رواية قمر الهواري الفصل الثامن8والاخيربقلم نور محمد
مرت الأيام والأسابيع على ليلة القبض على صفية وطارق. دوار الهوارية رجعله هدوءه، بس هدوء من نوع مختلف.. هدوء مليان بترقب ومشاعر بتغلي تحت السطح.
جرح فارس خف وبقى مجرد ندبة بتفكره كل يوم باللي كان هيخسره. طول الفترة دي، فارس كان بيعامل قمر كأنها ملكة متوجة على عرش الدوار.
كان بينفذ كل طلباتها قبل ما تنطقها، عيونه كانت بتراقبها في صمت، نظراته كلها عشق وندم، بس كان محترم مساحتها اللي طلبتها.
قمر كانت بتدير شؤون البيت بذكاء ورزانة خلت الجد رضوان يعتمد عليها في حاجات كتير، حتى في حسابات الأراضي، وبقت هي الكل في الكل.
ورغم إنهم لسه بيناموا في نفس الجناح، إلا إن المسافة بينهم كانت لسه موجودة. قمر كانت خايفة تسلم قلبها تاني يتجرح، وفارس كان حالف ما يلمس شعرة منها إلا لما تكون هي اللي راضية وطالبة قربه.
في يوم من الأيام، قبل الغروب...
فارس خبط على باب الجناح ودخل. قمر كانت قاعدة على التسريحة بتسرح شعرها الكستنائي الطويل.
أول ما شافته، ارتبكت وحاولت تلم شعرها، بس هو قرب منها بهدوء، مسك إيدها ونزلها براحة، وقال بصوت دافي:
"سيبي شعرك يا قمر.. بيعاند النور وبيخليني أنسى أنا كنت داخل أقول إيه."
قمر وشها أحمر، وبصتله في المراية: "كنت جاي تقول إيه يا فارس؟"
فارس اتنهد وابتسم: "جدي عامل عزومة كبيرة الليلة لكبارات البلد عشان يحتفل برجوع حقه وبراءة ذمتك قدام الكل. وعايزك تلبسي أحلى حاجة عندك.. عايز كل العيون تشوف 'ست الدوار' الحقيقية. السواق مستنيكي تحت، هيوديكي البيوتي سنتر في البندر تجهزي، وهستناكي هناك."
قمر استغربت الاهتمام الزايد، بس هزت راسها بموافقة.
بعد ساعتين، على شط النيل...
قمر نزلت من العربية، كانت متوقعة تلاقي قاعة أفراح أو مكان مليان ناس من كبارات البلد زي ما فارس قال. بس المكان كان هادي تماماً!
شط النيل كان متزين بمئات الشموع والورد الأحمر المفرود على الأرض، وفي النص ترابيزة صغيرة عليها عشا فاخر، ومفيش أي حد في المكان غيره.. فارس.
كان لابس بدلة سودا شيك جداً، ملامحه اللي كانت دايماً قاسية ومغرورة، كانت دلوقتي بتشع نور ولهفة. قرب منها بخطوات بطيئة، وعيونه بتتفحصها بانبهار حقيقي.
قمر كانت لابسة فستان بلون الزمرد الأخضر بيبرز لون عيونها، وشعرها مفرود بحرية، ومن غير نقاب.. كانت آية من الجمال.
"إيه ده يا فارس؟ فين جدي؟ وفين العزومة؟" سألت قمر باستغراب وهي بتبص حواليها.
فارس وقف قدامها، مسك إيديها الاتنين وباسهم برقة، وقال بصوته الرجولي اللي بيدوب الحجر:
"مفيش عزومة يا قمر.. مفيش غيري أنا وإنتي والنيل اللي كان شاهد على غبائي يوم ليلة دخلتنا. اليوم اللي سيبتك فيه ونزلت هنا، وأنا بضحك على نفسي وبكابر إني مش هضعف قدام ست."
قمر افتكرت الليلة دي، عيونها دمعت وبصت في الأرض.
فارس رفع دقنها بصباعه عشان تبصله، وكمل كلامه، بس المرة دي نزل على ركبة واحدة قدامها!
قمر شهقت وحطت إيدها على بوقها من الصدمة: "فارس! إنت بتعمل إيه؟ قوم!"
فارس طلع من جيب البدلة علبة قطيفة صغيرة، فتحها، وكان فيها خاتم ألماسة بيخطف العين، وقال بصوت فيه كل الصدق والرجاء:
"يوم ما لبستك دبلتي أول مرة، لبستهالك بغرور وعمى قلب. كنت غبي، حكمت عليكي بكلام الناس وبمظاهر كدابة. بس إنتي عاقبتيني صح.. كبرياءك كسرني، وعقلك أبهرني، وحنيتك وقت ما كنت مصاب خلتني أتأكد إني من غيرك ولا حاجة."
الدموع نزلت من عيون قمر، بس المرة دي مكنتش دموع قهر، كانت دموع فرحة كانت مستنياها من سنين.
فارس كمل وهو بيبص في عينيها:
"أنا فارس الهواري، اللي عمره ما انحنى لمخلوق، راكع قدامك وبطلب منك تبدأي معايا صفحة جديدة. تقبلي تتجوزيني يا قمر؟ جواز حقيقي، مش على الورق، جواز يتكتب بدمي قبل حبري.. تقبلي تكوني نور عيني وست قلبي ودوار الهوارية؟"
قمر مكنتش قادرة تتكلم من العياط. كل الجليد اللي كان على قلبها داب، كل الوجع اتبخر مع كل كلمة قالها.
نزلت على ركبها قدامه في الأرض، ومسكت وشه بين إيديها الاتنين، وقالت وسط دموعها وابتسامتها:
"أنا بحبك من وإحنا عيال بنجري في الجنينة يا فارس.. عمري ما كرهتك حتى وإنت بتجرحني. كنت بستنى اللحظة دي من يوم ما وعيت على الدنيا. موافقة.. موافقة أكون ليك طول العمر."
فارس ضحك ضحكة طالعة من أعماق قلبه، لبسها الخاتم في إيدها، وقام وقف وشدها لحضنه. شالها ولف بيها وسط الشموع والنيل، وضحكاتهم ملت المكان وعوضتهم عن كل دمعة نزلوها.
بعد مرور عام كامل...
الدوار كله كان متزين بالأنوار، طبل ومزمار بلدي في كل مكان. العمدة "رضوان الهواري" كان قاعد على كرسيه الكبير بيضحك ويهزر مع الرجالة، وبيوزع الشربات واللحمة على أهل البلد كلهم.
فوق في جناح العرسان، فارس كان واقف شايل بين إيديه طفل صغير لسه مولود، بيبصله بحنية الدنيا كلها.
قمر كانت نايمة على السرير، وشها مرهق بس منور بابتسامة رضا.
فارس قرب منها، باس راسها ونام جنبها، وهو بيهمس للطفل:
"نورت الدنيا يا 'رضوان' الصغير.. هتكبر وتبقى سيد الرجالة، بس إياك تطلع غبي ومغرور زي أبوك زمان.. خليك واعي زي أمك، ست البنات اللي علمتني إن الجمال الحقيقي في الروح والعقل، وإن النقاب اللي كانت لابساه مكنش بيخفي عيب.. ده كان بيحرس كنز الهوارية."
قمر سندت راسها على كتفه بحب، وابتسمت وهي بتبص لعيلتها الصغيرة، وقالت بهمس:
"أنا يا إنت يا ليل الزيان.. فاكر الكلمة دي؟"
فارس ضحك وضمها أكتر: "فاكر.. بس دلوقتي مفيش يا أنا يا إنتي.. دلوقتي بقينا 'إحنا'، ولآخر العمر."
تمت
