رواية لاجلها الفصل السادس والستون66 بقلم امل نصر

رواية لاجلها بقلم امل نصر

رواية لاجلها الفصل السادس والستون66 بقلم امل نصر

بخطواتٍ شابتها العجلة، كانت اعتماد تهبط الدرج الرخامي العريض، يسبقها ضجيج صغير لخطوات ابنتي زوجها، "منة" و"جنا"، بملابس المدرسة التي ترتديانها بأناقة لا تقل عنها. كانت قد استيقظت اليوم باكراً، ولم تستسلم لتعب الحمل المزمن؛ فبدت ملامحها تعكس ثقةً وإصراراً، لكنهما تبخرا في لحظة خاطفة فور أن اصطدمت حواسها برائحة الطعام الشهي وخبز الإفطار الساخن الذي كان يزين المائدة.
تجدد معها شعور الذنب الذي ينهش ثباتها وهي تنتبه إلى الحركة القادمة من المطبخ في الطابق السفلي؛ حيث كانت إحدى حفيدات حسنية تتحرك بنشاط، تضع الأطباق بهمةٍ عالية، وكأنها تعلن بصمت عن سد الفراغ الذي تركته "كَنّة" البيت العاملة.
التفتت اعتماد نحو زوجها خليفة الذي كان يسير بمحاذاتها يربط ساعة يده، فجذبت طرف كمه بخفة، وقالت بنبرة منكسرة يملؤها الهمس والخجل:
— "يا مري يا خليفة، أوري وشي لأمك إزاي دلوك؟ ولا بنت أختك البنت اللي جاية من النجمة تقف في المطبخ وتجهز الفطار، وأنا اللي عايشة معاها في البيت نازلة على شغلي وإيدي فاضية!"
تابعت وهي تشيح بنظرها عنه بأسى:
— "الكسوف واكلني منها.. أنا قصرت وتنحت لدرجة خلت الولية تضطر إنها تجيب حفيدتها عشان تسندها وأنا موجودة."
أهداها خليفة ابتسامة مطمئنة تهدئ من روعها قائلاً:
— "ما تبقيش عبيطة يا اعتماد، بت أختي وجاية تخدم جدتها، حاجة مش غريبة ولا جديدة. أمي عارفة بالظرف اللي إنتي فيه ومش محتاج شرح، وهمي ياللا خلينا ننزل، البنات سبقونا على تحت."
ختم كلامه وهو يسحبها من يدها ليجبرها على التحرك وإخماد ترددها، بيد أن عقلها كان مشحوناً بصراع لا ينتهي بين رغبتها في الالتزام بطموحها المهني، وبين حرصها على عدم التقصير في خدمة المرأة الجميلة "حسنية"، التي كانت تخجلها في كل مرة برقتها ورقيها؛ تماماً كما يحدث الآن وهي تتلقاهما بابتسامتها العذبة بعدما قبلت الصغيرتين وأجلستهما إلى طاولة الإفطار.
هتفت حسنية بحفاوة:
— "يا صباح النور على البنور، ياللا يا خليفة، ياللا يا اعتماد همي إنتي كمان عشان تفطري وتحصلي شغلك، هنية بت بتي عاملة فطار ملوكي؛ فول بالسمنة البلدي حاجة كدة تستاهل خشمك وتغذي النونو اللي جاي."
أمام رقتها المتناهية، لم تجد اعتماد سوى التعبير عن امتنانها عملياً؛ فاقتربت منها ترفع كفها وتقبله قائلة:
— "صباح الفل يا أحلى أم في الدنيا، من غير ما أدوق يكفي إن نَفَسِك معاها، يبقى أحلى أكل وأحلى فطار."
ضحكت حسنية بدهشة، تنقل بصرها بينها وبين خليفة الذي ضمها هو الآخر من رأسها يقبل أعلاها، قائلاً بمشاكسة نحو ابنة شقيقته:
— "وأحلى حسنية كمان، صباحك ورد يا ست الكل. أنا برضه عايز أشوف نَفَس البت دي في الطبيخ، نعرف هتعمر في بيت جوزها ولا هتبقى خايبة وتجيب لنا الكلام!"
شهقت الفتاة بذعر امتزج بمرحها وحماسها:
— "وجالك قلب تقولها يا خالي؟ طب وربنا أنا بطبخ أحسن من أمي، ودلوك تشوف بنفسك!"

تصنّع وجهه العبوس، لتمتد يده فجأة ويباغتها بضربة خفيفة بطرف إصبعه على جبهتها، فصاحت باعتراض ومرح:
— "حرام عليك يا خالي، ده بدل ما تشكرني؟!"
ناظرها بعدم اكتراث وهو يجلس بجوار زوجته التي كانت تتابع مزاحهما بمرح، لتتدخل "اعتماد" ملطفة الأجواء:
— "معلش يا حبيبتي، خالك وإنتي عارفاه عاد، لازم يغلس عليكي."
رددت الفتاة وهي تأخذ مقعدها بجوار الصغيرات:
— "عارفاه طبعاً، ظالم ومفتري!"
هتف بها خليفة مقاطعاً بضحكة مكتومة:
— "بس يا بت بلا وجع دماغ."
ضحكت حسنية تشاركهما المرح، قبل أن يباغتها خليفة بسؤاله المفاجئ:
— "إلا معاذ فين يا أمي؟ مش ينزل يفطر معانا ولا لساه نايم؟"
وضعت حسنية اللقيمة في فمها، تمدغها بتمهل قبل أن تجيبه بمكر:
— "لا يا ولدي، هو مباتش أصلاً هنا."
سألها خليفة بدهشة عقدت حاجبيه:
— "أمال بات ليلته فين؟!"
..............................
جاء الهتاف من حمزة وهو يدفع شقيقه بخفة كي يوقظه، وقد احتل الأخير إحدى الأرائك في صالة منزله ليبيت عليها ليلته، مما زاد من حنقه المكتوم من أفعاله الحمقاء وغير المتوازنة:
ـ قوم يا معاذ متعصبنيش، أنا معنديش طولة بال ولا خلق أتحمل من أصله.
استجاب معاذ لمحاولاته، يستعيد وعيه ببطء، ليعتدل بجذعه ويفرد ذراعيه متمطّعًا:
ـ آآآه يا حمزة.. صحيت والله، بس حاسس بجسمي كله مكسر.
تغضنت ملامح الأخير بضيق ليجلس على الكرسي المقابل له قائلاً:
ـ طبعًا يا غالي لازم يبقى جسمك مكسر من نومة الكنبة، ولا تلاقيك كنت سهران عليها كمان! أنا مش عارف والله إمتى جيت وإمتى نمت؟ إذا كنت أنا نفسي نايم الساعة اتنين.. وإزاي دخلت من أصله؟
لاح الحرج على وجه معاذ وهو يرد على تساؤلات حمزة ببعض التلعثم:
ـ ما هو.. أصل أنا يعني، كنت مخنوق شوية ومش جاي لي نوم على فرشتي، فلقيت رجلي واخداني لحد هنا.. والساعة تلاتة، مكنش ينفع أرن الجرس عليك وأصحيك تتخلع.. فااا.. افتكرت إن كان معايا نسخة من المفتاح في سلسلة مفاتيحي، وفتحت بيه.
ـ صلاة النبي عليك وعلى حلاوتك يا غالي!
قالها حمزة وهو يضرب بكفه على ذراع المقعد بغيظ، ثم أردف:
ـ.. طبعًا يا حبيبي تخش في الوقت اللي تحبه وتفتح بالمفتاح ما هو البيت فاضي مفهوش "مَرَة" تعمل حساب وجودها، والبركة فيك.
مست كلماته نزعة الضمير بقلب معاذ الذي دافع عن موقفه:
ـ يوه يا حمزة، وأنا كان في يدي إيه بس يا واد أبوي وما عملتوش؟ ما البرنسيسة هي اللي راكبها ميت عفريت، كبرت الحكاية وأمها تبعتها، ومعلش يعني من غير زعل، كان واجب أنت تضغط على مرتك.. بدل ما هي مشجعاها.
مال حمزة برقبته أمامه يطالعه بنظرة كاشفة مضيقًا عينيه:
ـ يعني الغلط طلع مني أنا ومرتي في الآخر، وجنابك اللي بريء في القصة؟ اتعدل ياض واخشع عشان أنا على آخري منك ومش عايز أفتح في بداية الغلط اللي منك من أساسه، عشان عارف إنك ندمان، بس الحكاية إنك بتكابر وأنا مش هلومك برضه.. كبّر براحتك، بس المهم تلمها وتعرف تكسب أم ولدك من تاني، لا أخربهالك أنا في الآخر وأقطعها عليك مية ونور.. أنت عارفني لو شغلت دماغي لمصلحتي!
فهم معاذ تهديده، فهو الأوعى بذكاء شقيقه إن همّ بتنفيذ وعيده، وهو يريد القرب، ولا يحتمل عذابًا أكثر في ابتعاده عن زوجته حبيبته وأم ابنه قرة عينه "مؤيد".
ـ أنا خلصت يا بوي، هتيجي توصلني؟
جاء النداء من "ريان" الذي دلف من باب المنزل عائدًا من الخارج مرتدياً ملابس المدرسة، الأمر الذي دفع معاذ للتساؤل:
ـ وأنت راجع ولا داخل؟ كنت فين ياض؟
صدر الرد من ريان بنوع من التفاخر والزهو:
ـ كنت عند أمي مزيونة، سرحت لي شعري وعطرتني، وعملت لي التسريحة اللي بحبها.
عرفت الابتسامة مكانها على ثغر معاذ وهو يبصر ملامح شقيقه وقد تبدلت لغيظ شديد نحو ابنه رائق المزاج، يتمتم هامسًا:
ـ آه يا ابن الكلب.. الدنيا تضرب تقلب وأنت ولا على بالك، راضع تناحة زي عمك!
....................

خرج حمزة من منزله في موعده الصباحي المعتاد لإيصال ابنه ريان إلى مدرسته. تلقائياً، اتجهت عيناه إلى المنزل الذي تقبع فيه زوجته الحبيبة؛ فهزمه الشوق إليها رغم أنفه، ورغم كل ما بينهما من عتاب ولوم. لكن عيناه اصطدمتا اليوم بمفاجأة لم تكن سارة على الإطلاق!
أبصر ذلك البغيض "عرفان" جالساً على المصطبة الطينية أسفل التينة؛ المصطبة التي تحمل أجمل ذكرياته معها، والمكان المميز دائماً لجلساتهما.. يحتله الآن ذلك الغليظ وعلى فمه ابتسامة سمجة!
أشعل المشهد مراجل نيران كانت خامدة في صدره، فتسمرت قدماه بالأرض تاركاً صغيره عند باب السيارة في انتظاره. كان يرمقه بعدائية شديدة، بادله إياها الآخر باسترخاء مستفز. صمتٌ يغلف حديث العيون؛ تحفُّزٌ من جانبه واستفسار حاد عن سبب جلسته هنا، ومكرٌ من الآخر وكأنه يخبره أنه جاء ليأخذ مكانه.
عند هذا الخاطر، استنفرت حواس حمزة حتى همَّ أن يتقدم للاشتباك معه، لولا انتباهه لقدوم "ليلى" حاملة طفلها. شعرت ليلى بشحنة الأجواء، فألقت التحية بحرج:
ـ صباح الخير يا عم حمزة.
جاء رده بغضب مكتوم، متراجعاً عما كان ينتويه حين وجدها تعطي طفلها لهذا البغيض، الذي تناوله وهو يهتف بقصد مستفز:
ـ "هات يا بت.. هاتي حبيب جده هاتي، الواد ده واخد حتة من قلبي يا نسيبي، أصله طالع شبهي بالظبط!"
كم ودَّ حمزة أن يهشّم أسنانه بقبضته ويطرده شر طردة، ولكن كيف يفعلها؟ وقد بدا واضحاً أن الرجل يتخذ الصغير حجة ليتقرب من ابنته و... اللعنة! سوف يقتله لو فكر مجرد تفكير بها.. أم طفله القادم.
ـ في حاجة يا حمزة؟
تساءل "معاذ" الذي خرج هو الآخر من المنزل متعجباً من وقفته الغريبة. التفت إليه حمزة يرمقه بجمر عينيه المشتعل، محملاً إياه مسؤولية هذه المهزلة التي يراها أمامه، ودون أن ينبس ببنت شفة، توجه نحو سيارته ليغادر، تاركاً له المجال ليفهم وحده.
وبالفعل، فهم معاذ سبب غضب أخيه حين رآها.. معذبته العنيدة واقفة أسفل التينة عند المصطبة، وصغيرهما بين ذراعي حميه البغيض عرفان.
...................
وداخل منزلها، لم تكن أقل منه غضباً أو قهراً، ولكن ما الحيلة أمام عاطفة غريزية من ابنتها تجاهه؟ عاطفة الأبوة التي حُرمت منها رغم وجوده، أما الآن وهو يغدق عليها بالحماية والحنان -رغم علم الأم بخبث نواياه- فإن التوقيت الذي يختاره وهي في أمس الحاجة لذلك الشعور، يجعلها تغمض عينيها وتصم أذنيها لتعيش اللحظة ولو بالوهم.
انتفضت من شرودها على إثر نغمة الهاتف العالية؛ اتصال منه، زوجها الحبيب:
ـ ألو.. صباح الخير يا حمزة.
جاءها الرد بتهكم صريح وعصبية مفرطة:
ـ صباح الخير يا برنسيسة، من غير إزعاج لجنابك يعني على أول الصبح، أنا عايز أعرف الراجل جاي ليه دلوك؟ ومين اللي فتح له؟ ومين فيكم اللي طلع وقابله؟
ابتلعت ريقها باضطراب، تحدثه بصوتها الهادئ عبر الأثير في محاولة لامتصاص غضبه، وقد فهمت السبب وراء ثورته:
ـ صلي على النبي يا حمزة وروق بالك حبة، وربنا ما طلعت له ولا شفته، ليلى هي اللي طلعت واستقبلته.
ـ استقبلته! لاه، ده كان ناقص يضايف عندكم كمان!
كادت صرخته أن تصم أذنيها، وهي بالكاد تتحكم في رجفتها جراء انفعاله:
ـ والمصحف ما دخل، ده يدوب خبط على الباب بحجة إنه يسأل على البت وولدها، وهي زي ما أنت عارف عمرها ما تكسفه، ده أبوها يا حمزة، وأنا مقدرش أمنعها عنه ولا أحرمه من ولده.
ـ أيوة، بس تحرميني أنا! عشان يستغل هو الفرصة ويتحرك الأمل جواه.. هتجننيني معاكي يا مزيونة!
خرجت الكلمة الأخيرة بحدة أعلى من سابقتها، لدرجة جعلتها تتأوه وجعاً في اذنها، ولكنها تغاضت من أجل التخفيف عنه رغم عتبها عليه:
ـ الله يسامحك يا حمزة، أنا برضه مش هزعل منك عشان عارفة ومقدرة سبب عصبيتك، طالبة منك تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.. أنا هشدد على ليلى تنبه عليه ميجيش تاني هنا، ولو عايزاه تتصل بيه وتروح له البيت، كده زين يا حمزة؟
وصلتها منه زفرة قوية، تبعتها أنفاس ثائرة لثوانٍ، قبل أن يستعيد هدوءه ويجيبها:
ـ ماشي يا مزيونة.. أما نشوف آخرتها إيه!
......................

استيقظت ولم تجده بجوارها على الفراش؛ كانت هذه المرة الأولى منذ زواجهما التي تباغتها برودة مكانه الخالي. لم تغفُ على صدره، ولم يضمها إليه عنوةً كما اعتاد. ورغم اختناقها أحياناً، وعدم رضاها في معظم الأوقات عن طريقته في إجبارها على القرب منه، إلا أنها في تلك اللحظة شعرت وكأن شيئاً ما ينقصها.. أو.. هل يعقل أنها افتقدته؟! بالطبع لا، ربما هو شعور "الاعتياد" لا أكثر.
نفضت عن رأسها تلك الأفكار الغريبة، ونهضت عن التخت لتخرج من الغرفة وتبحث عيناها عنه في أرجاء الشقة الشاسعة، حتى انتبهت لحركته داخل إحدى الغرف. كان يقف أمام المرآة يرتدي قميصه الأبيض فوق بنطاله، وقد بدا من شعره المبتل وبشرة وجهه الندية أنه أنهى حمامه الصباحي للتو.
التقت عيناها بخاصتيه عبر انعكاس وجهيهما في المرآة، فاستقبلت نظراته بتجهمٍ أعاد إليها ذكريات ما قبل زواجهما. انتفضت عند خاطرها الأخير، لتبادره بالحديث:
ـ صباح الخير، صحيت وملقتكش جنبي، هو أنت صاحي بدري ولا واصل متأخر من مأمورية بره القسم ولساتك هتنام؟
التفت إليها رافعاً حاجبيه باستهجان واضح رداً عليها:
ـ وهنام بقى بهدومي المكوية اللي لابسها حالا؟
ارتبكت وهي تبرر سبب استفسارها:
ـ لا ما أنا.. أنا مستغربة يعني وقولت أسأل عشان...
ـ خلااااص عرفت!
قاطعها بنبرة حادة كالشفرة أوقفتها عن المتابعة، ثم استطرد على الوتيرة ذاتها، وقدماه تتحرك نحو سترة الحلة الملقاة على طرف التخت يتناولها:
ـ دي الأوضة اللي نمت فيها الليلة اللي فاتت، أصل بصراحة رجعت امبارح هلكان من شغلي ومكنتش ناقص كمان خنقة.
صفعتها كلمته الأخيرة، شعرت وكأنها هوت على حواسها لتوقظها على القسوة التي تطل من عينيه. استدركت التغيير الذي حلّ به؛ يبدو أنه لم ينسَ شجار الأمس هذه المرة. أترى الخطأ كان منها حين أصرت على شيء تعرف مستحيل حدوثه؟
ابتلعت غصة في حلقها، فجاء ردها بعتاب ناعم:
ـ الله يسامحك يا كمال، أنا مش هعتب عليك عشان عارفة إنك زعلان مني، بس كانت لحظة غضب من حرقتي على بعد البنات عني

ثبّت "كمال" سترة حلته على كتفيه بصرامة، واستدار عائدا إلى المرأة يمشط شعر رأسه بالفرشاة وفي نفس الوقت يراقب انعكاس صورتها المهزوزة امامه ببرودٍ جعلها تشعر بصغر حجمها في تلك الغرفة الواسعة.د
فاستطرد بنبرة جافة لا مبالية:

ـ بس انا محدش يقدر يزعلني، ابعد ولا اقرب وقت ما احب، يعني لو طلبت معايا ارميكي برا حياتي دلوقتي مفيش حاجة هتمنعني،...... ولا توقفني، 

علمت أن قد غضبه في تلك اللحظة قد تخطى آخره، ويبدوا أن ما قطعته طوال الأيام الماضية من تقدم على وشك أن يضيع في لحظة أن لم تلحق وتصحح خطأها،
فاقتربت منه بخطوات وئيدة، تحاول جاهدة أن تطمس معالم التوتر في صوتها قائلة باستعطاف:

ـ واهون عليك، لدرجادي انت شايل وبايع لمجرد غلطة صغيرة في ساعة عصبية، دا البني ادم ياما بيخربط في اللحظات دي، وعلى العموم برضه حقك عليا

حدق رافعا حاجبيه بنظرة اثارت في قلبها عدم الارتياح  وكأنه يزن محاولتها المستميتة لامتصاص غضبه، قبل أن يقول بلهجة قاطعة:

ـ كويس خالص والله انك عرفتي غلطك، رغم انه اتاخر شوية اعتذارك لأن للأسف انا حالا لازم اللحق واروح شغلي...
قالها وهو يشرع في التحرك فانفرجت شفتيها تهم بالحديث ولكنه سبقها يقطع عليها الفرصة:
ـ ومفيش داعي تحضري اكل، انا هفطر في القسم .

انهى قوله ليتحرك متجاوزاً إياها، تاركاً خلفه رائحة عطره القوية وصمتاً أثقل من الجبال، بينما بقيت هي واقفة مكانها، تتساءل عن القادم في عشرتها معه، 
وان كانت نعومتها والدلال الذي تتحذه منهجا في التعامل معه لم يعد كافية حقاً في تفتيت صخر قلبه الذي يزداد صلابة يوماً بعد يوم، يبدو أنها تعجلت كالعادة قبل أن تجني الثمار.
.......................
قاعد لوحدك ليه يا عطوة؟"
انتفض المذكور من شروده ليلتفت إليها، وقد كان جالساً على بقايا كرسي مكسور فوق سطح منزل والديها في تلك البلدة الجميلة؛ الفيوم التي أحبها وأحب العيش فيها، وقد قرر قضاء ما تبقى من عمره بها، ولكن يبدو أن ذنوب الماضي لن تتركه بسلام.
ـ "عطوة.. أنا بكلمك؟"
جذبت انتباهه للمرة الثانية وهي تسحب وسادة قديمة وجدتها ملقاة في طريقها إليه، لتجلس عليها في مواجهته مستطردة:
ـ "وقاعد وسط الكراكيب! طب قولي كنت وضبت لنا قعدة رومانسية والترعة الجميلة قدامنا."
كانت تتحدث بعفوية، غافلة عن الهمّ الذي اكتست به ملامحه، ولم تنتبه إليه إلا مؤخراً:
ـ "عطوة.. أنت في حاجة مزعلاك؟"
تحمحم يجلي حلقه ليقطع صمته أخيراً:
ـ "وإنتي اللي يشوفك يا نورا يعرف حزن ولا زعل!"
ـ "أمال إيه؟ دي مش طبيعتك يا عطوة، تاخد زاوية بعيدة عن الكل وتختفي فيها.. بس أنا أكتر واحدة عارفة اللي جواك. من ساعة اتصال امبارح وأنت مش على بعضك، حتى نوم منمتش زين، ولا فاكرني مكنتش حاسة وأنت بتتقلب على فرشتك كأنك قاعد على جمر؟ هو جمعة بلغك إيه؟.. وإياك تقولي نفس كلام امبارح اللي مالوش معنى!"
لم يكن يريد التحدث، ولكنها أجبرته بإصرارها أن يفصح عن همه المثقل:
ـ "ما أنا كنت عايزك تطمني لما أقول إن الأمور زينة، بس الحكاية مش تمام واصل."
تسلل الشك إلى داخلها، فسألته بتوجس:
ـ "ليه يا عطوة؟ هو..."
ـ "أيوة يا نورا.. عرفان عرف بحكايتنا، ودور وعمل عمايله لحد ما وصل لجمعة وهدده لو مقالش عن عنواني، بس جمعة عرف يتصرف وعمل نفسه مش عارف، على حسب ما قالي."
ـ "وه!.."
تمتمت بها بتشتت والقلق يرسم خطوطه الواضحة على ملامحها، ليسارع هو بطمأنتها:
ـ "جمعة نفسه ما يعرفش إني في الفيوم يا نورا، يعني حتى مسألة إنك تشكي ولا تقلقي منه زيحيها من عقلك."
ـ "طب ولما هو كدة.. أنت شايل طاجن ستك ليه؟"
باغتته باستفسارها، فخرجت زفرة إحباط مثقلة من صدره، ليصارحها بما يشغل باله:
ـ "أنا عايز أستقر هنا يا نورا، يعني لازم بيت نسكن فيه ومصدر رزق نعيش منه، ما إحنا مش هنقعد عمرنا كله ضيوف على أبوكي وأمك، وإيجار البيوت اللي بيوصلي كل شهر أكيد مش هيعمل حاجة.. يبقى لازم أسوي أموري وأبيع ورثي من البيوت."
صمتت نورا لحظات حتى استوعبت مقصده، فاستنفرت برفض قاطع:
ـ "تقصد إنك تسافر البلد؟ صح؟ طب لأ يا عطوة، وإن كان ولابد من السفر يبقى رجلي على رجلك."
ـ "رجلك على رجلي فين يا مجنونة؟ ده مشوار سد رد!"
ـ "والمصحف ما يحصل!"
صرخت بها بإصرار، قبل أن تنهض وتفاجئه حين ألقت بثقلها على صدره، لافةً ذراعيها حول خصره:
ـ "مش هتحمل حتى قلقي عليك.. عرفان شراني وأنا شوفت سواد قلبه بنفسي وأنت أدرى بطبعه، حنّ عليا ما تلوع قلبي مرة تانية، ده أنا ما صدقت ربنا عوضني بيك."
فهم ما ترمي إليه، فازداد شفقة عليها وألماً يعصر قلبه؛ فهي تخشى تكرار المأساة بفقده كما حدث مع ابن عمها، وهو لا يملك حلاً آخر سوى المخاطرة حتى يحصل على المال الذي يُمكّنه من الاستقرار في عالمه الجديد معها، محواً لما سبق من عمره التعيس قبلها.

ـ...........................
العشق الصامت
هو تلك العاطفة التي تجمع بين اثنين دون قول صريح، ودون كلمات غزل أو قصائد شعرية؛ حبٌّ بطلُه الأوحد هو "النظرات". داخل عينيه تقرأ كل ما يريح قلبها، أما هو فيذوب من نظرة واحدة منها إليه، ولم يكن يصدق أن يجود عليه الزمن بالقرب منها.
داخل حرم الجامعة كانت بداية قصتهما؛ "رغد" الجميلة الرقيقة، متلعثمة اللسان، و"أيمن" العاشق السري الذي كان يراقبها دون أن تدري، حتى حدثت المشاجرة الشهيرة مع ذلك البغيض طليق شقيقتها، وتسبب وقوفه معها في دخوله "القسم" لأول مرة.
ومنذ ذلك الوقت أصبح كظلها، لا يفرقه عنها سوى حضور المحاضرات؛ فهي تصغره بسنتين، الأمر الذي جاء في صالحه لكي يشرح ويوجه ويضعها على الطريق الصحيح في الدراسة دون تعب. والحجة الظاهرة أمام العيان أنه ابن بلدتها ومسؤول عنها، أما القلوب فقد وُشمت بعشقه لها، وعشقها له.
في زاوية هادئة بمكتبة الجامعة، كانت رغد تجلس واضعةً كتابها أمامها، لكن عينيها تائهتان في الفراغ، بينما كان أيمن يجلس قبالتها يشرح لها بتركيزٍ يغالبه الشوق. تحدث بصوتٍ هادئ ومنخفض، وعيناه مسمرتان في الورقة:
ـ شوفي يا رغد، النقطة دي هي مفتاح الفصل كله، لو فهمتيها الباقي هيبقى مجرد تحصيل حاصل.. رغد؟ أنتِ معايا؟
رفعت رغد عينيها ببطء، فاصطدمت نظرتاهما في فضاء الصمت، وتلعثم لسانها كالعادة:
ـ أيوة.. أيوة يا أيمن، ممعاك، بس.. بس الكلام دخللل في بعضه شوية.
ابتسم لها ابتسامةً خفيفة، تلك التي تلمع في عينيه قبل أن تظهر على شفتيه، وقال:
ـ طيب ريحي بالك خالص ولا يهمك، أنا هنا ليه؟ عشان أبسط لك الصعب.
أمسك بالقلم وبدأ يخطط تحت الكلمات الهامة، لكن يده اقتربت من يدها دون قصد، فارتجفت أصابعها وسحبتها بسرعة للخلف. تنحنح أيمن محاولاً مداراة ارتباكه، ثم قال مغيراً دفة الحديث بخفة ظله المعهودة:
ـ أبوي من ساعة ما شافك وكل يوم يسألني عنك: "الراجل العفش ده اتعرض لها تاني ولا لاه؟ واخد بالك منها يا واد ولا أطين عيشتك؟" و...
قطع حديثه ضاحكاً، فشاركته لحظة من المرح وهي تنظر إليه بامتنان عميق، وعيناها تنطقان بما لا يستطيع لسانها البوح به:
ـ شكراً يا أيمن.. على تعبك معايا النهاردة، وكل يوم.
كان ذلك أقصى ما يمكنها التعبير به، فتلقف هو كلماتها القليلة بشوق الصحراء الجافة لزخات المطر. أغلق الكتاب بهدوء محدقاً إليها بنظرة طويلة كافية لتختصر دواوين الشعر، حتى قطع الصمت صوت نداء إحدى الطالبات، فالتفتت إليها رغد هاتفة بمرح:
ـ إيه ده؟ ليلى! معقولة؟
نهضت تقابل زميلتها وتحدثت معها على عجالة، ثم عادت إليه سريعة تلملم أوراقها وتستأذنه في الانصراف لتذهب معها. ظل هو جالساً يراقب طيفها وهي تبتعد، وفي داخله يمني نفسه باليوم الذي تصبح فيه "على اسمه" وخطيبته رسمياً.

........................  
سارعت رغد بخطواتها الهادئة بجوار ليلى حتى استقر بهما المقام في بقعة منزوية من الحرم الجامعي، بعيداً عن صخب الطلاب. جلستا على مقعد خشبي يحيط به شجر الصفصاف، بينما كانت ليلى تبدو مشتتة، تفرك كفيها بتوتر قبل أن تفجر مفاجأتها، وبنبرة حازمة لم تعهدها رغد فيها، حسمت تردداً دام ليالي وأياماً من التفكير المتواصل:
ـ رغد، أنا فكرت كتير وماليش غيرك يترجم لي اللي في دماغي.. أنا عايزة أشتغل يا رغد، وعايزاكِ تساعديني أشوف طريقة أو أي شغل يناسبني دلوك.
اتسعت عينا رغد بذهول، وتلعثم لسانها كالعادة وهي تحاول استيعاب الصدمة:
ـ تـ.. تـشتغلي؟ أنتِ بتقولي إيه يا ليلى؟! ده أنتِ لسه بتدرسي، ومتجوزة، ومعاكِ طفل صغير محتاجك.. ومعاذ! ده لو عرف ممكن يقلب الدنيا، أنتِ عارفاه "مجنون".
هزت ليلى رأسها بأسى، لكن عينيها كانتا تشعان بإصرار غريب:
ـ أنا أكتر واحدة أدرى بجنانه يا رغد، لكن مقداميش حل تاني. مش عارفة أوصلك إحساسي إزاي؟ بس أنا تعبانة ومش هستريح غير بكده، حتى لو ههلك تعب ما بين دراسة وشغل وأمومة، المهم يبقى لي كيان.. حاجة تخصني أنا.
حاولت رغد تهدئتها وهي تمسك بيدها برفق:
ـ بس يا حبيبتي أنتِ مش ناقصك حاجة، وجوزك مش مخلي في نفسك شيء، وعمك "حمزة" شايلك في عيونه.. ليه تفتحي على نفسك باب التعب؟
هنا اعتدلت ليلى في جلستها، تبحث عن رد دبلوماسي تتجنب به إظهار الحقيقة المؤلمة داخلها؛ فمنذ شجارها الفاصل مع زوجها وزلة لسانه حين أخبرها بـ "تفضله" عليها في كل ما فعله لأجلها، أصابت تلك الحقيقة قلبها في مقتل، وجعلتها تود الاستقلال لعدم الاحتياج إليه، أو إلى والدها الذي تعلم جيداً أنه إن لجأت إليه لن يتأخر، لكنها لا تضمن نواياه.
قالت محاولةً الثبات:
ـ شوفي يا رغد، الحكاية مش حكاية نقص فلوس، الحكاية إني مش عايزة أعتمد على حد واصل، حتى لو كان جوزي أو أبوي.. الأيام بتلف، والوحدة لازم تأمن نفسها بشغلها وعلمها. أنا عايزة لما ابني يكبر، يشوف أمه ست قوية ومسؤولة، مش بس "ست بيت" مستنية الأوامر والطلبات.
صمتت رغد لبرهة، وقد مست كلمات ليلى وتراً حساساً في داخلها، رغم خوفها الشديد من رد فعل "معاذ" المجنون بطبعه، والذي لن يقبل أن تخرج زوجته للعمل تحت أي ظرف، فقالت تجاريها بنبرة خفيضة:
ـ طيب.. ومعاذ؟ هتقولي له إيه؟ ده لو شم خبر إنك بتفكري في الشغل، مش بعيد يمنعك من الجامعة نفسها!
زفرت ليلى بقوة، ونظرت نحو الأفق قائلة:
ـ عشان كده جيت لك أنتِ.. عايزة طريقة أبدأ بيها "من بعيد لبعيد"، شغل يناسب دراستي ووقتي، ومن غير ما أعمل مشكلة واصل في الأول. أنا أعرف من زمان إنك بتشتغلي "أونلاين" أو "سوشيال ميديا"، يمكن تلاقي حاجة تناسبني.
.............................     

تناست تعب حملها ووضعها المنهك، لتدلف إلى داخل منزل الزوجية بخطوات متسارعة عاجلة، تدفعها نيران الغيرة التي تنهش أحشاءها؛ منذ أن أخبرها "ريان" بعد عودته من المدرسة عن يومه العظيم، وقضاء وقت الترفيه المشحون باللعب والمسابقات بمشاركة والده وتشجيع تلك "الصفراء المائعة". سوف تقتلها وتتخلص منها! هذه المرأة ببرودها سوف تجعلها تلد قبل موعدها.
وبداخل الغرفة، كان الصمت يلف أرجاءها حين دخلت هي كالعاصفة، بينما كان "حمزة" مستغرقاً في مراجعة إحدى المستندات الخاصة بأملاك العائلة. لم يشعر بوقع أقدامها إلا وهي تقف فوق رأسه، وعيناها تشتعلان بلهيب لم يعهده من قبل. انقبض قلبه فجأة، وترك المستند من يده وهو ينظر إليها بذهول، محاولاً استيعاب ملامح وجهها المشدودة التي لم تترك مجالاً حتى لتبادل التحية.
وقبل أن يستفسر عن سبب حالتها تلك، باغتته هي قائلة:
ـ أنت فعلاً رحت المدرسة النهاردة عند ريان ولعبت معاه كورة هو وزمايله؟
أصابته الدهشة، ولم يستوعب هيئتها تلك مع سؤالها الذي أجاب عنه دون تركيز:
ـ أنا فعلاً كنت عند ريان وخدت دور في اللعب معاه، ليه.. في حاجة؟
خرجت منها شهقة عالية، وتبدلت ملامحها إلى شراسة تامة لا تناسب وضعها كامرأة حامل في شهورها الأخيرة:
ـ يعني لعبت ورقصت باقي اللعيبة زمايل ريان وأبهاتهم عشان تبقى أنت البطل.. والبرنسيسة تديك الكأس عشان تضحك وتهزر معاك؟!
انتفض عند ذكرها الأخيرة وطريقتها المتعمدة في التهكم، حتى كاد أن ينهرها محذراً، إلا أنه سرعان ما استوعب سبب غضبتها، فقال بتسلية:
ـ آاااه.. أنتِ قصدك على "ميس تولين"؟ أما الواد ده لسانه فالت صحيح، لحق يقولك!
لم تشعر بنفسها وكأن شيطاناً تلبسها؛ هجمت عليه بيدها الاثنتين تمسك بتلابيب جلبابه وهي تثور فيه:
ـ وكمان ليك عين وعايز تجيبها في الواد يا حمزة؟! أنا حذرتك مية مرة!
قبض على رسغيها بقوة ليوقف صياحها الهستيري:
ـ اعقلي يا مزيونة وما تخلينيش أتجنن أنا كمان عليكي.. عيل صغير أنا عشان آخد رأيك في كل خطوة أخطيها؟ وبعدين أنتِ مالكيش حق عندي واصل، مادام تاركة البيت وسيباني لوحدي!
قاومت تحاول نزع يدها من قبضته وهي تصيح بقهر يقتلها:
ـ على أساس إني هجرتك يا حمزة؟ دول كلهم كام يوم بس اللي بعدتهم عن بيتك، بالسرعة دي هتتخلى عني وتشوف غيري؟!
برقت عيناها فجأة والظن يطيح بعقلها مستطردة:
ـ ولا يكونش عايز تجيبها ضرة عليا؟ والنعمة لأموتهالك، عارف يعني إيه أموتهالك؟!
بحركة مباغتة منه دفعها نحوه بقوته ليسيطر عليها داخل أحضانه، يخمد تململها بضغط ذراعيه القويتين، هامساً في أذنها:
ـ باااااس اهدي، بطلي بقى جنانك ده حتى عشان العيل اللي في بطنك اللي بتزلزليه بحركتك دي.
تحت سطوة قوته التي طوقتها ومنعتها من ضربه أو الابتعاد عنه، لم تملك إلا دمعتها للتعبير عن مخاوفها وغضبها:
ـ أنا عارفة إنك متحمل فوق طاقتك يا حمزة، وإني أستاهل كل اللي يجرالي منك، بس إلا دي.. وحياة أغلى ما عندك البت دي ما تخليها تقرب منك، وغلاوة ريان والغايب يا حمزة.
ـ شششش..
تمتم بها ليحلها من قيده، يمسح بأنامله دمعاتها، قائلاً بنبرة حانية مشاكسة:
ـ خلاص عملتيها قصة وحكاية ورواية؟ شوفتيني اتقدمتلها ولا بديها ريق حلو أصلاً؟ نفسي أفهم أنتِ حطاها ليه في دماغك؟!
ـ عشان حلوة يا حمزة!
خرجت منها سريعاً، متابعةً قولها غير آبهة بابتسامته المستفزة لها:
ـ حلوة وناعمة ومايصة..... وعينها منك!
صرخت بالأخيرة حتى تحولت ابتسامته إلى ضحكة عالية، يرد عليها:
ـ وأنا عيني من مين؟ مش منك؟ دي لو شافت غيرك أعميها بيدي.
نطق قلبها قبل لسانها:
ـ بعد الشر عليك ما تقولش كدة.
رق قلبه وخارت كل حصونه، حتى نسي العتب واللوم، تاركاً لمشاعره الرد؛ فضمها بشوق كاسح، يطوف على وجهها الجميل بقبلاته حتى استقر على ثغرها المسكر يرتشف منه بنهم، إلى أن استفاق الاثنان من نشوة اللقاء القصير على هتاف ريان:
ـ ماما مزيونة، ليلى جات وخدت مني مؤيد!
انتفضت عند سماع جملته الأخيرة تنزع نفسها منه، لتمتم بكلمات سريعة غير مترابطة وكأنها فتاة صغيرة تخشى أن ينكشف أمرها أمام عائلتها، ثم ذهبت من أمامه مغادرة لتبحث عن ابنتها، ليزفر هو ساقطاً على طرف التخت الذي كان جالساً عليه بيأس، لاعناً كل شيء.. حتى نفسه.

..........................

طال انتظارها، هذه أول مرة يتأخر لتلك الساعة المتقدمة من الليل منذ زواجها به,  أو ربما حدث وهي لم تعلم لانتظامها في مواعيد ثابتة إلى حد ما في النوم ، فأن عام ليلا لم تشعر به إلا وهو ياخذها في حضنه ويغفى حتى الصباح، وحتى السهر لم يكن إلا برغبة أو بأمر منه،
 انتفضت فجأة بتحفز وهو تسمع صوت المفتاح في مغلق الباب الخارجي ، ليندفع إلى الداخل مع ولوجه عائد مع تباشير الفجر، 
بملامح مرهقة يكسوها الغبار والتعب، وكان صوته الأجش يتردد عبر الهاتف وهو يهاتف احد زملاءه الضباط عن هروب أحد "مطاريد الجبل" الخطيرين بشحنة سلاح بعد كمين محكم. كان يتوعد بعصبية مفرطة:
ـ "والله ما هسيبه، ابن الجزمة فاكر انه قرطسنا والمصحف ما هرتاح غير لما أقبض عليه وأقدمه للمحاكمة.. هو فاكر البلد سايبة من غير قانون؟!"
استثناء استماعه إلى رد الاخر وقعت عينيه عليها يطالعها باستغراب فهي لم تنم كعادتها، بل استقباله له  بلهفة وخوف حقيقي عقب انهاءه المكالمة على عجالة، 
ـ حمد الله على السلامة، إيه اللي حصل؟ اللي يشوفك يقول طالع من عركة شديدة ولا حرب 
ازداد تعجبا داخله وهي تسأله عن سبب تأخره وعن الحالة المزرية التي يبدو عليها، لكنه ينفض ذراعه عنها بجفاء، غير قادر على تصديق خوفها عليه فعلاً؛  
ـ ملكيش دعوة، انتي ايه اللي مصحيكي اصلا؟ روحي كملي مع نفسك ومتتعبيش دماغك بحد غير هالة ولا مصلحة هالة.
بصق كلماته واتجه بخطواته الغاضبة نحو الغرفة التي اتخذها ملجأً له منذ أن هجر غرفة نومهما، الأمر الذي ضاعف من يأسها وأشعل نيران تأنيب الضمير في صدرها. ومن غير تفكير، اندفعت خلفه ودخلت الغرفة؛ كان قد خلع قميصه الأبيض، فجرت نحوه وتحتضنه من ظهره وهو بملابسه الداخلية البيضاء.
في تلك اللحظة، تشنجت عضلات جسده بالكامل، وتجمد في مكانه كأنه أصيب بالشلل؛ فمهما بلغ حجم غضبه منها، تظل لمسة واحدة منها كفيلة بأن تزلزل كيانه وتذيب جبال جفائه.
ظل متجمداً لثوانٍ، أنفاسه المتلاحقة تسمع بوضوح في صمت الغرفة، قبل أن يحاول انتزاع نفسه من بين يديها بقسوة مفتعلة، والتفت إليها وعيناه تقدحان شرراً:
ـ نعم حضرتك ، عندك طلب ولا مصلحة الافضل تاجليهم لوقت تاني، اظن ان انت شايفة بعينك الحالة اللي انا فيها، 
وأشار بيده على نفسه من أعلى إلى الأسفل متابعا:
ـ مستنزف من كله، يعني معنديش اي مقدرة لتحمل دلع ولا تمثيل.
تراجعت خطوة للخلف وقد صغعتها كلماته، الهذه الدرجة يراها سيىة ربما هي كذلك ولكنها ليست متحجرة القلب لتراه في تلك الحالة ولا تتأثر , فتقدمت نحوه بخطوة تقول بصوت يرتجف:
ـ أنا مش جبلة ولا عديمة الاحساس عشان اشوفك كدة ومتاثرش، دا انا قلبي وقع في رجلي .. لما شفتك بهيئتك دي ولا هدومك اللي اتبهدلت وصوتك العالي في التليفون
نظر إلى عينيها طويلاً، يستشف الصدق في نبرتها، وصراعٌ يدور داخله؛ فلا يمكنه التخلي عن جفائه لمجرد شعورٍ بالإشفاق لمسه منها، وفي الوقت ذاته هو في أمسّ الحاجة إليها لينسى تعبه في غمرتها، أو يفضي إليها بهَمٍّ يثقله، ولكن كرامته تأبى الضعف أمامها.
زفر معطياً لها ظهره، ثم خطا حتى جلس على طرف "التخت"، يمسح بكفيه على صفحة وجهه وخصلات شعره بإرهاق واضح. وكانت المفاجأة التي لم يتوقعها حين وجدها تباغته على حين غرة، جالسة على قدميه بابتسامة عذبة تشاكس تجهمه:
- "أنا عارفة إنك تعبان، بس قلت ألحق آخد مكاني على رجلك قبل ما تطردني وتمشيني".
تعلم تلك اللعينة جيداً حجم تأثير قربها منه، وهو ما اختارته سريعاً لتُجهز على مقاومته ورغبته في الابتعاد عن محيطها أو طردها كما قالت، ليجد نفسه يطوقها بذراعه دون أن تنبس شفاهه بكلمة، يعصرها في غمرة احتياجه، مريحاً رأسه على موضع قلبها، يسترخي بسماع دقاته المتواترة. امتدت كفها تغرز أناملها في خصلات شعره، تذيب ما تبقى من إرادته، فخرج صوته بما أوقف يدها وجمد عقلها بصدمة:
- "أنا عايز أطفال.. عايز بطنك تحمل بطفل من صلبي يا هالة".
تعليقات



<>