رواية اشباح المخابرات الفصل الثالث3بقلم ايه محمد رفعت
سقوط جثمان النادل أصدر صوتًا جعل إثنين من العصابة يخرجان لرؤية ماذا يحدث بالخارج، وقفا خلف "زين" بالتحديد، مما دفع "ياسين" لسحب سلاحه وتحذير رفيقه، الذي يفهمه من مجرد نظرة، فسحب سلاحه هو الآخر واستدار يحرر رصاصه في منتصف رأس أحدهما في نفس لحظة اختراق رصاصة ياسين بمنتصف رأس الآخر، كلاهما مدربان بحرفيةٍ مخيفة، بشكلٍ يجعل العدو يفكر ألف مرة قبل أن يلحق الضرر بأحدهم.
أسرع "ياسين" يدير الباب السري للبار، حتى أصبحت وجهته مكشوفة كليًا، فوجد جهاز كمبيوتر متحكم بالكاميرات المزروعة بالغرفة الداخلية للممر السري، عبث بأزراره في محاولةٍ لفتحه، حتى يستعلم من الكاميرات عن عدد الحرس بالداخل ومواقعهم، بينما تحرك "زين" صوب الزجاجات الممتلئة من خلف البار، يبحث عن أي عصير يساعده في الافاقة.
استدار صوبه ياسين يتساءل باستغراب:
_بتعمل إيه؟
اجابه وهو يلوي شفتيه بنفور:
_القطرة اللي حطتها في الويسكي مبطلتش مفعوله بشكل كامل، حاسس إني مش فايق بشكل كلي.
كبت ضحكة ساخرة كادت أن تنفلت منه، وقال:
_معلش كان المفروض أنجز وأخرجلك في خلال خمس دقايق متكنش كملت فيهم تلات كاسات، بس مش أنا السبب عنيدة هانم بنت عمك السبب.
مط شفتيه بنزقٍ، وهو يتجرع عصير البرتقال الذي وجده:
_مرين دايما عائق في كل مهمة إنت بتشاركني فيها.
واستطرد بضيق:
_يلا كلها تضيحة في سبيل الوطن، ربنا يغفرلنا كل المصايب اللي بنعملها عشان نتمم المهمات الزفت دي.
عاد ياسين يعمل على الحاسوب ببراعةٍ، وقال وهو يركز النظر فيه:
_شكلك معبي، ومش مظبط كده من أول اليوم!
احتل المقعد المقابل له، وسكب من عصير البرتقال في الكأس الذي يتجرعه، هادرًا وهو يحارب بعض آثار السُكر:
_أنا بحب رحيم زيدان جدًا، بحب شخصيته القوية قدام العالم كله والضعيفة قدام الست الوحيدة اللي ملكت قلبه، بس في نفس الوقت بزعل وأنا شايف والدتي بالضعف ده، بشوفها رقيقة وناعمة لدرجة إن أي شيء بيأثر فيها وبيسيب علامة جواها، يقوم بعد الفوبيا دي تطلع مارال نسخة منها، ويزيد جوايا الخوف من تاني إني غصب عني أكون معاها نسخة من رحيم زيدان!! بصراحة لو ده حصل هكره نفسي.
وأضاف ليوصله للنقطة التي يود قولها:
_لما ببص على فرق الشخصيات بين مارال ومرين بحس أني مكنش ينفعني حد غير مرين، هي اللي كنت أقدر آخد حقي منها وقت زعلي، لكن قدام مارال بضعف ضعف أنا مش بمتلكه في شخصيتي.
وابتسم ساخرًا وهو يتجرع كأسه مرة واحدة ببرود:
_جوايا شخص عاشق ولهان دايب حابب يستجم معاها ويجيب ورد وشوكولا ويتفنن يقولها كلام وأبيات عن الحب، وفي نفس الوقت في شخص شرس صعب يتراوض، عايز يجيب أحشاء العالم كله وقت غضبه، أنا توهت وتعبت مني يا ياسين!
ترك ما يفعلها وتطلع تجاهه بنظرة شك وصدمة:
_ده وقته كلام من ده يا زين، إنت سكرت تاني ولا إيه؟
وترك ما يفعله ثم جذب زجاجة عصير البرتقال الذي يتجرعها، فجذب منه الكأس وهو يصيح فيه:
_فيها نسبة كحول مش عصير برتقان!!
بصق زين ما بجوفه بفزعٍ، وصاح بتذمر:
_ولاد الـ** مفيش أم حاجة طاهرة في المكان الـو** ده تتشرب!
وضم مقدمة انفه وهو يهتف بوجومٍ:
_طيب إيه أنا عايز أفوق مش عارف!
اتسعت ابتسامة ترحاب على وجه ياسين وردد بكل صدر رحب:
_طول ما صاحبك موجود أوعى تحتار ولا تشيل هم.
وختم قوله حينما سكب من فوقه إناء الثلج الضخم، الذي تناثر داخل قميصه الاسود المفتوح، مما جعله يشهق هلعًا من شدة البرودة، فصاح بغضب:
_حساباتك تقلت معايا يا جارحي، كل ورقة وليها تصفية حسابات.
منحه ياسين قبلة بالهواء، وعاد يستكمل ما يفعله، وأشار له:
_ميخلصنيش إنك تشيل كل الاوزان دي يا زيزو، نخلص على الجماعة دول ونتصافى بس تفوق كده وتصلب طولك عنيا ليك.
سحب زيتونيته للبراد، جاذبًا زجاجة من المياه، يتفحصها بدقةٍ، بينما مازال ياسين يحاول حصر، عددهم بالداخل، فاذا به ينتبه بملف سري على الجهاز، حاول فتحه كثيرًا ولكنه لم يستطع، فناداه:
_زين محتاج مساعدتك هنا.
لم يأتيه أي ردٍّ من خلفه،استدار يستكشف محله، فوجده يقرأ ما دون على الزجاجة بعناية، فضحك مستهزِئاً:
_مهو مش هيحطوا الكحول في المية كمان، إنت مش طبيعي بجد!
فتح الزجاجة يتجرعها ويسكب محتوياتها على وجهه، ثم ردد ساخرًا:
_احنا مش واقفين في مسجد يا جارحي.
وسحب السلاح من خلف ظهره يتفحصه بإمعانٍ، بينما يشير له ياسين:
_الملف ده متشفر حاولت أفتحه مش بيستجيب، حاول كده إنت.
تجاهل حديثه وفتح الباب السري يخبره بمللٍ:
_مش طالبة فرهدة، صحي مرين هي أكتر حد خبير فينا في الكلام ده.
سأله باستنكارٍ ساخر:
_أمال هي طالبة مع سيادتك إيه؟
ارتسمت بسمة شيطانية على وجهه وكأن شبح "رحيم زيدان" تلبسه فجأة، فجذب السلاح الموضوع بحزام ياسين ثم مضى للداخل بخطوات واثقة:
_بركة دم الأنجاس دول هتأهلني نفسيًا.
واغلق الباب من خلفه، فلكم ياسين الباب من خلفه وهو يصيح بعصبية:
_زين افتح وبطل جنان!
وحينما أحاطه اليأس صاح بغضب:
_في ضحية جوه معاهم، خد بالك طيب!!
هز رأسه بقلة حيلة، وأنطلق ينفذ المهمة الواقعة فوق أعناقه، والتي تعد الاصعب مما يجتازه "زين"، سلك الطريق للغرفة التي تركها بها، أبعد الخزانة والاغراض التي يخبئها من حولها، فاذا به يجدها تتمدد أرضًا بملامح بريئة، قد تجعلك مندهشا أن ذلك الملاك الرقيق يمتلك كل تلك الشراسة، ابتسم"ياسين" وهو يراقبها بنظرات اختلج فيها عشقه المدفون لها، وإذا به يعنف ذاته ويسلخ نظراته عنها مُتمتمًا بضيق:
_استغفر الله العظيم، فتنة لازقة فيا في كل مكان بروحه.
واستطرد بمكر:
_أكسر عنادك الأول وبعدين نشوف طريق مشترك يجمعنا مع أني أشك أني هلاقيه.
سحب ياسين زجاجة المياه ثم نثر منها على وجهها، فتأوهت وهي تضم رقبتها بتعبٍ، افرجت عن عينيها الزُرقاوين، فوجدته ينحني على بعدٍ لطالما حافظ عليه بينهما، أبعدت خصلاتها البنية خلف اذنيها واعتدلت تتطلع له بغضبٍ وأنفاسٍ تختلج رئتيها بعنفوانٍ، ابتسم ياسين وردد بلطفٍ:
_آسف على طريقتي اللي هتسميها همجية، بس لو ممكن تفوقي كده معايا عشان محتاجين مساعدتك بره يا سيادة الرائد.
شملته بنظرة ساخطة وقالت:
_ساعد نفسك بنفسك يا سيادة الرائد.
قالتها ونهضت تنفض جاكيتها الاسود الطويل، وبنطالها الاسود، وخصلات شعرها تتفرد من خلفها بحريةٍ، طمست إليه الغضب كلما يراها هكذا، لقد اعتاد رؤية الحجاب يلازم نساء عائلته، ورؤيتها هكذا تشعل النيران داخله، خاصة وهي بالجهاز، يستطيع أن يرى نظرات الاعجاب تندس بآعين زملائهم تجاهها، جاهد كثيرًا ليخبرها أن تلتزم بالحجاب ولكنه يعلم أن المهمات التي ستُفرض عليهم خارج مصر بعدما ينتهوا من تدريباتهم ستلزمها بالتشكل حسب الشخصية التي ستنتحلها، ربما لذلك كان يقيد حبه الشديد لها، ولا يرغب أن يعترف بمشاعره التي ستكون بداية اعتقال سيكون هو أول من يُوضع خلف قبضانه.
استقام بوقفته من خلفها، يجذب الكاب المُلقى أرضًا، يدفعه تجاهها قائلًا بخشونة:
_إلبسي.
مضت بطريقها غير مبالية بحديثه:
_مبقاش له لزمة، إنت شايف أني كده مش هتكشف أكتر وبعدين إنتوا شكلكم كالعادة خلصتوا الحكاية من قبل ما تبتدي ومستنين أحط الطتش الأخير.
لمحت عينيه الصقرية ظل شخص يختبئ أمام الغرفة، على ما يبدو أنه انتبه لأصواتهما، سلاحه مرفوع للأعلى في حالة تأهب واستعداد للمهاجمة، وفي سرعة ومهارة عالية اكتسبها من قائده "ليل العربي" اندفع صوبها يسحبها إليه وهو يناديها بفزعٍ:
_مــــريـــــن!!
وبدلًا من أن ينتظر مهاجمته اندفع صوبه، يلوي ذراعه بحركة مفاجئة صعقت الخصم الذي صُدم مما يحدث، بل وانتشل منه سلاحه في لمح البصر، بل واستقرت رصاصة منه بمنتصف جبهة ذاك المصعوق، فسقط أسفل اقدامهما.
خرج يحمل السلاح يمشط الطرقة الطويلة بتفحصٍ، وحينما وجدها آمنة، ولج للغرفة مجددًا يتأمل من تقابله بنظراتٍ ثابتة لم تهتز حتى خوفًا من خطرٍ اعتادت عليه مثلما إعتاد هو، سألها وهو يتطلع صوب يدها:
_سلاحك فين؟
عبثت بضيقٍ مما ستستمع له الآن، وقد صدقت ظنونها حينما قال ساخطًا:
_نسيتي سلاحك!! طبعًا اهتماماتك كانت بتثبيت الشنب والكاب اللي ملان استرس بينك!!
زفرت بغضبٍ، وهدرت فيه:
_أووف منك إنت دايمًا مش بتفوتك أي تفصيلة!!
قطع ابتسامة كادت أن تظهر على وجهه الوسيم، مد سلاحه المكتسب من القتيل إليها، وأمره يصدر:
_خليه معاكِ.
حملته منه وتساءلت بتوترٍ تحاول اخفاءه وهي تفعل سلاحها قيد التشغيل:
_طيب وإنت؟
اتشح ببسمةٍ ساخرة وفاه بخبث:
_متقلقيش عليا أنا بعرف أصرف نفسي!
واستدار بجسده صوبها يتساءل بنبرته التي تربكها:
_هو إنتِ بجد خايفة عليا؟
سددت له نظرة حارقة، واتخذت وضع الهجوم وهي تتخطاه وتخرج من الغرفة، تُؤمن المكان بمهارةٍ عالية، اتسعت ابتسامته وهمس بمكر:
_محدش هيكسر عنادك غيري!
خرج خلفها يتابع الطرق بتفحصٍ، حتى وصلوا إلى الجهاز المفتوح، علمت "مرين" سبب عودته لها الآن، فانبلجت إليها ابتسامة ثقة وغرور، لم تبخسها منه بل أبدتها إليه، حينما استدارت تواجهه بذراعين معقودان أمام صدرها:
_إيه يا سيادة الرائد مقدرتش تفرغ الجهاز ولا القرص صَلب معاك!
تتمنى رؤية تعصبه ولو لمرةٍ، ولكنه كان يفعل أكثر ما يزيد غضبها هي، عكس ابن عمها، يبدي غضبه بسرعة البرق، بل اسرع من ذلك، سريع الغضب بشكل لا يجعل أحدا في معاناة لسحبه إلى ساحة الحرب، ولكن الويل وكل الويل لذلك الماكر، الذي يجعلها تتآكل من الغيظ، وخاصة في تلك اللحظة التي نجحت باستفزازه بينما يقابلها بابتسامة هادئة ونبرة أكثر استرخاءٍ:
_أقدر أعملها وأنتِ عارفة كده، بس لو عملتها هيبقى دورك إيه في الليلة دي! أنا باللي عملته ده بأكدلك إن دورك محفوظ وله وقته المتسجل بالثانية، فمفيش داعي تستعجلي دورك وتبتديها دراما أغلبها من افلام هندية،والهندي كله أڤورة يا سيادة الرائد.
احتقنت زُرقتها غضبًا وغيظًا منه، وإذا بها تسرع برفع سلاحها بينما الاخر لم يهتز له جفن، حتى ابتسامته لم تتلاشى ابدًا، وقفته الواثقة تكشف علمه بأنه ليس المستهدف من رصاصتها، بل وحفاظه على ثبات واتزان وقفته ساعدتها على أن تستهدف المسلح من خلفه، فسقط بعدما تلقى ضربتها أسفل قدمي "ياسين" الذي شمله بنظرةٍ ساخرة ثم رفع عسليته لها فوجدها تخبره بنزقٍ:
_خلصين!
اتبعها وهي تتجه للحاسوب، وتشرع بعملها، فقال وهو يراقب الطريق من اللحظة والآخرى:
_على أساس إنها آخر مرة هنقذك فيها، التاريخ بينا طويل أوي، أنتِ بعندك وأنا بطولة بالي، لحد ما نطلع معاش!
شملته بنظرة حادة من طرف عينيها، وتجاهلته وهي تعود لفعل ما تفعله، وفي أقل من عشرة دقائق كانت تجذب الفلاشة، وتدمر الجهاز بالكامل، وحينما استدارت وجدته يطالعها بإعجاب وقولٍ أباح به لها:
_سمعت إنك استغليتي الفترة اللي اتدربنا فيها أنا وزين مع ليل العربي واشتغلتي على الاجهزة والتكنولوجيا، بس حقيقي متوقعتش إنك بقيتي بالمهارة دي، هايل يا مرين!
قالها ومضى من الباب السري يتبع "زين" بينما تقف هي بالخارج مصدومة من مدحه لها، بل وكادت أن تعيد تصليح الجهاز الذي افسدته عسى أن تتأكد من الكاميرا الفاسدة وتستعيد هذا المشهد حتى تسمع ما قاله مجددًا!!
******
تلاشت ملامحه الاجرامية فور أن استقبل هاتفه مكالمة صوتية تنير شاشته، ارتسمت بسمة عشق على وجهه، فأعاد وضع سلاحيه خلف ظهره وإنطوى بأحد الغرف، يجيب بصوته الرخيم:
_صباح كل شيء بريحة اللاڤندر على أجمل دكتورة في الدنيا كلها.
من يراه مبتسمًا بملامحه الوديعة الملائكية لا يصدق أنه للتو قتل ثمانية عشر رجلًا مسلحًا، ويختمها بجملته الرومانسية!! ، ومع ذلك يمضي بحديثه العاشق لها متسائلًا:
_نزلتي المستشفى ولا لسه؟
أتاه صوتها الرقيق يجيبه:
_أنا في العربية وعمو أحمد قرب يوصل للمستشفى خلاص.
بسمة ارتياح ارتسمت على وجهه، وأبدى لها راحته بجملته:
_حبيبة قلبي سمعت الكلام ومش هتسوق تاني؟
تنحنحت وهي تحاول أن تستدعي خشونة ليس بها:
_زين وبعدين معاك بقى، إسأل أسئلتك وقول كلامك كله من غير ما تحط كلام من ده، قولتلك انا لسه خطيبتك!
تجهمت معالمه وحظها الجيد أنها لم تراه بتلك اللحظة:
_وأنا سبق وقولتلك نكتب الكتاب ده هيخلينا مرتاحين من كل الدوشة دي.
نطقت بفزع أضحكه:
_لا مش موافقة على ده أبدًا، أنت مينفعش معاك عقد قران الا يوم الفرح.
تحررت ضحكاته الرجولية فأخجلتها، وخاصة حينما همس لها:
_خايفة مني!! أنا متهور آه بس عندي حدود.
أبدلت حديثها والتوتر والخجل يصلان إليه من محله:
_وصلنا أهو، هبقى أكلمك بعدين أنا هنزل عشان دوسة مستنياني.
تمادت ضحكاته بشدةٍ، وجاهد لخروج كلماته:
_دوسة!! ناديها بإسمها الحقيقي أحسن يا مارال، حبيبتي الاسم ده مش لايق على هويتها السرية، دوسة دي قادرة تحارب جيش رجالي وفي لحظة تخليهم مكانهم جثث!
واستطرد بتفاخر ساخر:
_خارجه من تحت تدريب الاسطورة باكتساح، أنا مش عارف ملقتيش غيرها تكون البيست فريند، أنا بخاف عليكي منها يا ميري، أوعي تزعليها ولا تعصبيها طول ما انا مش في مصر، ولو حصل وبصتلك نظرة واحدة بس معجبتكيش كلميني أكلمها أنا.
هبطت من السيارة تعدل فستانها الأزرق الفضفاض، ويتأنق خمارها الابيض الطويل من فوقه، تعدل حقيبة يدها والهاتف على أذنيها، خاتمها الألماسي يحتل كف يدها الناعم، يثبت ملكية "زين زيدان" لها.
ابتسامتها الجذابة ساحرة، رغم ملامحها العادية الا أنها كانت مميزة بلون بشرتها الخمرية وعينيها البنيتان، اتسعت بسمتها على حديثه وقالت مستنكرة ما يقول:
_مش مصدقاك يا زين، دوستي مفيش في طيبة قلبها ولا رقتها.
رد بسخرية مضحكة:
_عشان مطلوب منها تبقى رقيقة وميتشكش في أمرها يا قلب زين، بس خليني اشهدلها بأنها ناجحة وبامتياز طالما نجحت تخدع أقرب صديقه ليها بالبراءة اللي مش فيها دي!
واستطرد وهو يودعها بحب:
_هقفل عشان مأخركيش، تحبي أفكرك بتعليماتي ولا الجميل فاكر كل حاجة.
تنهدت بقلة حيلة ورددت:
_اطمن لا بكلم دكاترة شباب ولا بكشف على رجالة، أساسًا إنت ناصب الكمين مع المدير، مش بيدخلي أي حالات غير الستات وبس.
كبت ضحكته وقال بخشونة:
_بيفهم الراجل ده، اللي يهاب زين زيدان من كلمة يتشال على الراس، الا إنت يا جميل متشال ومتصان جوه القلب.
ابتسمت ووجهها يتشرب حمرته، ثم تنحنحت بخجل:
_مع السلامة.
قالتها وأغلقت سريعًا، ثم ولجت للداخل تبحث عن صديقة طفولتها، فاذا بها تراها بغرفة المكتب المشتركة بينهما، تجلس على مكتبها تكتب بدفتر العمل بتركيزٍ وإمعانٍ، وبنيتاها تتفحص عُلب الأدوية.
تسللت "مارال" على أطراف أصابعها حتى تفزعها، فتخشبت محلها حينما قالت ومازالت تفعل ما تفعله:
_مارال إحنا كبرنا على الحاجات دي يا قلبي، مش عارفة ليه بحس إني عجزت وإنتي لسه بيبي صغنن.
انكمشت ملامح وجهها بخذلان، ومضت صوبها تجلس على المقعد المقابل لها بحزن:
_هو انا مش هعرف أخضك أبدًا؟
رفعت وجهها الابيض إليها، تبتسم وهي تنزع نظاراتها الخاصة بالقراءة، واجابتها:
_مستحيل، افقدي الأمل بقى واكبري ممكن؟
واضافت باستغرابٍ وهي تتفحص ساعتها:
_وبعدين جاية متأخر ليه مش عادتك؟
ارتسمت ابتسامه عاشقة على وجهها جعلت الاخيرة تهتف بنزق:
_مفهوم مفهوم، سيادة الرائد كان بيلحنلك انشودة عشق وغرام.
وأضافت باستهزاء:
_مع إني لما بشوفه مش بحس إنه ميطلعش منه.
مالت تستند على المكتب بلهفة:
_قوليلي يا دوستي زين بيبقى عامل ازاي بالشغل، اشجيني واحكيلي.
شملتها بنظرة مستهزئة، وازاحت خصلاتها السوداء للخلف بتهكمٍ:
_مارال حبيبتي هو إنتي مش وقعتي في حبه وغرامه واللي حصل حصل، عايزة تقعي فيه أكتر من دي؟
تلاشت ابتسامتها الحالمة، ونهضت تجذب ملابسها والبلطو الطبي الخاص بها، ثم إتجهت لحمام الغرفة وهي تهمس بضجر:
_من ساعة ما انضميتي ليهم وإنتي مبقاش عندك خلق، مخصماكِ ومش هكلمك تاني خالص!
شيعتها ببسمةٍ ساخطة، ثم عادت تستطرد عملها وكأن شيئًا لم يكن.
****
أغلق الهاتف وهو يتطلع للشاشة بهيامٍ، جعل من يتابعه يطالعه بسخطٍ، اتبع قوله الساخر:
_الشيطان حينما يعشق! تصدق لو مكنتش شايف بركة الدم من على الباب كنت خمنت أن عندك أجنحه مخبيها تحت التيشرت!
انتفض بجلسته وزفر بحدةٍ:
_خضتني يا أخي!
ضحك ياسين باستهزاء:
_هو إنت بتتخض زينا يا زيزو! طيب قول كلام يخدعني وهتخدع.
ومال على الباب يربع يديه امام صدره العضلي، متسائلًا:
_كان في ضحية جوه، شيعتها مع اللي اتشيعوا ولا مصيرها أيه جنابك؟
لوى شفتيه باستحقارٍ:
_متلقح عندك جوه ملفوف بملاية، مع إني كان المفروض مسمعتش كلامك وخلصت عليه.
ورفع كتفيه وهو يؤكد حديثه:
_طالما دخل المكان المنحرف بإرادته يبقى يتعامل نفس المعاملة، بس اكرامًا بكلامك وإني متعودتش أكسره اديته بالروسيه بس عشان يسترخي ويهدي أعصابه بعد المجزرة اللي قومت بيها حوليه.
هز ياسين رأسه بعدم مبالاة، وقال:
_اعتقد كده المهمة تمت بنجاح، يلا قوم انسحاب.
نهض من محله يتمتم بغضب:
_مستعجل على الرجوع ليه، هنرجع نلاقي رحيم توابيت بيستقبلنا، هنا رحمة صدقني!
اجابه ياسين بحماس:
_ده أنا مستني الاستقبال ده من إمبارح، وبالذات إن النهاردة يومه.
منحه نظرة حزينة، وقال:
_إنت صاحب عمري الوحيد يا ياسين، بلاش تصعبها عليا لو قطعت علاقتي بيك مين هيستحملني بعدك يا شريك؟
واضاف ضاحكًا:
_إنت عارف انت الوحيد اللي مستحملني عشان عندك قوة خارقة في الثبات والتحكم في الذات بصراحة بحسدك عليها يا جارحي.
أجابه وهو يمضي للخارج بغرور:
_مش لوحدك يا حبيبي ألف مين يتمنى يكون مكاني، بس أنا مبحبش أكون مكان حد!
اتبعه ياسين وهو يهمس بنزق:
_نفس غرور رحيم زيدان، أنا متنازل عنه ليك!
ضحك وقال بسرورٍ:
_موافق.
واستدار يشاكسه:
_بس انا مش متنازل عن عدي الجارحي ولا في يوم هتنازل عنه، زي ما انا صاحبك المقرب هو كمان صاحبي وأخويا الكبير، مقدرش بصراحه أشاركك فيه يا شريك.
شمله بنظرةٍ نارية، وقال وهو يغمز له:
_احتفظ بيه وبكل احبابك أنا قلبي مليان وعامر بالحب اللي إنت بتكابر وبتحاربه.
كاد أن يجابهه في ساحة المعركة، لولا صوتها المنزعج من تأخرهما بالداخل:
_هنقضي اليوم كله هنا ولا أيه؟!
تطلع كلاهما إليهما، وبدون أي حديث خرجوا خلفها، يستقرون بالسيارة، وجلست هي بالخلف تراقب صمتهما الغامض بدهشةٍ وتعجب ملموس!
*****
تلك المرةٍ كان أكثر حرصًا، أغلق الباب من خلفه بالمزلاج، وتأكد من ذلك، ثم إتجه لسريره الموضوع على الجانب الأيسر، يسحب الغطاء من فوقه، فمضت به ساعة والآخرى حتى شعر بأحد يسحب الغطاء عنه، تسللت يده لسلاحه وقبل أن يرفعها ضغط عليها كفًا قويًا وتحذيرًا من أكثر صوتًا خطيرًا:
_إياك!
فتح زيتونته بانزعاجٍ، وردد دون أن يدقق بمن امامه، كأنه يعلم من هو:
_نصاية وهجيب شريكي وهحصلك يا باشا، أي أوامر آخرى؟
منحه رحيم ابتسامته الشيطانية، وتلك المرةٍ مسد على كتفه كالذي يراوض طفلًا صغيرًا:
_جدع يا حبيب بابي، بموت فيك وإنت مطيع وبتسمع الكلام كده، يلا يا حبيبي هستناك تحت متتأخرش!
قالها وغادر من امامه، تاركًا وجهًا يستشيط غضبًا، بل كادت أن تتناثر النيران على الأغطية من حوله، وبصوته الخشن الغاضب صاح:
_جـــــــارحــــــــي.
أخفض غطائه ضاحكًا بشدة:
_صاحي وحاضر!
منحه نظرة منفرة، ونهض يتمتم:
_نص برودك وبروده، مكنش جاني الضغط والاعصاب!!
******
مرر بصره إليهما بهدوءٍ ما قبل العاصفة، مستمتعًا بنجاح خطته بعد أن كلف الجوكر بتدريب مرين على السباحه والبقاء أسفل المياه لدقائق طويلة، وها هو يستفرض الآن بضحاياه دون أي منقذًا، تنحنح بخشونة وهو يمزق الصمت القاتل:
_تاني درس هيتضاف لأول كلماتي، ويعتبر الأهم هي نقاط الضعف.
تيقظت حواسهما معًا، وبدأ كلاهما يتابعان حديثه بتركيزٍ عالي، فاذا برحيم يخطو بينهما يتناسقٍ وخطواته المدروسة، ليستخرج قوته بحديثه الواثق:
_الحكمة المعتادة هو أنك لو وصلت أنك ميبقاش ليك نقاط ضعف تبقى بقيت هيرو، بس بالنسبالي أنا والمعتاد عني إني مبحترمش أي قانون متداول بين الكل.
ووقف الآن قبالتهما ينطق بصلابة:
_الحكمة مزيفة وعمرها ما هتكون حقيقة، لاننا بشر وأي إنسان عايش على الأرض مش هيكتفي يعيش ويموت لوحده، آدم عليه السلام منزلش الارض لوحده، كانت معاه حواء، لذا الوحدة عمرها ما هتحميك من نقاط الضعف اللي ممكن يستغلها عدوك.
واضاف بعقلانية جذبت اعجاب ياسين:
_لو هنفترض أن وجود علاقة حب في حياتك خلقت ليك نقطة ضعف، ففي أساسًا قبلها ألف نقطة ضعف، سواء والدتك و أبوك واخواتك وكل فرد في عيلتك، فالحل أنك تكون جدير بحماية كل نقاط ضعفك الموجودة بالفعل في حياتك، ولما تحس انك قادر تحمي نقطة ضعف جديدة هتدخل حياتك زوجة باولاد يبقى تفكر بالخيار ده.
واستطرد وعينيه تسلط على ابنه تلك المرةٍ:
_الظابط الناجح مُحارب من المجرمين أكتر شيء، فلو واحد فيهم نجح يلوي دراعه بنقطة ضعف ليه هيجي ألف واحد من وراه يقلده، ولو فشل واحد منهم في مرة إنه يأذي نقطة ضعفه هيجي اللي بعده وهيأذيها فعلا، فالحل أنك مش تسايس عشان تسترد نقطة ضعفك لا تكسر دراعه وتسترده قدام عنيه قبل ما تصفهاله عشان يبقى عبرة للي بعده، ولما يفكر يحاربك يحاربك وإنت بطولك من غير ما يسحب وراك نقاط ضعفك واحد ورا التاني..
واستأتف وهو يسأل من يتأمله ليرسل باطن رسائله:
_كلامي مفهوم؟
أشار زين برأسه بابتسامة غامضة، جددت معها فتيل الماضي، وقد استشف ياسين بوجود خطب ما بينهما تعاهد أن يستكشفه من رفيقه.
انتهى الحوار الدائر بينهما، وإذا به يشير لابنه قائلًا:
_موبيلك عليه موقع الجوكر، هو بانتظارك.
عبث بعدم فهم، وتطلع صوب رفيقه:
_وياسين؟
اجابه وهو يشمل الاخر بابتسامة مرعبة:
_هبدأ معاه تدريبات النهاردة، وبكره دورك جاي!
ابتلع زين ريقه بارتعاب، فاذا به يضم ياسين بقوة، ويهمس له بحزن مضحك:
_كان على عيني أفارقك يا جارحي، أنا قلبي بيتهري وهيتمزق تمزيق عشانك.
شيعه بنظرة ساخرة، وهمس لها برجاء:
_كتر الشاش وأنت جاي، واشتريلنا لوح تلج، أنا مش متفائل بعد الضحكة دي يالا!
ربت على كتفه وقال بشماتة:
_وأخيرًا شوفتك خايف! متخافش يا قلب الشريك هجبلك الفريزر كله وأنا راجع، متنساش الشهادة قبل ما تدخل، عسى أن تنال الشهادة في تلك المعركة، سلام يا شريك!!
******
مر من جوار المسبح يراقب العداد الصغير الذي يحمله، يتابعه بدقةٍ عالية، ثم ردد للجهاز الذي يحمله:
_اتنفسي عادي يا مرين، نفذي تعليماتي بهدوء وحاولي تصمدي أكبر مدة ممكنة.
شعرت بأنها ستختنق، ولكن كلمات أبيها المحمسة أعادت تلقينها لما قاله لها بالمرات الثلاثة الماضية، فاذا بها تحصل على بضعه دقائق أخرى أسفل المياه قبل أن تصعد لسطح المياه، تنتزع قناعها وهي تسحب نفسًا طويلًا، تحاول فيه استرداد أنفاسها الطبيعية، ورددت بتقطع:
_أيه رأيك يا بابي؟
جلس جوارها على طرف المسبح، يبعد خصلاتها المنزلقة على زرقاواتها بحبٍ:
_عظيم جدًا يا حبيبة بابي، ولعلمك أربع دقايق كمان وهتجيبي المدة بتاعتي.
ارتسمت ابتسامة محمسة على وجهها، وقالت بتحديٍ:
_بعد تدريباتك ليا هعملها أكيد بإذن الله.
ارتسمت ابتسامة جذابة على وجهه، وقال:
_أن شاء الله يا حبيبتي.
رفعت ساقيها من المياه واستدارت صوبه تخبره ضاحكة:
_ينفع اقولك حاجة؟
أشار لها بابتسامته الهادئة:
_قولي حاجات مش حاجة واحدة.
كبتت ضحكاتها وفاهت:
_أنكل رحيم إمبارح قالي إنك أعظم وأحن راجل في الدنيا، مش هتصدقني صح؟
اتسعت ضحكته بشكل مسموع، ورد عليها:
_لا مصدقك، أنكل رحيم يا حبيبتي عنده انفصام في الشخصية، بس في كلتا الحالات حتة الأنا عنده عالية أوي أوي، بس هبص على الجانب الايجابي إنه على الاقل شايفني كده بينه وبين نفسه.
قالت بصوتها الرقيق:
_قال الحقيقة أنت أفضل وأحن أب في الدنيا كلها يا بابي.
ضمها إليه بمحبة غالية، مرين نسخة متطايقة منه، نفس الملامح، المهارات القتالية، كل شيء يمتلكه انتقل منه إليها، الا عنادها الذي اتخذته عن أمها.
مسد على ظهرها بكل حنان، وأبعدها يخبرها بحنان:
_وإنتِ أفضل واشطر ظابط دربته.
وتابع وهو يشير لها:
_يلا يا حبيبتي اطلعي غيري وارتاحي شوية، هشوف زين وبعد كده هجيلك.
هزت رأسها في طاعةٍ وغادرت على الفور، بينما نهض يستقبل زين، الذي ما أن رآه حتى ردد بنفور:
_المرة اللي فاتت علمتنا ازاي أشقط مزة المرادي الليلة مودينا على فين يا حمايا العزيز؟
****
ضغط بأسنانه على المقبض الموضوع بفمه وهو يتحمل ضغط الألم الذي سرى بعروقه من تلك الأبرة التي دسها رحيم إليه، وقد حرص أن تمضي أول دقائق حتى تبدأ مفعولها بالعمل، فاذا بياسين يجاهد لفتح عينيه التي تدور به في حلقاتٍ متسلسلة، مال رحيم إليه يسأله بخشونة حازمة:
_إسمك أيه؟
جاهد لتحريك شفتيه، وهو يختبر ذاك الألم القاتل، فنطق باسم الشخصية التي لاقناها إياه رحيم قبل أن يدس المحقن:
_أحمد.
صاحت الأجهزة من حوله بأن اجابته كاذبة، وتلقائيًا نبعت منها إشارات طعنت جسده بألمٍ جعلته يتأوه بوجعٍ، فصاح رحيم غاضبًا:
_صدق كل حرف بتقوله عشان الجهاز يصدقك قبل ما اللي حوليك يصدقك!
وتابع وهو يتطلع له بنظرة حازمة:
_ركز مهما كان حجم الألم اللي بتعاني منه، غلطة بسيطة قادرة تضيع تعبك ومجهودك كله، والنهاية مش هتكون فرصة تانية زي اللي بدهالك دلوقتي، نهايتك هتكون الموت يا سيادة الرائد.
ونصب عوده بكبرياء بينما يعيد سؤاله بقوةٍ:
_اسمك أيــــــه؟
تطبق ياسين كل حرف تفوه به، فأغلق عينيه بقوة واستمد نفسًا طويلًا ثم رد:
_أحمد عبد التواب.
راحت الاشارة تعلن صدقه، فانبلجت ابتسامة ثقة على وجه رحيم، ومضى بسؤاله القادم:
_بتشتغل أيه؟
حافظ على ثباته بحرفية نالت اعجاب الاسطورة الذي قلما ما يثير اعجابه شيئًا:
_مهندس بيترول.
عاد الجهاز بنير بصدقه، فاتسعت ابتسامته ومضى بسؤالٍ آخر:
_بتشتغل بالجهاز؟
استدعى كل نقطة تركيز لديه، وهو يجيب بثقة:
_لا.
الاشارة تصدق حديثه للمرة الثالثة، فتنهد رحيم وقال:
_براڤو يا بطل.
واسترسل وهو يحرره من الرباط:
_ده أحدث جهاز لكشف الكدب، تخطيك ليه هيخليك تتخطى أي جهاز مهما كان نوعه!
*****
تآوه زين ألمًا وهو يعافر الوجع والحرارة القاتلة التي تسربت لأنحاء جسده، فجلس يعافر على المقعد الذي قيد به، يتابع عمه وهو يعيد ترتيب الآبر بحقيبته ويغلقها، فناداه بألمٍ:
_إنت عملت فيا أيه؟
ضحك وهو يجيبه باستهزاء:
_أبوك مصمم أني أنا اللي أدربك أهم تدريب للاسف، شكله عايزني أتأكد من نزاهتك واخلاصك لمارال قبل ما أسلمهالك!
وترك ما بيده وأنطلق يقف قبالته، يناديه بجدية تامة:
_زين.
حاول فتح عينيه وهو يزدرد حلقه الجاف بصعوبة، فقال مراد بنبرة جادة للغاية:
_لما بنخرج لمهمات دولية بنتعرض لكل شيء ممكن يخطر في بالك، واهمهم العنصر النسائي، بيحاولوا يسيطروا بيه عليك عشان يستدرجوك، وللاسف ناس كتير بتضعف وبتكون دي البداية لوقوعهم.
وأضاف بحزن وضيق لما يفترض به فعله:
_سامحني أنا مضطر أعلمك أزاي تكون قادر تسيطر على مشاعرك تجاه أي واحدة ست.
وأضاف وهو يبتعد ويطالبه بالاشارة:
_جاهز؟
قطب جبينه ساخرًا:
_لايه بالظبط؟؟!!!
تغاضى عن مزحه الذي لم يكن بمحله بالمرة، وصاح بصوتٍ جهوري يفصله عن علاقته به:
_جاهز يا سيادة الرائد؟
أجاب بخشونة وطاعة:
_جاهز يا فندم.
أشار مراد لأحد من العساكر الخاصة به، فقدم له إبرة آخرى، حقنه بها مراد وهو يردد:
_هتشوف هلاوس لو اندرجت وراها تبقى وقعت في الاختبار وفشلت، لو فوقت نفسك من الوهم ده تبقى قادر تجتاز أي ست تتعرض ليك وإنت في وضعك ده.
ابتعد صوته كمهب الرياح، وإذا به لا يرى سوى النساء وفقط، بينما لجواره مراد يحاول مساعدته قائلًا:
_مشاعرك جوه صندوق إقفل عليه بمفتاح وأوعى تفتحه.
وتابع وهو يراقب كل ما يبدو على وجهه:
_أتعلم ازاي تسيطر على عواطفك، أنت بتغامر ببلدك، مهمتك أهم من أي مشاعر ممكن تنجرف لاي ست.
واضاف بشيء زلزل كيانه:
_وقبل بلدك في دينك اللي بيمنعك من القرف ده.
وبصرامة ناداه:
_زيــــــن!
أبصر عن زيتونيته يجيبه بحزمٍ وتركيزًا أبهر الجوكر الذي تنهد في راحةٍ:
_فايق يا فندم!
*****
استند ياسين على السلم المعدني بتعبٍ شديد، كل عظمة بجسده تصرخ من شدة الوجع الذي تلقاه بهذا الاختبار الذي فاق توقعاته، عافر كثيرًا ليستقيم بشموخٍ أمام العساكر، حتى وصل للطابق المخصص به، فمال على الطاولة الموضوع بين الغرف بتعبٍ شديد.
_ياسين!
صوتها تخلل له من خلفه، ومن بعده هرولة خطواتها إليه، تقف على بعد منه، وعينيها تتوسعان بذهولٍ من رؤية وجهه بهذا الاجهاد، فاذا بها تتساءل بلهفةٍ:
_إنت كويس؟!
ابتلع ريقه بتعبٍ، ونصب عوده بكبرياء:
_كويس.
وتركها ومضى ببطءٍ تجاه غرفته، فلم يأتي من قلبها أن تتركه، لحقت به على نفس الخطى المتوازنة، ورددت بارتباكٍ:
_أنت مش قادر تقف! زين فين يساعدك؟
وقف محله يستدير صوبها، ويأمرها بلطفٍ:
_اطلعي أوضتك يا مرين، ميصحش حد يشوفك في الطابق ده.
احتدت عينيها غضبًا وقالت:
_أنا قلقانه عليك وإنت اللي شاغلك حد يشوفك معايا!!
ضحك رغمًا عنه وقال ساخرًا:
_أصلي بخاف على سمعتي! مش المفروض أن الخوف ده عليكي إنتِ مثلًا.
ابتلعت ريقها بتوتر، ورددت بهمس هادئ:
_طيب إنت كويس بجد؟
ابتسم وجاذبيته تطل ببراعة، رغم اجهاده الشديد:
_هو مش أوي بس ماشي الحال.
هزت رأسها بخفة، وسألته باسترابة:
_رحيم زيدان؟
هز رأسه بنفس حركتها، فاتسعت ضحكتها وقالت:
_عشان كده زين هرب عند بابي؟
اعترض حديثها ضاحكًا:
_مفيش هروب للاسف، هنا أو هناك مفيش حد فينا نفد!
وطالبها مجددًا بلطف:
_ممكن تطلعي بقى.
أشارت له وغادرت على الفور، وما كاد أن يستدير ليغادر حتى تلقى رسالة زين
«رابع عربية بعد تاني ركنة، إلحقني قبل ما أتفضح وسط العساكر والهيبة تضيع، وعلى فكرة اكتشف اكتشاف خطير مفيش فرق بين الجوكر والاسطورة الاتنين نباشين قبور يا شريك!!»
....... يتبع....
#المقدمات_الافتتاحية_لاشباح_المخابرات..
#الاقـــــوى_قــــــــادم.
#كــــــــــــلام_مهــــــــم_جـــــدًا.
بتمتى تقروا الكلام ده.
أولًا كده النوڤيلا خاصة بتدريبات زين، ياسين، مرين والرواية نفسها خاصة بعيلة التميمي، يعني يا بنات ابطال الرواية الاساسية لسه مظهروش ارجو أننا نتفهم ده، وطبعا زين وياسين ومربن ومارال وبعض الشخصيات هيكملوا معانا بالرواية عادي، بس تكونوا فاهمين مستواهم واصل لفين ✅
ثانيًا
رواية اشباح اول فصل منها هينزل بثالث أيام عيد الفطر إن شاء الله والفترة اللي قبلها دي كلها هنستمر بالنوڤيلا الافتتاحية عـــــادي ✅
ثالثًا
في رواية لليل العربي، والله له رواية يا جدعان احلف كام مرة عشان تصدقوا، بس هتنزل بعد الليلة الكبيرة دي كلها من حفلة الروايات المنتظرة، فمينفعش احرقلكم سر كره للستات وماضيه دلوقتي، لما نوصل لروايته هنكتئب معاه حاضر، وحقيقي معرفش البنات بتحب فيه ايه، اول مرة بطل سيكو يظهر ويجذب القلوب من اول مشهد ومن غير ما ينطق ولا حرف!! الله المستعاااان ✅
رابعًا.
رواية أبناء الخُضري (جُبران وما كنت للحب الا جابرًا) رواية حوارها عامي وكاملة متقلقوش ملهاش أجزاء، ونوعها اجتماعي، رومانسي، كوميدي، اكشن، اثارة فيها كل حاجة
أخواتي وأحبائي في الله 🙂
_أبناء الخُضري ملهاش أجــــــــزااااء الروايـــــــــــــة كاملـــــة، لا اعلم ماذا أفعل حتى تصدقون انها كاملة 🤦🏻♀️🙂
_الرواية كبيييرة وده دليل قاطع على كلامي 🤷🏼♀️
_الرواية اجتماعي، رومانسي، كوميدي، أكشن، غموض، إثارة كوكتيل فاخر 🔥
_في خصم عليها 50في المية لحد أيام المعرض فألحق واطلبها دلوقتي ✅ والخصم خاص بالمعرض وبالاون لاين كمان
_احجز دلوقتي عشان تضمن إنك تشتريها بالخصم، وهتوصلك طول ايام المعرض لان الرواية حصري 🔥
رقم الواتساب عشان لو اتهورت ودخلت تطلبها 😂 👇🏻
01121530961
طيب لو نزلتوا المعرض هتلاقوها في صالة2،جناح C34 مع دار مدينة الادباء
وأنا ان شاء الله نازلة ليكم السنادي يومين
اليوم الأول الجمعه 23 يناير.
اليوم التاني الجمعه30يناير
لتوقيع اعمالي الورقية كلها
(مزرعة بني يعقوب، غارثا، طالوس، مافيا الحي الشعبي، سلسلة صرخات أنثى بشكلها الجديد ❤)
طيب وعشان في ناس بتطنش اقتباس جبران جبتلكم هنا اقتباسين وبتمنى تهتموا وتقروهم، جايز الرواية تعجبكم وتطلبوها على رقم واتساب 01121530961❤
الاقتباس الاول
اجتمعوا جميعًا على طاولة الطعام، الصمت يستحوذ على وجوههم، حتى مزقه هو ملقيًا قنبلة مؤقتة بمنتصف السفرة:
_أنا عاوز يصاحب منة ويخرج معاها.
بصق "جُبران" المياه التي كان يتجرعها، بينما جحظت عيني والدته بحدةٍ وغضب وصدمة، حتى "سُليمان الخُضري" فقد القدرة على الحديث أو حتى النطق، وزع "جُبران" نظراته بين والدته وأبيه الذي يكاد أن يصاب بأزمة صحية، وأسرع يهتف:
_مبتتقالش كده يا حبيب قلب أخوك.
كسرت صمتها المخيف، وصاحت وهي تتطلع لزوجها بغضبٍ:
_عجبك كده، أخلاقك الفاسدة بوظت تربية الواد.
ترك الخبز من يديه، وردد مستنكرًا تهمتها:
_ أنا مستلمه من تركيا كده، وبعدين هو جايلي متربي أصلًا.
تنحنح "جُبران" ومال صوب أخيه الأجنبي يهمس له :
_نط من المركب وسيبها تغرق بيهم.
زوى عينيه الزرقاوان بحيرةٍ، وأعاد خصلات شعره الكستنائي المائل إلى الأحمر للخلف متسائلًا:
_What do you mean?
تلقفه من تلباب سترته الثقيلة، ودفعه لباب المنزل، يهرعان على الدرج وهو يصيح فيه:
_الـ mean بتاعي عما يوصلك هيكون الدور جيه علينا، فوق وشغل مخك الأجنبي معايا!
#أبنـاء_الخضـــــري... 🔥
#جُبــــــــــران_وما_كُنت_للحب_الا_جابـــرًا ❤ للطلب واتساب على رقم 01121530961
وجاء على ظهر الغلاف👇🏻
جبران
وما كنتَ لي إلا جابرًا.
في قلبي ساكنًا.
وإلى فؤادي وغرامي بلسمًا.
ولروحي موطنًا.
وما كان لي دونك بقاءٌ ولا مقامٌ.
إذا زارني طيفك في حُلمي ما رأيتك إلا سيدًا، مثلما عاهدتك شامخًا.
لا ينكسر أنفك ولن ينحني.
ولم تكن يومًا مُتجبرًا، بل لحروف اسمك تنتمي
جبرًا واشتقّ منه جُبران!
#أبنــــــــــاء_الخُضـــــــــــــري... #جُبران_وما_كُنت_للحبٌ_الا_جابـــــــــــرًا.
للطلب واتساب 01121530961
#مدينة_الادباء
#صالة2_جناحC34
للطلب اون لاين على موقع
👉 https://cityofwriters.store/en
💫 أو عن طريق الواتساب (الرقم ده بس):
📱 +201121530961
💫اوعلى صفحة الدار:
https://www.facebook.com/share/17CJhTPuPA/
📍 ولو حابب تشرفنا في المعرض:
معرض القاهرة الدولي للكتاب
صالة 2 – جناح C34
#مدينة_الأدباء_للنشر_والتوزيعاجتمعوا جميعًا على طاولة الطعام، الصمت يستحوذ على وجوههم، حتى مزقه هو ملقيًا قنبلة مؤقتة بمنتصف السفرة:
_أنا عاوز يصاحب منة ويخرج معاها.
بصق "جُبران" المياه التي كان يتجرعها، بينما جحظت عيني والدته بحدةٍ وغضب وصدمة، حتى "سُليمان الخُضري" فقد القدرة على الحديث أو حتى النطق، وزع "جُبران" نظراته بين والدته وأبيه الذي يكاد أن يصاب بأزمة صحية، وأسرع يهتف:
_مبتتقالش كده يا حبيب قلب أخوك.
كسرت صمتها المخيف، وصاحت وهي تتطلع لزوجها بغضبٍ:
_عجبك كده، أخلاقك الفاسدة بوظت تربية الواد.
ترك الخبز من يديه، وردد مستنكرًا تهمتها:
_ أنا مستلمه من تركيا كده، وبعدين هو جايلي متربي أصلًا.
تنحنح "جُبران" ومال صوب أخيه الأجنبي يهمس له :
_نط من المركب وسيبها تغرق بيهم.
زوى عينيه الزرقاوان بحيرةٍ، وأعاد خصلات شعره الكستنائي المائل إلى الأحمر للخلف متسائلًا:
_What do you mean?
تلقفه من تلباب سترته الثقيلة، ودفعه لباب المنزل، يهرعان على الدرج وهو يصيح فيه:
_الـ mean بتاعي عما يوصلك هيكون الدور جيه علينا، فوق وشغل مخك الأجنبي معايا!
**
الاقتباس التاني 🔥
_ليه أنا؟
شرد بسواد عينيها الحالك، دقيقة والاخرى حتى أفاق من سحرهما، وهو يهمس لها بصوتٍ كان مغريًا رغمًا عن أنفه:
_لو ربنا كتبلك إنك تكوني حلالي هرد على سؤالك ده بالتفصيل، عشان لا أشيل ذنب ولا أشيلك معايا.
سحبت بصرها للأرض خجلًا، وقد ازدادت رجفتها، ابتسم وهو يراقبها بحبٍ، فأبى أن يترك عقلها هائمًا في ملكوته، فردد بغموضٍ:
_بس اللي أقدر أقولهولك إني طول عمري حاسس أن حياتي مكتملة ومش ناقصها حاجة.
عادت تتطلع اليه باهتمامٍ مجددًا، فتابع بجدية:
_عارف إن أي شاب في سني على وشك إنه يكمل التلاتين المفروض يفكر في الجواز واختيار شريكة حياته، بس أنا ولا مرة فكرت في الحوار كله من الاساس، مكنش عندي النية إني يكونلي بيت وأسرة، وكنت بستغرب هو الانسان بيأخد القرار ده إزاي؟!
وابتسم وعينيه تعانق عينيها بعناقٍ اسطوري:
_لحد ما مؤخرًا بقيت بفكر فيكِ، وده مكنش راضيني، إني أغضب ربنا بعد السنين دي كلها حاجة مستبعدة بالنسبالي، عشان كده لاقيت نفسي بفكر في البيت والأسرة والرخصة اللي بملكها، وهي إنك تكوني زوجة ليا وحلالي!!!!
ط
تمدد على الفراش بتعبٍ شديد، يستدير تجاه رفيقه الذي مازال يعاني حتى تلك اللحظة، ويخفي وجعه وهو يدير عنه وجهه، فمال "ياسين" جانبًا في مواجهته، وناداه بقلقٍ:
_زين إنت كويس؟
تحكم بكل تآوهات ألمه، ورد:
_يعني مش متأكد أوي بس الحمد لله.
وأضاف وهو يكبت ضحكاته بصعوبة:
_أنا مش خايف غير عليك إنت من الاختبار اللي واجهته النهاردة، وخصوصًا بوجود مرين جنبك هنا!
زوى حاجبيه بعدم فهم:
_ليه؟
واسترسل بفضولٍ:
_الجوكر كان بيدربك على إيه بالظبط؟
تحررت ضحكة صادرة عنه، وفاه يشاكسه:
_لا إنت بتحب عنصر المفاجأة، فخليك متحمس لبكره، ربنا معاك يا شريك، لو قدرت أقوم أقيم الليل النهاردة هدعيلك بالستر قدام القادة كلهم بكره.
لوى شفتيه بنزقٍ، ونهض يتمتم:
_بتبالغ إنت!
وولج لحمام غرفتهما يتوضأ، وحينما خرج قال مبتسمًا:
_هعمل أنا الواجب معاكي النهاردة وهدعيلك أنا في القيام، لإني حاسس إنك مش هتقدري تصلي معايا النهاردة.
رد عليه وهو يحاول أن يغلق مُقلتيه:
_هتحرم من صوتك الدافي في القراية، بس لو ممكن ترفع صوتك وإنت بتصلي عايز أنام أسرع.
ضحك بصوته الرجولي وقال يمازحه:
_هبقى أسجلك فويسات بصوتي في القرآن تنام عليها بعد الجواز عنيا ليك يا شريك.
تمتم ومازالت زيتونته مُغلقة:
_يا ريت تعملها، أنا مبتكسفش من حاجة بتريحني وبحبها، ثم إنك بتغني مثلًا ده يا بختي بسماع صوتك الدافي ده في كل صلاة يا جارحي!
ربت على ذراعه بحنانٍ، وسحب الغطاء من فوقه، ثم ٱتجه لركنهما المخصص كل يوم لصلاة القيام وباقي الفروض، أدى "ياسين" صلاته وقد رفع من صوته وهو يرتل السور الطويلة، مثلما أراد صديقه، وما أن انتهى من صلاته حتى جلس على سجادته يسبح الله ويقرأ بعض الاذكار، فاذا بهاتفه يصيح رنينه باسم والده، ابتلع "ياسين" ريقه بارتباكٍ وجاهد لحجب توتره، وأجاب مبتسمًا:
_وأخيرًا افتكرت إن ليك ابن! وحشني يا وحش وليا عندك أكتر من عتاب.
أتاه صوته المبتسم بوقار:
_أنا عمري ما أنساك يا حبيبي، سامحني كان عندي كذة حاجة في الداخلية سحلاني، وبعدين أنا عارف إنك لما بتكون في حضرة ياسين باشا الجارحي بتفارق الدنيا من وراك حتى أبوك!
رد عليه متلهفًا:
_مفيش شيء في الدنيا كلها يغنيني عنك وعن جدي يا بابا، انتوا الاتنين كمالة حياتي، من فضلك متقولش كده تاني عشان هزعل بجد.
اتسعت ابتسامته بحنان ليته يراه، وقال:
_عارف يا ياسين، بس بحب أشدك بالكلام، أهو أحسن ألف مرة من رغبتك إني أشدك للحلبة.
قالها وتعالت ضحكاته، فشاركه "ياسين" الضحك، حتى سأله عدي بضيق:
_هترجعوا إمته بقى، أنت وحشتني أوي إنت وياسين باشا اللي مش بيرد على مكالماتي! مبيعملهاش معايا الا لما تكون سيادتك اللي معاه،كأنه مستكتر فيا دقيقتين، تفتكر إني لازم أغير من عمق العلاقة بينكم ولا إيه؟
أجابه بمكرٍ:
_لا يا باشا أبدًا، المفروض تفرح إن اللي واخد قلب الباشا هو حتة من قلبك بردو، مش كده ولا إيه يا عدي باشا؟
تحررت ضحكاته الرجولية، بشكلٍ جعل "ياسين" مبتسمًا، وهتف باعجابٍ:
_والله ما حد باشا غير إنت،المهم قبل ما أنسى إبقى كلم رحمة أختك زعلانه إنك مش بتسأل عليها، وأنا سبق ونبهتك يا ياسين مهما تبعد متنفصلش عن أختك بالشكل ده، إنت عارف إنها متعلقة بيك إنتوا تؤام وروح واحدة يا حبيبي.
رد بنبرته الحنونة وشعور الذنب يقتله:
_والله اتلبخت خالص في التمارين وآ...
قطع حديثه سريعًا بصدمة، وقد لقطها الاخير بذكاء:
_تمارين إيــــــه يا ياسين؟؟
تحجر ريقه كأنه ابتلع صخرة داخل فمه، وأسرع يصحح بثبات:
_الخيل يا وحش مالك!
تنهد بهدوءٍ وهمهم، فاستكمل "ياسين" ليشتت تفكيره:
_بس مهما انشغلت رحمة وعمر عمري ما انشغل عنهم، طمني عمر عامل إيه؟
رد بحب شديد تجاه ابنه الاخر:
_طالع الاول على الدفعة بتقدير ممتاز.
اتسعت ابتسامته فرحة:
_ما شاء الله تبارك الله، أكيد أنكل عمر طاير بيه.
ضحك ومازحه:
_أكيد ده مستني اليوم ده من زمان عشان يضمه للمستشفى بتاعته، ده متفق معاه ومن هو في كيجي وان إنه دكتور عيون مفهاش كلام!
شاركه الضحك وهتف بفخرٍ:
_وعمر حقق حلمه وحلم عمي، وهيرفع رأسه ورأسنا كلنا، بكره تقول ياسين قالها.
تنهد "عدي" بمحبة وامتنان وقال:
_انت وهو بيترفع بيكم الراس يا حبيبي، يلا اقفل وبكره حاول تميل دماغ الباشا يرد على مكالماتي ولا لازم أكون يحيى الجارحي أو حد من أحفاده عشان يرد!
سقط من الضحك، وقال يسترضيه:
_عنيا حاضر، تصبح على خير يا حبيبي.
وأغلق "ياسين" الهاتف وهو يلتقط نفسًا مسموعًا، بينما يتردد على مسمعه صوت "زين" المتعب:
_بجدد حبي وعشقي للراجل أبوك المحترم ده!
وأضاف وهو يحاول أن يشرئِبَّ بعنقه إليه:
_ تصدق إنك متستهلوش، لإنك كداب وخبيث يا جارحي، يا جدع ناقصك السبحه وانت كده كده قاعد على سجادة الصلاة يعني لا هتلف ولا هتحتار.
نهض يجذب سجادته يطويها وهو يسلط عسليته عليه، هاتفًا بتهكمٍ:
_إنت لسه صاحي؟ شكلك متدشمل بحق وحقيقي!
ابتسم ساخرًا وبشماتة قال:
_بكره هبقى أسالك نفس الاسئلة السمجة دي.
مضى "ياسين" صوب فراشه، فجلس يطالعه بابتسامة ماكرة، ثم ناداه برفقٍ:
_زين!
عبث الاخير بشكٍ:
_إيه الصوت الرقيق الملائكي ده، يبقى عايز تنبش في الاسرار، يا خسارة يا ياسين بقيت نباش قبور زيهم!!
تغاضى عن مزحه الساخر، وسأله بجدية:
_إيه اللي ورا مضمون كلام الاسطورة في درس امبارح عن نقاط الضعف، كان في رسايل غامضة بينكم بتحصل بمنتهى الخبث في وجودي!
اتسعت ابتسامة اعجابه بشخصيته، واستدار عن منامته ببطءٍ، حتى قابل نظراته، يخبره بضجر:
_ذكي وكنت عارف إنك هتلقطها.
ربع ساقيه وجذب الوسادة يستند عليها بحماسٍ ينتابه بأي شيء يخص الاسطورة:
_احكي.
هز رأسه باستسلام مضحك:
_بعد كل اللي عمله فيك ولسه عندك نفس الحماس تسمع حكاياته؟
رد بتلقائية كادت أن تبيد الاخير:
_أي شيء عمله وهيعمله بيصب في مصلحتي، أكيد يعني رحيم زيدان مش جايبني وجايبك هنا عشان يعذب فينا، رحيم زيدان بيقدملنا اختصار رحلة عمره كلها على طبق من دهب، وإن اختار يعمل ده بالتوقيت ده بالذات فده بيدل على حبه الكبير لينا احنا التلاتة.
وأضاف بعقلانية لطالما التحف بها:
_هو نفسه قال إنه مبيحبش يدرب حد، وبعدين متنساش منصبه مش سهل وحتى لو في الظاهر واخد اجازة بس بيشتغل بردو طول النهار، وبليل بيخصصلنا وقته بدل ما يرتاح في أوضته الكام ساعة دول.
وناداه بحزمٍ جعل الاخير يبتسم:
_زين، رحيم زيدان شخص عظيم للي يفهمه صح.
ابتسم وقد ظن "ياسين" أنه سيقلب الأمر للمرح بينهما كالمعتاد، ولكنه اندهش حينما قال بكل تأكيد:
_عظيم بشكل مخليني حاطه تارجت أساسي قدامي، بتمنى في يوم أكون زيه.
ضيق عسليته مستنكرًا قوله، فاحتمل "زين" على أوجاع جسده ونهض به ليستند على الوسادة من خلفه ثم قال:
_رحيم زيدان كل كلمة قالها كان بيعمل بيها، طول عمره حامي العيلة من كل شر، لذا مفيش أي كلب يجرأ أنه يحط عينه علينا، آخر واحد عمل كده خلاه عبرة لمن لا يعتبر.
وتابع بابتسامته الماكرة:
_عايز أقولك إني كنت الضحية، وعقلي الصغير مكنش قادر يفسر كل اللي حصل، بس بعد ما شوفت وعيشت الحدث ده خرجت منه وأنا واثق إن رحيم زيدان أعظم وأذكى ظابط دخل الجهاز كله.
توسعت مُقلتي "ياسين" بسخريةٍ، وتساءل بصدمةٍ:
_مين اللي بيتكلم ده؟؟؟؟؟
ضحك بصوته الرجولي الجذاب وقال:
_زين زيدان، صدقني ليا نظرتين في رحيم زيدان والاتنين متفقين إنه قائد عظيم، والشخص التاني بيخاف من جنونه بالشغل ومتعشم بس إنه ينجو بعمره عشان يتجوز معشوقة طفولته.
واستكمل ساخرًا:
_أنا بعد الايام عشان تبقى مراتي يا جارحي!
تغاضى عن مزحته واستهدفه لباقي التحقيق بذكاء:
_فكك من سهوكة العشق اللي مش لايقة ليك دي، وقولي تقصد إيه بكلامك الأولاني، وإيه اللي حصل بالظبط؟
هز رأسه باستسلامٍ، وتمتم:
_التفاصيل مش بتفوتك، يا ساتر عليك يا أخي!
صاح بغضبٍ:
_انجز كلها كام ساعة والاسطورة هيدخل يشدنا ويا ريت تبطل غباء وتشيل سلاحك من تحت المخدة بدل ما يعورك بيه يا خفيف، وتبقى شهيد سريره الذي تلقى رصاصة من مسدسه الخاص في محاولة بائسة للانتحار!
لوى شفتيه بتهكمٍ:
_حتى دي لاقطها إنت مخاوي يا أخي؟
اشار "ياسين" على ذاته بغرور:
_أخد اللقب عن جدارة، أنا شبح من ضمن فريق أشباح المخابرات، ولا أنت فاكر أنك الوحيد اللي بتعرف تختفي وتظهر بسرعة الريح!
واستطرد باهتمامٍ وجدية:
_كمل كلامك عشان نلحق نريح ساعتين.
تنهد وهو يخبره:
_وأنا عندي 13 سنة، وسيادتك على ما أعتقد كنت بتقضي أجازة الصيف بايطاليا مع ياسين باشا، كنت أنا بقضي الاجازة بردو بس مع عصابة أورجينال.
جحظت عيني "ياسين" بدهشة، بينما يستطرد "زين" ضاحكًا:
_أخدوني تلات أيام فسحة في الادغال، شوفت فيهم كافة انواع الاسلحة والقنابل، وكل الاجرام اللي قلبك يحبه، بس شهادة لله أنا كنت ثابت قدامهم وغير مهزوز بالمرة، كنت بحاول اعملهم رهاب من ابن الاسطورة اللي هو المفروض هيكون خليفة ليه، بس من جوايا كنت عامل زي الفرخة اللي بتستعد للدبح في أي وقت، لذا منعت الاكل منعًا باتًا.
واسترسل يمازحه:
_بيغذوني عشان وقت الدبح أكون سمين ودسم ولاد الصايعة!
خرج "ياسين" عن صمته بضيق:
_زين إنت بتتكلم جد؟
أكد بابتسامة لا تليق لهذا الموقف:
_وأنا هكدب عليك ليه، ده اللي حصل صدقني، كان بيساومه على إنه يحرر مجرم خطير، اعتقد إنه القائد بتاعهم،وكنت سامع كمان كل مكالمات تهديداتهم لبابا، وبعد ما بيقفلوا معاه كانوا متفقين إنه حتى لو رضخ ليهم هيقتلونا أنا وهو، يعني في كلتا الحالتين هنموت، كان نفسي أكلمه بأي طريقة وأقوله متجيش ولا تعمل اللي عايزينه، انا كده كده ميت فأموت لوحدي وهو ميتأذيش بس اللي عمله صدمهم وصدمني أنا شخصيًا ويمكن من اللحظة دي أخدت قرار إني أنضم للجهاز عن قناعة، وأحس اني عايز أكون زيه بالرغم من إن مراد زيدان اللي مربيني بنسبة 60 في المية، تقدر تقول إني كوكتيل مشكل بينهم.
وأستأنف ولمحة الحزن تجوب عينيه:
_انا عمري ما أنسى تفاصيل اليوم ده أبدًا، لان في اليوم ده بابا فقد أعز صديق ليه، وبعد كده اتولى هو تربية قُدْس تربية كاملة، وبالرغم من إني بحط حدود بيني وبين أي بنت حتى من ولاد عمي، الا إني بعتبر قُدْس زي شجن بالظبط، وبخاف عليها في أي مهمة بنلجئ ليها بحكم شغلها، بس اللي بيهديني إنها بتحب ده وما شاء الله ذكية وقوية، على فكرة أنا دايما بهزر وأقول إني بخاف على مارال منها بس بالعكس أنا بسافر مهماتي وأنا مرتاح إن دوسة جنبها أقصد قُدْس!
وتنهد في وجعٍ ملموس:
_أنا مدين ليها ولوالدتها ريحانة بدين كبير صعب أرده، لأن حازم حارس بابا الشخصي فداني بروحه يا ياسين.
رمش "ياسين" بصدمة لما يستمع إليه، وتساءل:
_احكيلي حصل إيه يومها؟
غامت زيتونته لذكريات الماضي وبدأ يسرد له بالتفاصيل، حينما كان يلهو بأحد النوادي برفقة أبناء اعمامه، تحت حراسة مشددة من حرس "رحيم" الخاص، يتذكر كيف كان يسرع إلى شقيقته التي تحبو لتصل له، حملها وهو ينتزع البيبرون منها، وثبتها على الزُّحْلُوقَة، وهو يشجعها بحب وحنان، تاركًا "مرين" تتلقفها من الجهة الاخرى، وإذ فجأة يشعر بيد تحمل قطعة من القماش، تكمم فمه وأنفه، وفجأة غاب عنه كل شيءٍ، وفقد الوعي، وحينما عاد إليه، وجد ذاته بغرفة صغيرة عطنه، رائحتها تحمل القذارة والعفن، ونهايتها باب مسقف بالحديد البارز كأنه بإحدى المعتقلات!!
تملك منه الرعب رغم أن "رحيم زيدان" زرع فيه كل صفات الرجال البسلاء، ولكنه بالنهاية طفل صغير، تمكن منه الرعب فور أن انفتح الباب وولج له رجل قوي البنية، مرعب الملامح، يطالعه بغل وحقد، ابتلع ريقه بهلعٍ، ومع ذلك استحضر دروس أبيه وحاول ان يواجهه بجمود تام، جعل هذا الرجل ينحني بقامته إليه ويكبش خصلات شعره بين يديه، كبت"زين" وجعه وطالعه بجمودٍ، بينما يهمس الاخر بأنفاسه الكريهة:
_حظك الوسـ* إنك وارث شكله، هتشوف ايام سودة هنا ونهايتها هدبحك وبايديا وبسكينة تلمة.
تشجع رغم رعبه وقال:
_بابا مش هيسمحلك تعمل فيا كده.
احتقنت ملامح الرجل بشدة، وتهاوى على صدغه بصفعة من قوتها بصق "زين" الدماء، فأسرع احد رجاله ينبهه من غشمويته وثقل كفه:
_حسان إنت مجنون، ده الطعم الوحيد اللي هنستدرج بيه رحيم زيدان عشان يرضى يهرب ماجد، الواد مش حملك سيبه.
صرخ بحقد وهو يطالعه:
_محدش هينجده من ايدي لا هو ولا أبوه، هتك على الصبر لحد ما يحصل المراد وبعدها هدبحه قدام عينه وهخلص عليه بعديها، الكلب اللي اتسبب في موت رجالتي المخلصين كلهم. وقبض على أخويا.
واستكمل بجنون وكره شديد:
_بقالنا 8 سنين شغالين ومفيش مخلوق كشفنا، أنا ناري مش هتهدى الا لما أقطعه على أسناني.
وانسحب للخارج، ومازال "زين" مُلقى أرضًا، يضم وجنته النازفة والمتورمة بوجعٍ شديد، سمح لدموعه بالسقوط وبات يردد بثقةٍ:
_بابا مش هيخليه يلمسني، بابا هيجي أكيد!
مر عليه يومين، يُدفع إليه الطعام من تحت عُقب الباب كالمجرم المنزوي بأحد السجون، ولكنه لم يمتلك شهية لتناوله، ينتظر بكل صبر أن يأتي أباه يحطم ذلك الباب القوي وينقذه، وبتلك اللحظة انفتح الباب ولكن الزائر كان نفس الرجل المقيت المُلقب ب"حسان"، يندفع للداخل وبيده هاتف، ومقعد خشبي، وضعه وجلس من فوقه يطالعه بنظرة ناقمة، وحرر خشونته:
_عايز تكلم أبوك؟
هز رأسه بلهفةٍ، فابتسم بسمة شيطانية وقال:
_ابوك راجل مهم ومبيعبرش الارقام الغربية، بس أعتقد أن يومين مدة كافية تخليه يشمشم على أي مكالمة تجيله، هنشوف بردو حظك مع سيادة العقيد إيه؟
وبالفعل زر الاتصال به، ولم تمضِ الدقيقة الا وأجاب "رحيم" بثباتٍ قدر المستطاع، بينما يجيبه هذا الصوت الذي لم ينساه "زين" في حياته:
_كنت فاكر إنك هتترقى وهتحتفل من غير دفع الضريبة ولا إيه؟ خد بالك إني حذرتك أكتر من مرة وطلبت منك إنك تخرج فؤاد مقابل أي مبلغ مالي تطلبه، وبصراحه لما فكرت فيها لاقيت أن واحد زيك من عيلة زي عيلتك دي هيعمل إيه بالفلوس؟!
وأضاف وعينيه تلتهم "زين" المرتبك:
_إيه اللي هيخليك تهتم بكلامي غير ابنك ووريثك الوحيد! ده اللي هيجيبك مذلول.
تحرر صوت "رحيم" بعد فترة من الصمت، فاذا به يقلق ذاك القوي ويزعزع ثبات جلسته:
_ما جاش على وش الدنيا اللي يخليني أتذل ولا أنحني، أنت عداوتك معايا كانت عداوة شغل، ودلوقتي قلبتها عداوة خاصة بينك وبيني، وأنا قبلت أطلع قصادك على الحلبة بس خد بالك خسارتك يعني موتك!
واستأنف بقوة وشموخ:
_كل يوم قضاه وهيقضيه ابني عندك هيتقل ميزان حسابك معايا أوي، ويا ويلك لو ايدك القذرة دي لمسته أقسملك بالله لأقطعهالك وقدام عينك، ووعد رحيم زيدان سيف على رقبته.
ابتلع ريقه برعبٍ تسلل له رغمًا عنه، كان يظن أنه الجهة الاقوى ولكنه يخسر كل هيبته أمام الصغير وأمام رجاله، فحفظ ماء وجهه وصاح فيه:
_إنت مالكش تتآمر، تخرس خالص وتسمع كلامي والا هقتلك ابنك وانت معايا على التليفون حالا.
ببرود وثبات قاتل ردد:
_متقدرش تمس شعرة واحده من ابني، أنا وانت عارفين كويس أنك مش هتجازف وتخطفه عشان تقتله عندك، إنت عايز الكلب أخوك وأنا هجيبهولك، أهو فرصة تودعوا بعض وداع أخير.
واسترسل بجمود:
_هو كان عايش بالسجن إنت اللي زنيت على موته وموتك، وأنا معروف عني إني صاحب وعد، بوعدك إني ههربهولك في تابوت وهجيبلك معاه تابوت هدية على مقاسك.
تجاهل ما قال، وأراد أن يراه مهتز ولو قليل، فقال ساخرًا:
_هنشوف مين فينا الذكي يا ها اسطورة، وعشان تعرف إني صاحب واجب تحب تسمع صوت ابنك حبيبك وهو بيعيط، ده مقطع قلبي أنا والرجالة كل يوم وبيقول عايز اروح لماما، عايز بابا، صعب عليا اوي!
آراد أن يستفزه عاطفيًا بما لم يحدث من الاساس، فاذا بالاخر يفوه ساخرًا:
_إنت خطفت الولد الغلط ولا إيه يا حسان؟
واسترسل برسالة خبيثة لابنه الذي يثق كل الثقة أنه يستمع إليه:
_أنا ابني ممكن تشوفه بجسم طفل لكن بعقل وصفات راجل، ربيته وكلي فخر إنه ابني انا، ابن رحيم زيدان، اللي هيكمل في يوم مسيرتي وهينهي فيها على كل الكلاب اللي شبهك، أنا بشكرك على اللي عملته معاه، كنت محتار ومش عارف أبدأ معاه منين، فقدمتلنا البداية على طبق من دهب.
وأنهى حديثه بسيادته وشموخه:
_استنى مني مكالمة أقولك أمته وفين تستلم تابوت أخوك!
قالها وأغلق الهاتف بوجهه، تاركًا من خلفه في حاله من الجمود، فاذا باحد الرجال يتمتم بعدم تصديق:
_هو مش المفروض إحنا اللي نحدد المكان اللي هنقابله فيه يا باشا؟
وقال الآخر بصدمة:
_ده مهتمش حتى يسمع صوت ابنه!!!!!!
نصب "حسان" جسده الضخم عن المقعد، ودفعه بساقه وهو يهدر بعنفوان:
_مش هيشفعني فيه الا دمه ودم ابنه.
قالها وانطلق للخارج، ومن خلفه رجاله، وما أن تأكد "زين" من رحيلهما حتى مال على الأرض يهتف في راحه:
_بابا مش هيسمحلك تقربلي!
مضى يومين آخرين وقد تلقى "حسان" رسالة بالمكان المحدد للاستيلام، وقد أبدى تحذيراته بأي تلاعب سيكون رقبة ابنه هي الثمن ومع ذلك لم يلق أي رد فعل من رحيم، وهذا ما جعله يستشيط غيظًا، وها هو يسحب "زين" لاحدى الشاحنات بحوزة خمسة من أفضل رجاله، يقف قبالتهم ويخبرهم:
_أول ما نأمن خروج ماجد تخلصوا عليه وعلى أبوه سامعين؟
أشار له رجاله في طاعة، بينما توسعت مُقلتي "زين" في ذعر ورعب، وتمنى أن يصل لأبيه أو يحدثه بالهاتف ليحذره من القدوم، ولكنه رهين بين أيديهم، عاجز وصغر سنه تزيد من عجزه، ثقته الكبيرة التي تمسك بها طيلة تلك الايام بدأت تتزعزع عنه، واستسلم أن الموت بات يحوم من حوله وحول أبيه!
تجمهر رجال "حسان" بعدما مشطوا المكان أكثر من مرة، حتى أنهم تحسسوا الارضية الصخرية بأجهزة تفشي عن وجود القنابل المدسوسة بباطنها، وحينما اطمئنت قلوبهم بأن الموقع المُختار آمنًا، وقفوا ينتظرون وصول من يدعي ب"الاسطورة"!
ولبى هو فضولهم حينما وصل للمكان بسيارته، ولم يكن يصطحب سوى سائقه الخاص ورجلًا واحدًا من رجاله والذي لم يكن سوى "حازم" حارسه الشخصي، مما جعل الجميع يطالعونه بسخرية، وهو يمضي صوبهم وهما يتبعانه، قطع "حسان" الضحكات الساخرة بسؤاله:
_فين ماجد؟
طالعه بزيتونته بنظرة باردة، وبجمود قال:
_أشوف ابني وبعدها أخوك يظهر.
أحاط الساحة بنظرة متفحصة، وهدر بعصبية:
_يظهر إزاي، ومنين، أنت فاكرني جاي اهزر معاك، فين مــــاجــــد؟
بنفس الهدوء والثبات قال:
_صوتك يوطى وأنت بتتكلم معايا، رقبتك تحت جزمتي الشمال ورقبة أخوك تحت اليمين، لو اتحركت من مكاني هفعصكم انتوا الاتنين، فخد حذرك بكل حرف تقوله!
ضحك ساخرًا منه، وقال باستهزاءٍ:
_ويا ترى هتعملها ازاي وإنت بطولك ومفيش معاك غير واحد من حرسك، والسواق اللي عنده ميت سنة ده؟
ابتسم بثبات أزهق قلوبهم وقال بثقةٍ:
_أنا لوحدي كفايا عليكم صدقني، بس إنت محظوظ وربك ابتلاك بيا وبسواقي اللي مش عجبك ده وبالحارس اللي مستهين بيه.
واستطرد بوجومٍ خطير:
_إنت شكلك فاضي وأنا عندي اجتماع مع رؤسائي بعد ساعة، هتنفذ اللي بقوله وتنجز ولا أرجع مكان ما كنت.
عاد الضحك يبرز على وجهه وقال:
_إنت عندك أمل تخرج من هنا حي!
اتسعت ابتسامة "رحيم" وردد بخشونة:
_الاعمار بيد الله يا حسان، محدش فينا ضامن عمره، بس اللي واثق فيه إن سواء اتكتبلي أطلع حي أو ميت إنت قتيل تابوتي النهاردة!
تلاشت ضحكته وأشار باصبعه لاحد رجاله بصعوبة، فإذا به يجذب "زين" ويندفع من خارج الشاحنة، يسلط سكينه على رقبته ويندفع أمامهم، غامت زيتونته بصورة مخيفة، وبصوتٍ جهوري قال:
_سكينة الوس* ده تنزل من رقبة ابني حالا، لو مش عايزني أفجر المكان باللي فيه.
رد عليه "حسان" قائلًا:
_لا مش هتنزل، أنا كده بضمن أنك هتسلمني ماجد.
صرخ فيه وتحرر عن بروده، فزاد من رعبهم:
_مالكش ضامن عندي، لو عايزني أحافظ على هدوئي تخلي كلبك يشيل سكينته من على رقبة ابني وحالًا.
زفر بغضب وهو يرضخ لمطلبه وأشار للرجل فابعد سكينه عن رقبة "زين" الباكي، انخفض بصر "رحيم" إلى صغيره، يحاول قدر الامكان التماسك قبالته، يحجب وجع قلبه فاذا ضعف ولو قليلا ستكون الخسارة هنا فاضحة، بالكاد يقنع زوجته بأنه بنزهة مع أخيه خارج البلاد، فإن حدث شيئًا سيفقد قلبه وروحه المتعلقان بابنه الوحيد ومعشوقته وزوجته الحبيبة.
شعر بكف موضوع على كتفه يشد من آزره ويهمس له بصوتٍ غامض، قاتل، مخيف:
_محدش هيخرج من هنا حي، اثبت يا رحيم!
خطف نظرة سريعة لعينيه الزرقاوان، يستمد كل قوته منه، بينما يؤكد له صدق حديثه، يا لحظهم السييء وهم غافلون عن وجود هالكهم الثانٍ، ذاك المتخفي بثياب بسيطة، وذقن بيضاء، يحني قامته كالعجوز الهرم، يا ويلهم من وجود أكثر من تعب على تربية "زين"، ذاك الذي يخصص كل محبته لافراد عائلته وإن تأذى طرف منهم يتحول لشخص أبشع من" رحيم زيدان"، ذاك "الجوكر المصون" الذي وضع الخطة وأعد العدة لحفلة مقتلهم جميعًا!
عاد يلتحف بثباته الرزين، وهو يستقبل سؤال هذا الحقير:
_عملت كل اللي أنت عايزه فين ماجد؟
ضيق زيتونته عليه بمراوغةٍ لحقت بحديثه:
_في الجبل!
كز على أسنانه حتى كاد أن يحطمهما:
_أنت بتتمسخر عليا، أوعى تكون فاكر إنك هتخرج من هنا حي إنت وابنك، بلاش تجاريني لقتلك دلوقتي.
رد بنفس الثبات:
_لو قادر إعملها.
أشار "حسان" لرجاله فرفع جميعهم الاسلحة صوب "رحيم" و"مراد" و"حازم"، سيطر على غضبه، وقال:
_إنت الحقيقة بتضايقك أنت وكلابك ولا إيه؟
وأشار ل"حازم" يأمره:
_وريهم يابني إني معنديش وقت للهزار.
تحرك "حازم" للجبل الخرساني الموضوع قبالتهم، والذي لم يشك أحد بأمره، عبث بأحد الازرار وانفتح منه بابٌ سري، ليكتشفوا بأنه مجسم صناعي يأخذ شكل الجبل!!!
ظهر من أمامهم إثنان من التوابيت، وابتعد "حازم" من محله مستغلًا دهشتهما، ووقف بالقرب من مكان "زين" ومن يمسك به، حتى يتمكن من حمايته فور أن يتلقى اشارة صريحة من رؤسائه.
ابتلع "حسان" ريقه بصدمة مما يحدث، وخشى أن يمضي للداخل، فأشار لأربعة من رجاله أن يذهبوا ليحضروا التابوتان، فدفعوهما للخارج، وبدأوا بازالة الاغطية عن أول تابوت فوجده فارغا في نفس لحظة ترديد "رحيم":
_زي ما وعدتك تابوت ليك وواحد لاخوك، شوفت أنا صادق ازاي!
ارتعب الرجال من هذا الرجل الخطير، وانتقلوا للتابوت الاخر حينما تلقوا اشارة من" حسان"، حاولوا فتحه ولكنه كان مغلقًا باحكام، فصاح "حسان" بغضب:
_افتح التابوت، ماجد هيتخنق كده.
أشار له بضحكة خبيثة:
_متخفش التابوت متهوي تهوية متكيفة.
واستطرد بجدية لفتت الانتباه بحديثه، حينما قال بهدوء قاتل:
_أعذرني يا حسان أنا عندي سؤال فضولي عايز أسئلهولك قبل ما أفتحلك تابوت أخوك.
تمعن فيه بفضول لمعرفة سؤاله، فرفع "رحيم" ساقه يستند على إحدى الصخور ثم قال:
_هو أنت وأنت بتخطط تخطف ابني كنت عارف إنه ليه أب تاني غيري؟
زوى حاجبيه بعدم فهم، فتابع "رحيم" وهو يحك ذقنه البنية:
_اقصد يعني وإنت بتجمع معلوماتك عني أنا وعيلتي مجاش ورقة في ايدك أني مش لوحدي في الجهاز، ليا أخ ابشع مني في المواقف اللي زي دي، وللاسف هو اللي مربي زين ابني وليه فيه أكتر مني.
وبقبضة احتلت ملامحه كسيف حاد قال:
_أخويا ده إسمه الجوكر سمعت عنه قبل كده؟
احتشد الرعب بمُقلتيه وهو يحاول تذكر أين استمع لهذا اللقب المُقبض، ولحظه السيء لم يمتلك وقتًا للتذكر، فاذا ب"مراد" يحرر زر لوحته فانطلقت الشرارة من التابوت الموصود، في نفس لحظة تلقي "حازم" الاشارة، فاندفع بسكينه يرشقه بمنتصف قلب الرجل الذي يحيط ب"زين"، ويتلقفه بسرعة البرق، وينزوي به خلف أحدى الصخور، فاذا بالتابوت المُلغم بأحدث القنابل يتفجر مستهدفًا سبعة من رجال ذاك الحقير، وقد حرص "مراد" على أن يستهدف بقيتهم بأسلحته وخناجره بعدما استغل حديث "رحيم" مع "حسان" ليحدد مكان كل شحص فيهم وهذا ما يبرع فيه دائمًا، ويعتمد عليه "رحيم" اعتمادا كليا في ذلك.
عاد التاريخ يُعاد من جديد، مثلما أمن "الجوكر" المكان الذي خُطفت فيه زوجة أخيه "شجن" على يد "بيبرس"، وأخلى ساحة القتال لاخيه ليتمكن من قتل ذلك الحقير الذي خطفها، عاد يتكرر مجددًا ليؤمن له الساحة للوصول لذلك الحقير، دون أن يعبأ بتأمين ظهره لثقته أن" الجوكر" يفعلها ببراعة!!
انقض "رحيم" عليه والغيظ والغل يحتشدان بزيتونته، يحرر الوحش داخله الذي طال قمعه لأربعة أيام مضت عليه كالنيران المشتعلة، يحركه ويده تحيط بعنقه:
_كنت هزعل أوي لو اتفحمت مع كلابك، بس انا واثق في نشال الجوكر، زي ما نهايتك السودة هتتكتب على ايديا، ما جاش لسه من بطن أمه اللي يعلم على رحيم زيدان يا كلب.
قالها وهو يلكمه عدد من اللكمات، والغضب يجعله مريبًا يبث الهلع داخل نفس ضحيته، الذي فشل بالدفاع عن نفسه رغم ضخامة جسده المخادع، بل و الادهى من ذلك حينما رأى وجه ابنه مازال يحتفظ بالورم، فصرخ بجنون:
_حذرتك تمد ايدك على ابني، وقولتلك وعدي نـافذ وليك عليا تنفيذه.
قالها وهو يسحب سلاحه ويرنو لمن يزحف للخلف،يتأمل سقوط رجاله على يد هذا المخيف الآخر والذي علم بأنه "الجوكر" المزعوم، تعرقل بحصوةٍ كانت خلفه، فطرحته أرضًا، فوضع "رحيم" ساقه على كف يده يثبته، وسلط سلاحه ليصوب خمسة رصاصات على طول ذراعه، والآخر يصرخ بجنون، ولم تُلمح الشفقة أي نظرة من زيتونته التي تقتاد كالجمر بس ردد بفحيحه القاتل:
_دعتني لساحة الحرب وجاتلك بلبي، إنت أول حد يجرأ إنه يحط ايده على ابني، لو مخلتكش عبرة هيجي ألف بعدك يعملوها.
ورفعه بيديه للاعلى وهو يستكمل ببسمة مرعبة:
_أصلي أنا روحي كمان في شغلي ومش هسيبه أبدًا، وأنت غبي وحطيت اخلاصي لبلدي في كفه وابني في الكفة التانية، متخيل أني هنحني وأختار كفة من الاتنين بس اللي متعرفهوش أن أنا اللي بحط الاختيارات مش بتتعمل ليا!
قالها ودفع رأسه على السكين المرشوق بجانب للجبل، فاخترق السكين رأسه، سحبه "رحيم" وأعاد الكرة أربعة مرات، بشكلٍ صدم "مراد" الذي هرول إليه يصيح بصدمة من دمويته واجرامه الذي فاق توقعاته:
._رحيـــم خلاص مات كفايا!!
ألقاه وهو يهدر بعنفوان:
_أربع أيام قصاد أربع طعنات، قولتلك كل ما هيغيب يوم عندك هتدفع تمنه غالي!
أنفاسه كانت تعلو بشراسة، وكأن هناك جان تلبسه ويحاول الخروج منه، انسحب من لقاء أخيه، ومضى تجاه ابنه متلهفًا لضمه، ولكن "مراد" أوقفه، ودفعه بقوة تناسب جسده العضلي، وهدر بحزمٍ:
_اغسل ايدك واقلع اللبس ده كله دم، هترعب الولد منك.
دفع كفه وقال برجاء:
_أشوفه الاول يا مراد.
لكمه "مراد" بقوة شرسة، وصاح فيه:
_مش بهيئتك دي، امشي لعربيتك غير وغسل ايدك، امشي!
طالعه بغضب وألقى نظرة متفحصة على نفسه، فشعر بأنه يملك كل الحق، بينما أشار "مراد" لرجاله الذين أحاطوا المكان بعد تلقيهم اشارته، فبدأوا بحمل الجثث، بينما يتوجه هو لخلف الصخرة الضخمه، حيثما اختفى به "حازم"، وجده يستكين باكيًا من سماع الرصاص بأحضان" حازم"، والرعب يعتلي ملامحه خوفًا على أبيه، ارتعب "مراد" حينما رأى الدماء تحيط بجسديهما، فناده برعب:
_زيـــــــــن!!
رمش بعدم تصديق من سماع صوت عمه، فرفع رقبته عن صدر "حازم" ليرى من يناديه، تهللت اساريره فرحة وردد:
_أنكل مراد!
ودفع ذراعي "حازم" الذي ارتخى عنه بسهولة، وهرع صوبه ينزوي بأحضانه، حمله "مراد" يقبله بحب أبوي، وحنان لطالما غمره به، بينما تحيط زرقاواته جثمان "حازم" بصدمة و وجع، وخوف على أخيه!!
فأسرع خارج الصخرة يقابل من أسرع صوبهما وهو يضع على جسده العلوي قميصًا أسودًا مفتوحًا، يركض وهو ينادي ابنه في لهفة تصدم من حوله بأنه يمتلك ذاك الحنان:
_زيـــــــــــــــن!!
انحنى "مراد" يضع الصغير أرضًا، فهرول صوب أبيه، بينما اختفى "مراد" خلف الصخرة يجس نبض "حازم" على أمل أن يكون حيًا.
تلقفه "رحيم" ورفعه إليه يضمه بقوة ألمت الصغير، لا يعلم كيف سيطر على دموعه، فمضت خمس وعشرون دقيقة يضمه فقط، ويتنفس دائحته كالمخدر الذي هدأه عن تلك المدة الذي عانى فيها، حتى أن الصغير ولأول مرة بعد الاربعة أيام شعر بالحنان والأمان فمال على كتفه يغفو بهدوءٍ، ربت "رحيم" على شعره وظهره بحنان، بينما يقبل كتفه ووجنته وقد زحفت عنه دمعة رغمًا عنه، فمال على مقدمة سيارته وهو يهمس ببسمة نبعت بالكاد:
_الحمد لله.
أتى صوبه "مراد" وملامح الخوف والقلق تجوب ملامحه، وخاصة والرجال يحملون النقالة ويتبعونه، تعجب "رحيم" من ملامح أخيه الغريبة، كان يظن أنه سيراه واجمًا لما فعله مع "حسان" وكان سيخوض معه حربًا، ليخبره أن يكون رحيمًا في موته، وستكون حربًا طويلة يجيبه فيها بأنه لا يستحق أي رحمة أو شفقة منه، ولكن ما يحدث كان غامضًا لدرجةٍ جذبت انتباهه لما يحدث حوله، فارتخى كفه عن ابنه وكاد أن يسقط عن ذراعيه القويتان، لولا أن تلقفه "مراد"، ووضع كفه على كتف أخيه يقويه:
_فدى ابنك بروحه، خسارة تهون خسارة يا رحيم.
نصب عوده بصعوبة، ومضى بخطواتٍ ثقيلة تجاه صاحبه الوفي، الذي كان خير الداعم والسند له، يشير بيده صوب العساكر، فقد كان يحمله أربعة منهم لثقل حجمه وجسده الذي يزن من فرط تدريباته، وضعوه باشارة" الاسطورة"، وانصرفوا بعيدًا باشارة "الجوكر" الذي لم يرغب أن يرى أحد أخاه في حالة من الضعف التي ستظهر للمرة الاولى، فأسرع يضع "زين" على المقعد الخلفي لسيارته، وهرول تجاه أخيه المنحني صوب "حازم" يتحسس نبضه عسى أن يكون الجميع مخطئًا، بل ويعيد فعل ضغطات من يده لتمنحه صدمات عساه أن يفق، ويأمره بصراخ بُح صوته:
_قــــوم يا حــــــــــازم، قوم كلمني بقولك!!
وصاح بعدم تصديق:
_طريقنا لسه طويل مع بعض، فووووق!!
ضمه "مراد" وقال وهو يحاول جاهدًا ألا يبكي على مظهر أخيه الذي لم يسبق أن رآه بهذا الضعف من قبل:
_خلاص يا رحيم هو مات، سيبه بتعمل إيه بس؟
تطلع تجاه أخيه بعتاب لحق نبرته:
_إنت بتقول إيه إنت، لا هو أكيد في غيبوبة، هات أي دكتور بس بسرعة عشان نلحقه.
رد بقوة وصلابة:
_إنت عارف أنه مات فبالله عليك ما تكابر، هو طول عمره كان مخلص ليك حتى لاخر لحظة اختار يكونلك مخلص.
تهاوت دموعه الغائرة وقال ببكاء:
_بس هو ملحقش يعيش حياة مستقرة مع ريحانة، دي بنته صغيرة لسه يا مراد، انا كنت بحبه عشان ظروفه كانت شبهي أوي، هو لسه محتاج الوقت اللي يعوض فيه ماضيه البشع، ملحقش لسه!
استخدم "مراد" قوته وعاون جسد "رحيم" المرتخي على النهوض بينما يهمس له:
_قدره ونصيبه، ولو على بنته أنا واثق إنك مش هتسيبها.
مال على صدره باكيًا:
_الأب مبيتعوضش، مش هعرف أعوضها عنه يا مراد.
تساقطت دموع "الجوكر" تأثرًا بأخيه، وواصل انسحابه به إلى السيارة بعيدًا عن الآعين، وهو يحذره:
_العساكر هيخدوا بالهم مننا، قوم واسند طولك يا رحيم، إنت من أمته بالضعف ده!!
رد بتعب وإنهاك وهو يزيد من ثقله فوق صدر "مراد":
_اسندني إنت، أنا مش قادر!!
اخترقت جملته قلبه فقسمته شطرين، ومع ذلك كان خير الداعم له، عافر حتى وصل به للسيارة وضعه بالمقعد الامامي، وغادر بالسيارة لمكانٍ منعزل، حتى يسترد أخوه قوته ويخططان إلى عودة" زين" دون ان تعلم "شج" ن أو أي أحد بما حدث، وقد كان "زين" ونعم الأمين على هذا السر حتى بتلك اللحظة التي يكتشفه بها رفيقه لأول مرة، والذي قطع حديث "زين" المُفصل عن اختطافه لانقاذ أبيه وعمه له، قائلًا بانبهارٍ:
_رحيم زيدان ده عظيم!
وتابع ساخرًا وهو يسحب الغطاء على جسده:
_ومش عايزني أخده قدوة ليا وأتمنى أنه يدربني!!!!
*****
بعد أن أدى كلاهما صلاة الفجر، وغاصا بالنوم، شعر "زين" بكف يد يهزه برفقٍ، ففتح عينيه ونهض يطالع أباه بابتسامة على غير عادته، تعمق "رحيم" بعينيه واستشف فيهما رحلته التي خاضها بالحديث مع رفيقه عما حدث، يثق كل الثقة أن "ياسين" شخص ذكي لا تفوته التفاصيل، أشار له هامسًا:
_تعالى ورايا، لوحدك!
وخرج تاركًا الاخير من خلفه مندهشًا، فابتلع ريقه بقلقٍ لحق تمتمته:
_هيدشملني لوحدي ولا إيه؟
أتاه صوت "ياسين" الضاحك يهتف:
_لا هيحب فيك ويوضحلك حاجات مكنتش واضحة عن حادثة الخطف.
وتابع وهو يبعد غطاءه عن وجهه، يخبره ضاحكًا:
_أصله عارف إننا عدنا للماضي سوى، رحيم زيدان متفوتوش هفوة يا زيزو.
كبت ضحكته على طريقته بالحديث، وقال بجدية مضحكة:
_لو رجع يكرر الحضن ده تاني هنام على كتفه بره!
وتابع وهو ينزع الغطاء بتعبٍ:
_يا رب أصعب عليه ويعتقنا من التدريب النهاردة لوجه الله.
صاح "ياسين" بحماس لم يفقده:
_إتكلم عن نفسك، أنا جاهز في أي وقت!
شمله بنظرةٍ مشتعلة، قبل أن يستكمل طريقه هامسًا بسخطٍ:
_المفروض نتبادل الادوار!
أغلق "زين" الباب من خلفه، وإتجه صوب "رحيم" الذي يقف أمام سور الطرقة الفاصلة بين الغرف، يتأمل ساحة التدريب ذات المساحة الضخمة بالاسفل، يديه معقودة للخلف، ورأسه مرفوع للأعلى بشموخٍ، وقفته العسكرية هيأت من يقترب إليه ليؤدي تحيته هادرًا بخشونة:
_تحت أمرك يا فندم.
لم يستدِر إليه بقي يتأمل الساحة بأعين غامضة، ثم فجأة ابتسم وقال:
_كبرت يا زين.
راقبه بعدم فهم حتى استدار تجاهه "رحيم" وقال بحب:
_أنا كنت بحاوط عليك وأنت صغير ومستني اللحظة اللي تكبر فيها عشان اطمن.
عبث بعدم فهم لحديثه، وتساءل:
_تطمن!!
هز "رحيم" رأسه وقال بجدية تامة:
_اطمن وأنت بره البيت إنك قادر تحمي نفسك من غيري، أطمن إن قلقي عليك هيخف شوية بشوية، أنا بعد كل مهمة ليا أنا ومراد كنا بنترعب عليك إنت بالاخص.
وأضاف بغموض تام:
_الشر له سلسال طويل أوي يا زين، بيتمد للاحفاد، وزي ما أحنا بنخاف السلسال ده يطول ودماره يطول الابرياء وبنحاول ننتزعه من جذوره، هما كمان بيترعبوا من سلسال أي ظابط شاطر وبيحاولوا ينتزعوه من جذوره.
وأضاف بحبٍ شديد:
_عشان كده كنت خايف عليك على طول، ولما حصل والكلب ده خطفك عمري ما اختبرت الخوف والرعب اللي عيشت فيه غير لما شجن اتخطفت.
ورفع يده على كتفه يخبره بمشاعره الصادقة:
_إنت شايف إن رحيم زيدان محبش في حياته أد شجن، فأنت معزتك في قلبي إنت وأختك زيها تمامًا، إنتوا التلاته واخدين قلبي سطو مسلح.
ارتسمت ابتسامة على وجه "زين"، وتلاشت حينما سحبه" رحيم" إليه، يقربه لصدره ويحتويه بضمة كانت حنونة، تعلق به بحبٍ وقوة، يشعر وكأن ذكريات هذا اليوم تعاد إليه من جديد، يرتشف رائحة أبيه المميزة التي تحمل مزيجا من الڤانيليا والمسك تتسلل إليه.
_أنا محتاج لحد يفوقني من المشهد العميق ده، ثواني.
قالها وهو يلتقط عدد من الصور من هاتفه الحديثه، ثم أعاده لجيب سرواله المنزلي، وقال ساخرًا:
_خوفت تتهور بجنانك وتسحب الولد لصالة التدريبات وهو المفروض يفصل النهاردة من تأثير الإبر اللي اتحقن بيها، بس اللي شوفته كان أحلى من حالة الانقاذ اللي كنت ممكن أقوم بيها.
طالعه "رحيم" بصدمة أشحمت "زين"، وخاصة حينما قال ببراءة:
_ليه شايفني مجرم عشان أدمر ابني بايدي، لا، طبعًا هستنى عليه الست ساعات وفي الساعة السابعة هأخده تحت!!
هز" مراد" رأسه بقلة حيلة من أن يُغير شيطان مثله، فاندفع يسحب "زين" خلفه وصاح بغضب:
_مالكش دعوة بالولد النهاردة خالص، وسيادتك مش هتديه ست ساعات لا هياخد 24 ساعة، ومعاهم طيارتك الخاصة يرجع بيها مصر يقابل خطيبته وشجن اللي منهارة من قلقها عليه، وبعد كده يرجع.
شمله "رحيم" بنظرة غاضبة:
_لا احنا طالعين رحلة، احنا في معسكر سري يا سيادة الجوكر المزعوم.
بصرامة قال:
_اللي عندي قولته، ومش هيتنفذ غيره، اتقي الله في ابنك، أنت مش خاطف مجرمين هنا.
وصاح ل"زين" بحزمٍ:
_خد ياسين ونفذ كلامي يا زين، وعايزه يعترض شوف هيواجهني ازاي؟
تهللت أسارير "زين" ومضى يحتضن عمه هامسًا له بكل حب:
_أحلى أب وعم وحما وقائد بالدنيا كلها.
قبل "مراد" رأسه وقال بحنان:
_انبسط يا حبيبي، بس وإنت مع خطيبتك اتعامل بــ.
اسرع يستكمل عنه:
_بحدود وضوابط والله يا عمي ايدها حتى مش بمسكها، تحب أمضيلك على اقرار أو على القسيمة ونخلص!
هز رأسه بابتسامة ماكرة:
_لا مش دلوقتي، لما تثبت نفسك بالجهاز وتوصل للمكانة اللي أنا ورحيم توابيت بنتمنى نشوفك فيها، وقتها هسلمك بنتي وانا متطمن إنك قادر تحميها بنسبة مية في المية.
انزرع بعينيه غضبًا، وتساءل باستنكارٍ:
_ودلوقتي يعني مقدرش أحميها؟
ربت على كتفه بقوةٍ، وجدية وفخر:
_قادر يا زين، بس لسه محتاج تتدرب على حاجات هتساعدك كتير، يلا متضيعش وقتك في الهبل ده واستغل اليوم من أوله.
هرول خطوتين ثم عاد يقف أمام ابيه، الذي يعقد ذراعيه من خلفه ويتابعهما بجمود وملامح ثابتة، أدى تحيته مرة، اثنان، ثلاثة، أربعة ثم قال:
_دول التحيات بتوع اليوم كله، بما إني أجازة بأمر من الباشا يا باشا.
ابتسم "رحيم" رغمًا عن أنفه، وقال:
_ماشي يا خفيف، بس أنا غير عمك، هو اداك تعليمات تبعد فيها عن بنته، أنا بقى ههاديك بتابوت لو قربت من بنتي، طول ما هي لابسة الخاتم في الشمال تتعامل بحذر، سمعت أو مسمعتش مبعدش كلامي أنا!!
هز رأسه مجددًا، وغادر من أمامهما، تاركًا ساحة الحرب تخلو لكليهما، فاذا برحيم يتمتم بغضب:
_إنت بتتصرف من دماغك وبتتحداني كمان يا باشا!!
ربع يديه أمام صدره العضلي وهدر بعصبية:
_بالظبط، الولد عدى من تمرين صعب واجتازه بنجاح هو وياسين من حقهم يأخدوا استراحة محارب.
زوى حاجبيه بعدم رضى، ومضى لغرفته بصمت جعل الاخير يطالعه بانتصارٍ، وإتجه للاعلى حتى يوقظ ابنته لترافقهما، حتى يتسنى لها رؤية "حنين" وشقيقتها.
*****
ولج للغرفة راكضًا، ينادي بلهفةٍ وحماس:
_جـــــــارحــــــــي.
كشف غطائه يتساءل باستغرابٍ:
_افراج ولا إيه؟
زوى زين حاجبيه بدهشةٍ:
_عرفت منين؟ جدع إنت مخاوي!
عبث بحزن وضيق:
_باين من نبرة صوتك اللي فاضلها شوية وهتقلب على انشودة سوف نرحل من هنا!
أسرع لخزنته يلقي محتوياتها فوق رأس "ياسين" الجالس من خلفه يتابعه بذهولٍ، بينما يحاول "زين" أن يتآنق بما سيرتديه وكأن ليلة العيد أتت للتو، يدندن بفرحةٍ ويخبره بازدراء:
_قوم قوم، هنرحل من هنا على مصر، أقابل الجو وإنت تقابل مامتك وتؤامك وعيلتك كلها نفر نفر، بس خد بالك معناش غير يوم واحد 24ساعة بس، دي تعليمات ميري.
عاد يسحب الغطاء مجددًا، وهو يخبره بنزقٍ:
_روح إنت.
ترك زين ما يفعله وقفز من فوقه، يحركه بعنفوان:
_لا أنا مش هسيبك تخربلي خروجتي فاهم، قوم معايا بدل ما أشيلك على الطيارة.
منحه نظرة ساخرة وهدر:
_هتقدر تشيلني يعني؟
انكمش وجهه حزنًا ومال على صدره يدعي البكاء:
_أرجوك متفوتش الفرصة دي عليا، رحيم زيدان ما هيصدق، أرجوك يا جارحي قوم معايا.
ضحك ياسين بصوت كله، وضمه يربت على ظهره كأنه يحتوي طفلًا صغيرًا هامسًا بسخرية:
_يا حبيبي يابني أد كده الشوق دابح قلبك.
دفعه للخلف ومال يجذب سلاحه من أسفل الوسادة وهو ينطق بعنف:
_هتقوم ولا لا؟
وقبل أن يتنشله من محله، سحبه ياسين بسرعة كبيرة وصاح:
_مش حفيد ياسين الجارحي اللي يترفع عليه سلاح!!
أخفض زين سلاحه بغضب، وإنسحب للخزانة يرتدي الملابس المختارة، وقال وهو يخرج من الغرفة:
_أنا هستناك تحت، تنجز وتنزل.
قالها وغادر على الفور تاركًا الاخير مبتسمًا، ونهض بهدوءٍ يجمع ملابس زين الذي ألقاها على الأرض، جمعها ووضعها بخزانته وإتجه للخزانة الخاصة به يسحب ملابسه ويرتديها ثم خرج متوجهًا للهبوط، فوجدها تهبط الدرج وهي ترتدي الكاب الاسود الخاص بجاكيتها، رفع حاجبه متسائلًا باستغراب:
_جاية معانا؟
هزت رأسها وقالت بثبات:
_بابي حابب إني أقابل مارال ومامي، وبعدين أرجع.
هز رأسه بتفهمٍ، وأشار بيده على الدرج بلباقة، ضيقت زرقاوتاها وهدرت بسخرية:
_ياسين الجارحي بيتكرم وبيسمحلي أعدي قبله.
رفع كتفيه وهو يقول برقي:
طالما خارج اطار العمل فآ.
_Ladies first. (السيدات أولًا)
أحنت قامتها برقةٍ وتصنعت أنها تحمل طرف فستان لم ترتديه، ثم هبطت أمامه فاتبعها وابتسامته الجذابة تحتل ثغره.
صعد كلاهما بالخلف، وفعل زين الاضاءة وبدأ يجهز الاستعداد لرفع المروحية العسكرية الخاصة بأبيه، وقال وهو يقلد نبرة الطيار:
_على السادة الركاب ربط أحزمة الأمان عشان هنتشقلب في الجو دلوقتي.
واستطرد يمازح ابنة عمه:
_اربطي انتي يا مرين، وانتي يا ياسين خد راحتك يا حبيبي، ومتخافش هقلبك في الميه مش على الأرض.
منحه نظرة ساخطة وتمتم:
_بص قدامك وركز، يا أما تيجي جنب عنيدة هانم وتسيبلي الطلعة دي.
قال وهو يضع السماعات على رأسه:
_لا يا حبيبي أنا أسرع، وشوقي هيخليني زي الشبح!
صاحت فيه مرين بغضب:
_ما تلم نفسك وألفاظك دي يا زين، مش بابي محذرك من التطرق للكلام ده طول ما أنت بفترة الخطوبة!
لوى شفتيه بتهكمٍ، وصاح بغضب:
_شايفاني رايح أخطفها واطلع المالديف يعني، أديني بفك معاكم بكلمتين ودول أخري.
واضاف ساخطًا:
_هو أنا بكلم مين، ده إنتي أرجل واحد في ولاد أعمامي كلهم المفروض يسموكِ محمد أبو رين مش مرين!!
جحظت عينيها بغضبٍ، ومالت تجاه ياسين الذي يكبت ضحكاته بصعوبة تشير له:
_سامع يا ياسين، سامع!!
زوى حاجبيه مستنكرًا لجوءها إليه وهو الذي كان دومًا في الساحة القتالية قبالتها، طالبت أن ينصفها فاتاه ملبيًا:
_اتكتم وبص قدامك، لما يسموها محمد يسموك إيه إنت زينة بنات العيلة.
ضحكت من قلبها على كلماته واستشفتها بانتقام من ذاك الذي استدار إليه يردد بصدمة:
_إنت بتنصرها عليا يا شريك!!
جحظت عيني ياسين ومرين، وكلاهما يهمسان بصوتٍ منخفض:
_رحيم زيدان!
=ماله؟!
أشارت له "مرين"، فاستدار للامام ليتفاجأ بابيه يقف وهو يعقد ذراعيه للخلف بثباتٍ قاتل، حمد الله أنه لم يقلع بعد والا كان سيتلقى العقاب الساحق، أشار له ياسين قائلًا:
_افتح الباب.
هز رأسه وردد وهو يبتلع بصعوبة:
_خايف يكون غير رأيه.
رددت مرين بقلق:
_افتح يا زين، شكل في حوار أكبر من كده، نظرات أنكل مش مريحاني!
فتح الباب فاذا ب" رحيم" يتحرك صوبها، وبدى بيديه ملف أحمر اللون، جعلهم يثقون بأن هناك مكيدة في طريقها إليهم، وخاصة مع تلك البسمة الشيطانية المخيفة، يتبعها قوله الهادئ:
_السفير البريطاني نزل مصر عندنا سياحة، ابنه اتخطف، والخاطف طالب فدية.
ثم ذم شفتيه وهو يهدر بهدوء اشد:
_شكلنا سيء جدًا قدام الغرب.
وقدم الملف إلى "ياسين" المبتسم بفرحة وحماس، ثم قال:
_بما أنك مستحيل هترجع القصر لعدي الجارحي يكتشف خطتك مع ياسين باشا فانت مكلف أنت ومرين بالمهمة دي.
وأضاف وهو ينتقل ببصره صوب ابنه الجاحظ عينيه بصدمةٍ:
_وخطة الهروب على العاشق الولهان، ينجز مشواره الغرامي ويطلع على الموقع بالمروحية الخاصة بتاعته، وطبعًا ميتحركش قبل ما يدرس الملف كويس وخطة الهروب المتوقفة عليه، لانه أسرع في الطيران من ياسين، مش بس في مشاويره الغرامية.
ومال صوبه يهمس له:
_متروحش البيت شجن لو شافتك هتقلق مش هتطمن، ارمي كلام عمك في بير وإسمع كلام اللي ينجيك!
رفع من صوته ليصبح مسموعًا للجميع:
_عايز أصحى الصبح ألقيكم في صالة التدريب.
واستكمل وهو يقول بجدية مضحكة:
_Have a nice day!
الفصل الرابع من هنا
