رواية عشق شرف انتقام الفصل التاسع9بقلم نور كرم


رواية عشق شرف انتقام الفصل التاسع9بقلم نور كرم

في ڤيلا "ريان"
ابتعد عنها بعد لحظات من الصمت بهدوءٍ وبطء، يرمق ملامحها الثابتة وعينيها المغمضتين بقوة، مما جعل قلبه يخشى ما سيحدث...
أهي تشعر به؟ تشعر بما يريده؟
كيف فعل ذلك أصلًا؟ ولماذا؟

فتحت عينيها بصدمة بعدما شعرت بما حدث، ورمقت عيناه الخائفتين اللتين كانتا تمسحان وجهها بالكامل ببعضٍ من القلق.
حلت الصدمة على محياها الشارد، وفي لحظةٍ استفاقت فيها من هول ما حدث...
دفعته عنها بقوة جعلته يترنح للخلف بضع خطوات واسعة، وهي تقول بصدمة غير قادرة على تصديق ما فعله:
_إنتَ... إنتَ عملت إيــــــــه؟!

_ شرف، أنا آسف بس...
حاول تبرير ما فعل، لكنها انهارت في وجهه بألم وقالت:
_ إنتَ تخرس خالص! إزاي تدي نفسك الحق إنك تعمل كده وتقرب مني؟
إزاي تعمل كده؟ انطق قول!

دفعته في صدره بحدة، لم تؤلمه بقدر ما أوجعه ما فعله بها.
بصت له بوجع وصرخت في وجهه:
_ ما أنت عندك مراتك! ليه؟ ليه أنا؟ ليه تعمل كده؟

كاد يهتف، إلا أنها انهارت وقالت بصوتٍ عالٍ يوضح مدى ألمها مما فعله بها:
_ هشششش اطلع بره... متقربش مني تاني! اطلع بره!!
خلااااص...

هتف بحدة وهو يمسكها من ذراعيها، وعاد يهتف بنفاد صبر من انفعالها غير المفهوم:
_ خلاااص إهدي... صحيح أنا غلطت إني قربت كده، بس أنا مغلطتش في اللي عملته... إنتِ مراتي!!

_أنا مش مراتك... إنتَ عارف وأنا عارفة إنك متجوزني عشان تنتقم من أبويا... جاي دلوقتي تقولي مراتي!
هتفت بنحيب ودموعها تتسابق على وجنتيها، ليزداد هو غضبًا وقال بحدة مؤكدًا على ما قال:
_ أيوه مراتي... وده حقي أنا!
وحقي إني أقرب منك في أي وقت...

وفي لحظة، دون وعيٍ منه، قال بحدة تلهب قلبه اشتعالًا:
_ ولا أنا مش أحسن من اللي غلطتي معاه... وبقيتي حامل منه في الحرام!!

_آخرس!!
صُدمت مما قال، ولم يجد إلا صفعةً قوية تهوي فوق وجنتيه.
جحظت عيناه بصدمة، واشتعلت فيهما نار الغضب. أمسك ذراعيها بعنف في لحظة، وهو يقربها منه بشدة، ورمق عينيها بحدة وقال:
_ إنتِ إزاي تتجرئي وترفعي إيدك عليا؟ إنتِ اتجننتي؟
إيه؟ وجعتك أوي كلمتي؟ ما هي دي الحقيقة ولا نسيتي...
ولا نسيتي إنك حامل في الحرام... من واحد ما نعرفهوش أساسًا!!

دفعها بعنفٍ للخلف، وللحظة كاد الغطاء ينفلت عن صدرها، إلا أنه جذبها بقوة إلى صدره، ممسكًا بطرفه جيدًا قبل أن ينفلت عنها...
رمقته بألمٍ لا ينكر أنه صفع قلبه صفعًا، وقالت بنبرةٍ يملؤها القهر:
_ أنا بكرهك...

ضغطت على كل حرفٍ تقوله لتزيد عذابه وحيرته، وتزيد آلامه بأنها لن تعشقه أبدًا بعد الآن...
أفلتت قبضته عن خصرها بعُنف، وهي تبتعد وتدلف إلى غرفة الملابس سريعًا، بعيدًا عن عيناه الحادتين المملوءتين بالألم.

تأفف بضيق وأزاح خصلته بعنفٍ إلى الخلف.
دلف إلى الشرفة وأخرج لفافة يدخنها، يخرج بها غضبه البادي على محياه، والذي يشعل قلبه لهيبًا.
حائر ويلوم لسانه عما تفوه به دون قصد، وأنه قسى عليها وكسر كبرياءها وحطم خاطرها وقلبها...

استطاع أن يرى الكره في عينيها...
واستطاع أن يعرف بأن الحب بينهما مستحيل.
عليك أن تنسى يا "ريان"... عليك أن تنسى. 

أما بداخل الغرفة فكانت تبكي بحرقة.
قلبها يتألم وبشدة... هي من فعلت هذا بنفسها.
هي التي وجعت نفسها وكسرتها... هي السبب الذي جعل واحدًا مثله يأتي ويقول لها كل هذا الكلام القاسي.
هي تكره...
وتكره حياتها...وتكره نفسها...
وتكره من كان السبب في قتل روحها...
وفقدانها لعذريتها... وفقدانها لحيائها وشرفها... وهدم دنياها.

هي لم تعد قادرة على الاحتمال...
كلما ظنت أنها ستعيش، تأتي صدمة وتسقطها من سابع سماء إلى سابع أرض.
لم تعد تستطيع التحمل... لم تعد تستطيع...

•       •       •       • 
في صباح يومًا جديد
مدخلش الاوضه ولا شم طعم النوم فضل بعيد عنها أحسن ميشوف الكره اللي جوه عيونها تاني... 
قرار يدخل يلبس ويطلع بره البيت كله.. أحسن مليون مره من العذاب اللي بيشوفه... معاها واللي مش قادر يفسره غير انه بقا مجنونه بيها ومش قادر يطولها. 

أما هي فلسه علي حالها قاعدة زي مهي.. حتي محولتش تغير هدومها ضما ركبتها لـ صدرها وجسمها كله بيتنفض.. مش قادرة تحس الحياة وكأنها بتتمني الموت أفضل 
تنساب قطرات الدمع من عينيها الجميله والحزينه بشدة 
فكان ينفرط عليها القلب... ويتألم إذ رأها... 
شادرة ولا تجد شيئًا مفيد بتلك الحياة 

هي ليه عايزه تجيب الحياة دي... ليه عايزه تقسى عليه كده.. 
أبتسمت بواهن... ابتسامه خاليا من الحياة وهمست بألم وحيرة: 
_ قال وأنا اللي عايزه أعيش عشانك 
طب هعمل كده ليه؟ 
ليه أجيبك في دنيا قاسيه مبترحمش حد لا قريب ولا غريب بيرحم.. 
كل واحد بيشوف جرحك فين ويدوس عليه بالجامد 
وكأنه مخلوق بس عشان يقهرك... 
يشيخ ملعون أبو الدنيا اللي عامله فينا كده، ملطشه كل واحده وماشيه تدب وعامله مش واخده بالها!؟ 

ذاد نحيبها وعادت تكمل بالمٍ أكبر تبكي بشد يتقطع عليه نياطُ القلب: 
_ هو أنا ليه حظي في الدنيا قليل!؟ 
ليه كل حفره يطلعلي منها مليون عفريت...؟ 
تعبت يا رب... والله تعبت ومش قادرة.. 

أغمضت عينيها بألم وهي تتذكر ما قاله لياة أمس فهو محق عنده كل الحق، أبتسم أبتسامه خالية من الحياة وقالت بنبره يملأها القهر: 
_ طب... طب مهو عنده حق.. 
كل كلمة قالها كانت صح، انا واحده مش كويسه باعت نفسها.. وباعت جسمها وشرفها حتي خسرته.. 

بكت... بكت بحرقة واضافة: 
_ أنـ... أنا مستهلش أعيش.. 
أنا موجوعه أوي محدش حاسس بيا يا رب، أنا تعبت.. 
طب لو أنتَ سامعني ساعدني... 
ورجعلي قلبي اللي أتقتل أو خدني عندك وريحني وريح أبني من العذاب... يا رب والله أنا بحبك ونفسي أشوفم 
خدني عندك... وانـ... وانا والله هرضا بإي حاجه تخترهالي.. 
الدنيا وحشة أوي مبقتش قادرة أستحملها خلاص.. 
صبري نفذ وروحي تعبت.. 

دفنت وجهها بين أناملها ببكاء والم، بينما من الخارج كان يقف بحيرة.. 
يشتعل قلبه بالم علي ما سمعه منها... 
هو عارف إنه غلط معاها بس متصورش أنها تعبانه أوي أوي كده؟! 
تنهد بعمق وهو بيفكر.. إزاي هيقدر يصلح الغلطه دي.. إزاي هيقولها أنه بيحبها وانه مستعد يفديها بروحه 
آاااااه... الطريق طويل... طويل جدًا!

لبس هدومه وخد، حاجته وخرج بره قوضتها.. 
بينما هي اول مسمعت صوت الباب اتنفض قلبها بقوة.. وكأنها أتقفل عليها هي؟! 

•          •             •           •
أما في الخارج.
كان نزل من على السلم، فواجه التانية في وشه ملامح الغضب ملكة وشها... وكأنها مش ناوية على خير أبدًا:
_أنتَ رايح فين على الصبح كده!؟

قالتها "هنا" بغضب، لكنه رد عليها بجفاء وقال:
_ملكش دعوة!

_إزاي يعني مليش دعوة.. مش كفاية... مش كفاية اللي عملته إمبارح وإنك نتقط اسمها وأنتَ في حضني
قالت بفحيح وغل بيتطاير من عيونها اللي مليانة شر، لـ يتأفف هو بضيق وقال بنبرة حادة:
_ "هــــــــــــنــــــــــــا"... أبعدي عن سمايا دلوقتي.. أنا مش فضيلك ولا فاضي لكلامك ده!!

_وليه إن شاء الله.. مش فضيلي.. ولا هي ست هانم خلاص، بقيت أحسن مني!
قالتها بكره شديد، وحقد ملي كلامها قبل قلبها، رمقها بحدة وقال مؤكّدًا على ما تقول قاصدًا أشعالها:
_أيوه أحسن منك.. ارتاحتي بقى، خليني أغور من هنا... يووووووه!!

تركها ورحل بسرعة قبل أن تنفلت أعصابه أكثر من ذلك، لتدبّ هي الأرض بقدميها بغيظوصرخت بكره يملأ عينيها الحادة:
_آااااه.... أنا هوريك أنا هعمل فيك هوريك؟

رمقت غرفتها بعيون حادة، وفي خطواتين كانت بتطلع على السلم... بسرعة البرق، وهي مش شايفه قدامها غير شطانها وبس...
رزعت باب أوضتها بغل وهي بتنادي عليها بصوت عالي:
_ "شـــــــــــــــــــــرف"
أطلعيلي.. اطلعيلي يا خطافة الرجالة!!

رفعت التانية عينيها من بين كفها... والدموع لسه مغرقة وشها، لقتها بترزع الباب عليها وبتدخل من غير استئذان.
وفي لحظة صمت كانت التانية بتولع أكتر وهي شايفها من غير هدوم، يعتبر مفيش غير فوطة الحمام الملفوفة حولين جسمها...
زاد حقدها أكتر، هي شايفها، قدمها يعني أكيد حصل مبنهم حاجة

مهتمتش لدموعها ولا لشكلها أبدًا، مشفتش غير إنها عايزة تقتلها وخلاص...
هجمت عليها في لحظة، والتانية معرفتش تهرب حتى...
مسكتها من كتفها وهي بتهزها بعنف وضربتها بالكف على وشها، وهي بتصرخ بفحيح كالأفاعي:
_بقى انتِ يا حتة زبالة... مش عارفين جايبينها منين؟ أنتِ تخطفي جوزي مني... آه دانا هقتلك...

رجعت لوار وهي بتبصلها بحقد، وهدرت بفحيح:
_لا وكمان لابسة كده ليه يختي فكره هينسى الهانم بيكِ أنتِ... دانا هموتك، هموتك النهارده!!

كانت بتحاول تهرب من تحتها، مش قادرة عليها خلاص، قوتها خلصت، مبقتش قادرة تاخد نفسها.. ولا حتى تتحرك من شدة قوتها فوقيها...
_أوعي... ابعدي عني، أوعــــــــــي!!

صرخت بألم وهي حاسة إن روحها بتروح منها، مش قادرة تدافع عن نفسها
بينما الآخرى مستمعتش لصرخها ولا نحيب صوتها اللي بيروح من كتر الصريخ... وهي بتحاول تدافع عن نفسها.. 
كانت هاجمه عليها زي الأسد اللي بيهّجم علي فريسته! 
_ أبعد عنـي... أبعدي يا مفتريه... جوزك هناك روحي خوديه!! 

صرخت بألم وهي حاسه بضربتها اللي بتزيد عُنف وغل، بتحاول تبعدها لكن مش عارفه تعمل كده! 
وفي مكان تاني بره الغرفة... جريت "سميرة" تخبط على ولدته"كريمه" وفي ثانية فتحت الباب بسرعة، وتخضّت لما سمعت صوت الصويت، وقالت بصدمه:
_إيه ده، في إيه يا "سميرة"؟ إيه اللي بيحصل!

اندفعت "سميرة" بنبرة خايفة، وهتفت:
_الحقي يا ست هانم... الست "هنا" هجمّت على "شرف" هانم... الحقوها بسرعة يا ست هانم، هتموتها!!

كشرت الأخرى عن أنيابها، وصعدت الدرج بسرعة قصوى،
عشان تلحقها، دخلت الأوضة ولقتهم في غرفة الملابس، الصويت سكت فجأة...
بينما "هنا" لسه بتصرخ فيها بفحيح:
_أنا هموتك... هموتك يا شرف!!

_هــــــــــــــــنـــــــــــــــــا... انتِ بتعملي إيه!؟
صرخت "كريمة" بحدة، أوقفتها في لحظة، وهي بترفع إيديها اللي اتملت بدم وجهها اللي اتورم من كتر الضرب، بصت على البنت المسكينة، فكانت لا حول لها ولا قوة... تحتيها بتلفظ في أنفاسها الأخيرة، ضربت بكف على مقدمة صدرها وقالت بصدمه:
_يلهوي.... إيه اللي انتِ عملتيه ده؟!

_سيبني أموتها وأخلص منها... خلاص، مبقتش قادرة أستحمل!
قالت بحقد سام يخرج مع كلماتها، لـ تبعدها الأخرى بقوة عنها وقالت بحدة:
_ابعدي عنها... أوعي!!

وقفت أمامها، فصفعتها بقوة على وجنتيها، وهدرت في وجهها بفحيح:
_أنتِ مجنونة... أنتِ عارفة لو ريان شاف اللي انتِ عملتيه ده هيعمل فيك إيه!!! !؟

_ أحسن... مـ.... 
كادت أن ترد، ولكن الآخرى ردّت عليها بصفعة أخرى على وجنتها أشد وأقوى من قبل...
هدرت بحدة:
_أخرسي خالص... أمشي غوري... غوري على أوضتك!

دفعتها بحدة خارج الغرفة حتى رحلت تمامًا، وهي تطوّي الأرض أسفلها.. يزداد غاضبها لأنها لم تستطع قتلها أبدًا!!

أما بداخل... فصرخت "كريمة" بحدة:
_ "سميرة... تعالي معايا، خلينا نشيل البنت، ندخلها الحمام بسرعة قبل ما يجي..." ريان ويخرب الدنيا!

رمقتها ببعض من الكره، ولكن ممزوج بشفقة على حالتها الميؤس منها...
يمكن هي مبتحبهاش، بس لازم تعالِجها عشان خاطر ابنها...
وضعتها في البانيو الخاص بالاستحمام بعد أن ازاحت عنها تلك الشرشف الممزق...والملئ بالدم. 

غسلت لها جسدها سريعًا، وجففته جيدًا حتى ساعدتها "سميرة" بأنها جبتلها بجامة تلبسها بدل جسمها المكشوف...

زفرت ما بداخلها بضيق، وانتهت مما تفعل بوضعها فوق الفراش وتأكدت من أنفاسها التي باتت منعدمة،
رمقتها "سميرة" بحزن شديد، وقالت بنبرة خايفة:
_متخلينا... نجبلها الدكتور يا ست هانم... البنت حالتها صعبة أوي!!

_أسكتي أنتِ، هي بقيت كويسة أهو، روحي على شغلك!
هدرت بها بحدة أفزعتها، لـ تخفض الأخرى رأسها بحزن... وتركت الغرفة راحلة ينشق قلبها علي تلك المسكينة ...
تنهدت الأخرى بعمق وهي ترمقها وقالت بحيرة:
_مش لو مكنتش بنت سميحة وراشد... كنت شفقت عليكِ شوية... بس للأسف، كرهي ليهم رح لأي حاجة تجي من رحتهم.. وده غصب عني... مبحبكيش.. ومش هقدر أتحكم في حاجة زي دي!

تنهدت بعمق، ورفعت حاجبيها بضيق، وتركتها ودلفت خارج الغرفة!
بينما الأخرى تقبع داخل الفراش لا حول لها ولا قوة... ترتجف كما يرتجف الطير في البرد القارس.
تحاول أن تأخذ أنفاسها، ولكنها لا تستطيع. كل شيء يؤلمها: وجهها، جسدها، روحها، قلبها ونفسيتها... كل شيء متعب وبقى لا يُحتمل خلاص.
هي مش عايزة غير الموت ييجي ياخدها ويرحمها.

•       •      •
وفي مكانٍ آخر،
في إحدى الأراضي الزراعية لـ "راشد الهلالي"،
كان واقف ريان وحوله عامة الناس، يظهر على وجوههم الشقاء...
يهتفون بكل طاقتهم لـ ريان الواقف أمامهم،
حتى وقف أحدهم وقال:
_ وانا يا ريان بيه... عايز أزوّد مرتبي... يعني إيه راجل كبير في السن  كبير زيه وبناته على وش الجواز ومش عارف يجهزهم.. أنا قبضي 4000 جنيه بس يا باشا، وأنتَ عارف الحياة والمصاريف مبقتش تساعد!!!

تنهد ريان بعمق وهو يقف بشموخ الصقر بينهم، وأصدر قراره الصارم:
_ أنا قولت اللي عندي كل مزارع وكل عامل شغال في المصنع من بتوعي مرتبه ميقلش عن 10000 جنيه.. وغير كده كمان ليه تأمين مني على حياته زي موضوع المعاش، يعني لو أنتَ كعامل بقيت فوق السن، مرتبك الشهري بيوصلك كل أول شهر زي ما هو!!
ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها!!

عاد يرمق ذلك الرجل العجوز على مشارف "الستنات" وقال بهدوء:
_ وأنتَ يا حج بلال... جهاز بنتك عليّ من الإبرة للصاروخ.

عاد يرفع صوته بقوة هادرًا:
_ وإي حد هنا عنده طلب تاني... يقولي! بيتي هنا، وعلى ما أظن، إنه ميتهوش.. كل حد عايز حاجة، رجلتي هتتكلف بيه... وسلام عليكم!!

_ الله أكبر.. الله أكبر عليه... الله يعمر بيتك يا رجل يا طيب!
هتف بها جميع العمال أمامه، حتى رفع هو يديه بمعنى الشرف والتحية لهم، وابتسم بفخر على تقديرهم له،
ولكن!
وسط صوتهم العالي وشكرهم له، طلقة نارية أطلقت في الهواء في لحظة جعلت الدم ينشف في العروق... وبعد ذلك ظهر المدعو بـ "رفعت" رافعًا إحدى حاجبيه بتعجب وقال بفحيح:
_ أنا مش فاهم حاجة.. إيه اللي بيحصل هنا ده؟ وليه الناس مش بتشوف شغلها!

افترقت الناس بخوف لحظة دخوله، خوفًا من بطشه وظلمه الذي لم يُمسّ منه أحد حتى بعد أبيه.
ابتسم ريان ابتسامة خالية من المرح، وعاد بهدوء وجلس على كرسيه واضعًا قدمًا فوق الأخرى بتعالي، كأنه لا يراه، وقال بهدوء:
_ اقعد يا ابن عمي، واقف ليه... والله كنت منتظر دخولك!!

رمقه الآخر بغضب وهو يرى أنه مهملاً، ولعت الدماء في عروقه.. قرب منه وبعكزه الذي بسند عليه أثر الحادثة، ضربه في كتفه ببرود وقال بفحيح:
_ المفرود لما تدخل الأسياد، العيال هي اللي تقف من مكانها.. مش العكس يا ابن عمي!!

تجمع رجال ريان حوله.. ليُرفع رجال الآخر سلاحهم.. ضحك ريان بصفرار، وواقفًا من مرقده، أغلق بذلته بوقار وقال بهدوء:
_ أنا من رأيي نتكلم بالهدوء... ملوش لزوم الخناق.. أحسن أنا كلمه مني، رجلتي اللي أنت شايفها دول... تنسر عضم رجلتك اللي أنت فرحان بيهم دول!!

_ إحنا قدها يا كبير، سبنا عليه واحنا هنعرفه مين الرجالة!
اندفع أحد رجال "رفعت" بشهامة، تملي صدره، ليضع الآخر كفه يمنعه من العبور وقال ببرود:
_ ملوش لزوم يا "سليم"، البيه ضيف في أرضنا برضه..

ابتسم ريان ببرود وقال:
_ لاء، بتفهم برضو!!

جلس على كرسيه، وجلس الآخر مقابله.. رمقه الآخر بغضب وقال بفتور:
_ أيوه... قولي بقى إيه اللي في راسك، أحسن! اللي فهمته كلام كبير، أنت مش قدّه!!

صدّحت ضحكات ريان عالية، ضحكة لا تمس المرح بصلة، وقال من بين ضحكاته:
_ بجد ضحكتني كلمتك دي... حسستني إني في وادي الذئاب...

عاد يهتف بحس فكاها:
_ متفكها كده وبلاش تقفش، وبعدين يا صحبي آخد الحق حرفة... وأنا قدها وقدود!!

رمقه  الآخر بغليل، وهو يقف من مكانه بسرعة قائلاً بفحيح:
_ الظهار أن الكلام مش هينفع معاك نهايته!!

_ أبوك يكتبلي حق أبويا اللي خده كله، وبرضو مش كفاية!
قال ببرود، وهو يرتشف قليلاً من كوب القهوة بين أنامله،
رمقه الآخر وضحك عاليًا وقال:
_ آه حقك... دانت شكلك مجنون بقى وجي تعشها علينا!!
يعني بتطلب بحقك ومش كفاية، أمال عايز إيه كمان؟ ونبي قولنا أصل الرجالة نفسها تضحك!!

نظر كل الرجال لبعضهم وضحكوا على اللي بيقوله، ليبدلهم ريان ابتسامة باردة ولكن غامضة وقال:
_ يموت... زي مقتل أبويا... آخد حقي وأبوك يموت!

تلاشت الضحكة عن وجوههم.. وهم يرمقون نار الانتقام تملأ عينه، ليرفع الآخر حاجبيه وقال:
_ لأ... دانت شكلك مجنون بجد ولا إيه؟

_ تقدر تقول كده..
قال بابتسامة، وهو يعود مكانه، ليكمل ما سيقول هادئًا:
_ أنا قولت اللي عندي ومش همشي من هنا غير لو الحاجتين دول حصلوا... تبّت بقى في الدنيا وقال لاء ولوع... ساعتها هيبقى ردي غشيم، مش هيعجبك لا أنت ولا أبوك!!

تنفس الآخر بضيق ورفع عباءته بهيبة فوق كتفيه وقال بفحيح:
_ طيب يا غشيم، عشان شكلك مش بتفهم.. كلمتين ورد غطاهم.. تطلق "شرف".. وتاخد رجلتك وترجع مطرح مكانك أحسن، وقسمًا بالله ردي أنا اللي مش هيعجبك!

وقف ريان من مرقده وهو يرتدي وشاحه الثقيل بمساعدة رجاله وقال ببرود قبل أن يتركه ويرحل:
_ أتصدق خوفتني... أبعد عن من وشي!

تركه ورحل، ترك نيرانه تشتعل... وعيناه يتطاير منها نار الكره.. ليتافف بضيق وقال بصوتٍ عالٍ:
_ طيب يا "ريان"، أنا قولت اللي عندي، ولو أنت تقدر توقف وشنا...أوقف

أقترب سليم وذراعه الأيمن لـ "رفعت" وقال بغليل:
_ هو أنتَ ليه تاعب نفسك يا كبير؟
مطلقتين في صدره خلص الحوار!

_ لا يا "سليم"، الراجل ده في إيده حاجة كبيرة، عشان يقعد قدامي ويتكلم بالثقة دي!
قالها بنبرة غامضة وهو يتابع طيفه لحد اختفائه، ليعود قائلاً:
_ وأنا... بإذن الله هعرفها!! وهخلص عليه بأيدي!

•           •        •       •
وفي المنزل..
بينما هي قد أُغشيَ عليها ولم يشعر بها أحد قط..
كانوا هم بالأسفل يمارسون حياتهم الطبيعيّة، وكأنها حيوانٌ أو ما شابه.
دخل "ريان" فجأة من الباب، وهو يزفر بضيقٍ شديد.. حتى وجدهم أمامه.
تسرّب الدم من عروقهم خوفًا ممّا قد يحدث بعد قليل.
_ مالكوا قاعدين كده ليه.. وبتبصولي أوي  كده ليه!؟

قالها بنظرات شك، من نظراتهم المريبة بالنسبة له.
لتتنحنح "كريمة" وقالت بابتسامةٍ مرتجفة:
_ أبدًا يا حبيبي... مفيش حاجة!!

قطّب حاجبيه بتعجّب، لكنه لم يهتم كثيرًا.
كان لسه هيطلع أوضتها يطمن عليها...
لكن أوقفه صوت "هنا"، اللي اتعلّقت في إيده برجاء وقالت:
_ استنى يا ريان... ما تقعد تتغدى معانا!!

رمق غرفتها من الأسفل...
جزءٌ منه يريد الذهاب إليها، وجزءٌ آخر لا يريد أن يرى ما فعله بها عمدًا.
تنهد بعمق، ورمق زوجته بهدوء وقال:
_ طيب...

فرحت بشدة إنه مرفضش طلبها، وهدي توترها شويه وإنه مطلعش الأوضة يشوف المصيبة اللي عملوها ومخبينها عليه.
جلس على طرف السفرة، وهو يحاول أن يبتلع الطعام ولكن لا يقدر...
وكأنها باتت خياله الأسود الذي لا يفارقه.
تنهد بعمق وقال بهدوء:
_ إنتوا ليه مش بتنادوا "شرف" تاكل معاكم... لازم تعرفوا كويس إنها بقت جزء من العيلة!

تلجمت ألسنتهم، ونظر كلٌ منهم للآخر بنظرات خائفة.
لتقطع والدته الصمت وقالت ببرود:
_ إنتَ عارف إني مبحبهاش... بس مع كده...
مع كده أنا خليت "سميرة" تناديها وهي مرضتش تنزل .
روحت خليتها تبعتلها الأكل في الآخر...
أنا مش مفتريه ولا ظالمة عشان مخلهاش تاكل يعني!!

تنهد بعمق، وهز رأسه قائلًا:
_ أنا عارف يا أمي... ويلا بقى الحمد لله.

وقف من مكانه في لحظة خطفت أنفاسهم، وقال:
_ تصبحوا على خير!!

نظر إلى حماتها بخوف، لتدفعها الأخرى بقوة وقالت:
_ روحي... وقّفي جوزك، ما تخليهوش يطلع فوق!

_ أنا مش عارفة إحنا بنحاول نخبي إيه مكانا...
موتناها ودفنها وخلاص... وبعد كده نقوله هربت!
قالتها بتذمر وحقد، وكأنها لم تتعلم بعد من خطئها.
لتقرصها الأخرى في ذراعها وقالت بغضب:
_ قولتلك قومي إنجزي!!

وقفت من جلستها وذهبت خلفه بخطى راكضة، لعلها تلحق به وتوقفه عن الصعود نادت بصوتٍ عالٍ:
_ ريان حبيبي!!

قطّب حاجبيه، والتفت بجزعه العلوي وقال بهدوء:
_ إيه يا "هنا"؟

ابتسمت بمكر وهي تقف أمامه، وقالت بحزنٍ زائف:
_ ريان حبيبي... هو إنت زعلان مني في حاجة؟

تنهد بعمق، وهو يبعد نظره عنها، ثم عاد يهتف بضيق:
_ هنا أنا لا مدايق منك ولا حاجة.
إنتِ عايزة ترجعي ليا رجعتِك، وأهلًا وسهلًا...
لكن هتفضلي كل شوية تنطيلي وتقوليلي نفس الكلمتين؟

ربت على وجنتها بهدوء قبل أن ينهي حديثه قائلًا:
_ لا... مش عايز كده تمام يا ماما.

أخفضت رأسها بتوتر، وهي تراه يصعد أمامها الدرج.
لتعود إلى "كريمة" راكضة وهي تلهث برعب:
_ الحقي يا طنط! ده طلع عندها!!

_ وإنتِ موقفتيهوش ليه!؟
هدرت والدته بغضبٍ شديد من تلك الغبية التي أمامها.
لترفع كتفيها بيأس وقالت:
_ معرفتش... مش طايقلي كلمة!!

_ آه يا رب صبرني...
لو كنت بعت عيلة صغيرة كانت وقفِته!
وإنتِ مبتفهميش!
 شوفؤ دلوقتي بقى هيحصل فيكِ إيه؟!
قالت بنفاد صبرٍ ممزوج بالغضب الشديد من تفكيرها المحدود للغاية.
لتتأفف الأخرى بضيق وقالت بعصبية:
_ يحصل اللي يحصل بقى... معدش فارق!

•         •        •        •
وفي الغرفة..
دفع الباب ببطء، محاولًا أن يعرف هل هي مستيقظة أم نائمة.
لكن حين وقعت عيناه عليها، وجدها متكوّرة على نفسها كجنينٍ في رحم أمّه.

تنهد براحة خفيفة...
لم يكن يريد مواجهتها، ولا يريد أن تلتقي عيونه بعيونها المحمّلة باللوم والوجع.
كان على وشك أن ينسحب بهدوء...
ويترك لها الغرفة، غير راغبٍ في إزعاجها أو الضغط على جرحها أكثر من ذلك.

لكن في لحظة...
قبضت غصّة حادّة على قلبه.
وكأن لقاء عينيه بها" ولو لثوانٍ" كفيل بأن يطفئ شيئًا من ذلك الاضطراب الذي يعصف داخله.
دخل الغرفة ببطء، يحمل في صدره ثِقَلًا غريبًا يشبه ثقل الهواء على قلبٍ حائر.

وقف مقابل الفراش، لكن الغطاء السميك كان يحجب ملامحها عنه اقترب أكثر...
وجلس إلى جوارها على حافة الفراش، ثم أزاح برفق ذلك الوشاح عن وجهها.
لتقابله خصلات شعرها المتناثرة على وجنتيها في فوضى ناعمة.

اقترب منها بحذر، خائفًا أن تستيقظ فجأة...
وأن يرى في عينيها ذلك العتاب الذي لم يكن مستعدًا لمواجهته لكنه اشتاقها.
مدّ أنامله يزيح تلك الخصلات عن وجهها برفق،
ثم مال يقبّل وجنتها قبلة خفيفة، بالكاد تُلمس... حتى لا يوقظها.

لكن...
تجمّد للحظة كان سكونها غريبًا.
وأنفاسها... ضعيفة. ضعيفة للغاية.
امتدّت يده بسرعة يزيح الغطاء عن جسدها...
لتتجمّد الدماء في عروقه حين رأى الفراش أسفلها غارقًا بالدم.
اتسعت عيناه بصدمة مرعبة وهو يهتف:
_ شــــــــــــرف... شـــــــــــــرف!!

حملها بين ذراعيه بسرعة، لتقع عيناه على آثار خدوشٍ عميقة فوق وجنتها الأخرى.
جحظت عيناه أكثر، ووضع رأسه فوق صدرها يتحسس نبض قلبها لكن النبض كان...شبه منعدم.

في لحظة اندفع نحو غرفة الملابس، يبدل لها ثيابها الملطخة بالدماء على عجلٍ مرتبك ثم حملها بين ذراعيه بقسوةٍ مرتعشة...
كانت نار الخوف تشتعل في عينيه.
يقسم في داخله أن من له يدٌ فيما حدث لها... سيدفع الثمن غاليًا.

ثمنًا لن ينسوه ما حيوا.
اندفع خارج الغرفة، نازلًا السلم بسرعة وحذر في آنٍ واحد...
خائفًا أن تفلت من بين ذراعيه.
وقعت أعينهم عليها...
فابتلع كلٌ منهم ريقه برعبٍ صامت، وهم يدركون أن الأسوأ لم يأتِ بعد.
اهتزت أجسادهم حين دوّى صوته الحاد فجأة:
_ حضّرولي العربية بسرعة... أنجزوا!!

رمقته والدته بقلقٍ متوتر، وكادت أن تتكلم...
لكنه لم يمهلها فرصة.
اندفع بها نحو السيارة، ليصل بها إلى المستشفى في دقائق معدودة.
وخلال لحظات قليلة...
كان يوقف سيارته بعنف أمام بوابة المستشفى.
حملها بين ذراعيه وهو يلهث بخوفٍ حقيقي، وقال بصوتٍ مرتجف:
_ اصبري يا شرف... هتبقي كويسة... هتبقي بخير يا حبيبتي!

خرجت من شفتيها همسات غامضة بالكاد تُسمع...
كأنها تهذي في غيبوبةٍ بعيدة، وكلما وقع بصره على وجهها...
كان قلبه ينقبض ألمًا من آثار الخدوش الواضحة عليه.
صرخ فجأة في وجه الممرضين:
_ تروالييييي بسرعة... عايز تروالي!!

وخلال لحظات معدودة، كانوا يضعونها فوق السرير الطبي.
دفعه معهم مسرعًا نحو غرفة الطوارئ.
صدره يعلو ويهبط بعنف، وأنفاسه تتلاحق بجنون.
لو حدث لها مكروه...
فهو لن يكره أحدًا بقدر ما سيكره نفسه.
فهي كانت...
أمانة في عنقه

كان المفترض أن يحميها كيف تُؤذى وهي في بيته؟
كيف يحدث هذا وهي تحت حمايته؟
اختفت داخل غرفة الطوارئ، وأُغلق الباب في وجهه.
وفي تلك اللحظة وصلت والدته خلفه وهي تنادي بقلق:
_ ريان حبيبي... إيه اللي حصل؟!

نظر إليها بنظرة مشتعلة بالغضب وقال:
_ إيه اللي حصل؟! المفروض تسأليني أنا السؤال ده؟!
المفروض إنتِ اللي عارفة كل حاجة...
ما هي كانت قدامك طول النهار!

هدر في وجهها بغضبٍ مشتعل، جعلها تتفاجأ به بشدة.
تلجم لسانها للحظة قبل أن تقول بنبرةٍ متصنعة:
_ اهدى يا حبيبي وصلّي على النبي...
أنت عندك حق... عندك حق تعمل كده وأكتر كمان.
الذنب ذنبي أنا...متزعلش مني يا حبيبي.
بس والله كان غصب عننا...
هي... هي وقعت من على السلم الصبح.
حاولت ألحقها بس هي رفضت...
رفضت ده!!

اتسعت عيناه بصدمة من كذبتها الفجّة.
ما هذه الحجة السخيفة التي تلقيها عليه؟
أحقًا تظن أنه سيصدقها؟
ارتفع صوته وهو يقول بعدم تصديق:
_ وقعت من على السلم؟!
والمفروض بقى إني أصدق الكلام الفارغ ده؟!
واللي يقع من على السلم يقوم يطلع الأوضة وينام كأن مفيش حاجة حصلت؟
ولا حتى يحاول يطمن على الخدوش اللي في جسمه أو وشه؟ محاولش حتى يطمن على أبـ...؟!

توقف فجأة.
تذكر في اللحظة نفسها أن لا أحد يعلم بأمر حملها.
تنهد بعمق، وزفر غضبه المكتوم وهو يقول بتهديدٍ خافت:
_ وقسمًا بالله...لو طلع ليكوا إيد في اللي حصل...
هتزعلوا مني أوي.

اتسعت عيناها بدهشةٍ ممزوجة بدموعٍ مصطنعة.
ابنها لم يحدثها بهذه الطريقة من قبل.
كيف تجرأ الآن؟
لكن ما رأتْه في عينيه...لم يطمئن قلبها أبدًا.
هذه الفتاة لم تعد مجرد جزءٍ عابر من خطته...
بل أصبحت الخطة كلها.

هزت رأسها بحسرةٍ زائفة، وزيّنت عينيها بدموعٍ تشبه دموع التماسيح وهي تقول:
_ مكنتش متصورة أبدًا إن ييجي اليوم ده...
اليوم اللي تتهمني فيه بجريمة زي دي يا ريان.

نظر نحو باب غرفة الطوارئ وقال بنبرةٍ مشتعلة يخفي خلفها خوفًا قاتلًا:
_ بكره...هنشوف وهنعرف كل اللي مستخبي.

•          • • 
وبعد لحظات كان هو قاعد كأنه فوق جمر...
بيهز رجله بعنف واضح، كأنه بيحارب صبره بالعافية... لكن قلبه كان أضعف من إنه يستحمل أكتر من كده.
أمه مشيت بأمرٍ منه...

وسابته لوحده مع خوفه اللي بيأكله حتة حتة.
وفجأة خرج الدكتور...
وهو بيبعد الماسك عن وشه، بياخد نفس طويل كأنه هو كمان كان في معركة.
في اللحظة دي ريان قام مفزوع، وقف قدامه بسرعة... القلق سابق كلامه، وقال بصوت مخنوق:
_ طمني يا دكتور... عاملة إيه؟!

الدكتور بصله بهدوء مطمّن وقال:
_ متقلقش يا ريان بيه... حصلها نزيف حاد، وده طبيعي بعد اللي اتعرضتله... لأنها اتعنفت بشكل قاسي جدًا.
بس الحمد لله الطفل لسه بخير... وهي كمان بخير، بس محتاجة تبقى تحت الملاحظة يومين كده.

ريان زفر نفس طويل كأنه كان غريق وطلع لسطح المية أخيرًا...
لكن فجأة قطّب حواجبه باستغراب وقال:
_ استنى لحظة... إيه قصدك إنها اتعنفت؟

الدكتور اتنهد وقال بهدوء:
_ باين جدًا إنها اتضربت ضرب عنيف...
وشها كله متعلّم لسه لحد دلوقتي، غير كدمات كتير في جسمها.
وكمان واضح إنها اتعرضت لأكتر من ضربة قوية في بطنها.

الكلام وقع على ريان كأنه صفعة.
عيونه وسعت...
والغضب اشتعل جواه فجأة زي نار اتصب عليها بنزين.
هو لسه مش قادر يستوعب...
هل أمه ممكن تكره شرف للدرجة دي؟
لدرجة إنها تضربها بالشكل ده؟
هو لسه مش متأكد من الحقيقة...

بس في نفس الوقت، محدش غيرها قال إن شرف وقعت من على السلم.
وكأن الكذبة الوحيدة اللي اتقالت... كانت منها هي.
سكت لحظة... وقال بصوت تايه:
_ طيب... شكرًا يا دكتور.

قالها وهو سرحان تمامًا...
وعينيه راحت ناحية الزجاج اللي ورا الدكتور.
كان شايفها نايمة هناك... ضعيفة... ساكنة...
وكأن الحياة انسحبت من ملامحها.
وقتها بس حس بالخزي.

خزي موجع...
لأنه فشل يحميها فشل يعرف الحقيقة بدري.
وفشل يكون السند اللي كانت محتاجاه.
كأنه حتى مش قادر يبص في عينيها بعد اللي حصلها...
بسبب أمه...وبسببه هو كمان.
وبسبب الدنيا كلها.

دخل أوضتها بخطوات بطيئة جدًا...
خطوات حذرة كأنه خايف يكسّر اللحظة أو يوجعها حتى وهي نايمة قرب منها... وقف لحظة يبص عليها.
بصات طويلة مليانة حزن...حيرة! 
وشعور تقيل اسمه الذنب.

قعد جنبها أخيرًا...
ولسانه اتلخبط بالكلام وهو بيقول بصوت مكسور:
_ حقك عليا يا شرف...أنا آسف...
آسف إني معرفتش أحميكِ منهم.
آسف من كرههم ليكِ... وكأنك حمل تقيل عليهم...
مع إنك أخف من النسمة... حتى على روحي أنا.
متزعليش مني...ولا من كلامي اللي وجعك قبل كده.
إنتِ ست البنات كلهم لا... إنتِ أميرة فوقهم كلهم.
وسلطانتهم كمان حقك عليا...
متزعليش مني بالله عليك... أنا آسف.

قالها برجاء يائس...وعيون مليانة وجع ومال عليها ببطء...
ودفن وشه في عنقها استنشق ريحتها الهادية...
يمكن الريحة دي بس اللي كانت قادرة تهدي الفوضى اللي جواه غمّض عينيه بعمق...
وقال بوعد خارج من قلبه زي حد السيف:
_ أوعدك...
مفيش مخلوق هيمد إيده عليكِ طول ما أنا عايش.
حتى لو كانت... أمي.

بعدها رفع رأسه ببطء...
وبص لوشها المتورم من الضرب قلبه وجعه كأنه هو اللي اتضرب مكانها يا ريت كان هو اللي اتوجع...
ولا يشوفها بالشكل ده.
وفجأة سمع همهمة خفيفة منها قطّب حواجبه باستغراب...
وقرب وشه من شفايفها أكتر عشان يسمع.
لكن اللي سمعه...خلّى الغضب يولع جواه نار سودا.
كأن الكلمات دي اتزرعت في روحه مش بس في ودنه.
كانت بتهمس بصوت متقطع:
_ أبـ... عـدي... عني...أنـ... أنا... مليش دعوة بجوزك...
متضربنيش...آه... متضربنيش...

آخر جملة خرجت منها وهي بتبكي...
ورأسها بيتحرك بخوف، كأنها لسه عايشة الكابوس.
ريان حس قلبه بيتقطع مد إيده بهدوء...
ومسّد على شعرها بحنان.
وقرب من ودنها وهمس بصوت دافي:
_ إهدي يا شرف... إهدي أنا هنا.
محدش هيقربلك تاني...إنتِ بخير...صدقيني... إنتِ بخير

•      •      •
  وبعد يومين استقرت حالتها...
وأذنلها الطبيب بالخروج من المستشفى نزلت من العربية ببطء...
وهو واقف جنبها يحاول يساعدها بهدوء، لكنها رفضت تمامًا إنه يلمسها بصتله بنظرات هادية...
بس مليانة عتاب ولوم.
نظرات خلت قلبه يتقبض...

لأنها كانت شايلة جواها وجع أكبر من أي كلام.
استقبل نظرتها بندم وحيرة...
كأنه مش لاقي حاجة يقولها تبرر اللي حصل.
خفضت رأسها بهدوء...
وساعدها هو تمشي للداخل من غير ما يقرب منها أكتر.
وأول ما دخلوا البيت...
كانت في استقبالها الحاجة "سميرة"، اللي قالت بفرحة صادقة:
_ ألف حمد الله على سلامتك يا ست هانم...
ألف بركة إنك بقيتي بخير!

ابتسمت شرف بوهن للعجوز...
الست الوحيدة في البيت ده اللي قلبها كان دافي معاها.
حب بسيط منها...
كان كفيل يطبطب على قلبها أكتر من أمها نفسها.
لكن فجأة ظهرت أمه قدامها...
ابتسامة واسعة مرسومة على شفايفها، لكنها باينة إنها كاذبة وقالت بنبرة مصطنعة:
_ ألف حمد الله على سلامتك يا شرف...
شِدّة وتزول يا حبيبتي.

قطبت شرف حواجبها بتعجب...
وملامح الكره والاشمئزاز ظهرت بوضوح على وشها، وقالت بصوت واهن:
_ وده من إمتى كل الحب ده؟

ابتسمت بتوتر...
خصوصًا لما لاحظت نظرات ابنها اللي كلها غضب واتهام.
فقالت بسرعة بنبَّرة حزن مزيف:
_ عيب عليكِ يا بنتي...
ده أنا لما وقعتي من على السلم قلبي وقع من مكانه!
حسيت وقتها إنك زي بنتي بالظبط.

امتلأت عيون شرف بالدموع...
مش قادرة تستوعب إن في حد ممكن يكون أبشع من عيلتها نفسها إزاي قادرة تبص في عينيها...
وتكذب بالسهولة دي؟

ريان بصلها بصدمة...
مش قادر يصدق إن أمه بتكذب بالشكل ده قدامه.
وفي اللحظة دي...خرجت زوجته من غرفتها،
وعلى وشها تعبير مزيف من الأسف...لكن الحقيقة كانت واضحة في عيونها كانت زعلانة...
مش علشان شرف اتأذت.
بل علشان ما ماتتش وارتاحت منها.

أخذت نفس عميق تحاول تهدي نفسها...
وقربت منهم بكل وقاحة،
وابتسامة ماكرة مليانة غيرة وحقد ظهرت على شفايفها وهي بتقول:
_ ألف سلامة عليكِ... يا عروسة.
شدّة وتزول...تعيشي وتاخدي غيرها يا حبيبتي!

لكن المرة دي...
شرف ما اندفعتش زي كل مرة ولا حتى اهتمت ترد.
وقفت ساكتة تمامًا...
لكن اللي اتحرك فعلًا كان ريان.
قرب خطوة من مراته...
نظراته كانت غامضة بطريقة خلتها تبلع ريقها بصعوبة.
وفجأة قالت بتوتر وهي بتحاول تضحك:
_ مالك... مالك يا ريان؟
في إيه؟ بتبصلي كده ليه؟

في غمضة عين...
كانت صفعة قوية بتنزل على وشها بعنف.
صوتها دوّى في المكان..وخلا الكل يتجمد في مكانه من الصدمة حتى شرف نفسها...
ما كانتش متوقعة أبدًا إن ريان ممكن يعمل كده.
ولا كانت متخيلة إنه ممكن يضربها أصلًا.
لكن صوته خرج بعدها حاد وقاسي:
_ اعتذري.

قالها ببرود مرعب...لتقف هي مصدومة،
مش قادرة تستوعب اللي حصل لكن فجأة صرخ فيها بصوت أعلى:
_ أعتــــــــــــــــــــــذري قولتلك!!

تعليقات



<>