رواية متي تخضعيني لقلبي الفصل الثاني 2 والثالث 3 بقلم شيماء يوسف
وقفت خارج أبواب المشفى تستنشق بعض الهواء النقى عل ذلك يعدل من مزاجها ولو قليلاً ثم استأذنت مريم فى الذهاب إلى منزلها ، اصرت مريم على الذهاب معها ولكنها رفضت بشده مصره على السير بمفردها لتنقيه افكارها وأعاده ترتيبها
تحركت نحو الشاطئ تجلس على احدى المقاعد الخشبيه الموضوعه هناك ، ظلت فتره تنظر إلى مياه البحر وأمواجه المتلاطمة بصمت ،اثر هذا المشهد علي نفسيتها بشكل كبير حتى فاضت جميع مكنونات قلبها ومشاعرها المكبوتة بداخلها ، كانت روحها هى التى بحاجه إلى الدموع لذلك تركتها تنساب بحريه ، لم تكن تعلم لم كانت تبكى بكل تلك الحرقه ، ربما لانها غير مستعده لرد فعل والدتها التى ما ان تعلم حقيقه ما حدث ستخبرها كم كانت محقه وكم نبهتها من طيشها وشده عنادها معه ، او ربما لان محمود كان يمثل لها الامل بالهروب من ذلك السجن المسمى منزلها ، او ربما لانها هيأت نفسها للخروج من تحكم ذلك المسمى والدها الذى ربما لو اعتنى بحيوان اليف لكان اهتم لمشاعره اكثر من مشاعر ابنته !!! ، او لانها خسرت معركتها امام ذلك المتجبر واستطاع فى النهايه تنفيذ ما يريده ، فريد !! ، ظل اسمه يتردد فى ذهنها بقوه ، فكرت بحسره كم ان الحياه قاسيه معها ، حتى الشخص الوحيد الذى اعتبرته صديقها المقرب سلبته منها الحياه ليتحول إلى انسان دون قلب وتتحول مشاعرها معه ليصبح اكثر الناس بغضاً لقلبها ..
****************
عاد هو إلى مكتبه والتقط هاتفه بغضب ، عبث به قليلاً بعنف قبل ان يخرج اسم شخصاً ما ويجرى معه اتصالاً هاتفياً :
-انا قلت بما انك مش بتسال عليا اسال انا ..
ارتبك الرجل على الطرف الاخر من نبرته فتحدث مبرراً :
-فريد بيه .. صدقنى مفيش حاجه مهمه تعرفها ..
اجاب الرجل بهدوء ساخر :
-لا يا راجل .. امال ترقيه بكره دى ايه ؟!.. وبعدين انا هنا اللى يحدد ايه اللى مهم وايه لاء ..
تعلثم الرجل فى نبرته قبل ان يجيبه بأرتباك:
-هو حضرتك عرفت ..
اجابه فريد ساخراً :
-لا قاعد نايم على ودانى مستنى لما انت تقرر ابه مهم عشان اعرفه وايه مش مهم ..
تنحنح الرجل من الطرف الاخر محاولاً تنقيه حنجرته ثم اجابه مبرراً:
-يا فريد بيه هى مجتهده وموهوبه وتستحق الترقيه وانا قلت دى حاجه اكيد هتبسط حضرتك..
قاطعه فريد بحده :
-انا عينتها عندك بس عشان تكون تحت عينى وانا اللى اقولك تعمل ايه معاها امتى وفين مش انت .. وبعدين بكره قبل الاجتماع تبلغها انك استغنيت عن خدماتها .
تذمر الرجل معترضاً :
-بس يافريد بيه دى من أكفأ الموظفين عندى !! ..
صاح به فريد ناهراً :
-رؤوف !!!! متنسااش نفسك .. انا اللى طلبت منك تعينها عندك واظن انك قبضت تمن ده واكتر كمان ، ودلوقتى لما اقولك ارفدها تنفذ وانت ساكت يا اما استثمار الشركه الفرنسيه هيروح لحد تانى .. فاهمنى ؟!..
ارتبك الرجل على الهاتف ثم تمتم بخضوع :
-اللى حضرتك تؤمر بيه ..
اغلق هاتفه والقى به على المكتب دون وداع ودفن راسه فى احدى الملفات التى امامه يحاول الهاء عقله بها ، بعد قليل اندفع باب مكتبه بقوه مما اجبره على رفع راسه ليرى من ذلك المتطفل الذى يقتحم غرفته وخصوصيته دون استئذان ، لوى فمه متشدقاً وهو يرى والده يتقدم منه والغضب يملؤ نظرته سخر منه فريد :
-غريب بيه .. شكلك شايفانى فى كابوس من كوابيسك عشان كده داخل عليا دخله السينما دى , ولا يمكن جيهان هانم بخت شويه من سمها فى ودانك كالعاده !! ..
اجابه والده بحنق :
-بلاش قله ادب .. وقولى انتى لسه ماشى ورا بت الخدامه دى !!! ..
انتفض فريد من مقعده يضرب سطح مكتبه بقوه :
-اسمها حياة , فاهم ليها اسم تناديها بيه ده اولاً .. وبعدين ده شئ ميخصكش ثانياً .. وثالثاً انت لسه مخلى حد من كلابك يجبلك اخبارى ؟!!..
لوى والده فمه متشدقاً :
-متهربش من سؤالى ..
صمت قليلاً متفكراً ثم اضاف بتشفى :
-التاريخ بيعيد نفسه .. والابن غصب عنه بيورث من جينات الاب .. واضح ان فى حاجه فى دمنا ينجذبنا للخادمات .. انا برضه امك كانت مجننانى كده وهى مستعصيه عليا .. بس عمتا لو عايزها اوى كده قولى وانا هتصرف واجوزهالك ..
اجابه فريد والاشئمزاز بادياً فى نظرته ونبرته :
-لا انا مورثتش منك حاجه وده من حسن حظى لانى مش ناوى اموتها بأيدى .. ثم ان دى حاجه تخصنى انا لوحدى وانا هتصرف فيها كفايه انت بس تبعد انت والعقربه وبنتها عن حياتى .. ولو عرضك خلص اتفضل روح مكتبك وسبنى اكمل شغلى ..
ارتبك والده وبدء الاحمرار يغزو وجهه فاستدار للخارج يصفق الباب خلفه بعد ان القى نظره حانقه على ابنه الذى ارتمى فوق مقعده مره اخرى يسحب هاتفه بغضب ثم تحدث إلى شخص ما :
-اسمعنى .. اللى اتفقنا عليه يتنفذ بكره .. واقسم بالله لو حصل اى غلط ولو صغير هدفنك مكانك .. فاهم ..
صاح بكلمته الاخيره قبل ان يغلق هاتفه ثم تحرك بعصبيه يلتقط معطفه ومفاتيحه ويتحرك للخارج كالعاصفة .
******************
دلف بعد فتره إلى منزله بهدوء يحاول الوصول إليه منذ الصباح ، لمح مديره منزله تمر من امام الممر المؤدى لمكتبه فتوقف عن السير يلتفت إليها ثم امرها بعجرفته المعتاده :
-خلى داده آمنه تحصلنى على مكتبى ، دلوقتى حالاً ..
ثم استدار مره اخرى مكملاً طريقه حيث يقع مكتبه ، قام بخلع معطفه وربطه عنقه ثم جلس على كرسى مكتبه الفخم بهدوء يستند بذقنه على يديه المتشابكه ينتظر وصولها ، دلفت آمنه إلى مكتبه بعد ان طرقت باب الغرفه وسمح لها بالدخول فور سماعه لطرق الباب ، نظرت إليه وإذا به يجلس شارداً ويديه المتشابكه تسند راسه بوقار ، لم يرفع راسه ولم يتكبد عناء النظر إليها ، تحدث على الفور وعينيه مازالت تنظر إلى الفراغ ، سألها بصوت ناعم كالفحيح :
-امنه هانم.. تفتكرى لو فى حد كدب عليا المفروض اعمل معاه ايه ؟!..
بدءت آمنه فى التأكد من شكوكها التى تساورها منذ طلبه ان تلحق به إلى غرفه مكتبه ، ازدردت ريقها بصعوبه وهى تنظر إليه برعب ثم تنحنحت محاوله تنقيه حنجرتها قبل ان تجيبه :
-على حسب يا فريد بيه ..
رفع عينيه يلتقط نظراتها كالصقر بعدما شعر بتذبذب نبرتها :
-ايوه كملى على حسب ايه ..
-على حسب هو كدب عليك فى ايه بالظبط وهو بالنسبالك ايه ..
لوى فمه بأبتسامه ساخره قبل ان يجيب بثبات جعل أوصالها ترتعد خوفاً من القادم :
-لا هو من جهه كدب عليا فهو كدب عليا فى حاجه مهمه اوى ، تقدرى تقولى كده اهم حاجه فى حياتى ومكتفاش بالكدب بس ..ده حاول يستغفلنى ويخلينى زى العبيط مش حاسس بحاجه .. ها ايه رايك بقى المفروض اعمل فيه ايه ؟؟..
نظرت إليه وإذا به يبتسم ابتسامه شرسه ، حاولت اخراج نبرتها طبيعيه قدر الإمكان :
-على حسب مكانته .. لو مهم عندك او بتحبه هتسامحه ..
هز راسه موافقاً قبل ان يتحرك من مقعده ببطء ويضع كلتا يديه داخل جيوب بنطاله ويسير فى الغرفه وحولها ببطء :
-وياترى هو ده اللى اعتمدتى عليه انتى وحياة لما استغفلتونى واتخطبت لغيرى ؟،.. ولا فاكرين انى نايم على ودانى ومش حاسس بحاجه من اللى بتحصل حواليا ؟!..
شعرت بقلبها يهبط إلى أرجلها ، اذا كل شكوكها كانت صحيحه ، انه يعلم ، والله وحد يعلم رد فعله التالى ، انتظر فريد خروج رد فعل منها ولكنها آثرت الصمت لذلك قاد هو دفه الحديث مره اخرى :
- حياه لسه صغيره وطايشه .. بتعاند ومش عارفه الصح من الغلط .. لكن المفروض ان انتى ست عاقله وكبيره وهتحافظ على عيلتها .. صح ولا ايه ؟!..
ضغط على جملته الاخيره بقوه وهو يبتسم لها ابتسامه ذات مخزى ، ضيقت امنه عينيها عليه تحاول استيعاب ما نطق به للتو ، نعم انه يهددها بعائلتها ، لم تخطئ فى فهم رسالته المبطنة ، اللعنه على حياة ، ستقضى عليهم جميعاً بسبب عنادها ، اطرقت براسها أرضاً قبل ان تتمتم بخفوت محاوله تدارك الموقف وامتصاص جزء من غضبه:
-اللى انت عايزه يا فريد بيه هيحصل متقلقش ..
ثم استأذنته فى الخروج هاربه منه تحاول التفكير فى حل للخروج من ذلك المأزق قبل فوات الاوان .
**************
لم يستطيع المكوث فى منزله لأكثر من ذلك فهو يشعر ان تلك الاثنا عشر الساعه القادمه لا تمضى وعقارب الساعه لا تتحرك لذلك التقط معطفه ومفاتيح سيارته واتجه نحو الخارج ، بعد قليل وصل إلى مكانه المعهود وجلس به ولكن لن يطلب اليوم شرابه المعتاد ، يريد شئ يجعله يفقد وعيه بشده حتى لا يستطيع التفكير بها ، التقط الشراب ثم تجرعه مره واحده قبل ان يخفض الكأس ويضعه على طاوله البار ويطلب كأساً جديد ، اللعنه حتى ذلك الشراب القوى لم يستطيع اخراجها من عقله ، هذا ما فكر به بألم وهو يخرج صورتها من جيب ردائه ، كم انها جميله وبريئه !! هل تعلم انها تمتلك اجمل عيون رأها يوماً ؟!!،، كم تبدو بعيده وطاهره بقدر ذنوبه واخطائه ، ها هى تقف امامه فى تلك الصوره التى التقطها لها منذ زمن بعيد بنظرتها الحالمه ، هل تعلم انه يحفظ جميع نظراتها عن ظهر قلب ؟!، لا ولا يعتقد ان هناك احد اخر يفعل ذلك حتى ذلك المدعو محمود !! ، لا يعلم لماذ تذكر الان ذلك السؤال الذى رمته به منذ سنوات عديده عندما أعلنت لاول مره عن كرهها القوى له مستنكره ، فى ذلك الوقت كان يشعر بصدمه شديده من مشاعر الكره التى اطلقتها نحوه وبقوه غير عابئه باحساسه او بما شعر به حينها لذلك لم يستطع الاجابه على سؤالها ولكنه تذكره الان ، هل حقاً يحبها ام انه فقد يريد تملكها ، لقد تخطت مشاعره مصطلح الحب منذ أعوام ، كان ذلك ما يشعر به فى طفولتهم وكلما كبر عام كلما كبر حبها داخل قلبه حتى اصبح متغلغلاً داخل دمه وكيانه ، فكر بألم هل يؤلمه ذلك الحب ؟، انه يسحق روحه ، فى كل مره ترميه بنظره كره يشعر وكأن شاحنه كبيره مرت فوق قلبه لتحوله الى اشلاء وتترك به عاهه مستديمه لا يستطيع احد مداواتها غير تلك المتسببة بها ، هل يسخط عليها ؟؟ ، ان انتزاع قلبه بيده اهون عليه من ان يسخط عليها او يتحول ذلك الحب إلى اى شئ اخر غير الحب ، وايضاً كيف يستطيع انتزاع قلبه وإخراجه وهى تسكنه ، سينتظر كما انتظر دائما ، وسيدعو الله كما يدعو دائما عل يوم من الايام يتغير قلبها لحبه اليست القلوب بيده يغيرها كيفما يشاء اذا سينتظر ..
اعاده من افكاره يد شخص ما حطت على كتفه بحنان ، تمتم بأمل ما بين الصحو والغفله :
-حياة !!!
لوت نجوى فمها بأحباط قبل ان تجيبه بغيظ :
-لا انا مش ست الحسن بتاعتك .. انا نجوى يا فريد .. نجوى ..
رفع رأسه لينظر إليها ثم حرك يده ليزيح كفها من فوق كتفه بضيق قبل ان يتمتم بنفاذ صبر :
-عايزه ايه يا نجوى انا مش فايقلك ..
اجابته برجاء :
-عايزاك تسيب نفسك ليا شويه وتنسى البتاعه بتاعتك دى شويه..
اقبض بيده على معصمها بقوه متمتاً بتهديد :
-قلتلك ميه مره قبل كده متجبيش سيرتها على لسانك ال.... ده !! فاهمه ولا لا ..
شعرت نجوى بأنها تخسر فى تلك المعركه للمره الالف لذلك حاولت تغير مجرى الحديث ، فاقتربت منه تحاول وضع يدها فوق صدره تتحسسه بأغراء متمته:
-طب بقولك ايه الجو هنا خنيق اوى ما تيجى نكمل السهره فى الفيلا عندى .. كده كده بابى ومامى لسه مسافرين ..
ابتعد فريد عنها وهو ينظر لها بأشمئزاز واضح :
-انتى هتفضلى سهله كده لحد امتى !! حرام عليكى ابوكى با شيخه !! انضفى بقى شويه ..
صرخت به بغضب وهى تجيبه :
-انت عارف كويس انى بعمل كل ده ليك انت بس عشان بحبك ..
نظر لها فريد بأستهزاء قبل ان يضيف :
-انتى مبتزهقيش من الاسطوانه دى !! قلتلك مليون مره وانا مبحكيش .. خلى عندك كرامه بقى وحلى عنى ..
حاولت مسك ذراعه لمنعه من تركها والذهاب ، أغضبه ذلك كثيراً فهو يكره ان يلمسه احد او ان يتعدى على مساحته الشخصيه وهى فعلت ذلك الليله مرتين متتاليتين ، اقبض على معصمها بقوه جعلتها تصرخ متالمه ولكنه لم يبالى بل واصل ضغط يده فوقه يدها بقوه اكثر جعل وجهها يشحب من شده الالم ، وعندما اخرج صوته كان هادئاً ولكن مملؤ بالغضب :
-قلتلك ميه مره متلمسنيش .. زى ما قلتلك برضه قبل كده لعبتك الرخيصه دى تروحى تلعبيها على حد غيرى .. مش على اخر الزمن واحده ..... هتضحك على فريد رسلان !! ولا انتى مش مكفيكى فلوس ابوكى دى كلها فقلتى اضحك عليه واهو يبقى زياده الخير خيرين !!! طلعينى من دماغك عشان انا صبرى عليكى بدء يخلص .. وانتى مش هتحبى تشوفي الوش التانى منى ..
انهى حديثه بحزم ثم نفض يده من فوقها بأشمئزاز قبل ان يترك لها المكان بأكمله ويخرج عائدا بتفكيره إلى تلك الحياة خاصته ..
*************
عاد إلى منزله ثم توجهه مباشرةً إلى غرفته ، القى بثقل جسده المتعب فوق الفراش ، فى الحقيقه لم يكن جسده هو المتعب بل روحه ، أغمض عينيه بأرهاق سامحاً إلي سيل الذكريات بالتدفق بقوه داخل عقله لتسحبه داخل دوامه من الالم والحسره والكثير من الشوق للماضى ، حاول نزع نفسه منها ولكن الاوان قد فات فيبدو انها ستنتصر عليه كعادتها كل ليله دون حيله منه ، ظهرت امامه صوره والدته بوضوح وآثار الضرب المبرح واضحه عليها وهى تمسح على شعره بحب وتحدثه مازحه بنبرتها المليئة بالحنان :
-انت بتحب حياة اكتر منى يا فريد .. اول ما بتفتح عيونك بتسالنى عليها .. حتى قبل ما بتقولى صباح الخير ..
أجابها بثقه وحزم يفتقده جميع اقرانه المماثلين له فى العمر :
-لا انا بحبكم انتوا الاتنين قد بعض .. انتى بابا بيكرهك وهى بباها بيكرهها .. وانا لما اكبر هاخدكم انتوا الاتنين واهرب بيكم ومحدش هيعرف يضايقكم تانى ..
نظرت إليه والدته بأنبهار من نظره الإصرار التى رمقها بها فهو منذ صغره ورغم ضأله حجمه فى ذلك الوقت الا انه كان يتمتع باراده قويه ، ومع مرور الوقت تعلم كيف يطوع تلك الهبه حتى ينحنى كل شئ يريده امامها ببساطه ، ابتسمت والدته إليه بحب قبل ان تقول له بعيون لامعه محاوله اخفاء الالم الكامن بداخلها :
-لو بتحبها اوى كده يا فريد لازم تحافظ عليها وتحميها من نفسك ..
صمتت قليلاً تستجمع كلماتها ثم اضافت كتقرير :
-انا عارفه انك لسه صغير على كلامى ده ويمكن متفهموش .. بس انا خايفه مفضلش معاك لحد ما تكبر وتفهم اللى بقلهولك ده ..
صمتت مره اخرى لتزدرد ريقها عده مرات وتحاول السيطره على دموعها التى اوشكت بالاعلان عن نفسها :
-اللى بيحب حد يا فريد مبيقدرش يعذبه .. ولو حبك ليها زى ما بتقول حقيقى يبقى عمرها ما هتهون عليك .. اوعى يا فريد دم غريب اللى بيجرى فى شرايينك ده يسيطر عليك وتفكر فى يوم من الايام تأذيها بحجه انك بتحبها ..
هز راسه لها بقوه كأنه يحاول حفظ كلماتها داخل عقله حتى لو لم يستوعبها الان ..
زفر بقوه ثم مرر يده فوق وجهه قبل ان يفتح عينيه بمراره .. لقد استوعب فى اليوم التالى كلمات والدته له بأقسى طريقه ممكنه لطفل فى عمره وعلى يد والده أيضاً ، ومن ذلك اليوم أقسم على دفع حياته ثمن قبل ان يقوم بأذيتها فهى كل ما تبقت له من ذلك الماضى السحيق ..
*********
متى تخضعين لقلبى
الفصل الثالث
استيقظت حياة فى الصباح بقلب مثقل ، فكرت بيأس انه لا فرار من تلك المواجهه ، فقلبها يحدثها بأن والدتها على علم بكل ما حدث معها بالامس ، فمنذ المساء ووالدتها تحاول الوصول إليها هاتفياً وبمجرد دخولها للمنزل اقتحمت غرفه حياة على الفور ولكن الاخيره تظاهرت بالنوم فور سماعها اقدام والدتها خارج غرفتها ، تحركت حياة على مضض ، اتجهت إلى الحمام مباشرة فلم تصادف احد فى طريقها وذلك لحسن حظها ثم عادت مره اخرى لغرفتها تستعد لارتداء ملابسها والخروج ، بعد قليل كانت قد انتهت من ارتداء جميع ملابسها وتمشيط شعرها ، نظرت إلى المرآه بحزن ، ففى ظروف اخرى كانت لتبدو سعيده بأن كل مجهودتاتها فى الثلاث سنين الاخيره توجت اخيراً بالنجاح ، ولكن الان كل ما تشعر به هو الحزن مع الكثير والكثير من تأنيب الضمير بسبب ما حدث مع محمود البارحه ، وكل ذلك بسبب ذلك المدعو فريد وهوسه فى التملك ، إعادتها والدتها من افكارها باقتحامها غرفتها بحده ، تنهدت حياة بأحباط ، اذا فكل شكوكها صحيحه فملامح والدتها تبوح بكل ما يعتمر داخل راسها دون حديث ، لوت حياة فمها بأحباط قبل ان تأخذ مبادره الحديث:
-واضح انك عرفتى باللى حصل امبارح ..
اجابتها والدتها بجديه :
-مقالش تفاصيل ..
تنهدت حياة بحزن قبل ان تقص عليها كل ما حدث معها البارحه وما فعله فريد بمحمود وحالته الصحيه وايضاً تركها له ، شهقت والدتها برعب من بطشه فلم يكفيه ما فعله ولكن أيضاً قام بتهديدها ، كانت تريد لوم ابنتها على طيشها وعنادها الغير مبرر معه ولكنها تراجعت فور رؤيتها الدموع المتكونه داخل عيون ابنتها بوضوح، تحركت حياة للخارج وتبعتها والدتها بصمت ، صادفت اخيها يستعد للخروج هو الاخر ، ابتسم لها بعذوبه وهو يلقى عليها تحيه الصباح ، قبل ان يسألها بأهتمام :
-مالك ؟!.. فى حد قالك حاجه زعلتك ؟!..
ثم أشار برأسه حيث غرفه والدهم ، هزت حياة رأسها بالنفى قبل ان تقول :
-انا عطيت محمود المحبس بتاعه ..
عبس اخيها قبل ان يسألها مستنكراً :
-انتى لحقتى !!! ده مكملتيش يومين !! ايه السبب ؟!..
حاولت حياة تغير مجرى الجرى فأجابته بنفاذ صبر :
-هحكيلك بعدين بس يلا عشان منتأخرش ..
اخيها :
-طب يلا انا كمان نازل معاكى تعالى اوصلك ..
ثم تحركا معاً للخارج ، وفى الطريق سألته حياة بأهتمام :
-عامل ايه فى الشغل وبعدين انتى نازل بدرى ليه مش ميعادك يعنى ؟!..
أجابها اخيها بتذمر :
-حياة انا خلاص قرفت .. ضغط شغل مش بيخلص والراجل المدير ده مش بيرحم كأنه اشترانى .. حتى النهارده طلب منى اروح بدرى عشان اخد فلوس واوديهاله البنك مع ان ده مش من مهامى واول مره يعملها ..
عبست حياة قبل ان تفتح فمها لمواساته:
-معلش يا محمد اصبر عليا شويه كمان ان شاء الله هلاقى فرصه للسفر وهاخدك معايا انا مش ساكته ويمكن ربنا يكرم فى اقرب فرصه ..
هز لها اخيها رأسه مطيعاً قبل ان يضيف :
-طب انا هسيبك هنا عشان متأخرش على الراجل ده والحق ميعاد البنك وانتى خلى بالك ولو احتجتى اى حاجه قوليلى..
ابتسمت له حياة بحنان قبل ان تلوح له مودعه وتستمر فى طريقها .
كان محمد هو اخيها الأصغر وبالرغم من ذلك كان يتعامل معها على انه يكبرها بسنوات ، كان حنون معها بطريقته الخاصه ، كان دائما ما يأخذ صفها عند نوبات غضب والدها وفى المساء اثناء عودته يجلب لها نوع الشيكولا المفضل لديها ويحاول دائما اخراجها من حزنها ، بالطبع لم يكن السند الذى تستطيع اخباره بمشاكلها وما يفعله معها فريد ولكنه كان يحاول حبها بكل ما يملك ..
*************
وصلت حياة إلى مكتبها قبل ميعادها الرسمى بعشر دقائق تقريباً فبدئت فى تحضير ملف الاجتماع على الفور ، بعد حوالى ساعه تفاجئت برب عملها يدلف إلى غرفه مكتبها بعبوس ، حييته بأحترام قبل ان تسأله بأرتياب وهى ترى ملامح وجهه المتجهمة امامها :
-فى حاجه اقدر اساعد حضرتك فيها يا مستر رؤوف ؟؟!..
بدء الارتباك يظهر جلياً على ملامح وجهه ، فتح فمه للتحدث ولكنه اغلقه مره اخرى ، ظلت حياة تنظر له وقد اتنقل إليها توتره ألياً فملامح وجهه لا تُبشر بخير ، تنحنح اخيراً لتنقيه حلقه قبل ان يتحدث إليها :
-حياة .. انتى عارفه انك من احسن الموظفين اللى عندى .. وانا فعلا بعزك وبحترمك وبتمنى كل الموظفين يكونوا فى نشاطك وذكائك وخوفك على الشغل .. بس انا اسف ومضطر اقولك اننا استغنينا عن خدماتك .. وكتعويض ليكى هنصرفلك ٣ شهور مكافأه ..
نظرت له حياة بصدمه تحاول استيعاب ما تفوه به للتو ، هل هذه مزحه سخيفه ؟!، لا فملامح وجهه وارتباكه لا يدل إطلاقاً على انه مزاح ، كما انها ليست كدبه ابريل فنحن على اعتاب الشتاء !، صمتت قليلاً واخفضت راسها محاوله السيطره على الدموع التى تجمعت داخل مقلتيها ثم بعد قليل رفعت رأسها وهى تبتسم له وتقول :
-تمام .. قدر الله وماشاء الله فعل ، مفيش اى مشكله وانا اكيد سعيده انى اتعرفت على حضرتك واكيد اتعلمت من حضرتك حاجات هتنفعى فى سيرتى الذاتيه .. اسمحلى بس الم حاجتى وأتحرك ..
ارتبك وهو واقف امامها ولم يدرك ما يجيبها به فقد اعُجب بقوتها ورد فعلها الثابت ، فكر متعجباً لماذا يفعل ذلك الملعون فريد كل ذلك معها ، على كل حال هذا ليس من شأنه يكفيه ما تحصل عليه منه منذ ان قام بتعيينها حتى الان وذلك هو المهم ، خرج من غرفتها بعد ان وضع مغلف امامها وانصرف دون وداع ، انتظرت حياة خروجه بفارغ الصبر حتى تستطيع الارتماء فوق المقعد والتفكير بتلك المفاجئه التى قلبت موازين يومها ففى اثناء استعدادها لتشغل منصب جديد وجدت نفسها خارج المؤسسه باكملها ،على كلاً حاولت تشجيع نفسها ففى الاخير كل ذلك رزق من الله وهى لديها من الخبره والمؤهلات ما يؤهلها للتعيين فى اى شركه اخرى بسهوله ، بالطبع كانت تلك من افضل شركات الملاحه فى الاسكندريه ولكنها لن تجزع ، ستجد فرصه افضل ان شاء الله ، اخذت حاجياتها وهمت بالانصراف عندما اوقفها رنين هاتفها ، نظرت به وإذا بوالدتها هى الطرف الاخر ، تجاهلت اتصالها فى المره الاولى ولكن والدتها كانت تعاود المحاوله دون انقطاع ، التقطت هاتفها وأجابت بحزن فجائها صوت والدتها باكياً :
-حياة .. الحقى محمد اخوكى ..
كانت تشعر بالأرض تدور بها من شده الفزع ، خرج صوتها هامساً تستفسر :
-ماما !!!! حصله ايه !!! محمد حصله حاجه !!! ماما !!! ..
إجابتها والدتها وهى لازالت على بكائها :
-هو كويس بس تعالى على شغله دلوقتى حالاً .. حالاً يا حياة .. اخوكى فى مصيبه ..
تحركت حياة تلقائياً تركض نحو الخارج كأنها انسان ألى دون روح ، استقلت اول سياره أجره صادفتها فى طريقها وصوت كلمات والدتها يتردد فى اذنها بقوه ، ضرب ألف احتمال واحتمال رأسها فى تلك المسافه من مقر عملها لعمله ، حاولت طمأنت نفسها ، المهم انه لم يصيبه مكروه ، أى شئ اخر يمكن تفاديه المهم الا يصيبه مكروه ، هذا ما فكرت به بيأس وهى تركض الدرج للاعلى حيث مقر الشركه التى يعمل بها ، دفعت الباب بيد مرتعشه فألتقطت عينيها على الفور والدتها تجلس بعيون منتفخه من كثره البكاء على احدى الارائك الموضوعة فى مدخل الاستقبال ويجلس إلى جوارها اخيها بملامح مرتعبه ، رفعت رأسها قليلاً وإذا بها ترى شخص تعرفه جيداً يستند بكسل وملامح مسترخيه على حافه احد الابواب وبجواره يقف مدير اخيها ، لم يكن الامر يحتاج إلى الكثير من الذكاء لمعرفه من المتسبب بكل ذلك الذعر الذى تمر به عائلتها ، تمتمت بغضب توجهه نظراتها المشتعله إليه :
-انت !!!..
ثم تحركت تركض حتى وصلت إليه وأخذت تلكمه فوق صدره بكل ما أوتيت من قوه وهى تصرخ به كأنها بذلك تفرغ جميع شحنات الغضب المتكونه بداخلها منذ البارحه :
-انطق عملت فيهم ايييه تانى !!! انت ايه مش بتشبع تعذيب فى الناس !! عملت ايه فى اخويا انطقققق ..
كان فريد يقف امامها بثبات كأنها تسدد تلك اللكمات للهواء وتصرخ بشخص اخر وليس هو نفسه ، بعد قليل شعرت بقوتها تنهار فتوقفت عن لكمه وهى تلهث فتحدث هو بصوت ثابت وعميق :
-لو خلصتى الدراما اللى عملتيها ياريت تتفضلى معايا جوه ..
لم تتحرك من مكانها فأضاف بنفاذ صبر لجذب انتباهها:
-عشان اخوكى ..
التفت تنظر إلى والدتها بعيون حائرة فاومأت لها براسها مشجعه ، تحرك هو اولاً وتحركت حياة فى اثره دون اعتراض او حتى سؤال ، فتح لها باب غرفه ما وتركها تتقدمه ، دلفت حياة إليها اولاً تتفحصها ، كانت الغرفه مؤثثه جيداً وواسعه يبدو انها غرفة المالك ، قاطع افكارها صوت فريد الذى اغلق الباب فور دخوله يطلب منها الجلوس ، رفضت على الفور ،وهى تفكر بقلق ما الذى يمكن ان يجمعها به ويخص اخيها ، ولماذا تشعر بأنها كبش يُجر إلى الذبح ، استند فريد على حافه المكتب يراقب تعابير وجهها ونظراتها الحائرة بهيام ، يالله كم يعشقها ، هل تعلم كم هى جميله ورقيقه وهى تقف امامه الان ترتدى جاكيت بدله نسائيه من اللون الاسود وبنطال من الجينز فتبدو شابه وقويه ، وشعرها الفحمى الناعم مرفوع على هيئه ذيل حصان ، انها حقاً تبدو كمُهره اصيله متمرده حتى تلك اللحظه لم يستطيع ترويضها ، لوى فمه بمرح مفكراً ومن قال انه يريدها مروضه!!! انه يريدها بكل عنفها وكبرها وتمنعها عليه ، اعاده من تأملاته صوتها الرقيق تسأله بحده :
-هنفضل واقفين طول اليوم تبصلى كده !!! ..
ابتسم بمرح قبل يجيبها :
-انا شخصياً معنديش اى مانع افضل واقف سنين مش بس يوم أتأملك .. بس عندك حق الايام جايه .. خلينا فى المفيد ..
نظرت له برعب واضح من تلميحه المبطن ولكنها تجاهلت ما يخبرها به عقلها فقالت بهدوء مصطنع يشوبه التحدى :
-سمعاك ..
تنحنح فريد ثم تحدث مباشرةً :
-محمد ..
سألته حياة بأرتياب :
-ماله ؟!...
أجابها ببرود يخرج فقط من انسان ألى وليس انسان يمتلك مضخه دم وشرايين :
-ولا حاجه .. بس أختلس من الشركه ٥٠٠ الف !! دولار ..
نظرت له حياة بأستهزاء :
- هزار .. انت حد فاكر ان دمه خفيف فسايب اعماله وإشغاله وجايبنى عشان تهزر !!..
هز فريد راسه لها ببطء صادراً صوت من فمه ينم على الاستياء :
-غلط .. اجابه غلط .. المفروض الاجابه اللى اسمعها انا موافقه انى اتجوزك يا فريد ..
نظرت له حياة بصدمه واضحه دون ان تنبث ببنت شفه ، انتظر فريد صدور رد فعل منها لمده دقيقه ولكن لم تفعل ، اضاف بنفس بروده المعتاد بعد ان وضع إصبعه فوق فمه متفكراً :
-اعذرينى ، يمكن حماسى خلانى انط للجزء ده قبل ما أسمعك باقى عرضى .. دلوقتى اخوكى محمد اختلس من الشركه اللى شغال فيها ٥٠٠ الف دولار ، وطبعا انتى ماخدتيش بالك ان فى ناس واقفه بره شهود شافوه وهو بياخد الفلوس من الخزنه وبيحطها فى شنطه وبعدين الشنطه بالفلوس اختفوا .. ها ايه رايك محمد يتحبس ولا تتجوزينى !!
تمتمت حياة بخفوت مقره كأنها تتحدث لنفسها قبل ان تتحدث إليه وتحاول حل تلك الاحجيه فى راسها :
-المدير اللى بره ده الكلب بتاعك مش محتاجه تفكير ..
صمتت لبرهه ثم اضافت وهى تضيق عينيها :
-والفخ ده مترتبله من زمان عشان كده طلب منه ان يجى قبل ميعاده ويوصله الفلوس للبنك على غير العاده..
ابتسم فريد بعمق قبل ان يرفع كفى يده يصفق لها باسلوب درامى :
-ذكائك كل يوم بيزيد كنت خايف بعدك عنى السنين دى كلها يقلل منه بس بالعكس طمنتينى عليكى ..
نظرت اليه بأشمئزاز قبل ان تقول :
-انت ازاى كده !! انت بقرف منك وبكرهك .. فاهم يعنى ايه بكرهك والموت اهون عندى من انى اتجوزك ..
وضع يده فوق قلبه بتمثيل قبل ان يجيبها :
-زوجتى المستقبليه .. كلامك جرح قلبى بس مش مهم هعتبره خجل منك برضه احنا يادوب لسه مخطوبين من ساعه وشويه وهتتعودى عليا ..
صرخت به حياة بقوه وقد بدءت تفقد أعصابها امامه :
-هلاقى حل .. السجن ارحملى .. هقول ان انا اللى اخدتهم مش هو ..
أجابها بثقه :
-الشهود ضده والكاميرا سجلت وهو بيفتح الخزنه وبياخدهم مش انتى ..
صرخت به مره اخرى :
-هتصرف وادفع المبلغ:
هز راسه لها رافضاً قبل ان يفتح فمه ويقول :
-ومين قال اننا عايزين المبلغ هو عرض واحد .. جوازنا قدام سجنه ..
شعرت حياة باللعبه تضيق عليها وها هى على وشك الخساره ، التفتت حولها تبحث عن شئ ما تجلس عليه ، اتجهت إلى الاريكه الموضوعه بعنايه وجلست عليها ثم انحنت ووضعت كلتا كفيها فوق راسها وهى مغمضه العينين تحاول التفكير بهدوء او ايجاد مخرج ما ، فكرت بيأس ، اللعنه !! إلى من تلتجئ ، ليس لديها احد ما يحميها منه فوالدها يلومها على ما تفعله وما لا تفعله وبالطبع ينتظر اليوم الذى يتخلص به منها ، فما بالك بشخص غنى كفريد ، والدتها أيضاً لن تسعفها ، فهى لا حول ها ولا قوه ، أتترك أخاها للسجن وهى تعلم انه مظلوم ، هل سيتعفن داخل جدرانه وينتهى مستقبله من اجل حربها مع فريد ، لا لن تكون بتلك الانانيه ، ثم انها لا تفرط به ، شعرت بوخز الدموع يزداد داخل مقلتيها وهى تفكر بحزن لو ان لها قوه ، حاولت السيطره على دموعها فالقرار واضح ، ستحمى أخاها حتى لو على حساب ربط ما تبقى من حياتها باسم رجل تبغضه ، فكرت بأمل وهى تحرك راسها يميناً ويساراً ، ستسايره فى خطته حتى تُهرب أخاها خارج البلاد وتحمى والدتها ثم تتركه وتهرب ، هذا هو الحل الوحيد ، لن تستسلم له ولكن ستنحنى للعاصفه ، نعم ، طمأنت نفسها داخلياً هذا كل ما ستقوم به ، لن تنهزم فقط ستنحنى حتى تتفادى تلك العاصفه الغير متوقعه ، جائها صوته قريباً منها يحدثها :
-قدامك نص ساعه والا البوليس هيكون جوه الشركه ..
انتفضت من مقعدها تصرخ به :
-خلاااااص موافقه بس بشروط ..
عقد حاجبيه معاً وهو يكتف كلتا ذراعيه فوق صدره ويسألها بتركيز:
-ايه هى شروطك ؟!..
اجابته بثقه مزيفه وهى تحاول رفع راسها بكبرياء :
-وصلات الامانه اللى مضيت بابا عليهم وساومت ماما بيهم يتقطعوا قبل كتب الكتاب .. وطبعا مش محتاجه اقول ان من بكره ماما توقف شغل عندك ..
راقبت رد فعله بهدوء بسيط اكتسبته من نظرته الحانيه، حسناً ان كان يريد المساومه فهى أيضاً ستساوم وتبدء فى تتفيذ خطتها منذ الان ..
أومأ راسه لها موافقاً وهو يتمتم :
-اللى انتى عايزاه ..
اكملت حياة بثقه اكبر :
-الشرط التانى .. تكون ليا اوضه لوحدى خاصه بيا ومحدش معاه مفتاحها غيرى وده من اول يوم جواز .. انت فى مكان وانا فى مكان ..
نظر لها مطولاً يتفحصها قبل ان تضيق عينيه عليها ويسألها :
-يعنى ايه ؟؟ ..
اجابته مفسره :
-يعنى اللى فهمته .. مفيش حد عنده كرامه ممكن يقرب من واحدة مش طايقاه ..
دوت ضحكته عالياً بشراسه داخل أنحاء الغرفه قبل ان يقول :
-لا انتى بتهزرى !! .. انا استنيت كل ده عشان اتجوزك وملمسكيش .. لا ومتوقعه منى انى اقبل كمان .. طبعا شرطك مرفوض ..
صرخت به حياة وهى تنظر فى اتجاه المكتب الواقف امامه :
-وانا قلتلك الموت اهون عليا من انى اتجوز واحد زيك ..
ثم تحركت مسرعه تلتقط أله فتح المظروفات الحاده من فوق المكتب وتضعها فوق شريان رقبتها وتضيف :
-اقسم بالله يا فريد هموت نفسى قدامك واريحهم وارتاح ومش هتقدر تهددهم بعد موتى ..
شعرت فى اللحظه التى نطق بها برفضه بأنها فقدت السيطره على اعصابها تماماً ، حتى جسدها خرج عن نطاق سيطرتها فلم تستطيع توقيف ارتجافه ، حاولت التوقف عن الصراخ ولكن دوى جدوى فكل ما شعرت به فى تلك اللحظه انها تريد الصراخ بكل قوتها حتى تُنفس عن كل ما شعرت به منذ البارحه :
-انت ايييه !! انسان مش بيرحم !! مش كفايه اللى عملته فى محمود امبارح ومش كفايه اللى عملته قبله فى امى !! انت عمال بتدمر حياة اى حد قريب منى لمجرد انه يعرفنى .. انا بكرهك وبكره اليوم اللى شفتك فيه والساعه اللى قدرى وقعنى فيها فى طريقك .. انا عايزه اموت عشان ارتاح من انك دايما واقف فى طريقى ..
ظل فريد يراقبها وضغط يدها يزداد تدريجباً فوق عنقها دون وعى منها ، تقدم خطوه للاقتراب منها ولكن صراخها الذى ازداد أوقفه :
-اوعى تقرب .. لو فكرت فى يوم تقرب منى او تجبرنى هموت نفسى ..
كان يرتعد داخلياً خوفاً عليها ، اللعنه عليه ماذا فعل بصغيرته وحياته ، انها على وشك فقدان الوعى من شده رعبها وتلف اعصابها ، هل هذا ما يريده لها ؟!، ولكن تلك فرصته الاخيره حتى تصبح زوجته فمنذ سنوات وهو ينتظر موافقتها ولكن دون جدوى حسناً سيكفيه ان تعيش تحت سقف بيته ويراها يومياً ، نظر إليها فوجد يدها تضغط بقوه اكثر على الاله الحاده حتى بدءت بعض الدماء تزحف نحو عنقها ببطء فصرخ بفزع :
-تماااام .. خلاص موافق بس اهدى وسيبى اللى فى ايديك دى ..
نظرت إليه بعدم تصديق ، بينما يحاول هو الاقتراب منها ولكنها صرخت به بقوه :
-قلتلك متقررربش مننى ..
توقف فريد عن السير وتراجع خطوه للوراء وهو يرفع كلتا يديه امامه فى استسلام ويتمتم بحزن :
-مش هقرب بس انتى اهدى وسيبى اللى فى ايديك ..
تمتمت حياة :
-مش مصدقاك ..
أجابها فريد والالم يعتصر قلبه :
-والله ما هقرب منك ..
سالته حياة مستنكره :
-احلف بأغلى حاجه عندك .. احلف برحمه ماما رحاب ..
ازدرد فريد ريقه بصعوبه قبل ان يتمتم بحزن وصدق حقيقى :
-ورحمه امى ما هقرب منك .. وحياتك عندى ما هقرب منك غصب عنك ابداً ..
أفلتت حياة الاله من بين يديها فسقطت على الارض الخشبيه تدوى بقوه وسقطت حياة بجوارها تشهق وتبكى بكل ما أوتيت من قوه ، تحرك فريد يجلس جوارها بصمت دون محاوله للمسها ، ظل يجلس جوارها حتى هدئت تماماً من نوبتها ثم وقفت فجأه وتحركت فى اتجاه المرحاض لتنظيف وجهها وعنقها ، خرجت منه انسانه اخرى بملامح هادئه وقويه وبمجرد رؤيته يتحرك فى اتجاهها رفعت رأسها بكبرياء موجهه له نظرات ناريه ، ابتسم داخلياً من عوده متمردته مره اخرى ، سألها باهتمام :
-محتاجه حاجه ؟!..
هزت راسها نافيه وهى تنظر إليه بازدراء ، لوى فمه بنصف ابتسامه جانبيه التقطتها عيونها فسارعت تقول :
-انا بكرهك على فكره ..
تمتم فريد بمرح :
-مش مشكله .. تكرهينى وانتى فى بيتى وتحت عينى احسن من انك تكرهينى وانتى بعيد عنى ..
صمت لبرهه ثم اضاف :
-شفتى انا قنوع ازاى ؟!..
لم تعقب حياة على سخريته فقد كانت تفكر بخبث ان انتصاره ذلك مؤقت لذلك فلتتركه يستمتع به قليلاً ، تحركت فى أتجاه الباب تهم بالخروج عندما اوقفها صوته العميق يضيف :
-الفرح الخميس الجاى .. ده المهم انك تعرفيه غير كده انا هتولى باقى الامور ..
كانت على وشك الاعتراض ولكنها تراجعت فكلما أسرعت فى الزواج منه وبدء خطتها مبكراً كلما تخلصت منه بشكل اسرع ، لاحظ هو الصراع الداخلى الذى تمر به والبادياً بوضوح على قسمات وجهها فأبتسم تلقائياً عند تراجعها ، فكر بفخرانه يحفظ تعابير صغيرته عن ظهر قلب ..
*************
فى الخارج نظرت حياة إلى والدتها التى استمعت إلى كل ما حدث مع ابنتها بالداخل ولكنها لم تستطيع التدخل فذلك هو التصرف الصحيح من اجل الجميع ، تمتمت حياة بنبره خاليه لجميع من بالغرفه :
-الفرح اخر الاسبوع ..
ثم التفتت تلقى نظره اخيره تطمئن بها على اخيها قبل ان تنصرف دون حديث ..
