رواية بين الردي والهدي الفصل التاسع9بقلم نوري


رواية بين الردي والهدي الفصل التاسع9بقلم نوري

الكل على سفرة الفطار كان ساكت تماماً، كل واحد ملهي في اللي في دماغه وبيفكر فيه، مصطفى كان قاعد عينه بتخطف نظرات لفاطمة اللي كانت قاعدة جنبه وبتاكل بآلية وهي بصة قدامها بجمود، وليلى اللي قاعدة الناحية التانية وشها باهت وعينيها منفوخة من قلة النوم وبتقلب في الأكل من غير ما تدوقه، استنى حد فيهم يفتح كلام لكن مفيش، البيت اللي كان دايماً صوته عالي بالضحك والكلام بقى عامل فجأة زي البيوت المهجورة
نفخ بضيق وساب المعلقة من إيده وقام فجأة وهو بيقول بصوت فيه حدة عشان يداري ارتباكه

الحمد لله .. شبعت
الف هنا
ردت عليه فاطمة من غير ما تبصله ف اتضايق وسابهم ودخل أوضته ورزع الباب وراه، اتنهدت بحرقة وبصت لليلى اللي اترجتها بعيونها عشانه، قامت خدت طبقه وعملت كوباية شاي وراحت وراه الأوضة، فتحت الباب ولقته قاعد على طرف السرير حاطط إيده على دماغه بتعب، حطت الصينية على الترابيزة اللي جنبه وقالت بنبرة جافة وخالية من أي مشاعر

كل لقمة يا مصطفى عشان تاخد علاجك

بصلها بعتاب وقال

وبعدين معاكي يا فاطمة؟ هتفضلي كدة لسانك مش بيخاطب لساني؟ هو أنا عملت جناية؟

بصتله بلوم وقالت

أنت عارف يا مصطفى أنت عملت اية، اللي عملته في ليلى مش قليل ومش هيتنسي بسهولة

قام وقف وقرب منها بانفعال

يا فاطمة افهمي بقا، أنا بعمل كل ده عشانها، عشان تكون مرتاحة في حياتها وتتجوز راجل معاه قرش ومعاه شهادة ويقدر يفتح بيت ويصونها، وقبل كل دة ملوش ماضي زي سيف، هو ده بقى جزاتي؟
وسيف تاب خلاص، يا اخي دة ربنا بيغفر ويسامح، هتيجي انت وتعلقله حبل المشنقة، وبعدين هتكون مرتاحة إزاي وهي قلبها معاه؟

ضحك وقال بسخرية

قلبها معاه؟ مين؟ سيف؟ وهي لحقت تحبه إمتى أصلاً؟ هما كانوا بيشوفوا بعض فين ولا إمتى عشان يلحق يحصل بينهم حب وغرام؟

بصت في عينه بقوة وقالت

وأنت حبتني إزاي يا مصطفى؟ أنت شوفتني مرة واحدة بس، ومع ذلك قولت إنك مش عايز غيري وجيت اتقدمتلي، على الأقل ليلى شافت من سيف مواقف، أثبتت إنه راجل بجد، مش مجرد بدلة وعربية

سكت تماماً لما حس إن كلامها فيه منطق هو كان بيحاول يهرب منه، لفت عشان تخرج من الأوضة ف نادى عليها بصوت فيه رجاء

فاطمة .. برضو مش هتنامي جنبي النهاردة؟

وقفت عند الباب ومبصتش وراها وقالت بصوت هادي ومصمم

هفضل مع ليلى يا مصطفى، هفضل جنبها عشان أخفف عنها الوجع اللي أنت سببتهولها، هي محتاجالي دلوقتي أكتر منك بكتير

سابت الأوضة وخرجت وسابته واقف لوحده وسط الحيطان، حاسس ببرد غريب وحاسس إن البيت اللي بناه طوبة طوبة بدأ يتشرخ من جواه بسبب كلمة هو صمم إنها متنزلش الأرض

بعد عدة ايام، نزل سيف الجامع زي ما وعد منصور، الهوا اللي دخل من الشبابيك كان صافي، وريحة المسك اللي في هدومه كانت مالية المكان، كان قاعد في النص وحواليه حلقة من الأطفال، عيونهم عليه بتركيز وحب وكأنهم كانوا مستنيين اللحظة دي من زمان، المصاحف مفتوحة قدامهم وصوت الترتيل مالي المكان، فضل يحفظ فيهم واحد واحد آيات صغيرة يبدأ بيها معاهم وتكون في نفس الوقت مراجعة ليهم لحد ما حس أنهم هيتعبوا ف وقف، أول ما قفل مصحفه ولد صغير منهم قرب منه وقال بلهفة

عمو سيف، مش هتقولنا سنة عن النبي ﷺ زي زمان؟ وحشتنا حكاويك والسنة اللي كنت بتعلمها لينا

ابتسم سيف ابتسامة صافية كانت غايبة عنه بقالها كتير وحس إن روحه هي اللي بترجعله مش بس الضحكة، بص لوشوشهم الصغيره وقال

* من عيوني يا ياسين، بما إننا في أيام مفترجة وفي شهر رمضان الكريم خلوني أسألكم مين الشاطر فيكم اللي بدأ يصلي قيام الليل حتى لو ركعتين بس قبل السحور؟

بدأوا كلهم يردوا بحماس

أنا صليت
أنا صليت يوم ويوم لا
أنا بكسل ساعات يا عمو

هز راسه بتفهم وقال

* ولا يهمكم، بكرة إن شاء الله لو داومتوا عليها جسمكم وقلبكم هيتعودوا وهتلاقوا نفسكم بتنتظموا من غير تعب، بس النهاردة بقى، هعلمكم حاجة كان النبي ﷺ بيعملها في استفتاح قيام الليل

ولد منهم استغرب ورفع إيده وقال

يعني إيه استفتاح يا عمو

قرب منه وبسطله المعلومة بأسلوب جميل

* بص يا بطل، مش أنت لما بتيجي تصلي بتقول الله أكبر وبترفع إيدك؟ أنت كدة دخلت في الصلاة خلاص والمفروض تبدأ تقرأ الفاتحة، صح؟
صح
* أهو قبل ما النبي ﷺ يبدأ يقرأ الفاتحة، كان بيقول كلمات جميلة أوي بتفتح أبواب السماء، تعالوا نحفظها سوا عشان نقولها في صلاتنا بالليل ونبقى شطار، كان النبي ﷺ يقول
الله أكبر (10 مرات)
سبحان الله (10 مرات)
لا إله إلا الله (10 مرات)
أستغفر الله (10 مرات)
وبعدين يدعي ويقول
اللهم اغفر لي، وارزقني، واهدني، وعافني (10 مرات)
وأهم واحدة بقى ومحتاجة تركيز
اللهم إني أعوذ بك من ضيق المقام يوم القيامة (10 مرات)

بدأوا يرددوا وراه بصوت واطي ومنتظم وسيف كان بيصحح ليهم النطق بصبر وطولة بال، لما حس إنهم بدأوا يحفظوا بصلهم وقال بنبرة مؤثرة

* عارفين لو حفظتوا الكلمات دي وقولتوها وأنتوا واقفين بين إيدين ربنا بالليل وعلمتوها لأي حد مش عارفها، إن شاء الله يوم القيامة تلقوا النبي ﷺ عند الحوض وهو راضي عنكم عشان هتبقوا احييتوا سنته وعلمتوها للناس

وشوشهم نورت من الفرحة وبدأوا يتسابقوا مين يديله كشكوله الأول عشان يكتبله الأذكار دي بخطه الجميل، مسك الكشاكيل وبدأ يكتب لكل واحد فيهم في صفحة لوحدها بخط واضح وهو حاسس إن كل حرف بيكتبه بيمحي حتة من الهم اللي كان في قلبه
بعد ما خلص، لموا الأولاد حاجتهم وجريوا وهما فرحانين وبيوعدوه إنهم هيقولوها النهاردة في القيام، فضل قاعد مكانه باصص لأثرهم وهما خارجين، رفع عينه للسماء وهو بيحمد ربنا إنه قدّره يرجع للطريق ده تاني، وإن الأطفال دول كانوا هما الجبر اللي ربنا بعتهوله في عز وجعه

كتير من الناس مش بيبقوا مهتمين بالورد وأثره على حياتهم، تخيل تكون مخنوق ومهموم واول ما تشم ريحته وتتأمل في خلق الله وإبداعه ف تروح خنقتك وتهدى، دة كان احساس ليلى أول ما نزلت المحل من تاني، كانت واقفة ماسكة في إيدها شوية ورد ليليوم أبيض بتحاول تنسق بوكيه كبير، لكن حست انها مش عارفة ف وقفت شوية تفكر في طريقة جديدة وشيك في نفس الوقت
نرجس كانت بتراقبها من بعيد وهي بترقص شوية من ورد اللاڤندر، حست إنها محتاجة مساعدة في قربت منها وحطت إيدها على كتفها براحة وقالت

محتاجة مساعدة؟
- تسلميلي يا نونو. انا بس بحاول اجدد في اللفة
ماشي يا ستي، تعرفي، حساكي النهاردة احسن شوية

سابت الورد من إيدها ولفتلها وقالت

- الحمد لله، كلامك انتي وماما قواني شوية، انا بس محتاجة حاجة واحدة وكله هيبقى تمام
اية هي

طلعت موبايلها من جيبها و ورته لنرجس

- إنه يختفي من حياتي، شوفي .. رسايل ومكالمات قد كدة، مش ساكت وكل شوية يبعت إنه فرحان اني وافقت عليه وأنه رسم حياته معايا في دماغه، وانا مش قادرة حتى أفتح رسالة واحدة منهم، بحس إني بخون نفسي وبخون سيف

بصت نرجس في الشاشة وشافت كمية المحاولات اللي يحيى عملها، هزت راسها بأسى وقالت

الله يسامحه الحاج مصطفى، هو السبب في الدوامة دي، ظلمك وظلم سيف، والظاهر كدة إنه ظلم يحيى كمان معاكوا، يحيى ملوش ذنب يا ليلى، هو دخل البيت من بابه وشاف بنت حلال عجبته فطلبها، ميعرفش إن ورا الباب ده قلب مكسور وقصة تانية خالص

ضغطت على الموبايل في إيدها وقالت بغصة

- ما هو ده اللي مضايقني يا طنط، إنه ملوش ذنب، إنه مخدوع ومش فاهم حاجة خالص، بيبعت يسأل عني ويهتم بتفاصيلي وهو ميعرفش إن كل كلمة منه بتخنقني أكتر، انا حاسة إني شايلة ذنبه و ذنب كدبة بابا اللي عايز يعيشنا فيها غصب عننا، بس انا خلاص عرفت الحل

بصتلها نرجس بأنتباه ف كملت

- انا مش هقدر أستحمل أكتر من كدة، مش هشيل ذنبه لوحدي، يحيى لازم يعرف الحقيقة، لازم يفهم إنه داخل على حياة مفيش فيها مكان ليه، أنا هرد عليه وهحكيله كل حاجة بالظبط
انتي بتقولي إيه يا مجنونة؟ طب وباباكي؟ لو عرف إنك عملتي كدة ممكن يهد الدنيا فوق دماغك، أنتي عارفة دماغه ناشفة إزاي

بصتلها بجدية وقالت

لازم يعرف يا طنط، لازم يعرف إنه مش بيظلمني أنا بس، ده بيظلم الكل معايا، بيظلم يحيى اللي بيبني أحلام على سراب، وبيظلمني انا وسيف، وحى علاقته بماما، لازم يحيى يعرف كل حاجة، وجعه دلوقتي أهون بكتير من وجع العمر كله بعد كدة

فضلت نرجس بصالها وشايفة في عيونها بنت تانية خالص غير ليلى الهادية الضعيفة، ومكنتش عارفة تمنعها ولا تسيبها تاخد حقها من الدنيا اللي جاية عليها بزيادة

في بيت مصطفى، فاطمة كانت قاعدة بتحضر الخضار بتاع الفطار وعقلها داير زي الساقية، بتفكر في مصطفى اللي قفل قلبه وعقله، وفي يحيى اللي دخل حياتهم فجأة وبقى زي الحيطة اللي سدت الطريق، والأهم من ده كله، كانت بتفكر في سيف، يا ترى يا لسه شاري؟ ولا الأيام والوجع اللي شافهم خلوا مشاعره تبرد؟ يا ترى لسه عايز ليلى ولا قرر ينسى ويمشي في طريقه؟ خايفة يكون مصطفى معاه حق وهي وليلى متأملين في سراب. لكن ازاي تتأكد إنه لسة عايزها أو لا
وسط زحمة افكارها، خبط الباب خبطة هادية قامت وفتحت وأول ما شافت اللي واقفة قدامها حست إن روحها ردت فيها، كانت كريمة، جارتها وأختها اللي مبتخبيش عنها حاجة

كريمة؟ تعالي يا حبيبتي ادخلي

دخلت كريمة وسلمت عليها بحرارة وقعدوا سوا في الصالة، بصت حواليها وسألت

امال فين ليلى مش باينة

اتنهدت فاطمة وقالت

في الشغل يا حبيبتي، نزلت تهرب من خنقة البيت، المهم طمنيني على سيف، عامل إيه دلوقتي؟

نور وشها بابتسامة رضا وقالت

الحمد لله، ربنا هداه وثبته، رجع يحفظ العيال القرآن وصوته ملي الجامع من تاني، ربنا يتمم عليه بخير
آمين يارب

ساد السكوت بينهم لحظة، سكوت كان مليان كلام محبوس جوا الاتنين، لاحظت فاطمة إن كريمة في عينيها نظرة تانية ف قالت

مالك يا كريمة؟ حاسة إن ورا سُكاتك ده كلام كتير

عدلت طرحتها وقالت بوضوح وصراحة

بصي يا فاطمة، أنتي عارفة إني صريحة ومش بعرف أخبي ولا ألف وأدور
في إيه يا كريمة قلقتيني

هدت من صوتها شوية وقالت

أدهم شاف مصطفى وهو طالع البيت يوم الخميس وكان معاه واحد وأهله وشايلين بوكيه ورد وبعدها سمعنا زغاريد، قوليلي يا فاطمة، هو ده عريس لليلى فعلاً؟

بان على وشها الزعل واتنهدت بتعب وقالت

للأسف يا كريمة، والناس قروا الفاتحة خلاص
ازاي يا فاطمة؟ إزاي مصطفى يعمل كدة وهو عارف إن العيال عايزين بعض؟

سكتت ومردتش ف كملت كريمة بحذر وخوف من اللي هتسمعه

هو عمل كدة عشان مش عايز سيف بعد اللي حصل صح؟ خايف منه عشان الفترة اللي ضاع فيها؟

فاطمة ارتبكت وحاولت تداري الحقيقة عشان متجرحهاش ف قالت بسرعة

لا طبعاً يا كريمة إيه اللي بتقوليه ده؟ أنتي عارفة غلاوة سيف عند مصطفى عاملة إزاي، ده كان بيعتبره ابنه اللي مخلفوش

سكتت وجت في دماغها فكرة، حبت تتأكد من اللي شاغل بالها عشان تعرف هي هتحارب في أنهي اتجاه، ف قالت بشك مصطنع

هو بس مصطفى خايف يكون سيف صرف نظر عن الموضوع بعد اللي جرى، وتكون ليلى هي اللي لسه متعلقة بيه و واقفة مكانها، يعني خايف يضيع بنته ورا سراب

بصتلها كريمة وقالت بحرقة قلب

مين اللي قال كدة بس؟ سيف حبه مقلش ولا لحظة، ده عمال يدور على شغل جديد في كل حتة عشان يقف على رجله ويتقدملها تاني ويملى عين أبوها، ده ليلة الزغاريد دي، الواد مبقاش على بعضه وقلبه اتكسر يا حبة عيني، كان واقف في البلكونة زي الطير المذبوح وهو بيسمع فرحة غيره معاها

حست بقلبها بيرفرف واترسمت على وشها ابتسامة، كلام كريمة كان هو البوصلة اللي هتحددلها اتجاهها، سيف لسه شاري، و لسه بيحارب، بصتلها وقالت

متخافيش، إن شاء الله هيكونوا لبعض، أنا مش هسيب مصطفى وهتكلم معاه تاني وتالت، بس أنا كمان محتاجة أتكلم مع سيف بنفسي، محتاجة أسمع منه وأتأكد إنه لسه قد وعده
حقك يختي طبعاً، يلا فوتك بعافية بقا
ما تقعدي شوية
لا يا دوب هيطلع بقا احضر للفطار
ماشي يا حبيبتي مع السلامة

قفلت وراها وهي بتدعيلهم بصلاح الحال، وفي نفس الوقت بتخطط إزاي هتواجه مصطفى بـ حقيقة إن سيف لسه موجود، وإن حبه لبنته مقلش لحظة

في محل نرجس، موبايل ليلى كان بيرن على البترينة للمرة العاشرة واسم يحيى منور الشاشة، ليلى كانت بتبصله بنظرة فيها تصميم غريب ونرجس واقفة جنبها بتراقب تعبيراتها وهي بتقول

برضو هتعملي اللي في دماغك يا ليلى؟ أنتي عارفة إن دي مخاطرة وممكن يروح يقول لأبوكي 

 أخدت نفس طويل ومسكت الموبايل

- لازم يا طنط، لازم عشان مظلموش معايا أكتر من كدة، هو إنسان محترم وميستاهلش إنه يبني أحلام على سراب، أنا هنهي المهزلة دي دلوقتي

بعدت شوية في ركن هادي في المحل وفتحت الخط بإيد بتترعش خفيف

- السلام عليكم
عليكم السلام، اخيرا رديتي عليا، انتي زعلانة مني ولا اية
 
ردت بذوق عشان تمهد للي هتقوله

- لا مفيش زعل ولا حاجة، أنا بس كنت محتاجة شوية وقت
طيب روحتي البيت ولا لسه في المحل؟
- لا، لسه في المحل

كان لسه هيفتح كلام ويحكيلها عن يومه لكن قاطعته بهدوء وقالت 

- يحيى .. أنا كنت عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم، ومحتاجة إنك تسمعني للآخر

استغرب نبرة صوتها بس قال بترحيب

يا ريت يا ليلى، ده أنا ما صدقت إننا بدأنا نتكلم، اتفضلي أنا سامعك

 بلعت ريقها وبدأت كلامها

- يحيى أنت شخص محترم جداً وكويس ومش ناقصك أي حاجة ولا يعيبك أي شيئ، وأي بنت تتمنى ترتبط بيك، وأنا والله بقول كدة من قلبي ومش بجاملك، بس أنا مش عايزة أظلمك معايا أكتر من كدة، لأنك تستحق واحدة قلبها يكون معاك

سكتت لحظة وكملت وهي بتغمض عينيها

- الحقيقة إن كان فيه حد في حياتي، و كنا خلاص هنتخطب رسمي، بس حصلت ظروف قوية خلتنا ننفصل، ورغم كل اللي حصل أنا لسه بحبه ومش قادرة أتخيل نفسي مع غيره، ولا هقدر أحب حد زيه

الصمت حل على الخط لثواني كانت كأنها سنين، يحيى صوته اتغير تماماً وبقى فيه نبرة صدمة و وجع

طب .. طب ولما هو كدة وافقتي عليا ليه من الأول؟ ليه خليتيني أدخل البيت؟

قالت بدموع محبوسة

- والله مكنش بإرادتي يا يحيى، الرد اللي جالك بالموافقة وقراية الفاتحة كان من بابا، هو شايف إنه كدة بيحميني وإني لما أرتبط بيك هنسى اللي بحبه مع الوقت، بس أنا عمري ما هنساه ولا هقدر أفتح قلبي لغيره، أنا أسفة إني بقولك كدة، بس كان لازم تعرف عشان حرام تضيع وقتك ومجهودك مع واحدة مش ملكك

اتنهد تنهيدة تقيلة وقال 

عشان كدة مكنتيش بتردي عليا خالص ولا كنتي عايزة تكلميني
- أيوا، كان غصب عني

حست بالذنب لما سمعت نبرة صوته المكسورة، وقالت بأسف حقيقي

- أنا بجد بعتذرلك يا يحيى، انا حبيت أقولك الحقيقة عشان مظلمكش، لأنك بجد تستاهل الأفضل

رد بصوت حزين حاول يداريه وقال

أنا بحترم صراحتك يا ليلى، وشكراً إنك وفرتي عليا وعليكي تعب كبير كان ممكن يحصل قدام، أنا كمان بتأسفلك إني كنت بكلمك كتير وببعت رسايل وأنا مش فاهم إنك بتعاني من ورايا
- متتأسفش، أنت ملكش ذنب في كل ده
عموماً أنا هنهي الموضوع مع الحاج مصطفى، متقلقيش، ملوش لزوم نكمل في طريق مسدود

استجمعت شجاعتها وقالت

- طيب ممكن أطلب منك طلب أخير؟
أكيد
- ممكن متقولش لبابا إني كلمتك أو حكيتلك كل ده؟ مش عايزة الأمور تتعقد أكتر بيني وبينه، وهو أصلاً مضايق الفترة دي
متقلقيش، أنا هخرج من الموضوع من غير ما أعرضك لأي لوم أو عتاب منه، فرصة سعيدة يا ليلى، ويا رب أنتي وحبيبك تكونوا لبعض على خير وتتحل كل مشاكلكم
- ربنا يعوضك بالأحسن مني يا يحيى .. شكراً بجد

قفلوا السكة وليلى فضلت واقفة مكانها، أخدت نفس طويل وطلعته في تنهيدة راحة هزت كيانها كله، لفت وشها لقت نرجس بتبصلها وهي بتضحك 

وشك نور في ثانية كأن هم الدنيا انزاح

ابتسمت لأول مرة من قلبها وقالت 

- فعلا، حاسة إن فيه جبل كان على قلبي وانزاح، أنا كدة ارتحت ومبقتش شايلة ذنب حد

في عز النهار والشس الحارقة كان سيف شايل ملف فيه أوراقه وبيلف على الشركات من الصبح لعل وعسى يلاقي اي فرصة حتى لو أقل من مهاراته وإمكانياته 
وقف قدام شركة كبيرة ف اخد نفس طويل وعدل ياقة قميصه وهو بيحاول يرسم على وشه نظرة ثقة هو نفسه مش حاسس بيها، دخل وبص لموظف الاستقبال اللي كان باصص في شاشة الكمبيوتر وقال

* صباح الخير يا فندم، كنت بسأل لو فيه تقديم على شغل، أنا خريج تجارة ومعايا دورات كمبيوتر ولغات
طيب تسيب الCV ولو فيه حاجة هنكلمك

بلع ريقه وقال بصوت فيه رجاء

* أنا جيت الأسبوع اللي فات وسيبتها، بس كنت حابب أقابل حد من المسؤولين، أنا مستعد أشتغل أي حاجة، حتى لو مخازن، أنا بس محتاج فرصة أثبت فيها نفسي

بصله المرة دي بنظرة باردة خلت سيف يحس إنه صغير أوي

يا أستاذ، قولتلك لو فيه حاجة هنكلمك، الشركة حالياً مبتطلبش حد، والملفات اللي برا دي مالية الأدراج، اتفضل حضرتك عشان متعطلنيش

فضل باصصله وكان عايز يحاول تاني لكن حس إن مفيش فايدة، خرج والكسرة بدأت تنهش في روحه، مشي في الشارع واليأس اتملك منه، قعد على رصيف بعيد شوية وفتح الملف وبص لشهادته

* تلت سنين يا سيف

قالها في سره وهو بيفكر في سنين الضياع اللي مسحت كل مجهوده القديم، كل ما يروح مكان يا إما ميلاقيش شغل يا إما يرفضوه بسبب إن ماضيه مكتوب على جبهته، وإن الناس شامة ريحته في ورقه حتى لو ميعرفوش

* يا رب ..  الدنيا لسه مقفلة في وشي، أنا مش عايز حرام، أنا عايز بس شغلانة تخليني رافع راسي ومتكسرش قدام اي حد

قام وقف تاني ونفض التراب عن بنطلونه، بص للساعة لقاها داخلة على العصر، جسمه كان بينادي على الراحة، بس قلبه كان بيزقه يكمل، راح لشركة تانية ومصنع تالت، وفي كل مرة كان بيسمع نفس الجملة

سيب ورقك
العدد كامل
فوت علينا كمان شهر

المرارة كانت بتزيد مع كل خطوة بيرجع فيها لبيته، كان بيشوف صورته في فاترينات المحلات وهو ماشي، شاب في عز شبابه بس ملامحه شايلة هموم عجوز
لملم أوراقه اللي بدأت تتكرمش من كتر التداول وركب الميكروباص وهو بيحاول يداري ملامح إحباطه عشان أمه وأدهم ميسألوش ويشوفوا الكسرة في عينه، بس الوجع الحقيقي كان إنه كل يوم بيبعد خطوة عن ليلى، والوقت مكنش في صالحه

الليل كان هادي وصوت صلاة التراويح طالع من الجامع اللي في آخر الحارة بيملى الأوضة بسكينة، ليلى كانت قاعدة قدام مامتها اللي ملامحها كانت ساكنة زيادة عن اللزوم وعينها مركزة في الفراغ، بصتلها بلهفة كأنها مستنية منها صك الغفران، بلعت ريقها وقالت 

- هو أنا اتصرفت غلط يا ماما؟ كان المفروض أسكت وأسيبه يبني أحلام ويجيب عفش وهو ميعرفش إني مش طايقة أسمع اسمه؟ ذنبه كان هيبقى في رقبتي ورقبتكم

اتنهدت فاطمة تنهيدة طويلة ومسحت على شعرها بحنان وقالت بصوت هادي

لا يا بنتي، متصرفتيش غلط، الحقيقة دايماً أحسن من الكدب، يحيى شاب محترم وحرام كان يدخل حياتنا وهو مخدوع، وأنتي بكلمتك دي شيلتي حمل كبير من على كتافك

سكتت لحظة وملامحها اتغيرت وكملت بقلق

بس ربنا يستر من رد فعل أبوكي لما يحيى يبلغه إنه مش هيكمل، أبوكي كرامته عنده فوق كل شيء، وإنه يحس إن بنته هي اللي طفشت العريس أو إن كلمته اتكسرت قدام الناس، دي هتبقى هدة كبيرة عليه

سندت ليلة راسها على رجل فاطمة وقالت بيأس

ما هو كان لازم يعرف يا ماما، كان لازم يفهم إن الجواز مش بيع وشرا، أنا تعبت من التمثيل 

طبطبت على كتافها وقالت بنبرة فيها تسليم لقضاء ربنا

خلاص يا حبيبتي، اللي حصل حصل، أنتي عملتي الصح اللي يرضي ضميرك قدام ربنا، سيبي الباقي عليه وادعي بس إن يحيى يخرج منها بشياكة زي ما وعدك، وإن ربنا يهدي سر أبوكي لما يعرف

غمضت عينيها وحست إن كلام أمها رغم إنه محمل بالقلق بس كان زي الماية اللي طفت نار جواها، البيت كله كان غرقان في صمت ما قبل العاصفة والاتنين عارفين إن بكرة مش هيعدي بالساهل، بس على الأقل ليلى النهاردة هتعرف تنام وهي مش شايلة ذنب يحيى في رقبتها

تاني يوم، دخل يحيى مكتب مصطفى و وشه كان هادي لكن جدي، نبرته كانت موزونة كأنه مرتب كل كلمة هيقولها عشان يخرج من الموضوع بأقل الخسائر، أول ما شافه مصطفى وشه نور وقام من ورا مكتبه بترحيب حار وفتح دراعاته وهو بيقول

يا أهلاً يا أهلاً

سلم يحيى عليه بأدب وابتسامة خفيفة وقعد على الكرسي اللي قدام المكتب وهو بيفرك إيده ببعضها وبدأ يمهد للكلام، مصطفى لاحظ سكوته اللي طال ثواني فمال بجمسه لقدام وقال بود

مالك يا يحيى يا ابني؟ شكلك وراك كلام مهم، خير؟

أخد نفس طويل وبص في عينه بصدق وقال

الحقيقة يا عمي، أنا جاي ومعايا أمانة كان لازم أوصلها ليك بمنتهى الصراحة، حضرتك راجل أصيل ودخلت بيتك من بابه، وشوفت منك ومن أهل بيتك كل كرم وذوق، بس أنا جاي أقول لحضرتك إن كل شيء قسمة ونصيب

كلمة قسمة ونصيب نزلت على مصطفى كأنها خبطة مفاجئة، ملامحه اتغيرت واتخطف لونه وسأل باستغراب 

قسمة ونصيب؟ يعني إيه يا ابني؟ إحنا لسه قاريين الفاتحة مفيش يومين، إيه اللي حصل؟ حد ضايقك؟ ليلى زعلتك؟

هز راسه بسرعة ونفى الكلام ده

أبداً والله يا عمي، العفو ده أنتم أهل كرم، الموضوع وما فيه إننا مش متفاهمين ومش مرتاحين مع بعض، أنا قعدت وفكرت وصليت استخارة ومحستش بالراحة اللي تخلينا نكمل طريق طويل زي ده ونفتح بيت

ضرب مصطفى كف بكف بقلة حيلة وقال

يا ابني إنتوا لحقتوا؟ ده أنتم لسه مكلمتوش بعض كلمتين على بعض، التفاهم بييجي مع العشرة والوقت والصبر طيب يا يحيى

 قام وقف بوقار وهدوء وكأنه بيقفل الباب على أي محاولة تانية للنقاش

الراحة النفسية ملهاش علاقة بالوقت يا عمي، دي حاجة من عند ربنا، ليلى إنسانة كويسة جداً وخلوقة وبنت أصول، وأي حد يتمنى يكمل حياته معاها، بس هي مش نصيبي، ربنا يرزقها بالأحسن مني ويرزقني باللي تريح قلبي، أنا حبيت أجي وأقولك وش لوش لأني بحترمك وبقدرك، ومش عايز أعطلك ولا أعطلها ورا وهم مش هيكمل

مد إيده يسلم على مصطفى اللي كان لسه قاعد مكانه مصدوم، حاسس بكرامته بتتهز بس في نفس الوقت مش قادر يلوم يحيى على صراحته ورجولته في المواجهة

فرصة سعيدة يا عمي، وإن شاء الله تفضل المعاملة والود بينا موجودين بعيد عن النصيب

خرج يحيى من المكتب بخطوات واثقة وساب وراه مصطفى غرقان في أسئلة مكنش ليها إجابة، فضل باصص للباب اللي اتقفل وبدأ يحس بنار بتغلي جواه، هو كان راسم ليحيى صورة العريس المثالي اللي وفجأة كل ده اتهد في دقيقة واحدة، قام مصطفى من مكانه بعصبية ولبس جاكتته وهو بيتوعد في سره إنه يعرف إيه اللي خلاه يهرب بالسرعة دي وهو شاكك إن فيه ايد خفية في البيت هي اللي ورا الحكاية دي

                 الفصل العاشر من هنا
تعليقات



<>