رواية مهرة الكابر الفصل التاسع9بقلم نون


رواية مهرة الكابر الفصل التاسع9بقلم نون

أنا بطلبها بقلبي وروحي وكل ذرة في كياني تقبلي تكوني مهرة الكابر وشريكة حياته لآخر العمر 


مر يومان كأنهما دهر وجاسر ممدد في غيبوبته ودهب لا تفارق جواره لحظة 

تقرأ له القرآن وتمسح جبينه بماء الورد وتهمس له بكلمات الحب التي لم تجرؤ على قولها
 وهو مستيقظ 

في فجر اليوم الثالث وبينما كانت دهب تغفو وهي جالسة على الكرسي ممسكة بيده شعرت بضغط خفيف على أصابعها

 فتحت عينيها بفزع وقلبها يرقص فرحاً رأت جاسر يفتح عينيه ببطء شديد وينظر حوله بتشويش ثم استقرت عيناه عليها 

ابتسمت دهب ودموع الفرح تسيل أنهاراً وقالت بصوت مختنق حمد الله على سلامتك يا سيد الناس... يا روح الروح 

حاول جاسر أن يتكلم فخرج صوته مبحوحاً ضعيفاً دهب... أنا فين؟

 قالت وهي تقبل يده أنت في بيتك يا جاسر... في حضني... والكل بخير ووهدان في السجن

 أغمض عينيه للحظة ثم فتحهما وقال بنظرة حالمة غريبة أنا شوفت حلم غريب يا دهب... شوفت إني شايل ولد صغير... ولد شبهي وشبهك...

 كان بيضحك لي وبيقولي يا بابا... وكان ماسك في صباعي جامد

 شهقت دهب ووضعت يدها على فمها بصدمة

 أكمل جاسر وهو ينظر لسقف الغرفة وكأنه يرى الحلم مرة أخرى

 الولد ده كان حتة مني ومنك يا دهب... حسيت إن روحي ردت فيا لما شيلته 

نظرت له دهب بعيون دامعة وقالت بصوت يرتجف يمكن الحلم ده رؤية يا جاسر...

 يمكن ربنا عايز يعوضنا نظر لها جاسر بعمق وفهم ما تلمح إليه هل يعقل؟ 

تحامل على نفسه وجلس بصعوبة ودهب تسنده قال بصوت جاد وحنون في آن واحد دهب... أنا عايزك تكوني مراتي بجد... مش بس على الورق... مش بس عشان نحمي بعض... 

أنا عايزك شريكة عمري وأم ولادي

 احمر وجه دهب خجلاً وقالت بصوت هامس أنا مراتك يا جاسر... من يوم ما دخلت القصر وأنا مراتك... بس كنت مستنياك تطلبها بقلبك مش بلسانك وبتهديد

 ابتسم جاسر ومد يده ليمسح دمعة فرح من خدها وقال أنا بطلبها بقلبي وروحي وكل ذرة في كياني... 

تقبلي تكوني "مُهرة الكابر" وشريكة حياته للآخر؟

 أومأت دهب برأسها موافقة وهي تبكي من الفرحة في تلك الليلة تحول جناح الكابر إلى جنة صغيرة

 أمر جاسر بتزيين الغرفة بالورود والشموع رغم مرضه وأصر أن تكون ليلة زفافهما الحقيقية 

ارتدت دهب فستاناً أبيض بسيطاً جعلها تبدو كملاك هبط من السماء 

وجلس جاسر على السرير يستقبلها بابتسامة عاشق متيم

 اقتربت منه بخجل وجلست بجواره أخذها جاسر في حضنه بحنان وكأنه يخاف أن تكسر بين ذراعيه 

همس لها بكلمات عشق أذابت قلبها أنتي النعمة اللي جاتلي بعد صبر سنين...

 أنتي العوض يا دهب وفي تلك اللحظة تلاقت الأرواح قبل الأجساد

 عاشا ليلة من ليالي ألف ليلة وليلة
 ليلة محت كل أوجاع الماضي وكل مرارة 

 وفي الصباح استيقظت دهب لتجد جاسر ينظر إليها بحب قال بابتسامة مشرقة صباحية مباركة يا عروسه 

 صباح الخير يا أجمل عروسة... أنا عندي ليكي مفاجأة 

أخرج من تحت الوسادة علبة مخملية صغيرة وفتحها كان بداخلها خاتم ألماس رقيق جداً

 قال وهو يلبسه لها ده شبكتك المتأخرة... وده وعد مني إنك عمرك ما هتشوفي غير الهنا

 بكت دهب من الفرحة واحتضنته 

 بعد شهر شعرت دهب بدوار شديد وذهبت للطبيب وعادت لتزف البشرى لجاسر 

جاسر... حلمك اتحقق نظر لها جاسر بلهفة وقال قصدك إيه؟ 

وضعت يدها على بطنها وقالت بدموع الفرح أنا حامل يا جاسر... حامل في "ولي العهد" 

سجد جاسر لله شكراً واحتضن دهب ورفعها عن الأرض ودار بها رغم تحذيرات الطبيب 

وعمت الأفراح النجع كله نحرت الذبائح ووزعت الأموال على الفقراء ابتهاجاً بـ "ابن الكابر" القادم وهكذا تحولت "مُهرة الكابر" من فتاة بسيطة إلى سيدة القصر وأم ولي العهد 

وانتصر الحب على السحر والشر  

ولكن الفرحه دايما عمرها قصير

و اكتشف "جاسر" أن فرحته بولي العهد أيقظت شياطين كانت نائمة وأن الصراع  القادم ليس على "أرض" أو "سلاح" بل هو صراع على  "بقاء نسل الكابر

مرت الشهور الأولى من حمل دهب كأنها حلم وردي في ظاهرها لكنها كانت سجناً ذهبياً جاسر الكابر تحول من زوج محب إلى حارس مهووس

 لا ينام الليل خوفاً على "الأمانة" التي في أحشاء زوجته منعها من الخروج من جناحها إلا للضرورة 

حتى الهواء كان يود لو يفلتره قبل أن يدخل رئتيها كانت دهب تجلس أمام المرآة تتأمل بطنها الذي بدأ يبرز قليلاً وتشعر بضيق في صدرها ليس من الحمل بل من الحصار 

دخل جاسر الغرفة وعيناه تتفحصان المكان كأنه يبحث عن عدو خفي

 اقترب منها وقبل رأسها وسأل بلهفة أكلتي و اخذتى دواكي يا دهب حاسة بحاجة بتوجعك

 نظرت له دهب بعتاب وقالت بنبرة هادئة تخفي بركاناً أنا زي الفل يا جاسر 

بس الخنقة دي هي اللي هتتعبني أنا بقيت عاملة زي العصفورة المحبوسة في قفص دهب

 نفسي أشم هوا ربنا أنزل الجنينة أشوف الناس

 عقد جاسر حاجبيه وقال بصرامة مفيش نزول يا دهب الناس عينيها وحشة والحسد مذكور في القرآن

 وأنا مش مستعد أخاطر بيكي ولا بابني عشان نزول في الجنينة

 وقفت دهب وواجهته لأول مرة منذ شهور وقالت أنت كدة مش بتحميني أنت بتموتني بالبطيء يا جاسر 

الخوف عاميك ومخليك تشوف الأشباح في كل حتة وقبل أن يرد جاسر ويحتدم النقاش 

سمعوا ضجة كبيرة في الأسفل وصوت "الحاجة صفية" تصرخ نزل جاسر مسرعاً ودهب خلفه رغم تحذيره

 وجدوا خادمة تقف عند الباب ترتجف وبيدها "صندوق خشبي صغير" ملفوف بقماش أسود فاخر

 صرخ جاسر إيه ده ومين جابه 

قالت الخادمة برعب واحد غريب سابه عند البوابة وقال دي "هدية لولي العهد" ومشي يا بيه 

شعر جاسر بقبضة تعصر قلبه تقدم بحذر وأخذ الصندوق صرخت أمه بلاش تفتحه يا ولدي يمكن قنبلة ولا يمكن سحر

 لكن جاسر لم يهتم فتح الصندوق ببطء والصدمة جعلت الدماء تهرب من وجوه الجميع

 لم يكن قنبلة كان بداخل الصندوق "عقرب أسود ميت" ومعاه "رصاصة ذهبية" منقوش عليها اسم "فارس"

 الاسم الذي اتفق جاسر ودهب سراً على تسمية المولود به ولم يخبرا به أحداً 

ساد الصمت في القصر 

صرخت دهب ووضعت يدها على بطنها وكأنها تحمي جنينها من الرصاصة 

رفع جاسر الرصاصة وقرأ الاسم وعيناه تتحولان للون الدم من شدة الغضب هذا تهديد صريح... 

تهديد بقتل ابنه قبل أن يولد من يعرف الاسم؟ من يجرؤ؟ 

وهدان في السجن ونوارة في المصحة من بقي؟

 نظر جاسر لدهب التي كانت ترتعش وقال بصوت مرعب هادئ اطلعي فوق يا دهب... ومشوفش ضفرك بره الجناح

 قالت ببكاء هيموتوا ابني يا جاسر عرفوا اسمه منين

 لم يرد عليها بل نادى على "حمزة" كبير رجاله بصوت زلزل القصر يا حمزة... لم الرجالة... وهاتلي "سلاحي الشخصي"

 خرج جاسر لساحة القصر وجمع كل رجال النجع وقف بينهم ورفع "العقرب والرصاصة" أمام الجميع

 وقال بصوت سمعه القاصي والداني

 فيه جبان باعتلي ده... بيهددني في ضنايا اللي لسة مشمش الدنيا...

 اسمعوا يا خلق هوووو... ورحمة أبويا اللي هيقرب من سور القصر ده 

هقطعه وارميه للكلاب واللي باعت الرسالة دي يجهز كفنه لأنه فتح على نفسه باب جهنم 

في تلك اللحظة دخلت سيارة فخمة غريبة لساحة القصر ونزل منها رجل ستيني يرتدي بدلة رسمية ويمسك عصا مرصعة بالألماس إنه "عزت البارودي"

 رجل الأعمال والسياسي الفاسد وعدو والد جاسر القديم الذي اختفى لسنوات

 ابتسم عزت وقال ببرود مبروك يا كابر... سمعنا إن المدام حامل وقولنا نبارك... عجبتك الهدية؟

 جن جنون جاسر وكاد يفتك به لولا أن رجال عزت رفعوا أسلحتهم

 قال عزت بهدوء متتهورش يا كابر... أنا مش جاي أحاربك... أنا جاي أقولك إن "التار" اللي بيني وبين أبوك لسة مخلصش... 

وأنا قررت آخد حقي من "حفيد الكابر"... الرصاصة دي معمولة مخصوص لقلب ابنك أول ما يتولد... إلا لو... 

صرخ جاسر إلا لو إيه انطق قال عزت بخبث 

إلا لو تنازلتلي عن "أرض الجبل" كلها... الأرض اللي فيها الكنز

 اللي أبوك دفنه زمان

 صدم جاسر... أرض الجبل؟ الكنز؟ 

لم يكن جاسر يعلم عن أي كنز يتحدث هذا الرجل نظر عزت قال عزت  معاك مهلة لحد ميعاد الولادة...

 يا الأرض... يا الكفن وركب سيارته وغادر تاركاً جاسر

 وسط رجاله يغلي كالمرجل صعد جاسر لدهب التي كانت تتابع من الشباك وجدها تمسح دموعها وقد تبدلت ملامح الخوف لملامح "المُهرة" الشرسة 

قالت له مش هتديله الأرض يا جاسر... ومش هيلمس شعرة من ابننا

 قال جاسر بحيرة ده مجنون يا دهب وممكن يعمل أي حاجة 

أمسكت دهب بيده ووضعتها على بطنها وقالت بقوة ابنك بيتحرك يا جاسر... بيقولك إنه ابن الكابر ومش هيخاف... 

إحنا هنا يا جاسر...

 وهنعرف إيه حكاية الكنز ده... وأنا اللي هساعدك نكشف السر

 نظر لها جاسر بإعجاب ممزوج بالخوف 

أنتي مستوعبة أنتي بتقولي إيه؟ دي حرب

 قالت دهب وعيناها تلمعان وأنا "مُهرة الكابر"... جهز نفسك يا كابر... 

هندور في دفاتر أبوك القديمة ونعرف السر قبل ما "البارودي" يوصله 

وهكذا بدأت رحلة جديدة رحلة البحث عن "كنز الجبل" الملعون الذي يهدد حياة ولي العهد 

ولكن ما لم يعرفوه أن "الكنز" ليس ذهباً ولا مالاً... بل هو "سر" أخطر بكثير... سر سيقلب حياة جاسر ودهب رأساً 
على عقب

عزت البارودي" يعرف أسرار عن أبو جاسر جاسر نفسه ميعرفهاش

                      الفصل العاشر من هنا
تعليقات



<>