من يقف بيني وبينه… يتحمل العواقب.
للحظة… حتى الساندرو نظر لها بإعجاب بارد.
— بدأتِ تشبهيننا فعلًا.
أجابته دون أن ترمش:
— أنا لم أكن ضعيفة يومًا.
كنت فقط أظن أن العدالة كافية.
سحب هاتفه وأرسل رسالة قصيرة.
— السيارة خلال خمس دقائق.
نذهب الآن.
وقفت أمام المرآة، نظرت لانعكاسها طويلًا.
وجه امرأة أنهكها الغضب… لكنه صار صلبًا.
همست لنفسها:
— انتهى زمن الانتظار يا مراد.
فتح الساندرو الباب، التفت إليها.
— عندما ينتهي هذا… لن يكون هناك طريق عودة.
أجابته بهدوء مخيف:
— لم يعد هناك طريق منذ زمن.
خرج الاثنان من الشقة…
الهواء في الممر بارد…
خطواتهما ثابتة.
وفي مكان آخر من القاهرة…
مراد مقيد… يظن أن خصومه هم من أمامه فقط.
لا يعلم أن الظلام نفسه يتحرك نحوه الآن.
************************
القاهرة — فيلا كامل — مساء هادئ ثقيل
الحديقة مضاءة بإضاءة صفراء ناعمة.
داخل الفيلا… كل شيء مرتب، راقٍ، هادئ.
هدوء لا يشبه العاصفة الدائرة في قلب ريما.
ريما كانت جالسة في غرفة المعيشة، يدها على بطنها المنتفخ قليلًا، والهاتف في يدها الأخرى.
المكالمة الخامسة… لا رد.
تنهدت بقلق واضح.
— سليم عمره ما يقفل تليفونه كده… عمره.
دخل كامل بهدوء، كان يرتدي ملابس منزلية بسيطة، لكن حضوره وحده يملأ المكان طمأنينة.
وقف خلفها لحظة، يراقبها بحنان.
— لسه مش بيرد؟
هزت رأسها ببطء.
— من ثلاثة أيام يا كامل…
حتى لما بيكون زعلان مني… بيرد.
ابتسم بخفة محاولًا التخفيف.
— يمكن الشبكة… يمكن مشغول.
نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالقلق.
— سليم مش بيختفي كده.
هو حساس… قوي قدام الناس… بس أنا عارفة قلبي.
لو حصل حاجة… بحس.
اقترب منها، جلس على الطاولة أمامها، وأمسك يديها برفق.
— اسمعيني يا ريما.
صوته دافئ… ثابت.
— أخوك راجل.
ومش لوحده.
همست بضعف:
— بس هو ابن مراد.
الاسم خرج منها كأنه شوكة.
خفضت رأسها.
— بخاف يكون بابا عمل فيه حاجة…
أو يكون سليم فقد أعصابه وعمل حاجة غبية.
كامل رفع يدها إلى شفتيه وقبّلها برفق.
— ريما.
انتظرت.
— أنتِ تبرأتي من أفعال أبوكِ.
وسليم تبرأ.
الدم لا يحدد الإنسان.
نظرت له بعينين دامعتين.
— بس الناس ما بتصدقش ده بسهولة.
ابتسم ابتسامة هادئة واثقة.
— الناس لا تهمني.
ثم أضاف بجدية:
— يوم جيت لكِ وقلتي لي إنك هتسيبيني عشان ما تبقاشي “زوجة مجرم”…
فاكرة ردي؟
همست:
— قلت لي… إنك اخترتني أنا، مش اسمي.
— بالضبط.
مد يده ولمس بطنها بحنان.
— واخترت الطفل ده قبل ما يتولد.
مش مهم مين جده.
المهم مين أمه.
انكسرت دمعة من عينها.
— أنا خايفة عليه يا كامل…
خايفة يكبر ويسألني عن جده.
ابتسم بلطف عميق.
— هنقوله الحقيقة…
من غير تجميل.
ومن غير كره.
هنقوله إن الإنسان يُحاسب على أفعاله، مش أفعال غيره.
سكتت لحظة، ثم قالت بقلق متجدد:
— طب وسليم؟
تردد كامل جزءًا من الثانية… ثم قال بهدوء محسوب:
— سليم قوي.
وأنا متأكد إنه مش هيعمل حاجة تدمّر نفسه.
نظرت له بشك خفيف.
— أنت تعرف حاجة ومش بتقولي؟
اقترب منها أكثر، وضع جبينه على جبينها.
— أعرف إن الوضع متوتر.
بس كل حاجة تحت السيطرة.
— تحت سيطرة مين؟
ابتسم بخفة.
— رجال يعرفوا يتصرفوا صح.
هي لا تعرف التفاصيل…
ولا تعلم أن مراد الآن مقيد…
ولا أن عاصم وزياد هناك…
ولا أن سليم في قلب المواجهة.
كامل يعلم.
لكنه اختار أن يحمي قلبها الآن.
ريما تنهدت بعمق.
— نفسي أروح أشوفه.
— لا.
قالها بحزم لطيف.
— أنتِ مش هتتحركي خطوة واحدة برا البيت دلوقتي.
رفعت حاجبها بضعف ابتسامة.
— بتأمرني؟
ابتسم.
— بحميكي.
ثم أضاف بنبرة جزائرية خفيفة خرجت بعفوية:
— أنا وعدتك يا ريما…
أعوّضك عن كل وجع شوفتيه بسبب أبوكِ.
مش هسمح لأي حد يخوّفك تاني.
أغمضت عينيها للحظة واستندت إليه.
— أوقات بحس إني لو ما كنتش بنت مراد…
كانت حياتي هتبقى أسهل.
رفع وجهها بيده.
— يمكن.
لكن يمكن كمان… ما كنتش هتبقي بالقوة دي.
ولا كنتِ هتعرفي قيمة الطيبة زي ما تعرفيها الآن.
ابتسمت وسط دموعها.
— أنت دايمًا تعرف تقول إيه.
ضحك بخفة.
— لأ… أنا بس بحبك.
واللي بيحب… بيتعلم.
رنّ هاتف كامل فجأة.
نظر إلى الشاشة للحظة…
اسم يعرفه جيدًا.
أغلق الاتصال دون أن يجيب.
ريما لاحظت.
— مين؟
— شغل.
قالها ببساطة.
ثم عاد ينظر إليها.
— اسمعي… لو حصل أي حاجة… أنا أول واحد هيعرف.
وأول واحد هيحمي سليم.
سألته بخفوت:
— تحميه من مين؟
نظر في عينيها بعمق.
— من نفسه… لو احتاج.
سكتت لحظة، ثم قالت بصدق:
— أنا مش عايزة أبوه يموت…
بس مش عايزة حد تاني يتأذي بسببه.
أجابها بهدوء عاقل:
— أحيانًا… نهاية الشر ما بتكونش بدم.
بتكون بسحب قوته.
استندت إلى صدره.
— بس قلبي مش مطمّن.
احتضنها بقوة حانية.
— قلبي أنا مطمّن بدل قلبين.
ظل يحتضنها…
بينما في مكان آخر من المدينة،
العد التنازلي يقترب من لحظة فاصلة.
أما هنا…
فكانت ريما تحاول فقط أن تكون أمًا…
لا ابنة مجرم.
************************
مطار القاهرة — بعد نص الليل بشوية
الطيارة لمست الأرض بهدوووح…
بس جوا رائد ما كانش في ولا ذرة هدوء.
نزل من الطيارة بخطوات ثابتة.
ملامحه هادية… ساقعة… محسوبة.
ولا حد بص له مرتين.
راجل راجع من سفر عادي.
بس عينيه؟
لا…
عينيه ما كانوش عاديين.
خرج من بوابة الوصول.
شد نفس عميق من هوا القاهرة.
— رجعت…
قالها لنفسه بصوت واطي.
ما راحش صالة الاستقبال.
ما كلمش حد.
فتح موبايله… وبعدين قفله تاني.
— مفيش مفاجآت.
تمتم بيها.
ركب تاكسي قديم.
السواق بص له في المراية.
— على فين يا باشا؟
رائد سكت لحظة…
وبعدين قال عنوان محدش يتوقعه:
— مدينة نصر… شارع جانبي قريب من فيلا الشرقاوي.
السواق هز راسه ومشي.
جوه العربية
طلع رائد موبايل تاني صغير…
موبايل احتياطي قديم.
ركّب فيه شريحة كان محتفظ بيها من تلات سنين…
عمره ما رماها.
استنى.
إشارة ضعيفة…
وبعدين أقوى.
بدأ يكتب رسالة قصيرة مشفّرة، لرقم واحد بس:
"الطير رجع.
العش آمن؟"
بعتها.
ما كتبش اسم.
ما لمحش لحاجة.
بعد دقيقة…
الرد وصل:
"العش مولّع…
بس الحريقة تحت السيطرة."
عينيه جمدت لحظة.
— يعني إيه؟
قالها لنفسه.
ما كتبش تاني.
قفل الموبايل وحطه في جيبه.
العربية وقفت على بعد شارعين من الفيلا.
دفع الأجرة ونزل.
الليل هادي…
بس الإحساس في الهوا مختلف.
مراقبة.
رائد مشي على مهله.
ما راحش على البوابة على طول.
لف في الشارع،
راقب العربيات،
الكاميرات،
حركة الحراسة.
همس لنفسه:
— في حاجة اتغيرت.
قرّب أكتر.
شاف عربية يعرفها كويس…
عربية زياد.
ودي… عربية آدم.
وقف.
— ليه كلهم هنا؟
ملامحه ما اتغيرتش…
بس جواه الحسابات بدأت تشتغل بسرعة رهيبة.
— لو هما هنا…
يبقى يا مراد وقع…
يا اللعبة وصلت لنقطة مفيش رجوع بعدها.
قرّب من سور الفيلا…
وفجأة سمع صوت وراه:
— كنت عارف إنك مش هتستنى الصبح.
لف ببطء.
رامي.
واقف على بعد خطوتين،
إيده في جيبه،
وعينه راقباه بدقة.
رائد ما بانش عليه اندهاش.
— وأنا كنت عارف إنك هتسبقني.
رامي قرّب:
— ما سبقتكش…
كنت بأمّن الطريق.
تبادلوا نظرة طويلة…
ساكتة.
رائد قال بهدوء مباشر:
— ما تقوليش إنكم كشفته من غيري.
رامي ما ابتسمش:
— الأمور اتحركت أسرع ما كنا متوقعين.
— اعترف؟
— باللي يكفي.
عيني رائد جمدت جزء من ثانية.
— يبقى خلص؟
رامي هز راسه ببطء:
— لسه.
سكتوا لحظة.
رائد بص ناحية الفيلا:
— هو جوه؟
— أيوه.
مقيّد.
لمعة خفيفة ظهرت في عينيه…
مش فرح…
حساب.
— ومين يعرف؟
— أكتر ما كنت تتمنى.
رائد خد نفس طويل:
— كنت عايز أبقى أنا اللي أكشفه.
رامي قرّب خطوة:
— وهتكون.
رائد بص له بحدة:
— إزاي؟
— إنت الشاهد الحي.
سكت.
رامي كمّل:
— مراد كان فاكر إنك ميت.
وجودك هيقفل أي ثغرة دفاع.
رائد فهم في ثانية:
— عايزني أظهر رسمي.
— مش الليلة.
— إمتى؟
— بكرة الصبح.
— وليه مش دلوقتي؟
رامي بص له بنظرة صارمة:
— لأن الليلة…
في أطراف تانية بتتحرك.
وإحنا محتاجينك كورقة أخيرة…
مش شرارة جديدة.
رائد ضيق عينيه:
— مين؟
رامي ما ردش على طول:
— ناس شايفة إن قتل مراد أسهل من محاكمته.
الصمت تقّل فجأة.
— الساندرو.
قالها رائد من غير تردد.
رامي ما أنكرش:
— وممكن غيره.
رائد بص تاني ناحية الفيلا:
— يبقى الخطة إيه؟
رامي قرّب، صوته واطي بس حاسم:
— الليلة نمنع أي تصفية حسابات.
وبكرة الصبح…
إنت تظهر.
حي.
وبكامل وعيك.
وملفك القديم.
— والعملية اللي كنت شغال عليها؟
— محفوظة.
ومحتاجين شهادتك عشان نقفلها قانوني.
رائد فكر لحظة…
غضبه لسه موجود…
بس هادي أكتر.
— كنت عايز أخلص عليه بإيدي.
رامي رد بثبات:
— تخلص عليه إزاي؟
برصاصة؟
ولا تسجنه عمره كله قدّام الدنيا؟
رائد سكت.
وبعدين قال ببطء:
— عايزه يشوف إني رجعت.
يعرف إن انفجاره فشل.
رامي هز راسه:
— وهيشوف.
بس في قاعة محكمة…
مش في ضلمة ممر.
رائد بص للسما شوية…
وبعدين رجّع عينه على الفيلا.
— ماشي.
نمشيها بطريقتك.
رامي ابتسم ابتسامة خفيفة:
— مش طريقتي…
طريقتك القديمة.
لحظة صمت.
رائد سأل:
— ومين حارسه دلوقتي؟
— عاصم…
وزياد…
وابنه.
ملامح رائد شدّت شوية عند كلمة ابنه.
— سليم؟
— أيوه.
رائد تنهد:
— يبقى الليلة نمنع الدم.
وبكرة…
نكشف الحقيقة رسمي.
رامي مد إيده.
— رجعت للعبة؟
رائد بص لإيده…
وبعدين صافحه بقوة:
— أنا ما خرجتش منها أصلًا.
***********************
فيلا الشرقاوي — الصالة الرئيسية
الجو خانق.
الهواء ثقيل كأنه يرفض المرور بين الجدران.
مراد مقيد على الكرسي في منتصف الصالة.
يداه خلف ظهره.
قميصه مجعد… لكن عينيه؟
ما زالتا ممتلئتين بالغرور السام.
أمامه دائرة من الرجال.
آدم العطار واقف بثبات، هادئ كعادته… لكن عينيه حادتان.
زياد بجانبه، صامت، صلب.
عاصم يضع يديه في جيبيه، ينظر لمراد بنظرة شماتة واضحة.
بيجاد يقف قرب سليم الشرقاوي تحسبًا لأي انفجار.
سليم القيصري يراقب كل تفصيلة.
أدهم يقف خلف زياد، عينيه لا ترمش.
زين العطار قريب من سليم، متوتر لكنه ثابت.
والباب يُفتح…
يدخل رامي.
تتحول الأنظار إليه للحظة.
رامي ينظر لمراد نظرة واحدة فقط… نظرة تقييم بارد… ثم يقف بجانب آدم.
مراد ابتسم ابتسامة ساخرة بطيئة.
— يا سلام…
اجتماع عائلي؟
نظر حوله ببطء.
— ناقص مين كمان؟
ولا خلاص… جمعتوا كل اللي بيكرهوني؟
عاصم ابتسم بسخرية واضحة.
— لا يا مراد…
إحنا ما بنكرهش حد بدون سبب.
أنت اللي تعبت نفسك عشان تكسب الكره ده.
مراد نظر له بازدراء.
— إنت بالذات…
نسخة مشوهة من أبوك.
سادت لحظة توتر.
عاصم اقترب خطوة، عينيه تلمعان.
— على الأقل أبويا مات راجل.
مش مربوط على كرسي مستني حكمه.
بيجاد مد يده قليلًا كأنه مستعد لمنعه لو اندفع.
آدم رفع يده إشارة هادئة.
— كفاية.
ثم اقترب من مراد.
— خلينا نختصر.
كل الأدلة ضدك بدأت تتجمع.
محاولة قتل.
خطف.
تزوير.
تلاعب بقضايا قديمة.
مراد ضحك.
— أدلة؟
زي الأدلة اللي دخلتني السجن قبل شهرين؟
وخرجت بعدها بأسبوع؟
نظر مباشرة إلى آدم.
— فاكر؟
لبستوا واحد غلبان جرائمي…
وأنا خرجت أنضف منكم.
زياد شد فكه بقوة.
رامي قال بهدوء بارد:
— المرة دي مختلفة.
مراد نظر له باستهزاء.
— وأنت مين؟
الضابط الصغير اللي بيحاول يبقى بطل؟
الصمت اشتد.
رامي لم يرد فورًا.
— أنا الشخص اللي هيقفل كل الملفات اللي لعبت فيها.
مراد ابتسم بخبث.
— أنتوا فاكرين إنكم مسيطرين؟
أنا خرجت قبل كده…
وكنت أقوى من الأول.
سليم الشرقاوي، ابنه، كان واقفًا صامتًا طوال الوقت.
وجهه شاحب… عينيه ممتلئتان بخيبة أمل.
فجأة انفجر.
— كفاية!
الجميع التفت إليه.
اقترب من والده بخطوات سريعة.
— لحد إمتى هتفضل تكذب؟!
لحد إمتى هتفضل تمثل إنك الضحية؟!
مراد نظر له ببرود.
— ارجع ورا يا ولد.
— أنا مش ولد!
أنا ابنك!
واللي عملته… دمرني!
اقترب أكثر.
— كنت فخور بيك…
كنت بدافع عنك قدام الكل!
مراد لم يتأثر.
— غلطتك.
وهنا…
فقد سليم أعصابه.
اندفع للأمام رافعًا يده ليضربه.
لكن زين أمسكه من كتفه بقوة.
وبيجاد أمسك ذراعه الأخرى.
— سليم!
مش كده!
سليم كان يصرخ:
— سيبوني!
سيبوني أخلص عليه!
هو السبب في كل ده!
مراد نظر إليه بابتسامة باردة مستفزة.
— شفتوا؟
حتى ابني… مش قادر يستحمل ضعفه.
زين شدّه للخلف بقوة.
— إهدى يا سليم!
مش هتضيع نفسك عشانه!
سليم كان يتنفس بعنف.
— ده مش أبويا…
ده شيطان.
آدم تدخل أخيرًا، صوته قوي لكنه هادئ:
— سليم… بصلي.
سليم نظر له.
— لو ضربته… هتديه اللي هو عايزه.
فوضى.
دم.
وتتحول من ضحية… لمتهم.
سليم تجمد.
تنفس ببطء.
رامي أضاف:
— وهو ماهر جدًا في ده.
مراد ضحك بخفوت.
— والله فخور بيكم.
كبرتوا وبقيتوا رجالة… بس لسه بتلعبوا بقواعدي.
عاصم اقترب هذه المرة، نظر في عينيه مباشرة.
— لا.
القواعد اتغيرت.
مراد رد ببرود:
— وإنت فاكر إنك كسبت؟
أنا حتى وأنا مربوط… لسه عندي أوراق.
زياد أخيرًا تكلم، صوته منخفض لكنه حاسم:
— أوراقك اتحرقت.
مراد نظر إليه مطولًا.
— أنت أكتر واحد عارف…
إن الشر ما بيموتش بسهولة.
رامي رد بهدوء قاتل:
— يموت…
لما يتعرّى قدام الكل.
صمت ثقيل.
آدم قال أخيرًا:
— آخر فرصة.
اعترف.
وسهّلها على نفسك.
مراد رفع رأسه بتحدٍ واضح.
— ولا كلمة.
نظر حوله ببطء… واحدًا واحدًا.
— كلكم واقفين ضدي.
ولا واحد فيكم عنده الشجاعة يعمل اللي أنا عملته عشان يوصل للقوة.
عاصم ابتسم بمرارة.
— الفرق بينا وبينك…
إننا مش مستعدين نخسر نفسنا عشان نكسب سلطة.
رامي التفت لآدم.
— ننقله.
آدم أومأ.
— الليلة هيفضل تحت الحراسة.
الصبح الإجراءات تبدأ رسميًا.
مراد ابتسم أخيرًا ابتسامة غامضة.
— الصبح…
يمكن يبقى متأخر.
تبادل الرجال نظرات سريعة.
الجملة لم تمر مرور الكرام.
رامي عينيه ضاقت قليلًا.
— لو عندك حركة أخيرة…
نصيحة… فكر كويس.
مراد لم يرد.
اكتفى بالنظر إليهم جميعًا…
بحقد صافٍ.
كل من في الغرفة… ضده.
لا حليف.
لا ابن.
لا صديق.
ولأول مرة…
بدا أن شعوره بالقوة يتصدع… ولو قليلًا.
***********************
الصمت بعد كلمات مراد الأخيرة لم يكن عاديًا…
كان صمتًا يسبق انفجارًا.
مراد ظل ينظر إلى الوجوه حوله…
ثم توقفت عيناه فجأة.
على آدم.
طالت النظرة.
ثم… ابتسم.
ابتسامة بطيئة… خبيثة.
عاصم لاحظ التغير فورًا.
— بتبص له كده ليه؟
مراد لم يرد.
اكتفى بتثبيت نظره على آدم.
ثم قال بهدوء غريب:
— صحيح…
فين نادين؟
تجمد الهواء.
زياد التفت فورًا إلى آدم.
زين شدّ جسده.
رامي ضاقت عيناه.
آدم اقترب خطوة، صوته منخفض لكنه مليء بالغضب:
— اسمها ما يجيش على لسانك.
مراد ضحك بخفة.
— ليه؟
سليم الشرقاوي نظر لأبيه بعدم فهم.
بيجاد تبادل نظرة سريعة مع سليم القيصري.
عاصم تمتم:
— بيلعب.
مراد أكمل بنبرة مريبة:
— أصل الغريب إن محدش فيكم سأل نفسه…
هي فين؟
زين انفجر:
— مالكش دعوة بأمي!
مراد نظر له بابتسامة مستفزة.
— أمك؟
آه صحيح… أمك.
ثم نظر إلى آدم مجددًا.
— ما سألتش نفسك يا آدم…
هي فين الليلة؟
قبضتا آدم انقبضتا بقوة.
— هتندم لو كملت.
مراد اقترب بوجهه قليلًا رغم القيود.
— أنا أندم؟
ولا أنت اللي المفروض تقلق؟
رامي تدخل بصرامة:
— اسكت.
لكن مراد لم يتوقف.
— أصلها زمان…
كانت ذكية.
وعارفة تختار مصلحتها.
الشك بدأ يتسلل إلى عيني آدم رغم إرادته.
زياد لاحظ.
— آدم… ما تسمعش.
مراد استمتع باللحظة.
— تخيل…
لو اكتشفت إنها مش في مكان آمن زي ما أنت فاكر.
زين لم يحتمل.
اندفع فجأة وضرب مراد بقبضة قوية على فكه.
ارتد رأس مراد للخلف، نزف قليلًا من شفته.
— ماتجيبش سيرة أمي!
صرخ زين.
بيجاد أمسكه بسرعة.
سليم القيصري ساعده في إبعاده.
رامي اقترب من مراد وحذره ببرود قاتل:
— كلمة كمان… وهتتمنى السجن.
مراد مسح الدم من شفته ببطء…
ثم ابتسم.
— شوفته؟
نقطة ضعفك واقفة قدامك يا آدم.
آدم صرخ أخيرًا:
— اخرس!
لكن مراد همس ببطء:
— اسأل نفسك…
هي كانت فين لما كل ده حصل؟
مين كانت بتقابله؟
الشك أصبح واضحًا في عيني آدم.
نظرة واحدة… خاطفة… نحو الأرض.
وفي تلك اللحظة—
صوت باب الفيلا يُفتح بعنف.
كل الرؤوس التفتت.
خطوات نسائية ثابتة.
نادين.
تقف عند المدخل.
بجوارها… رجل طويل ببدلة سوداء، حضوره ثقيل.
الساندرو.
الهواء تجمد.
مراد نظر إليهما…
ثم ضحك ضحكة قصيرة منخفضة.
— آه…
ها هي.
آدم نظر إلى نادين…
وجهه شاحب.
— نادين…؟
زين همس:
— ماما…؟
نادين تقدمت بخطوات ثابتة إلى منتصف الصالة.
نظرتها لم تهرب من أحد.
ثم قالت بصوت واضح… بلا ارتعاش:
— ما يكملش هو.
صمت مطلق.
نظرت إلى آدم مباشرة.
— أيوه.
أنا مع المافيا.
الكلمة سقطت كالرصاصة.
عيون الجميع اتسعت.
بيجاد همس:
— مستحيل…
نادين تابعت، صوتها ثابت لكنه يحمل تعب سنوات:
— اشتغلت معاهم…
واتحركت معاهم…
وعرفت حاجات ما كنتوش تتخيلوها.
زين تراجع خطوة.
— ماما… إنتِ بتقولي إيه؟
لم تنظر إليه.
نظرتها بقيت على آدم.
— كنت بحارب بطريقتي.
بطريقة غلط… بس كنت فاكرة إنها الوحيدة.
آدم تراجع خطوة.
— لا…
مش أنتِ.
صوته مكسور.
نادين أكملت:
— والليلة…
أنا جاية أخلص الموضوع.
ثم التفتت إلى مراد.
— هقتله.
وأريحكم منه.
همهمة صدمة انتشرت في المكان.
رامي قال بحدة:
— نادين… فكري كويس.
الساندرو تكلم لأول مرة، صوته بارد أجنبي:
— الأمر بسيط.
رجل فاسد… يموت.
وينتهي كل شيء.
عاصم نظر إلى رامي.
— ده جنان.
زياد اقترب خطوة من آدم… الذي بدا وكأنه سيفقد توازنه.
— آدم…
آدم نظر إلى نادين…
وكأن الأرض انسحبت من تحته.
— كنتِ…
معاه؟
صوته خرج مكسورًا.
نادين لم تتراجع.
— كنت بحاول أصل للحقيقة.
ووقعت في مستنقع أكبر.
زين صرخ:
— ليه ما قلتيش لنا؟!
الدموع بدأت تتجمع في عينيه.
مراد ضحك فجأة.
— قلت لك يا آدم…
اسأل نفسك هي فين.
آدم ترنح خطوة للخلف.
لولا أن أدهم أمسك بذراعه…
وزياد سنده من الجهة الأخرى…
لكان سقط.
عينيه مثبتتان على نادين…
غير مصدق.
الصدمة تجمدت على وجه زين.
رامي ينظر بين الجميع…
اللحظة خرجت عن السيطرة.
نادين رفعت رأسها…
والساندرو يقف بجانبها بثقة باردة.
مراد يبتسم…
كأنه انتصر في شيء أخير.
الصمت ثقيل…
مخيف.
***********************
الصمت بعد اعتراف نادين كان كجدار سميك يفصل الماضي عن الحاضر.
مراد ابتسم أولًا…
ثم بدأ يلاحظ شيئًا في عينيها.
لم تكن تلك نادين التي عرفها.
لم تكن المرأة التي كانت تبكي في صمت.
كانت تقف الآن مستقيمة…
بعينين مظلمتين.
تقدمت خطوة نحوه.
— فاكرني؟
مراد ضحك بخفة مصطنعة.
— طبعًا فاكرِك…
مرات صاحبي
الكلمة الأخيرة قالها بنبرة مسمومة.
آدم شدّ فكه بقوة.
نادين اقتربت أكثر.
— لا…
فاكرني يوم ما دخلت مكتبي في الداخلية؟
يوم ما واجهتك بأوراق تثبت إنك بتغسل فلوس؟
ابتسامته بدأت تبهت.
— عبد الكريم القناوي…
اللواء.
أبويا.
اسم الرجل سقط ثقيلًا.
زياد همس:
— عبد الكريم…
آدم رفع رأسه فجأة.
نادين واصلت، صوتها يرتفع، لكنه ثابت:
— قتلته.
رصاصة واحدة…
وخليت الحادثة تبان سرقة.
مراد حاول الضحك.
— اتهامات عاطفية.
لكن عينيه لم تعودا ثابتتين.
نادين اقتربت حتى صارت أمامه مباشرة.
— وبعدها…
زرعت في عقل آدم إني بخونه.
نظرت إلى آدم للحظة… ألم خاطف مر في عينيها… ثم عادت لمراد.
— لعبت بعقله…
سربت صور… مكالمات مزورة…
خلّيته يشوفني خائنة.
آدم تمتم بصوت مكسور:
— أنا… صدقت.
نادين أغمضت عينيها لثانية.
— طلّقني.
وانكسرنا.
مراد بدأ يتململ في قيوده.
— ده اختياركم… مش ذنبي.
نادين انفجرت فجأة بصوت شرس:
— لا!
كنت عايز تبعدني عن الحقيقة!
كنت عايز تكسرني عشان أبويا ما كانش بيخاف منك!
ارتجف صوته لأول مرة:
— مفيش دليل.
اقتربت أكثر، حتى صار أنفاسها على وجهه.
— الدليل كان أنا.
وكنت مستعدة أموت عشان أجيبه.
ثم همست بنبرة جعلت حتى الرجال الواقفين يشعرون بقشعريرة:
— كل ليلة كنت أتخيلك وانت بتطلق النار على أبويا.
كنت بتنام؟
ولا كنت بتعد فلوسك؟
مراد ابتلع ريقه.
لأول مرة… الخوف ظهر في عينيه.
زين اندفع فجأة للأمام، صوته مكسور:
— يعني أنت السبب؟!
أنت اللي خلت بابا يطلق ماما؟!
آدم أغلق عينيه للحظة… الألم واضح على وجهه.
زين صرخ:
— كنت عندي ست سنين!
كنت فاكر إن ماما وحشة!
كنت بزعل منها!
اندفع نحو مراد بقهر، لولا أن بيجاد أمسكه بقوة.
— سيبني!
سيبني!
مراد بدأ يحاول فك قيوده بعصبية.
— أنا ما عملتش حاجة!
دي أوهام!
نادين ضحكت ضحكة قصيرة مظلمة.
— أوهام؟
زي ما كانت أوهام لما خرجت من السجن قبل شهرين؟
لما لبست واحد غلبان جرائمك؟
الساندرو كان يراقب بصمت…
ثم تنهد بملل واضح.
— مللت.
كل الأنظار التفتت إليه.
اقترب بخطوات هادئة من مراد.
— أعطيتك فرصة أخيرة عندما أخرجتك من السجن.
قلت لك… لا أخطاء.
نظر له مراد بذعر واضح.
— ساندرو…
أنا كنت مفيد ليك.
ما تعملش كده.
الساندرو أخرج سلاحه ببطء.
صوت الأمان المعدني كان كالرعد في الغرفة.
— لم تعد مفيدًا.
مراد بدأ يتلوى، يحاول فك القيود بقوة.
— لا!
أنا عندي معلومات!
عندي فلوس!
أقدر أرجع أقوى!
الساندرو اقترب أكثر، السلاح موجه إلى جبينه.
— أنت عبء.
مراد صرخ:
— سيدي!
أنا خدمت المنظمة سنين!
نادين كانت تنظر إليه بلا رحمة.
— اتوسل…
زي ما خلت أمي تتوسل يوم جنازة أبويا.
مراد نظر إليها برعب حقيقي.
— نادين…
كنتِ بتحبيني يومًا ما.
ابتسمت ابتسامة مرعبة.
— كنت غبية.
آدم كان ينظر إلى المشهد غير قادر على الاستيعاب.
همس لنفسه:
— كان صديقي…
كان أقرب واحد لي.
زياد شدّ على كتفه.
زين ما زال يقاوم بين يدي بيجاد، صوته متحشرج:
— اقتله!
خلصنا منه!
رامي صرخ:
— محدش يطلق نار!
لكن السلاح كان ثابتًا في يد الساندرو.
مراد يلهث… يحاول الانفلات…
العرق يغطي جبينه.
— أرجوك…
أنا أعمل أي حاجة!
الساندرو نظر في عينيه ببرود مطلق.
— انتهى دورك.
الغرفة كلها مجمدة…
آدم مذهول…
زين يصرخ…
نادين تنظر بشر بارد…
والسلاح على بعد سنتيمترات من رأس مراد.
والمشهد يتوقف…
قبل الطلقة.
**********************
الساندرو يضغط بإصبعه قليلًا على الزناد…
مراد يلهث…
نادين تنظر بشر بارد…
زين يصرخ…
آدم مذهول…
وفجأة—
صوت قوي، حاد، آمر:
— محدش يضرب نار!
الصوت ملأ المكان كالصاعقة.
الجميع تجمد.
عاصم أول من استدار…
وعيناه اتسعتا بشدة.
— مستحيل…
على مدخل الصالة…
يقف رجل…
ملامحه مألوفة…
لكنها أقسى....
#في_قبضة_العاصم
#سيليا_البحيري
الخاتمة
بعد كام يوم في القاهرة — فيلا آدم — الحديقة الخلفية
الليل هادئ.
المدينة بعيدة بأصواتها.
الهواء بارد قليلًا.
آدم يقف أمام البركة الصغيرة في الحديقة، يحدق في انعكاسه على الماء.
خطوات خلفه.
نادين.
ليست متكبرة الآن.
ولا شرسة.
ولا باردة.
امرأة متعبة.
توقفت على مسافة خطوات.
— كنت عارفة إنك هتكون هنا.
لم يلتفت.
— البيت ده كنتِ عايشة فيه…
وأنا فاكر إنك ضحية.
طلعتي بتلعبي لعبة أخطر من لعبة مراد.
صمت.
ثم استدار أخيرًا.
نظرته ليست كرهًا…
بل خليط من ألم وغضب وحب قديم.
— اشتغلتي مع المافيا يا نادين.
إنتِ ظاهريًا ضابطة تخدم بلدها…
وخفيًا بتدخلّي مخدرات وسلاح لمصر.
كلماته خرجت حادة.
نادين لم تدافع فورًا.
— عارفة.
اقترب خطوة.
— عارفة؟
دي كلمة سهلة.
صوته ارتفع:
— إنتِ كنتِ بتخوني كل اللي أقسمتي تحميهم!
دمعة هربت من عينها لكنها لم تمسحها.
— كنت بدور على طريق أوصل له.
مراد كان محمي… أقوى مني ومنك.
— فقررتِ تبقي أقذر منه؟
الضربة كانت موجعة.
تنفست ببطء.
— دخلت عالمهم عشان أهدّه من جوّه.
عشان أعرف تحركاته… فلوسه… رجاله.
ضحك بسخرية.
— وكم شحنة سم عدّت؟
وكم شاب ضاع؟
صمتت.
هذا السؤال كان سكينًا.
همست:
— ما كنتش شايفة غير أبويا وهو واقع قدامي.
ولا كنت شايفة غيرك وانت بتبصلي بنظرة شك.
صوته انخفض… لكنه لم يهدأ.
— أنا غلطت لما صدّقت.
بس إنتِ اخترتي طريق تاني… بعيد عني.
رفعت عينيها إليه.
— لو قلتلك وقتها… كنت هتسمعني؟
كنت هتصدق إني مش خاينة؟
لم يجب فورًا.
لأنه يعرف…
أنه ربما لم يكن ليصدق.
لكن هذا لا يمحو ما فعلته.
اقترب منها حتى صار بينهما خطوات قليلة.
— إنتِ مش بس انتقمتي من مراد.
إنتِ اتلوثتي.
شهقت بخفوت.
— كنت مستعدة أضيع نفسي… بس أوقعه.
ثم خرج صوتها بقهر دفين:
— كل ليلة كنت أرجع هنا… أبص على أوضة زين… وأقول لنفسي: لازم أحميه من شر مراد و غيره
آدم اشتعلت عيناه.
— ما تجيبيش سيرته.
ثم بغيرة مفاجئة، قبض على ذراعها برفق لكن بحزم.
— ولا تنطقي اسم راجل تاني قدامي.
مفهوم؟
نظرت إليه بدهشة.
— آدم…
— مش عايز أسمع اسم مراد على لسانك تاني.
ولا أي حد من العالم القذر ده.
كانت غيرته واضحة…
رجل لم يتوقف عن حبها رغم كل شيء.
ابتسمت بحزن.
— غيران بعد كل ده؟
— أنا مش ملاك يا نادين.
أنا راجل شاف مراته تمشي في طريق تاني…
حتى لو كانت بتقول إنها بتحاربه.
تراجعت خطوة، صوتها أهدأ:
— أنا عمري ما خنتك.
لا جسد… ولا قلب.
نظر في عينيها مباشرة.
— بس خنتِ البلد.
الصمت كان ثقيلًا.
ثم قالت بصراحة موجعة:
— أيوه.
خنت القانون عشان أنتقم.
نظره إليها طال.
— ولو رجع بيكي الزمن؟
ترددت…
ثم قالت بصدق:
— كنت هطلب مساعدتك… بدل ما أختار الحرب لوحدي.
هذه الجملة كسرت شيئًا داخله.
اقترب أكثر… حتى صار قريبًا جدًا.
— أنا كنت مستعد أحارب العالم كله عشانك.
بس كنت محتاجك تقوليلي.
عيناه لمعتا بألم.
— خمس عشرة سنة… يا نادين.
همست:
— عارفة.
مد يده… لمس وجنتها بحذر… كأنه يخشى أن تختفي.
— أنا مش قادر أسامح بسهولة.
ومش قادر أكرهك.
تنفست ببطء.
— مش بطلب تسامح دلوقتي.
بطلب فرصة.
صمت طويل.
ثم قال بصدق موجع:
— لو رجعنا… مفيش أسرار تاني.
ولا عالم خفي.
ولا بطولات فردية.
أومأت.
— موافقة.
ثم أضاف بصوت أخفض:
— وهتدفعي تمن اللي عملتيه.
قدامي… وقدام نفسك.
ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة.
— أنا مستعدة.
ظل ينظر إليها…
طويلًا.
ثم جذبها إليه ببطء.
ليس عناق انتصار.
ولا عناق شغف.
بل عناق شخصين أنهكتهما الحرب.
في الخلفية…
ضوء غرفة زين مضاء.
والليلة…
لأول مرة منذ سنوات…
البيت لا يشعر بالعداوة.
المواجهة لم تنتهِ كل شيء.
لكنها بدأت طريقًا جديدًا.
*******************
عناق آدم ونادين لم يدم طويلًا.
صوت باب الفيلا يُفتح بعنف.
التفتا معًا.
زين.
يقف عند مدخل الحديقة.
وجهه شاحب… عيناه ممتلئتان بصدمة لم تخرج بعد.
كان واضحًا أنه سمع جزءًا من الحوار.
نظر إلى أمه…
نظرة لم تعرفها من قبل.
— يعني… كله كان حقيقي؟
نادين انفصلت عن آدم ببطء.
— زين… اسمعني—
صرخ فجأة:
— كنتِ بتدخلي مخدرات للبلد؟!
سلاح؟!
إنتِ؟!
صوته ارتجف بين الغضب والانكسار.
— كل السنين دي… كنتِ بطلة قدامي!
اقترب خطوة، وملامحه تقسو.
— طلعتِ… أسوأ منه.
الكلمة كانت كصفعة.
نادين شهقت.
— ما تقولش كده…
— ليه؟
مش إنتِ اللي اخترتي تبقي زيهم؟!
آدم قال بحدة:
— زين… احترم نفسك.
لكن زين لم ينظر إليه حتى.
كل غضبه كان موجهًا نحو أمه.
— أنا بقيت ابن ست ****
هذه المرة…
صفعة آدم كانت سريعة وقوية.
الصوت شقّ الهواء.
تجمد زين للحظة.
نظر إلى أبيه غير مصدق.
— بتضربني عشانها؟!
آدم اقترب منه بغضب صريح.
— دي أمك!
حتى لو غلطت… ما تسمحش لنفسك تهينها!
زين ضحك بسخرية موجوعة.
— أم؟
الأم بتحمي… مش تبيع!
نادين انهارت أخيرًا.
— أنا كنت بحميك!
صرخ فيها:
— لا!
كنتِ بتحاربي حربك لوحدك!
صمت ثقيل.
ثم قال بمرارة:
— ارحلي من هنا.
روحي أي مكان… بس مش قدامي.
الكلمة خرجت كسكين.
نادين شعرت بها في صدرها.
— زين…
لكنه استدار بعنف.
— مش عايز أشوفك!
ركض نحو الجراج.
بعد ثوانٍ—
صوت دراجته النارية يزمجر بقوة.
نادين التفتت إلى آدم بقلق حقيقي.
— الحقّه!
هو مش في حالته!
آدم ظل واقفًا مكانه.
وجهه متجمد.
— سيبيه.
نظرت إليه بذهول.
— إزاي سيبه؟!
هو ابننا!
— وهو لازم يتعلم حدوده.
صوت الدراجة يبتعد بسرعة مخيفة.
نادين اقتربت منه، أمسكت بذراعه.
— آدم!
هو مكسور!
هو مش شايف غير الخيانة!
صرخ فيها لأول مرة:
— وأنا كنت شايف إيه؟!
صمتت.
هو يلهث الآن.
— أنا شُفت مراتي بتعيش حياة تانية.
وشُفت ابني بيكبر من غيري نص عمره.
صوته انخفض قليلًا.
— زين مش طفل.
لو سمحنا له يغلط فيكي بالشكل ده… بكرة يغلط في أي حد.
نادين همست بقلق:
— بس هو سايق بسرعة…
آدم نظر في اتجاه الشارع…
عيناه قاسيتان… لكن داخله قلق واضح.
— هيرجع.
ثم أضاف بحدة متعمدة:
— ولما يرجع… هيعتذر.
وقفت نادين مكانها…
تحدق في الطريق الذي اختفى فيه ابنها.
الليل عاد هادئًا…
لكن القلق كان يخنق الهواء.
آدم لم يتحرك.
لكنه…
لأول مرة منذ سنوات…
كان خائفًا حقًا.
********************
في فيلا القاسمي بعد منتصف الليل
الهواء بارد…
والصمت أثقل من أي مواجهة.
عاصم يقف عند حافة السور، قبضتاه مشدودتان.
صدره يعلو ويهبط بسرعة.
خطوات خلفه.
رائد.
توقف على بعد مترين.
التوتر واضح في وقفته.
— كنت عارف إنك هتطلع هنا.
عاصم لم يلتفت.
— عارف؟
أنت بقيت تعرف كل حاجة فجأة؟
صوته كان حادًا… مكسورًا.
رائد تنفس ببطء.
— عاصم…
استدار فجأة، عينيه مشتعلة.
— ثلاث سنين!
ثلاث سنين يا رائد!
اقترب منه بسرعة.
— كنت مختفي فين؟
مستني إيه؟
تتفرج علينا وإحنا بننهار؟
رائد شد فكه.
— ما كنتش—
قاطعه بصراخ:
— خطفت ليل!
سببت لها رعب سبع شهور!
خليت زياد وحور يعيشوا في جحيم!
كل ده… عشان إنت "ميت"!
الكلمة خرجت بسخرية مريرة.
— وأنا كنت فاكر نفسي بانتقم لموتك!
صوته انكسر.
— كنت فاكر زياد السبب…
كرهته…
كرهت نفسي…
اقترب خطوة أخرى.
— وأنت؟
قاعد في سويسرا مستمتع؟
هذه المرة رائد انفجر.
— مستمتع؟!
صوته ارتفع بقوة.
— كنت في غيبوبة ل3 سنين!
عاصم تجمد لحظة.
— إيه؟
رائد اقترب منه، الغضب في عينيه حقيقي.
— لما صحيت… ما كنتش فاكر اسمي!
ولا فاكر شغلي!
ولا فاكر إنت مين!
الصمت هبط فجأة.
— فقدت ذاكرتي .
عاصم نظر إليه بارتباك… لكنه ما زال غاضبًا.
— وليه ما رجعتش بعدها؟!
— لأن التحقيق ما كانش خلص!
لأن لو ظهرت… مراد كان هيهرب!
اقترب أكثر.
— كنت برجع نفسي من الصفر.
بتعلم أمشي تاني.
بتعلم أفتكر.
صوته أصبح أهدأ… لكنه مؤلم.
— ما كنتش بضحك عليكم.
كنت بحاول أعيش.
عاصم هز رأسه بعنف.
— كنت تقدر تبعت رسالة!
إشارة!
أي حاجة!
في تلك اللحظة، ظهر رامي عند باب السطح.
— ما كانش ينفع.
استدار عاصم نحوه بعينين مشتعلة.
— إنت!
اقترب منه بسرعة.
— كنت عارف؟!
رامي وقف ثابتًا.
— أيوه.
الاعتراف كان صريحًا.
قبل أن يكمل…
لكمة قوية سقطت على وجهه.
تراجع رامي خطوة، الدم سال من شفتيه.
— كنت عارف أخويا حي!
وسايبني أتحرق!
ضربة ثانية.
— خليتني أعيش بإحساس الذنب!
ضربة ثالثة.
— خليتني أخطف ليل!
رامي لم يرفع يده ليرد.
لم يدافع.
استقبل الضربات بصمت.
— اضرب.
قالها بهدوء.
— أنا استاهل غضبك.
لكمة جديدة أسقطته أرضًا.
— ليه؟!
ليه عملت فينا كده؟!
رامي بصعوبة جلس على الأرض، ينظر إليه بثبات.
— لأن المهمة كانت أكبر من مشاعرنا.
عاصم صرخ بجنون:
— مشاعرنا؟!
ده أخويا!
اقترب ليضربه مرة أخرى—
لكن يدًا قوية أمسكته من الخلف.
رائد.
سحبه بعيدًا بقوة.
— كفاية!
عاصم حاول الإفلات.
— سيبني!
رائد دفعه للخلف بعنف خفيف.
— هو ما كانش عنده اختيار!
عاصم نظر إليه بمرارة.
— وأنت؟
كان عندك؟
رائد اقترب حتى صارت المسافة بينهما شبرًا واحدًا.
— أنا فقدت سنين من عمري.
إنت فقدت ثقتك.
كلنا خسرنا.
صوته أصبح منخفضًا… لكنه حاد.
— بس ما تحمّلنيش كل خطاياك.
الكلمة أصابت عاصم.
— إنت اللي خطفت ليل.
إنت اللي اخترت تنتقم.
ما حدش أجبرك.
الصمت.
عاصم تنفس بعنف…
عيناه تلمعان بدموع رفضت السقوط.
— كنت فاكر نفسي بحمي دمك.
رائد رد بمرارة:
— دمّي ما كانش محتاج حماية.
كنت محتاج أخويا يثق في اللي ربيته عليه.
الجملة كسرت شيئًا داخل عاصم.
نظر إلى الأرض.
رامي نهض ببطء، يمسح الدم عن فمه.
— لو الزمن رجع…
كنت هعمل نفس اللي عملته.
نظر إليه عاصم بحدة.
— حتى لو خسرتني؟
رامي أجاب بصراحة:
— حتى لو خسرتك.
الصمت تمدد.
رائد اقترب من عاصم، صوته أخف هذه المرة.
— إحنا اتوجعنا كلنا.
بس لو فضّلنا نعدّ الخساير… هنفضل في نفس المكان.
عاصم أغمض عينيه لحظة.
ثم قال بصوت مكسور:
— أنا آسف… عن ليل.
رائد هز رأسه ببطء.
— اعتذر لها.
مش لي.
الهواء مرّ بين الثلاثة ببرودة.
الجرح لم يُغلق…
لكنه لم يعد ينزف كما كان.
وفي تلك الليلة…
بدأ الثلاثة يفهمون أن العدو الحقيقي سقط بالفعل…
وأن ما تبقى… هو ترميم ما تحطم بينهم.
*********************
سطح الفيلا — بعد دقائق
الهواء أصبح أهدأ…
ورائد ورامي نزلا تاركين السطح بصمت ثقيل.
عاصم بقي واقفًا مكانه.
ينظر إلى المدينة…
لكن عينيه لم تكونا تريان شيئًا.
خطوات خفيفة خلفه.
لم يحتج أن يلتفت.
ابتسم.
— كنت عارف إنك هتيجي.
ليل اقتربت ببطء، شعرها يتمايل مع الهواء.
وقفت بجانبه، لا أمامه.
— سمعت الصوت.
نظرت إلى يده المتورمة قليلًا من الضرب.
— وسمعت قلبك وهو بيصرخ.
زفر ببطء.
— أنا كنت غلطان.
همست:
— لا… كنت موجوع.
نظر إليها أخيرًا.
الغضب اختفى.
حل محله تعب طفل ضاع طريقه.
— كنت فاكر إن رائد اختار يسيبنا.
كنت فاكر إنهم بيلعبوا بينا.
اقتربت خطوة، وضعت يدها على صدره.
— هو ما اختارش الغيبوبة.
ولا فقدان الذاكرة.
صمت.
— وأنت ما اخترتش إنك تتوجع.
ابتسم بخفة.
— بس اخترت أخطفك.
رفعت حاجبها، لكن عينيها دافئتان.
— وده كان أغبى قرار في حياتك.
ضحك لأول مرة منذ ساعات.
— فعلًا.
اقتربت أكثر، حتى صارت بينهما مسافة أنفاس.
— عاصم…
رائد عاش في ظلام ما تعرفوش.
ورامي كان بيحميه بطريقته.
— بطريقته الغبية.
— يمكن.
بس نيتهم ما كانتش يخسروك.
نظر في عينيها طويلًا.
— وأنا خسرتك سبع شهور.
همست:
— أنا كنت معاك حتى وإنت ضايع.
يده ارتفعت تلقائيًا، لامست وجنتها بحنان.
— إزاي قدرتي تسامحيني؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
— لأني شفت خوفك عليّ…
مش قسوتك.
صمت لحظة.
ثم قال بصراحة نادرة:
— أنا كنت مرعوب أفقدك.
يمكن عشان فقدت رائد قبلها.
وضعت جبينها على صدره.
— وأنا كنت مرعوبة أفقدك وإنت بتتحول لشخص مش أنت.
لف ذراعيه حولها أخيرًا.
عناق حقيقي.
دافئ.
هادئ.
لا توتر فيه.
قال وهو يضمها:
— مش عايز أفضل شايل غضب على حد.
عايز أبدأ معاك صفحة نظيفة.
رفعت رأسها، عيناها تلمعان.
— إذًا سامحهم.
— بحاول.
ابتسمت بمكر خفيف:
— عشان لما نتجوز… ما ينفعش العريس يكون مكشّر كده في الصور.
ضحك بخفة.
— يعني ده تهديد؟
— لا… ده شرط.
نظر إليها بجدية مفاجئة.
— ليل…
— همم؟
— أنا محتاجك جنبي… دايمًا.
وضعت يدها على قلبه.
— أنا هنا.
حتى لو الدنيا كلها اتلخبطت.
انحنى قليلًا… قبّل جبينها ببطء.
المدينة أمامهما…
الأضواء تتلألأ.
همس:
— أول مرة أحس إن الهدوء مش مرعب.
ابتسمت.
— عشان المرة دي مش لوحدك.
شدها إليه أكثر.
والسطح الذي شهد صراخًا وغضبًا قبل دقائق…
صار شاهدًا على بداية سلام حقيقي.
وبين ذراعيه…
عرف عاصم أن الغفران أصعب من الانتقام…
لكنه أجمل بكثير.
********************
في سجن القناطر — غرفة الزيارة
الجدران رمادية…
الهواء بارد بلا روح.
نرمين تجلس خلف الزجاج السميك.
ملامحها شاحبة… لكن على شفتيها ابتسامة غريبة… غير مريحة.
الحارس يفتح الباب المقابل.
يدخل رجل خمسيني… وجهه متعب…
عيناه مليئتان بندم لا يُخفى.
مصطفى.
شقيقها الأكبر.
تتسع عينا نرمين فجأة.
— جيت… أخيرًا جيت.
ابتسامتها اتسعت… ثم انكمشت فجأة.
— ولا جاي تشوف المجرمة قبل ما تتشنق؟
صوتها كان مزيجًا بين سخرية وبكاء مكتوم.
مصطفى جلس ببطء أمامها.
وضع يده على الزجاج.
— يا نرمين…
انفجرت ضاحكة فجأة.
— متقوليش يا أختي.
الأخت دي كانت زمان.
حدق فيها بحزن.
— أنا عمري ما تبرّيت منك.
مالت برأسها قليلًا، عيناها تلمعان باضطراب.
— بس مراتك… نادية…
كانت بتبصلي كأني نجاسة.
صمت.
— كنت بدخل بيتك في الصعيد…
وأحس إني دخيلة.
مصطفى شد فكه.
— بيتنا كان مفتوح لكِ دايمًا.
— مفتوح؟
ولا كنتوا مستنيين أختفي؟
صوتها ارتفع فجأة.
— كنت سامعة همساتهم!
"دي مرات مراد… دي شريكة في جرائمه!"
ضربت بيدها على الطاولة الصغيرة أمامها.
— حتى إنت كنت بتتهرب مني!
تنفس مصطفى ببطء.
— كنت موجوع…
مش هربان منك.
— لأ.
كنت عايزني أمشي.
هز رأسه بقوة.
— ما طلبتش منك تروحي في حتة.
انحنت للأمام، نظرتها مضطربة.
— بس عيونكم قالت كده.
كنتوا بتشمئزوا مني.
صوته انخفض.
— كنا متصدمين…
مش كارهين.
سكتت لحظة.
ثم همست بصوت خافت:
— خسرتهم يا مصطفى.
— مين؟
— ريما…
وسليم.
عيناه امتلأتا دموعًا.
— ولادك لسه بيحبوكي.
ضحكت ضحكة قصيرة مجنونة.
— بيحبوا قاتلة أبوهم؟
ثم اقتربت من الزجاج.
— سليم ما بصّليش وأنا بتاخد بالأصفاد.
ريما حضنت أخوها…
بس ما جتش عندي.
سقطت دمعة أخيرًا.
— أنا خلصتهم من وحش…
بس بقيت أنا الوحش.
مصطفى مد يده على الزجاج كأنه يريد لمسها.
— كان فيه طرق تانية.
ابتسمت ابتسامة غريبة.
— أنا اخترت أسرع طريق.
صمت.
ثم سألته فجأة:
— الحكم صدر؟
أطرق رأسه.
لم يجب.
هي فهمت.
ابتسامتها اتسعت مرة أخرى… لكن عينيها اهتزتا.
— إعدام… صح؟
صوته خرج بالكاد:
— أيوه.
الهواء أصبح أثقل.
نرمين جلست مستقيمة فجأة.
— حلو.
نظر إليها بذهول.
— حلو؟
— أخلص.
ضحكت بخفة.
— يمكن ربنا يسامحني أسرع.
مصطفى همس بألم:
— ما تقوليش كده.
نظرت إليه بجدية مفاجئة.
— سامحني.
صوته انكسر:
— أنا عمري ما زعلت منك قد ما زعلت عليك.
— خليك جنب ولادي.
أومأ فورًا.
— وعد.
همست، ودموعها متعلقة برموشها:
— قول لريما… ما تسكتش على الغلط زيّي.
لو شافت حاجة مش صح… توقفها.
وما تسمحش لحد يكسّرها حتى لو كان جوزها.
وسكتت لحظة، ثم أضافت:
— وقول لسليم… ما يبقاش نسخة من أبوه.
القوة مش ظلم… والرجولة مش خوف الناس منك.
صمت طويل.
ثم قالت فجأة بصوت خافت:
— كان نفسي أرجع بيتنا القديم…
وأبقى بس نرمين…
مش مرات مراد…
مش قاتلته.
الحارس اقترب.
— الوقت خلص.
مصطفى وقف ببطء.
عيناه لم تفارقاها.
— بابي مفتوح لكِ… حتى لو متأخر.
ابتسمت له أخيرًا… ابتسامة حقيقية هذه المرة… متعبة.
— يمكن أجي لك في الحلم.
طرق الحارس على الباب.
مصطفى خرج بخطوات ثقيلة.
نرمين بقيت جالسة وحدها.
حدقت في الزجاج…
في انعكاسها.
همست لنفسها:
— خلصتي… يا نرمين.
لكن في عينيها…
لم يكن هناك انتصار.
فقط امرأة
دفعت ثمن سنوات من الصمت…
بطريقة لا عودة منها.
*********************
بعد سنة في قاعة كبيرة مطلة على النيل — مساء ربيعي دافئ
الأضواء الذهبية تنعكس على الماء…
الموسيقى تعلو… والضحكات تملأ المكان.
اليوم ليس مجرد زفاف.
اليوم إعلان انتصار الحياة.
عاصم يقف ببدلته السوداء الأنيقة، يراقب القاعة بعينين ممتلئتين بشيء لم يعرفه منذ سنوات… راحة.
الباب يُفتح.
ليل تدخل بفستانها الأبيض، بسيطة… ناعمة… لكن حضورها يسرق المكان كله.
تتلاقى أعينهما.
كل شيء حولهما يختفي للحظة.
في الجهة الأخرى…
رائد يقف بجانب زوجته إلينا، الطبيبة السويسرية الشابة التي أعادته للحياة.
تمسك بيده بفخر.
— أنا فخورة بك… يا مقدم رائد.
يبتسم بخفة.
— الفضل ليكي.
تضحك.
— لا… الفضل لقلبك اللي ما استسلمش.
ربى، شقيقة عاصم الصغرى، تجلس وهي تضع يدها على بطنها المنتفخ.
بيجاد يركع أمامها مازحًا:
— لو طلع شبه خاله عاصم… هنتعب.
تضحك ربى:
— لا… هيطلع عاقل زي أبوه.
نيروز تقف جانبًا، تبتسم للحفل… لكن عينيها حزينة قليلًا.
سليم القيصري يحتضنها برفق.
— لسه زعلانة عشان رامي؟
تهز رأسها.
— كان يستاهل نهاية أحسن.
— هو اختار طريقه.
تنظر للنيل.
— ألمانيا بعيدة…
— بس لسه أخوكي.
تبتسم بخفوت.
رؤى تقف بجانب سليم
الخاتم يلمع في يدها.
— متوتر؟
يسحب نفسًا عميقًا.
— شوية… عشان أبقى راجل مختلف عن أبويا.
تمسك يده.
— وإنت فعلًا مختلف.
زين…
يقف في المنتصف يضحك مع فتاة… ثم يلتفت لثانية… ثم ثالثة.
أدهم الصغير يهمس لمازن الصغير :
— هيكمل الحفلة كلها كده.
مازن يضحك:
— نحلة!
زين يلتفت لهم:
— سامعكم!
زياد وحور يجلسان في المقدمة.
عيونهما تلمعان فخرًا بليل.
زياد يهمس:
— مرت بكتير… بس طلعت أقوى.
حور تمسك يده.
— لأنها اختارت الصح.
آدم يقف بجانب نادين.
يدها على بطنها… الشهر الخامس.
ينظر إليها بنظرة مختلفة الآن.
هدوء بعد عاصفة طويلة.
— تعبتِ؟
تهز رأسها.
— لا… بس بنتنا بتتحرك.
يضع يده على بطنها بحذر… وكأنه يمسك المستقبل.
— هتكون أقوى منك.
تبتسم:
— يا رب تكون أهدى منك.
يضحك.
الموسيقى تهدأ قليلًا.
المأذون ينهي الكلمات.
— بارك الله لكما… وبارك عليكما…
التصفيق يعلو.
عاصم يقترب من ليل… يمسك يدها.
عيناه تلمعان.
— تصدقي؟
— إيه؟
— زمان كنت فاكر إن القوة إنك ما تبكيش.
تبتسم.
— ودلوقتي؟
— القوة إنك تختار الحب… رغم كل حاجة.
تميل نحوه قليلًا.
— أنا اخترتك من أول يوم… حتى وإنت ضايع.
يضحك بخفة.
— وأنتِ اخترتي واحد مجنون.
— لا… اخترت واحد قلبه طيب.
ينظر لها بصدق عميق.
— لو رجع بيا الزمن… كنت هختارك أسرع.
— ولو رجع بيا الزمن… كنت هضربك أسرع عشان ما تغلطش.
يضحك.
ثم يقترب، يهمس قرب أذنها:
— شكرًا إنك ما سيبتينيش.
— شكرًا إنك رجعت.
يضمها برفق.
ليس عناق عرضي.
عناق وعد.
الألعاب النارية تنطلق فوق النيل.
الجميع يضحك.
الأطفال يركضون.
ريما تحمل طفلها ياسر (5 أشهر)، كامل يقف بجانبها بفخر.
مازن وملك يراقبان ابنهما أسر وهو يركض خلف كارم الصغير.
الحياة تمشي.
عاصم يهمس:
— جاهزة لبداية جديدة؟
تنظر إليه بثقة.
— طول ما أنت معايا… أنا جاهزة لأي حاجة.
يمسك يدها ويرفعها وسط التصفيق.
في تلك اللحظة…
لم يكن أحد يفكر في مراد.
ولا في السجن.
ولا في الخيانة.
فقط…
الذين نجوا.
والذين اختاروا أن يعيشوا.
والحب…
الذي انتصر أخيرًا.
*********************
في ركن هادئ من القاعة — بعد ساعة من بدء الحفل
الموسيقى ما زالت تعلو…
لكن هنا، قرب الشرفة المطلة على النيل، الصوت أخف.
عاصم يقف ممسكًا بكأس عصير لم يلمسه.
عينيه تبحثان في الوجوه… ثم تتوقفان عند الفراغ.
رائد يقترب منه بهدوء.
— العريس سايب عروسته وواقف لوحده؟
عاصم يبتسم نصف ابتسامة.
— مستني حد.
رائد يعرف.
ينظر حوله أيضًا.
— ألمانيا بعيدة.
زفر عاصم ببطء.
— كان نفسي يكون هنا.
رامي كان لازم يبقى واقف جنبي النهارده.
صمت لحظة.
— مهما عمل… كان معايا في كل خطوة.
رائد ينظر للنيل.
— وأنا عارف قد إيه القرار كان قاسي.
التفت إليه عاصم فجأة.
— وصلت لحاجة؟
في أي أمل يرجعوه؟
رائد شد فكه قليلًا.
— حاولت.
— وبعدين؟
قبل أن يجيب، صوت هادئ تدخل من الخلف.
— القرار نهائي.
استدارا.
آدم يقف بجانبهما، ملامحه جادة.
— القيادة العليا في المخابرات المصرية أصدرت حكمًا قطعيًا.
رامي أُوقف نهائيًا.
عاصم قبض على الكأس حتى كاد ينكسر.
— بعد كل اللي عمله؟
آدم نظر إليه بثبات.
— هو أخفى مقدم في جهاز سيادي ثلاث سنوات.
ده مش خطأ إداري… ده كسر خط أحمر.
رائد قال بهدوء:
— كان شايف إنه بيحميني.
آدم رد بصرامة:
— النوايا مش دايمًا تبرر الوسيلة.
الصمت ثقيل.
عاصم صوته انخفض:
— ضحّى بكل حاجة…
وفي الآخر يترمي بره.
آدم اقترب خطوة.
— محدش اترمى.
هو اختار يتحمل النتيجة.
عاصم نظر إليه بعينين حزينتين.
— أنت ما شفتش شكله يوم القرار.
كان واقف… بس كأنه اتكسر.
رائد تنفس ببطء.
— أنا السبب.
عاصم التفت إليه فورًا.
— لا.
— لو ما كنتش اختفيت…
لو ما دخلتش العملية دي…
قاطعه عاصم:
— كفاية جلد ذات.
اللي حصل حصل.
آدم قال بنبرة أقل حدة:
— رامي ذكي.
ألمانيا بداية جديدة ليه.
عاصم هز رأسه.
— بس هو كان عايش للجهاز.
رائد نظر للأفق.
— أحيانًا… الحياة بتجبرك تعيش لنفسك.
صمتوا لحظة، يسمعون ضحكات القاعة من بعيد.
عاصم قال بهدوء مكسور:
— كنت عايزه يقف جنبي لما أقول "قبلت".
ابتسم رائد بخفة.
— هو واقف… بطريقته.
رفع عاصم حاجبه.
— إزاي؟
— لما اختار يتحمل العقوبة لوحده…
كان بيحميك.
لو فتح الملف بالكامل… كان اسمك دخل في دوامة تحقيقات.
تجمد عاصم.
— هو… ما قالش حاجة؟
آدم أجاب:
— التزم الصمت بالكامل.
سكت عاصم طويلًا.
ثم همس:
— غبي.
ابتسم رائد.
— وفي.
نظرتهم التقت.
الألم موجود…
لكن الفخر أيضًا.
آدم وضع يده على كتف عاصم.
— مش كل الأبطال بيفضلوا في الواجهة.
بعضهم بيختاروا يمشوا في الظل.
تنهد عاصم.
— هكلمه بعد الفرح.
رائد ابتسم.
— هيستناك.
من داخل القاعة، صوت ليل يناديه بضحكة:
— عاصم! فين العريس؟!
نظر إليها من بعيد.
ابتسم.
ثم قال بخفة حزينة:
— لو كان هنا… كان أول واحد يزقني عليها.
ضحك رائد.
— أكيد.
استدار عاصم، أخذ نفسًا عميقًا.
— خلاص.
اللي راح راح.
نظر إلى أخيه.
— بس عمره ما هيتنسي.
آدم قال بثبات:
— الصداقة الحقيقية… مش منصب.
ولا رتبة.
صمت قصير.
ثم ربت رائد على كتف عاصم.
— يلا يا عريس.
خلي اليوم ده يفضل ذكرى حلوة… مش ناقصة.
ابتسم عاصم أخيرًا.
ومشى نحو ليل…
لكن في قلبه مكان محفوظ لرجل
اختار أن يخسر منصبه…
ولا يخسرهم.
***********************
بعد عدة دقائق
ليل ما زالت تضحك وهي تمسك بيد عاصم، حين فجأة…
صوت رجولي مألوف يرتفع من عند المدخل.
— والله عيب عليك يا عاصم…
تبدأ الفرح من غيري؟
الصوت كان واضحًا.
ساخرًا.
ومستفزًا كما يعرفه الجميع.
تجمّد عاصم في مكانه.
استدار ببطء.
رائد التفت هو الآخر… وعيناه اتسعتا.
بيجاد همس:
— مستحيل…
نيروز وضعت يدها على فمها.
عند المدخل…
رامي.
واقف بثقة… ببدلة داكنة أنيقة… ابتسامته المعروفة على وجهه.
وبجانبه فتاة شقراء، عيناها زرقاوان، ملامحها هادئة، تمسك بذراعه بابتسامة لطيفة.
عاصم لم ينتظر ثانية.
اندفع نحوه.
— إنت مجنون؟!
ثم جذبه إلى حضنه بقوة.
عناق طويل… خالٍ من الكلمات.
رائد وصل بعده مباشرة، احتضنه بقوة.
— إنت مش طبيعي.
رامي ضحك:
— قلت أعمل دخول درامي يناسب سُمعة العيلة.
بيجاد وصل، ضربه بخفة على كتفه.
— كنا هنقفل الفرح من غيرك!
سليم القيصري صافحه بحرارة.
— ألمانيا خلّتك رسمي شوية.
رامي ابتسم:
— ده منظر بس.
نيروز لم تتحمل.
ركضت نحوه، عانقته بشدة.
— وحشتني!
شدها إليه.
— إنتِ اللي وحشتيني يا بنت.
ثم ابتعد قليلًا، مشيرًا إلى الفتاة بجانبه.
— نسيت أعرّفكم…
الفتاة ابتسمت بخجل خفيف.
— أنا هانا شولتز… عمري 28 سنة.
نطقت اسمها بالعربية المكسّرة بلطف.
— زوجة رامي.
صمت…
ثم انفجار تصفيق وضحك.
عاصم فتح عينيه بصدمة.
— زوجة؟!
رائد رفع حاجبه.
— وإحنا آخر من يعلم؟
رامي قال بمكر:
— قلت أسيب حاجة أفاجئكم بيها.
هانا مدت يدها بأدب.
— تشرفت بمعرفتكم… رامي يتكلم عنكم كثيرًا.
بيجاد همس لعاصم:
— واضح إن الراجل ما ضيعش وقت.
عاصم ضحك أخيرًا من قلبه.
— افتكرتك مكتئب في برلين.
رامي هز رأسه.
— افتتحت شركة استيراد وتكنولوجيا هناك.
والحمد لله… الشغل ماشي كويس.
آدم اقترب، يراقبه بنظرة فخر واضحة.
— سمعت عن المشروع.
صافحه بثبات.
— شغل نظيف.
رامي ابتسم باحترام.
— اتعلمت الدرس.
زياد وقف أمامه، نظر إليه مطولًا.
— كنت شاب شجاع… ولسه.
أدهم (خال ليل) ربت على كتفه.
— أهم حاجة إنك واقف على رجلك.
رامي نظر إليهم بامتنان حقيقي.
— اللي حصل… كان لازم يحصل.
يمكن لو فضلت في الجهاز… ما كنتش عرفت أعيش.
رائد اقترب منه، صوته منخفض:
— ما زلت فخور بيك.
رامي ابتسم.
— كفاية إنك رجعت بخير.
عاصم ما زال ينظر إليه وكأنه غير مصدق.
— يعني كنت ناوي تجي من غير ما تقول؟
رامي قال بمرح:
— لو قلتلك… كنت هتستقبلني بالزفة بره القاعة.
ضحكوا جميعًا.
هانا همست برقة:
— رامي كان متوتر جدًا قبل ما ندخل.
نيروز رفعت حاجبها.
— هو؟ مستحيل.
رامي رد بسرعة:
— إشاعات.
ليل اقتربت، صافحت هانا بحرارة.
— نورتي عيلتنا.
هانا ابتسمت بلطف.
— أنا سعيدة أن أكون هنا.
الموسيقى عادت تعلو.
عاصم نظر إلى رامي نظرة عميقة.
— كنت زعلان إنك مش هنا.
رامي رد بهدوء:
— حتى لو ما كنتش جيت…
كنت معاك.
عاصم شدّه في عناق آخر.
— متغيبش تاني.
رامي ابتسم.
— المرة الجاية… هعزمكم على فرحي في برلين رسميًا.
ضحك الجميع.
النيل خلفهم يلمع تحت الألعاب النارية.
الوجوه سعيدة.
القلوب تصافت فعلًا.
رامي لم يعد ضابط مخابرات.
لكنه لم يفقد مكانته بينهم.
وفي تلك اللحظة…
لم يعد أحد يتذكر العقوبات أو القرارات.
فقط…
أن كل من ضاع… وجد طريقًا جديدًا.
والليلة…
لم يكتمل الفرح إلا بحضوره.
**********************
قرب طاولة العصائر
زين واقف بكوب في يده… يراقب رامي وهو محاط بالجميع، وهانا تبتسم بأدب ألماني منظم لكل شخص يصافحها.
ينحني زين قليلًا نحو سليم ابن مراد، الذي يقف بجانب رؤى.
همس بصوت خافت ساخر:
— شايف؟
الراجل اتوقف من المخابرات… راح ألمانيا… رجع بزوجة أوروبية وشركة…
واضح إن الفصل ده اسمه "كيف تخسر وظيفتك وتربح الحياة".
رؤى التفتت إليه ببطء، رفعت حاجبها.
— وانت إيه الفصل بتاعك يا زين؟
"كيف تحضر فرح وتخرج برقم تليفونين بلا نتيجة"؟
سليم كتم ضحكته.
زين تظاهر بالصدمة.
— لا يا أختي، أنا بدرس الخيارات.
سليم شبك يديه خلف ظهره وقال بنبرة ساخرة هادئة:
— آه… زي ما بابا كان بيدرس الصفقات؟
رؤى خبطته بخفة في ذراعه.
— سليم!
لكنه ابتسم.
— بهزر.
ثم نظر إلى زين.
— على الأقل رامي استقر.
انت لسه عامل زي النحلة… بس بدون عسل.
زين وضع يده على صدره.
— أنا عندي رؤية استراتيجية طويلة المدى.
رؤى ضحكت.
— رؤية إيه؟
كل خمس دقايق مع واحدة.
زين مال برأسه نحو رامي وهانا.
— بصراحة… هانا لطيفة أوي.
واضح إن الراجل لعبها صح.
سليم رد بهدوء:
— هو ما لعبش.
هو تعب… واتعلم.
نظرت رؤى لسليم بإعجاب خفيف.
— كلام خطيبي بقى حكيم.
زين صفّق ببطء.
— ما شاء الله… الخطوبة عاملة شغلها.
سليم ابتسم بثقة هذه المرة.
— الواحد لما يلاقي حد يستاهل… بيهدى.
نظر الثلاثة نحو عاصم وليل في وسط القاعة.
الموسيقى ارتفعت، والضحكات تملأ المكان.
زين تنهد تمثيليًا.
— طيب خلاص…
واضح إن كل الرجالة استقروا.
هسيب لكم الساحة وأرجع أكمل جولتي.
رؤى قالت بمكر:
— حاول المرة دي تفتكر اسمها.
سليم أضاف:
— والأهم… تفتكر نفسك.
زين أشار لهما بإصبع تحذيري ضاحك.
— أنتم اتنين بقيتوا خطر.
ثم ابتعد بخطوات واثقة… متجهًا نحو فتاة أخرى تبتسم له.
رؤى نظرت إلى سليم، تمسك يده بخفة.
— فاكر لما كنت تايه؟
ابتسم بهدوء.
— فاكر…
بس دلوقتي أنا عارف مكاني.
في الجهة الأخرى، رامي يضحك مع عاصم ورائد…
وهانا بجانبه تنظر إليه بفخر.
ورغم السخرية والضحك…
كان واضحًا أن كل واحد منهم، بطريقته،
وجد أخيرًا مكانه الحقيقي.
*******************
بعد كام شهر…
أوضة الولادة زحمة، وكل القلوب بتدق جامد.
عاصم واقف جنب السرير، ماسك إيد ليل وهي بتتوجع، العرق مغرق جبينه، وعينه مليانة قلق.
رائد واقف وراه، حاطط إيده على كتفه:
— اهدى يا عاصم… كله هيبقى تمام.
عاصم بص له بعينين مدمعين:
— مش عارف هستحمل إزاي لو حصل لها حاجة… دي حياتي… دي كل حياتي.
زياد وحور واقفين عند راس السرير، متوترين وخايفين على بنتهم. زياد ماسك إيد حور بهدوء:
— حور… مفيش حاجة هتبوظ… إحنا عدينا بحاجات كتير سوا، وده آخر اختبار.
حور ابتسمت بتوتر:
— أيوه يا زياد… هي قوية… وقلبها أقوى.
فجأة الممرضة فتحت الباب وخرجت بابتسامة كبيرة، شايلة البيبي ملفوف في بطانية:
— مبروك… البيبي بخير وصحته زي الفل!
عاصم أخده بحذر، عينه بتلمع بالدموع، ومش مصدق نفسه. همس له:
— أهلاً يا زياد… على اسم أبويا الروحي… على اسم جدو… على اسم الحياة…
زياد ابتسم بحرارة وحط إيده على كتف عاصم:
— فخور بيك يا ابني… اختيارك للاسم أحلى اختيار… اسم ليل واسم زياد دايمًا مرتبطين بالحب والقوة.
حور دموعها نزلت، بتبص لعاصم وهو شايل حفيدها، وبعدين بصت لليل.
ليل بدأت تفوق من البنج، فتحت عينيها بالراحة، شافت عاصم شايل ابنهم.
— عاصم…؟
ابتسم لها بحنان:
— أيوه… إحنا سوا… وده ابننا… زياد… حتة مننا.
ليل ابتسمت وسط دموعها، وإيدها بترتعش وهي بتلمس وشه لأول مرة:
— زياد…؟
قالتها بصوت واطي مليان حنية.
— قمر… شبه أبوه.
عاصم ضغط على إيدها برفق وهو باصص للطفل:
— أيوه… قمر… وحياتنا من النهارده هتبقى مليانة حب… سوا… دايمًا سوا.
رائد ابتسم من بعيد:
— كده خلاص… صفحة جديدة بتتفتح… حياة جديدة.
زياد وحور واقفين يتأملوا البيبي، الدموع في عينيهم من الفرحة.
ليل حضنته بقوة، وعاصم وقف جنبها، ضمها لصدره، وكأن الدنيا كلها سكتت للحظة.
— أهلاً بيك يا زياد… نورت الدنيا…
عاصم بص لليل بعمق:
— كانت رحلة صعبة… بس عديناها… عشانك وعشان ابننا.
ليل سندت راسها على صدره، ونفست بهدوء، وهمست قبل ما المشهد يقفل:
— بحبك… بحبك أكتر من أي وقت فات…
والبيبي طلع نفس صغير خفيف…
وكأن الحياة ابتدت من جديد.
والحكاية تقفل على لحظة كاملة…
حب، وأمان، وسلام بعد كل المعارك
تمت