رواية بين الردي والهدي الفصل الرابع4بقلم نوري
الشمس كانت لسه بتبدأ تفرش نورها الهادي على حيطان البيت، وصوت الراديو في المطبخ شغال ببرامج الصباح الرمضانية اللي بتدي أمان، اول يوم رمضان والحمد لله نرجس اديتني اجازة، كنت واقفة بساعد ماما في ترويق المطبخ والتجهيز لوليمة الفطار، بس عقلي كان في حتة تانية خالص، كان فوق، في شقته، حاسة اني عايزة اطمن عليه والمح طيفه من تاني، لكن هنزل بحجة اية، ويا ترى ماما هترضى تنزلني ولا لا، بصيت عليها لقيتها مشغولة في اللي بتعمله، رجعت اقطع الخضار اللي في أيدي من تاني وانا بقول
- ماما .. أنا هنزل اصبح على طنط كريمة، أهنيها برمضان وأشوفها لو محتاجة حاجة
قولتها وأنا بحاول أخلي صوتي طبيعي، بس عيني كانت بتهرب من نظرتها اللي بتكشفني دايماً
سابت السكينة من إيدها وبصتلي بجدية وقالت بنبرة فيها تحذير ناعم
ليلى .. إنتي عارفة أبوكي قال إيه، مش عايز رجلك تخطي عتبة بيتهم طول ما الحال مايل كدة
قربت منها ومسكت إيدها برجاء
- يا ماما دي طنط كريمة، دي زيك بالظبط، وبعدين سيف أكيد مش فوق، إنتي عارفة إنه زمانه في شغله، وانا مش هكمل خمس دقايق وهطلع علطول، علشان خاطري
اتنهدت وسكتت شوية كأنها بتغلب حنيتها على خوفها، هزت راسها بالراحة وقالت
ماشي، بس خمس دقايق بالظبط قبل ابوكي ما يصحى
- من عينيا
طلعت بوسة على خدها وجريت لبست طرحتي وفتحت الباب بشويش ونزلت وانا قلبي بيدق، كل درجة بنزلها كانت بتفكرني بذكريات قديمة، من ضمنهم ضحكته اللي كانت بتملى العمارة كلها، وصلت قدام شقتهم وخبطت على الباب خبطات هادية، اتفتح وشوفتها، بس مكنتش هي دي طنط كريمة اللي عارفاها
وشها كان دبلان وعينيها فيها سحابة حزن، أول ما شافتني ابتسمت ابتسامة باهتة وفتحتلي دراعاتها
تعالي يا ليلى، تعالي يا بنتي نورتي البيت
- وحشتيني اوي يا طنط
اترميت في حضنها وحسيت اني عايزة اعيط، عيني لفت على كل ركن في الشقة يمكن المحه لكن ملقتوش، دخلنا سوا وقعدنا في الصالة، مسكت إيدي ودموعها نزلت من غير ما تحس وهي بتقول
شوفتي يا ليلى؟ شوفتي سيف وصل لايه؟ أول يوم رمضان الناس ملمومة وفرحانة لكن احنا لا، نزل امبارح بالليل زي المجنون ومش عارفة هو فين لحد دلوقتي ولا بيعمل إيه
حسيت بغصة في حلقي لكن حاولت أتماسك عشانها، ضغطت على إيدها بالراحة وقولت
- اهدي يا طنط، ادعيله، احنا في شهر مبارك ويمكن تكون دي ساعة استجابة، سيف قلبه أبيض بس هو تاه، وإن شاء الله ربنا هيرده لينا .. أقصد هيرده ليكي أحسن من الأول
هزت رأسها بيأس وهي بتمسح دموعها
المرة دي غير كل مرة، المرة دي حاسة إنه بيبعد بجد، كأن فيه حاجة بتشده لتحت وكل ما أحاول أرفعه يغرق أكتر، أنا خايفة عليه يا بنتي، خايفة يضيع مني خالص
بكت اكتر ف خدتها في حضني، فضلت قاعدة بسمع أنين قلبها اللي كان شبه أنين قلبي بالظبط، كنت بواسيها بكلام أنا نفسي محتاجة اللي يقولهولي، والوجع كان بيزيد في صدري مع كل كلمة حزن بتطلع منها، البيت اللي كان المفروض يكون فيه زينة وفرحة، كان غرقان في هم سيف، وأنا كنت واقفة في النص، مش عارفة أداوي جرحها ولا أداوي جرحي
فتحت عيني على صوت زنة خفيفة في ودني من المروحة القديمة اللي متعلقة في سقف الأوضة، حاولت أعدل جسمي بس ضهري كان متخشب من الكنبة، ريحة المكان كانت مزيج من بخور قديم وشاي مغلي وتراب مستخبي في الأركان، ريحة بسيطة بس حسيت فيها بالأمان
صباح الخير يا استاذ سيف
شوفت عم عرفة واقف فوق راسي وماسك فوطته الصفراء اللي دايماً على كتفه، بصته فيها خوف وحنية في نفس الوقت، عينيه كانت بتقرأ ملامحي المجهدة وكأنه بيدور على سيف اللي كان يعرفه زمان
* صباح النور يا عم عرفة
قوم يا ابني فوق كدة وظبط حالك، حقك عليا والله، انا المفروض النهاردة اجازة عشان رمضان بقا كل سنة وانت طيب، كمان نص ساعة جاي واحد تاني يستلم مني العمارة، وحقك عليا بس مينفعش يشوفك هنا في الأوضة
قومت وقفت وأنا دايخ و الدنيا لفت بيا لثانية، مسحت وشي بإيدي ونفضت هدومي اللي اتكرمشت وبقى شكلها مبهدل، بصتله بأحراج وانا وواقف قدامه بالشكل دة، الراجل ده شافني وأنا في عزي، والنهاردة بيلمني من الشارع في أوضته الضيقة
* عندك حق، أنا آسف مكنتش قاصد أتعبك معايا ولا أقلقك، بس الدنيا اتسدت في وشي مرة واحدة
طبطب على كتفي بإيده الخشنة وهز راسه وقال
متقولش كدة يا حبيبي انت زي ابني، انا معرفش الدنيا عملت فيك اية خليتك تجيلي هنا، بس سيبك من اي حاجة المهم انك كويس، ادخل الحوض اللي ورا الستارة دي اغسل وشك واستعذ بالله من الشيطان، الصبح طالع بنوره وربنا مبيسيبش حد قاصد بابه
وانا بعد اللي عملته دة هيبقالي عين اخبط على الباب؟ هزيتله راسي ومشيت ناحية الحوض بخطوات تقيلة، فتحت الحنفية ونزلت المية الساقعة على راسي، كنت محتاج المية دي تخترق جلدي وتوصل لقلبي وتطفي النار اللي فيه، بصيت لنفسي في المرايا المكسورة اللي فوق الحوض، شوفت واحد غريب، لكن عينيه فيها لمعة ندم كانت غايبة عنه بقالها سنين
* يا رب..
همست بيها لنفسي وأنا بحط راسي تحت الحنفية والماية الباردة نازلة تجري على وشي بتغسل ملامح ليلة امبارح، فضلت شوية لحد ما قفلتها، نشفت وشي بطرف كمي وخرجت لعم عرفة اللي كان واقف مستنيني، شكرته وسلمت عليه بعد ما رفض ياخد مني اي حاجة وخرجت للشارع مع أول خيوط الشمس اللي بدأت تدفي الجو، قلبي كان بيدق بعنف، كنت حاسس إني رايح لآخر فرصة ليا، يا إما أرجع سيف .. يا إما أضيع للأبد
مشيت من غير هدف ورجلي هي اللي كانت بتسوقني لحد ما لقيت نفسي واقف قدام النيل، قعدت على سور حجري قديم والهوا البارد كان بيخبط في وشي ويطير خصلات شعري المتبهدلة، بصيت للماية وهي ماشية بهدوء، وفجأة، الحقيقة خبطت في نفوخي زي القطر
* أنا عملت في نفسي إيه؟
سألت نفسي وبدأت الإجابة تمر قدامي زي الشريط، شوفت نفسي وأنا بضحك بصوت عالي وسط شلة وليد والكاس في إيدي، والفلوس اللي كانت بتترمى على ترابيزة القمار وكأنها ورق ملوش قيمة، شوفت ليلى وهي بتبصلي بخيبة أمل، وأمي وهي بتداري دموعها في سجادة الصلاة
أنا إزاي كنت غافل كدة؟ إزاي السنين دي كلها عدت وأنا بعيد عن ربنا؟ مش بس بعيد، ده أنا كنت بجاهر بالمعصية وكأن قلبي بقا من حجر، الخمر اللي شربته، الصلاة اللي ضيعتها، الورد اللي هجرته، كل ده كان ردى حقيقي، وأنا كنت فاكر إن هي دي الشطارة
حسيت بخنقة رهيبة، وكأن روحي القديمة هي اللي بتتحاكم قدامي دلوقتي، بدأت دموعي تنزل، مش دموع ضعف، دي كانت دموع ندم وفوقان، بكيت بحرقة مكنتش جربتها قبل كدة، بكيت وكأني طفل تاه من أهله في وسط زحمة وخوف ولسه شايف طرف توب أمه من بعيد، حطيت راسي بين ايديا وانا بقول
* يا رب .. أنا كنت مغيب، أنا كنت ميت وصحيت دلوقتي
كنت بشهق والناس اللي بتعدي من بعيد مكنتش هاماني، حاسس إن غشاوة سودة كانت على عيني واتشالت فجأة، صورة وليد والموقف اللي حصل امبارح كانت هي القشة اللي قطمت ضهر الشيطان اللي جوايا، أنا وصلت للقاع يا رب، ومليش غيرك يشدني
فضلت قاعد وجسمي كله بيترعش من البكا وكل دمعة بتنزل مني كانت بتحرق حتة من السواد اللي سكن قلبي
{ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ * كَذَٰلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ }
خلصت الورد بتاعي وصدقت وانا حاسة براحة، النفس اللي خرج مني كان هادي، أول مرة أحس إن رئتي بتتملي هوا نضيف مش مخنوق بخوفي وقبضة قلبي، بصيت للسما برجاء وقولت
- يا رب .. أمن قلبي برجعته
قفلت المصحف وقومت اجيب سبحتي، عيني جت على الدولاب ف روحت ناحيته، فتحته وطلعت منه علبة بحط فيها اية اي حاجة بحبها أو ذكرى، فتحتها بشويش ومديت ايدي وسحبت ورقة صغيرة مطوية، كانت منه، كتبهالي وهو رايح يعمل عمره لأول مرة وبعتهالي مع ادهم لأننا مكناش بنتقابل، فتحتها وعيني جت على خطه اللي عارفاه اكتر من اي حاجة تانية، وللمرة المليون بقرأها وانا بحاول استشعر وجوده
" ليلى .. يمكن تستغربي إني بكتبلك جواب، والحقيقة إن دي أول مرة أعملها، بس حسيت إن الورق هو الوحيد اللي يشيل صدق كلامي ليكي دلوقتي
أنا عارف إن حدودي وقلة كلامي معاكي ممكن يتفهموا إهمال أو إني مش مقدر وجودك، بس الحقيقة عكس كدة تماماً، أنا كنت بحاول أحافظ عليكي من نفسي ومن أي كلمة تخرج في وقت مش وقتها عشان ربنا يبارك لنا في الحلال اللي بتمناه معاكي، و عارف إنك أكيد سألتي نفسك ليه انتي بالذات وإحنا تقريباً مكنش بيننا غير سلامات عابرة من لما كبرنا، بس الحقيقة إن الحياء اللي في عينيكي كان بيجاوبني كل مرة، كنت بشوف في أدبك ورزانتك الحاجة اللي قلبي بيدور عليها، ومع كل نظرة خاطفة كنت بلاقي نفسي بتقرب منك أكتر من غير ما احس، لحد ما بقيتي السكن اللي بحلم بيه
أول ما حسيت إني بدأت أقف على رجلي وقادر أفتح بيت ملمحش خيالي غيرك تكوني شريكة عمري ونور بيتي، بكتبلك الجواب ده وأنا رايح بيت الله لأول مرة عشان أعمل عمرة، وهناك مش هيكون ليا دعوة غير إن ربنا يجمعني بيكي على خير، ويجعلنا سند لبعض في سكة الهدى والطاعة
خليكي دايماً واثقة إن مكانك في قلبي غالي، وإن الصبر ده كله آخره جبر كبير لينا سوا إن شاء الله "
غمضت عيني وضميت الورقة لصدري بقوة ونزلت دمعة من عيني وانا بفتكر قد اية كان بيخاف يغضب ربنا في نظرة أو كلمة، وأنه كان بيشوف فيا طوق النجاة مش مجرد بنت بيحبها
قعدت على طرف السرير والورقة لسه في إيدي، كنت مستغربة إزاي لسه عايشة بكل طاقتها ونورها وصاحبها نفسه بقى مطفي؟ إزاي الكلام لسه بينبض بالصدق والروح اللي كتبته غرقانة في وحل مش عارفة تطلع منه؟ اتوجعت اوي على ضياعه وغيابه، بس في نفس الوقت كلامه كان بيجدد فيا الصبر، رجعت طويت الورقة بحرص شديد وحطيتها مكانها وقفلت عليها كأني بقفل على أغلى حاجة بملكها، مسحت عيني بطرف طرحتي وبصيت للمرايا وقولت لنفسي بصوت واطي لكن مسموع
- هستناك يا سيف .. هستناك
خرجت من الأوضة وحاولت أرسم ابتسامة هادية وأنا داخلة المطبخ لماما وانا جوايا يقين إن رمضان السنة دي يا هيرجع سيف اللي في الورقة، يا هيطوي الصفحة دي للأبد
السما كانت بدأت تاخد لون الوداع بخيوط برتقالي باهتة بتدوب في السواد اللي بدأ يزحف فيها، ومعاها بدأت حركتي في الشارع تقل، جسمي كان مهدود بسبب تعب السهر وقلة الأكل، وريقي ناشف وكأن في زوري شوك
كنت ماشي في شوارع السيدة بتيه، عيني كانت مغيمة بالدموع اللي مش راضية تقف وبتنزل تحرق وشي اللي دبل من الهم، ماشي بخبط في الناس ومكنتش شايفهم، شايف بس المعاصي والذنوب وهي بتطاردني في كل ركن
وفجأة، وقف الوقت..
"الله أكبر.. الله أكبر"
آذان المغرب رفع وصوت المؤذن في السيدة كان ليه رنة بتهز الحيطان، الناس بدأت تختفي من الشوارع وتدخل البيوت أو الجوامع، وأنا فضلت واقف مكاني قدام باب الجامع الكبير رجلي متسمرة في الأرض
* أدخل؟
سألت نفسي بكسرة
* أدخل بأنهي وش؟ بالوش اللي شرب وقامر وهجر الصلاة سنين؟
كنت حاسس إن الحيطان نفسها هترفضني، بس وسط الخوف ده، حسيت اني محتاج اكون جوا. وان في ندهة خفية بتقولي
تعالى .. ده بيت ربنا اللي بيقبل العاصي قبل الملتزم
قربت من السلالم ودخلت بخطوات مترددة، روحت اول حاجة للمبيضة وفتحت الحنفية، المية لمست وشي لأول مرة بنية طهارة بجد، كنت بتوضى وأنا بشهق، كل غسلة كانت كأنها بتشيل طبقة من السواد اللي غطى روحي، خلصت ولما خرجت الصلاة كانت بدأت، وقفت في آخر صف، ورا العمود عشان محدش يشوفني، الإمام كان بيقرأ بصوت شجي، صوت بيطبطب على الجروح
{ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله }
فضلت ماسك دموعي لحد اول سجدة، ساعتها انهار السد اللي كنت بانيه بقالي سنين، انفجرت في العياط، عياط مر وحارق، حاولت أكتم صوت شهقاتي عشان ملفتش نظر اللي جنبي بس مقدرتش، كنت بقول في سري
* يا رب .. أنا مليش حد غيرك، أنا ضيعت بجد، رُدني ليك رد جميل
في كل سجدة كنت بحس إن روحي بتطلع وبترجعلي نضيفة تاني، سلمت وفضلت قاعد مكاني في الضلمة اللي ورا العمود وشي مبلول مية ودموع، وقلبي لأول مرة من سنين يهدى، بصيت للسما من شباك الجامع وحسيت إن الهِداية مش بعيدة، انا بس اللي كان لازم اقرب من بدري
صوت المدفع كان لسه بيرن الحارة، والأذان بيتردد من كل المآذن القريبة والبعيدة، لكن شقة سيف كانت ساكتة تماماً وكئيبة، السفرة كانت مرصوصة بعناية، طبق الشوربة اللي لسه بيطلع دخان، والبلح باللبن، وصينية الرقاق اللي ريحتها مالية المكان، بس مكنش فيه شهية لأي حاجة، كريمة كانت ماسكة المعلقة وبتقلب في طبقها بآلية وعينها سرحانة في الكرسي الفاضي اللي كان دايماً سيف بيملى مكانه شقاوة وضحك
وأدهم .. الأخ اللي شال حمل البيت على كتافه بدري، كان بياكل ببطء وهو باصصلها بطرف عينه، شايف الرعشة اللي في إيدها والدمعة اللي محبوسة ورا رموشها ومصممة متنزلش، رفع راسه و ساب المعلقة وهو بيسند ضهره على الكرسي وبيبصلها
أنا قلقان يا أمي، سيف غيبته طالت المرة دي، ومن امبارح وهو تليفونه مقفول
مرفعتش عينها من الطبق، رسمت على وشها جمود قاسي مبيشبهش قلبها وقالت بصوت حاولت تخليه ناشف
اللي يغيب يغيب يا أدهم، هو عيل صغير؟ هو اللي اختار السكة دي، واختار يبعد عننا وعن ربنا في يوم زي ده، سيبه، يمكن الضلمة اللي هو فيها توجعه ف يعرف قيمة النور اللي كان فيه
اتنهد تنهيدة طويلة بتعب، هو عارف إن الكلام ده قشرة برانية بس وإنها من جوا بتتقطع
يا أمي ده أول يوم رمضان والبيت وحش من غيره، مهما عمل هيفضل ابنك وأخويا، أنا قلبي مش مطمن، سيف امبارح مكنش طبيعي، كان عامل زي اللي روحه بتطلع منه
فضلت ساكتة كأنها بتعاقب نفسها على حنيتها اللي مش قادرة تموتها، قام من على السفرة قبل ما يخلص أكله وقال
انا مش هقدر أكمل أكل وبالي مشغول، هدخل أوضتي أحاول أكلمه تاني، يمكن الاقيه مفتوح المرة دي
سابها ودخل أوضته وقفل الباب وراه بهدوء، سابت المعلقة من إيدها ودارت وشها الناحية التانية وانفجرت في بكا مكتوم وهي بتهمس بصوت واطي
يا رب احميه، يا رب رده ليا، أنا مليش غيره يا رب
جوا الأوضة كان ادهم بيفرك في جبهته بتوتر وعينه على رقم سيف، داس اتصال وحط التليفون على ودنه وهو بيدعي من كل قلبه إن المرة دي يرد، كان مستني يسمع صوت .. حتى لو كان تعبان أو ضايع
الجامع كان هدي تماماً، ريحة المسك مع سكون ما بعد الصلاة عملوا حالة من الهيبة، كنت لسة قاعد في الركن اللي ورا العمود، الضلمة حواليا كانت بتطبطب على خزيي، والجامع بدأ يفضى من الناس اللي جريت عشان تلحق فطارها، حسيت إني مش قادر أقوم، ودموعي مكنتش راضية تنشف، كانت بتنزل بوجع وشهقاتي بتطلع ترج صدري وتفكرني بكل لحظة ضيعتها في معصية الله
وفجأة، حسيت بخيال بيقرب مني وصوت وقع خطوات هادية على السجاد، غمضت عيني وداريت وشي بيدي، لحد ما حسيت بإيد اتحطت على كتفي بشويش
انت لسه قاعد هنا يا ابني؟ المغرب أذن من بدري، مروحتش تفطر ولا إيه؟
مكنتش قادر أرفع راسي ولا أطلع كلمة واحدة، سكت شوية كأنه بيقرأ اللي جوايا من غير كلام وبعدين سألني تاني بنبرة أهدى
مالك يا ابني؟ إيه اللي شايل حمله فوق كتافك ومقعدك هنا؟
أول ما نطق عيطت تاني، عياط طفل تاه في وسط زحمة وخايف ميرجعش تاني، ملحش عليا، بالعكس، قعد قدامي وسحب سبحته اللي سمعت صوت خرزها وهو بيخبط في بعضه، فضلت على الحال دة شوية لحد ما هديت، بس دموعي لسه على وشي، رفعت راسي ابصله لقيته الإمام اللي كان بيصلي بينا، بصلي بعين فيها حكمة السنين وقال بوشوشة
للدرجة دي ذنبك كبير؟
بصتله بصدمة من أنه عرف اللي انا فيه، نزلت عيني للأرض وأنا حاسس بجمرة نار في قلبي وهزيت راسي وعيني دمعت أكتر، رجع يسبح وسألني
بقاله قد إيه؟
قولت بصوت مبحوح ومكسور
* تلات سنين
ياااه، أتاري دموعك نازلة بالكوم
حسيت إني محتاج أتكلم، محتاج أطلع القرف اللي جوايا، بلعت ريقي وقولت
* أنا مش عارف عملت كدة إزاي، أنا كنت ملتزم يا شيخنا، كنت عارف طريق الجامع، وردي مبيفارقنيش وصلاتي في وقتها، كل حاجة كانت كويسة لحد ما روحت شغل جديد
بدأت أحكيله بمرارة عن صحاب السوء في الشغل وإزاي سحبوني رجل ورا رجل، وإزاي شربت كل حاجة وفقدت كل حاجة وأهمهم رضا ربنا اللي كنت حاسس بيه زمان، بصلي بابتسامة غريبة، ابتسامة فيها رحمة مكنتش متخيل اني ممكن اشوفها تاني
عارف؟ النبي ﷺ جاله صحابي في مرة قاله يا رسول الله إني أصبت حداً، يعني عمل كبيرة من الكبائر، النبي سابه ومشي، فالراجل جري وراه وقالهاله تاني، يا رسول الله إني أصبت حداً، فالنبي سابه برضو ومشي ومردش عليه، لحد ما أقيمت الصلاة والراجل صلى مع النبي، وبعد الصلاة جري وراه تاني وقاله يا رسول الله، إني أصبت حداً فأنشدك الله أن تقيم فيّ حد الله
كمل وهو بيسبح ونظراته بتخترق روحي
النبي ﷺ بصله وقاله، أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء؟ قال بلى يا رسول الله، قال وقد شهدت معنا الصلاة؟ قال بلى يا رسول الله، قال فأذهب فقد غفر الله لك حدك
سكت شوية وخد نفسه وقال
عارف يا ابني، أنا أول ما سمعت الحديث ده، تخيلت ميزان، كفة فيها صخرة سودة كبيرة أوي، وجه النبي ﷺ حط ورقة صغيرة في الكفة التانية، الورقة دي هي الصلاة والوضوء اللي عملتهم دلوقتي، الصخرة طاشت، شوف عظمة أجر الصلاة، النبي قاله غفر لك بمجرد صلاتك ووضوءك
مسك إيدي وضغط عليها وقال
ورغم إنك قعدت سنين تعصي الله، إلا إنك مخلتش الشهوة تكسرك أكتر من كدة ورجعت، شيخنا كان بيقولنا متخليش الذنب يكسرك مرتين، مرة لما وقعت فيه، ومرة لما يمنعك من الطاعة بحجة إنك مش نضيف، لو وقعت في الأولى متقعش في التانية، قوم وتوب، وربنا غفور رحيم
بصتله بيأس وقولت
* بس أنا موقعتش مرة ولا اتنين، أنا وقعت تلات سنين
قام وقف وطبطب على راسي بحنان وقال
يا ابني، تلات سنين في عمر الزمن ولا حاجة قدام رحمة ربنا اللي وسعت كل شيء، ربنا مبيعدش لينا بالأيام، بيعد لينا بالصدق في اللحظة دي، أنت دلوقتي أنضف من تلات سنين فاتوا بمجرد دمعتك دي، روح أفطر والحق رمضان من اوله وخليه بداية عهد جديد .. ربنا يغفرلك ويثبتك إن شاء الله
سابني ومشي .. وفضلت لوحدي في الجامع، بس المرة دي مكنتش حاسس بالضلمة، كنت حاسس إن في نور صغير بدأ يشقشق جوا قلبي، كأني فعلًا اتولدت من جديد
الشقة كان لسة ساكنها الهدوء، لكن هدوء ما قبل العاصفة، السفرة لسه مرصوصة زي ما هي بحالها وكأن الأكل في البيت ده بقى تقيل على القلوب قبل البطون
أدهم كان قاعد في الصالة الموبايل في إيده و صوابعه بتتحرك بعصبية على الشاشة، كل شوية يحاول يتصل بسيف وهو بيتنفس بصوت عالي و وشه مخطوف
اما كريمة .. ف كانت قاعدة على الكنبة اللي قصاده بتبصله بنظرات كلها امل ورجاء أنه يطمنها عليه
جرب تاني يا أدهم يمكن فتحه، يمكن كان في حتة مفيهاش شبكة وبقت موجودة دلوقتي
قالتها بصوت مرتجف طالع من قلبها المحروق على ضناها، طلع زفير حاد و داس على رقمه السبيكر عشان تسمع معاه
" عفواً .. الهاتف الذي طلبته مغلق أو غير متاح حالياً "
الرسالة المسجلة كانت بتقلقهم اكتر كل ما يسمعوها، رمى التليفون جنبه على الكنبة وقال
انا حاسس أنه فيه حاجة
حطت كريمة إيدها على صدرها وبدأت تهز جسمها لورا وقدام بحركة لا إرادية بطيئة
يا وجع قلبي عليك يا سيف .. أول يوم رمضان يا ابني؟ السكة دي واخدانا معاك لحد فين تاني؟
قام ادهم وقف فجأة وبدأ يمشي في الصالة بخطوات سريعة صوته بدأ يعلى غصب عنه من كتر القلق
ما هو ده اللي هيجنني، سيف مكنش كدة، مهما غلط ومهما بعد، مكنش بيقفل تليفونه في يوم زي ده، أنا قلقان عليه بجد، مكنش طبيعي امبارح وشكله كان يوحي بمصيبة
دموعها اللي كانت محبوسة بدأت تنزل بغزارة وهي بتسمع كلامه
متفولش على أخوك يا أدهم، متقلقنيش عليه اكتر
قعد جنبها وحاوط كتافها بإيده وهو بيحاول يهديها رغم إنه هو نفسه محتاج اللي يطمنه
خلاص يا أمي اهدي
مسكت في إيده بقوة وكأنها خايفة هو كمان يغيب عنها وسط القلق ده
انا مش هقدر أنام يا أدهم ولا هيغمضلي جفن طول ما تليفونه مقفول، يا رب .. عشان خاطري طمني عليه .. عشان خاطري يا رب
الأجواء كانت مختلفة تماماً عن اللي في شقة سيف، هدوء مريح للأعصاب مع فرع النور الهادي وقعدتها وسط أسرتها اللي بتحسسها بالأمان والدفا، التليفزيون كان شغال بصوت واطي والكل ساكت، وصوت المعلقة وهي بتخبط في طبق الرز بلبن اللي قدام باباها كان هو الصوت الوحيد اللي بيقطع الصمت ده، كانت قاعدة بينهم جسمها موجود بس عقلها وقلبها في حتة تانية، ماسكة طبقها الصغير وبتحرك المعلقة فيه بآلية كأنها بترسم دوائر مالهاش أول من آخر، قلبها كان مقبوض وبينغزها بالخوف و القلق و حاسة ببرودة في أطرافها رغم إن الجو كان دافي
مالك يا ليلى؟ مش بتاكلي ليه؟
صوت مامتها قطع حبل أفكارها، رفعت راسها بسرعة ورسمت ابتسامة باهتة وهي بتقول
- لا يا ماما باكل أهو، انا بس ماليش نفس أوي، يمكن من كتر شرب الماية على الفطار
سكتت مامتها ورجعت تنتبه للتلفزيون من تاني، لكن مصطفى فضل مركز معاها وبيبصلها بنظرة الأب اللي فاهم بنته وقاري اللي ورا سكوتها، خافت يفتح سيرة يحيى تاني ف نزلت عينها في طبقها بسرعة
جواها كان فيه حرب مخلياها عايزة تقوم تجري تخبط على بابهم وتسأل عنه، لكن كرامتها وخوفها من نظرة أهلها كانوا زي اللجام اللي شاددها، حست إنها متكتفة، لا قادرة تطمن قلبها ولا قادرة تنسى اللهفة اللي شافتها في عينه يوم ما قابلته، حست بالدموع اللي بدأت تتجمع في عينيها ف قامت وقفت فجأة قبل ما حد يلاحظ
- أنا هقوم أرتاح شوية قبل التراويح، عن اذنكم
مشيت من قدامهم بسرعة وأول ما دخلت غمضت عينها بقوة وخدت نفس طويل، حست إن الأوكسجين في المكان قليل، وإن حيطان البيت بتضيق عليها من كتر الخوف عليه ومن السكة اللي سحبته لحتة ميعرفش يرجع منها تاني، مسحت على وشها وحاولت تستجمع قوتها وهي بتهمس لنفسها بيقين مهزوز
- اهدي .. ثقي في ربنا وبس
كنت لسة قاعد في الركن اللي ورا العمود، الضلمة حواليا كانت بتطبطب على خزيي، وكلام الشيخ لسه بيرن في ودني
الصخرة طاشت
كنت مغمض عيني وبحاول أتخيل الميزان ده، صخرة ذنوبي اللي بقالها تلات سنين بتتقل، وورقة الوضوء والصلاة اللي لسه عاملهم، هل فعلاً ممكن تطيش؟ هل ربنا هبيقبل اللي زيي بمجرد دمعة وسجدة؟
الوقت سرقني وأنا غرقان في أفكاري، سمعت صوت المؤذن وهو بيرفع أذان العشاء، الصوت المرة دي دخل قلبي من غير استئذان، مكنش بيخوفني زي ما كان بيعمل طول السنين اللي فاتت، كان المرة دي بيطبطب عليا ويقولي
أدي الفرض التاني أهو .. اثبت
قومت وانا حاسس بجسمي تقيل بس روحي كانت خفيفة، وقفت في الصف كتفي في كتف راجل غريب معرفوش، كنت حاسس بآلفة غريبة، كأني رجعت لبيتي الحقيقي، صليت العشاء والتراويح، وكل سجدة كنت بحس إن الأرض بتسحب مني وجع سنين، كنت بسجد وبطول مش عايز أقوم، عايز أفضل في الحتة دي للأبد، بعيد عن وليد، وبعيد عن القمار، وبعيد عن النسخة القبيحة مني اللي كنت عايش بيها
خلص الإمام آخر ركعة في الوتر وسلم، قعدت استغفر شوية وبعدين افتكرت أهلي، أمي اللي زمانها دلوقتي قاعدة على السجادة وبتدعيلي وهي بتبكي، وأدهم اللي أكيد القلق واكل قلبه، لازم أطمنهم، لازم يعرفوا إني بخير .. وإني بدأت أنضف
مديت إيدي في جيبي عشان أطلع التليفون بس ملقتوش، فتشت الجيب التاني بلهفة و نفضت هدومي، بصيت حواليا على السجادة اللي كنت قاعد عليها لكن مفيش حاجة، اختفى
وقفت وبدأت أدور ورا العمود لكن برضو ملقتوش، سألت الراجل اللي كان جنبي يمكن شافه
* يا حاج، شوفت موبايل كان هنا؟ موبايل أسود؟
هز راسه وقال
لا يا ابني والله
وقفت مكاني بحاول افتكر سيبته فين لكن دماغي مش مجمعة من اللي كنت فيه، طب واهلي؟ زمانهم دلوقتي نارهم قايدة ومش عارفين يوصلولي، استعرضت ربنا فيه وقررت أرجع البيت اطمنهم عليا، لازم ارجعلهم قبل ما يفقدوا الأمل فيا تماماً
القلق و السيناريوهات المرعبة كانت بتنهش في ادهم، مكنش قادر يثبت في مكانه و بيتحرك في الصالة بخطوات مضطربة، كل شوية يروح ناحية الشباك يبص على الشارع ويرجع تاني لمكانه، وكأن الحركة هي الطريقة الوحيدة اللي بتخفف عنه نار القلق، الموبايل في إيده مكنش بيفارقه لحظة، كل شوية يرفع الشاشة يبص على الساعة ويحاول يتصل بيه تاني لكن بدون فايدة
أنا مش هقدر أفضل قاعد كدة يا أمي، أنا هنزل أشوفه فين
قالها وهو بيسحب مفاتيحه من على الترابيزة وصوته فيه حسم مبيقبلش الجدال، قامت كريمة ومسكت في دراعه بلهفة
تنزل تروح فين يا ابني؟ أنت عارف هو راح فين؟ هتدور عليه في أنهي سكة بس
مسح على وشه بتعب وقال
هلف في كل مكان، هسأل عليه في المنطقة وهشوف الأماكن اللي كان بيقعد فيها، المهم مفضلش قاعد هنا والتفكير بياكل في راسي
جت على بالها فكرة ف قالت
طب اطلع لعمك مصطفى خليه ينزل معاك، هو بيعز سيف مهما حصل، وبالي مش هيهدى إلا لو كنتوا مع بعض
كان هيعترض لكن شاف في عينيها خوفها عليه هو كمان، هو راسه وخرجوا سوا على السلم، طلعوا وبدأت كريمة تخبط على باب شقتهم خبطات سريعة نسبياً وقلب بيدق بعنف
أول ما الباب اتفتح بان وش مصطفى الهادي اللي اتبدلت ملامحه للقلق أول ما شافهم، ومن وراه ظهرت ليلى وفاطمة وهما قلقانين من الخبط، وقفت كريمة على الباب وبدون تفكير قالت بكسرة وتوسل
بالله عليك يا أبو ليلى، سيف مرجعش وموبايله مقفول من بدري وأنا قلبي مش مطمن، انزل مع أدهم ساعده يلاقيه، بالله عليك
رغم كل الضيق اللي جواه من سيف إلا أن ملامحه لانت، بص لأدهم وقال
ثواني والبس جزمي وأكون معاك يا ابني، اهدي يا أم سيف، إن شاء الله مفيش غير كل خير
في اللحظة دي، حطت ليلى إيدها على قلبها فجأة، وكأنها لقت التفسير للنغزة اللي كانت حاسة بيها، عينيها لمعت بالدموع وهي بتبص لأدهم بخوف إن يكون سيف جراله حاجة، خرج مصطفى وقبل ما ينزلوا مسكت كريمة في قميص أدهم بقوة وبصتله بنظرة مليانة وجع ورجاء
امانة عليك مترجعش البيت من غير أخوك، هاتهولي يا أدهم، هاتهولي عشان النار اللي في صدري دي تنطفي
هز راسه بأسى ونزل مع مصطفى، سندت فاطمة كريمة ودخلتها جوا، و فضلت ليلى واقفة ورا الباب، سندت جبهتها على الخشب وغمضت عينها وبدأت تهمس
- يا رب .. أنت اعلم بمكانه، احفظه ورده لينا بالسلامة، يا رب لا تفجعنا فيه
طلعت السلم بلهفة ممزوجة بشوق، لهفة اني ارجعلهم واطمنهم عليا، وشوق اني اشوف في عيونهم فرحتهم برجوعي عن اللي كنت بعمله، وصلت قدام باب شقتنا وطلعت المفتاح بإيد مرتعشة، فتحته ودخلت وأنا بتلفت حواليا زي الغريب
* امي؟ أدهم؟
محدش رد، دخلت أوضتها يمكن الاقيها بتصلي، لكن مكنتش موجودة، خرجت ودخلت اوضة ادهم وانا بنده عليه لكن ملوش اثر برضو، الحال اتبدل وبقيت انا اللي قلقان عليهم دلوقتي، يا ترى راحوا فين، يارب متكونش أمي تعبت ولا ادهم جراله حاجة، خرجت من الشقة وأنا مش شايف قدامي، مكنتش عارف هروح فين ولا ادور عليهم عند مين، ملقتش حل غير إني أطلع لشقة ليلى، اترددت كتير لكن مفيش حل تاني، طلعت و وقفت قدام بابهم وأنا حاسس بالخزي من نفسي و إني مش حمل أبص في عين حد فيهم، رفعت إيدي وبدأت أخبط خبطة واحدة هادية وبعدين التانية، اتفتح الباب ببطء .. وظهرت هي
الوقت وقف في اللحظة دي والهوا اتسحب من حواليا لثانية، كانت واقفة وشها باهت وعينيها باين عليهم التعب، لكن أول ما شافتني اختفى في ثانية وحل مكانه لمعة خلتني أتهز من جوايا
- سيف
قالتها بصوت كأنها بتطمن إن اللي واقف قدامها ده حقيقة مش خيال، مكنتش قادر أنطق، بصتلها وعيوني بتنطق بكل اللي لساني عاجز عنه، كنت بقولها إني أسف، إني ضعت، إني كنت غبي لما سيبت النور اللي في عينيها وروحت للسواد، فضلت باصصلها وبس وانا بشبع من ملامحها اللي كانت غايبة عني
سيف؟ أنت جيت يا ابني؟
صوت أمي طلع من جوا شقتهم، جت تجري عليا وهي بتشهق و اترمت في حضني
ليه يا سيف؟ ليه بتوجع قلبي عليك يا ابني؟ ده أدهم وعمك مصطفى نزلوا يقلبوا الدنيا عليك، كنت فين يا حبيبي؟
دفنت راسي في كتفها وغمضت عيني ودموعي نزلت من غير استئذان
* حقك عليا يا أمي .. سامحيني، والله ما هعمل كدة تاني، والله ما هغضب ربنا ولا هغضبكم مني أبداً
مسكت إيدها وبوستها بلهفة عشان ترضى عني، طنط فاطمة كانت واقفة بتمسح دموعها وبتحمد ربنا، وأمي بدأت تشدني من إيدي وهي بتقول
يلا يا حبيبي، يلا ننزل بيتنا، البيت كان ضلمة من غيرك
خليتها تسند على ايدي و نزلنا، وقبل ما أغيب عن عينيها، لفيت وشي وبصيت لليلى لآخر مرة، كانت لسه واقفة عند الباب، عينيها مدمعة وبتبصلي بنظرة فيها يقين غريب، وكأنها كانت عارفة إني هرجع
نزلت وأنا حاسس إن روحي ردت فيا، بس المرة دي وأنا سيف جديد مش ناوي يخسر رضا ربنا وأهله تااني أبداً
اللحظات اللي بنقضيها في أحضان أمهاتنا بالدنيا كلها ومفيش حاجة تعوضها، ودة اللي عرفه سيف وهو منهار في حضن كريمة، ساند كتفها وإيده ماسكة في طرف توبها وكأنه طفل خايف يضيع في الزحمة تاني، صوت بُكاه كان عالي ودموعه مبتقفش
* سامحيني يا أمي، بالله عليكي سامحيني، أنا عارف إني شيلتك الهم وسودت عيشتك، بس والله العظيم مليش غيرك، مليش مكان أهرب فيه من نفسي غير حضنك
كريمة حالتها مكنتش تقل عنه في شيئ، دموعها كانت بتنزل على شعره وإيديها بتتحرك على ضهره بحنية
أنا عمري ما غضبت عليك يا حبيبي، الأم مبتغضبش على حتة من قلبها مهما وجعتها، أنا كنت بتوجع عشانك مش منك، كنت بموت كل ليلة وأنا شايفة ابني بيضيع من إيدي ومش عارفة أشده، كنت بفرش سجادتي وأقول يا رب .. يا رب سيف أمانة عندك ردهولي، والحمد لله إنك رجعت يا نور عيني
بصلها وهو بيمسك إيديها وبيبوسها بلهفة وندم
* أنا كنت ميت والنهاردة بس صحيت، قولي إنك راضية عني، قوليها عشان أقدر أعيش
راضية عنك يا أول فرحتي، راضية عنك دنيا وآخره، بس خليك في حضني و متوجعش قلبي تاني
في اللحظة دي، اتفتح الباب ودخل أدهم وهو بينهج، وشه كان مخطوف وعينيه بتدور في الصالة زي المجنون، اول ما شاف سيف رمى مفاتيح البيت وجري عليه من غير تفكير وبكل قوته شده لحضنه، حضن كان فيه عتاب السنين وخوف الليلة دي كلها، دفن وشه في كتفه وبدأ يبكي بصوت عالي، بُكا واحد كان شايل حمل أكبر من سنه خايف يصحى الصبح وميلاقيش سنده
كنت فين يا سيف؟ انت عايز تموتني ناقص عمر؟ متعملش فينا كدة تاني إحنا ملناش غيرك
شدد سيف من ضمته ليه وهو بيبكي معاه، مالت كريمة عليهم وحاوطتهم بدراعاتها، وهي بتهمس في سرها
يا رب احفظهملي ومتفجعش قلبي في حد فيهم يا رب
الأوضة كانت غرقانة في ضوء الوناسة الضعيف، مصطفى كان قاعد على طرف السرير ساند ضهره ومربع إيده فوق صدره، ملامحه كانت هادية بس عينيه كانت بتسرح في الفراغ
فاطمة كانت قاعدة جنبه وشها منور بفرحة حقيقية وهي بتحكي بحماس وتأثر وكأنها بتوصف مشهد من مسلسل
ياه مصطفى لو كنت شوفت منظره وهو واقف على الباب، الولد كان مكسور كسر يقطع القلب، وأول ما شاف كريمة اترمى في حضنها وهي يا حبة عيني كانت بتعيط ومش مصدقة أنه قدامها، الحمد لله انه رجع، والله الواحد قلبه كان واكله عليه أوي
هز راسه ببطء من غير ما يقطع خيط كلامها ف كملت
فضلت تحضن فيه وتقوله راضية عنك وهو يوعدها إنه مش هيغضب ربنا ولا هيزعلها تاني، أنا فرحانة عشانها أوي، كريمة تعبت وشالت فوق طاقتها كتير، والنهاردة بس تقدر تنام وهي مطمنة
سكتت لحظة مستنية منه تعليق لكنه فضل ساكت، نظراته كانت شاردة وكأنه مش سامع تفاصيل الفرحة دي، أو شايف تمن تاني ليها مفيش حد واخد باله منه غيره
انت روحت فين؟ مش فرحان لسيف؟
سألته باستغراب وهي بتلمس كتفه بشويش، اتنهد تنهيدة طويلة خرجت من أعماق صدره محملة بتقل السنين، يصلها وقال بصوت واطي ورزين
فرحان طبعاً يا فاطمة، سيف ابني قبل ما يكون ابن جاري، كريمة تستاهل كل خير، والبيت ده مكنش ينفع يفضل مكسور كدة
سكت لحظة وهو بيبص ناحية باب اوضة ليلى المقفول وكمل بشرود
بس أنا بفكر في ليلى
استغربت وسألته
ليلى؟ ومالها ليلى يا مصطفى؟ ده البت كانت هتموت من الخوف عليه، ودلوقتي زمانها نايمة وهي مرتاحة
هز راسه بأسى مكتوم وقال
ما هي دي المشكلة، إنها مرتاحة، رجوع سيف النهاردة بالشكل ده وبالندم اللي شافته في عينيه أحيا جواها أمل كان بدأ يدبل، ليلى كانت صابرة على نار، والنهاردة النار دي بقت نور في عينيها، أنا خايف يا فاطمة، سيف لسه قدامه مشوار طويل عشان يثبت إنه اتغير بجد، وخايف بنتنا تتعلق بحبال دايبة وتدفع هي تمن ندمه ده من أعصابها و سنينها
بص للأرض وكمل بصوت فيه خوف الأب على أغلى ما يملك
ليلى قلبها رقيق، وتعلقها بسيف مش مجرد عشرة جيرة، ده وعد هي حطاه بينها وبين نفسها، رجوعه النهاردة خلى الوعد ده حقيقة في نظرها، وأنا كأب قلبي مقبوض من فكرة إنه ممكن يضعف تاني، أو إن المشوار اللي بدأه النهاردة يكون تقيل عليه فينسحب، وساعتها هي اللي هتدفع التمن
سكتت وبدأت ملامح الفرحة على وشها تهدى وتتحول لتفكير وقلق هي كمان، قام مصطفى وراح ناحية الشباك و بص للشارع وهو بيهمس لنفسه
يا رب زي ما ريدت سيف لأمه رده لنفسه وللحق عشان خاطر القلوب اللي استنته دي متتكسرش تاني
كنت قاعدة في أوضتي على سجادة الصلاة ودموعي نازلة زي الشلال، لكن المرة دي مكنتش دموع وجع، كانت دموع فرحة ورضا
- يا رب .. استجبتلي؟ بجد يا رب استجبتلي انا العبد الضعيف؟
مكنتش مصدقة اللي حصل، لسه صوت خبطته على الباب بيرن في ودني، وصورته. ..صورته وهو واقف قدامي، وشه التعبان، وعينيه اللي كانت بتدور على سيف القديم وسط ملامحي، مكسورة بس فيها ضي جديد زي اللي كنت بشوفه زمان، فردت جسمي على السجادة وغمضت عيني، كلامه لسه بيتردد في عقلي زي صدى صوت جميل
* والله ما هعمل كدة تاني .. والله ما هغضب ربنا ولا هغضبكم مني أبداً
يا رب، هو أنا سمعت صح؟ ولا دي أوهامي اللي رسمتلي الجملة دي عشان تطمن قلبي؟ أنا بقالي سنين بتمنى أسمع الكلمة دي، سنين بدعي إنه يرجع لبابك قبل ما يرجعلنا، بس جوايا حتة خايفة .. خايفة أتعشم بزيادة تكون لحظة ندم عابرة والشيطان يضحك عليه تاني
- لا .. اكيد المرة دي غير
قولتها لنفسي وأنا بمسح دموعي بطرف الإسدال، النظرة اللي كانت في عينيه وهو بيبصلي قبل ما ينزل كانت نظرة غريق لقى شط، حسيته بيقولي فيها أنا جيت ومحتاجك تسندي معايا
قلبي كان بيدق بعنف، وببتسم وسط بكايا وأنا بفتكر ملامح طنط كريمة وهي حاضناه، البيت أخيراً رجعتله الروح .. و رجعتلي أنا كمان
قومت وقفت وورحت ناحية الشباك، وفتحته براحة عشان أشم هوا، بصيت على البيوت اللي كانت منورة بالزينة والفوانيس في كل مكان وكأني اول مرة اشوفهم، ابتسمت وبصيت للسما وانا بدعي في سري
- يا رب، ثبته و متخليهوش يضعف تاني، واجعل رجوعه ده بداية لخير ملوش آخر .. قادر على كل شيئ يا رب
