رواية هتلر الفصل العاشر10 بقلم اسماعيل موسي
عادوا إلى الشقة كما خرجوا منها لكن شيئًا خفيًا تغيّر
نفس الكراسي ونفس الطاولة ونفس أكواب الشاي إلا أن الصمت كان أثقل والأنفاس أبطأ
جلس كل واحد في مكانه لكن العيون لم تستقر كانت تتحرك ثم تتوقف عند محمود،كانت نظرات تحمل شيئًا مزدوجًا إعجابًا صامتًا وقلقًا لا يقال،جلس وائل أمامه وأسند ذراعه على الطاولة ثم أشعل سيجارة دون أن يرفع عينيه عنه
بدأ الحديث يعود تدريجيًا كلمات متقطعة عن الخناقة وعن الذي حدث وعن الذي كان يمكن أن يحدث، كل واحد يضيف جملة أو يعلق بنصف ضحكة لكن الخيط الحقيقي للحديث ظل معلقًا عند شخص واحد،محمود، كانوا ينتظرون أن يتكلم
أن يشرح،أن يقول كيف تحوّل في لحظة من رجل صامت إلى عاصفة محسوبة.
لكن محمود لم يشعر أنه فعل شيئًا يستحق الشرح
بالنسبة له لم يكن ذلك جديدًا،كان قد مرّ بنفس الشعور من قبل في خناقة أخرى في مكان آخر انتهت بشكل مختلف تمامًا،لم يرفع عينيه عن الكوب أمامه،ظل صامتًا،مرت لحظة ثم أخرى،ثم لكزه وائل بخفة في كتفه وقال بنبرة نصف مازحة ونصف جادة يا دكتور أنا محتاج إجابة إزاي عملت كده،رفع محمود نظره ببطء،أكمل وائل وهو يهز رأسه بإعجاب إنت كنت بتتعارك كأنك أجدع بلطجي في المنطقة
الكلمة علقت في الهواء، بلطجي،في تلك اللحظة لم يعد يرى الغرفة،زحف الماضي فجأة بلا استئذان،صوت صراخ
غبار في الهواء،أيدٍ تمسك به،ثم أرض باردة تحت جسده
هتلر،وجهه القاسي يعلو فوقه وابتسامة باردة لا تحمل رحمة
الضربات لم تكن مؤلمة بقدر ما كانت مهينة،السحب على الأرض، النظرات،ضحكات الناس،ثم صوت أمه
مرتجف مكسور،تتوسل،سيبه يا ابني حرام عليك، لم يستطع أن يرفع رأسه وقتها،لم يستطع أن يرد، كل ما تبقى منه كان صامتًا ومكسورًا،عاد إلى الحاضر فجأة لكن صدره كان قد ضاق،الهواء لم يعد كافيًا،نهض بسرعة
الكرسي احتك بالأرض بصوت حاد قطع الحديث لكنه لم يلتفت لأحد،لم يعتذر ولم يبرر فقط تحرك نحو الباب وخرج
في الخارج كان الهواء أبرد،وقف فى الفراغ وأخرج سيجارة بيد ثابتة على غير ما يشعر به وأشعلها
سحب نفسًا عميقًا ثم أخرجه ببطء كأنه يحاول أن يطرد شيئًا أثقل من الدخان،ظل واقفًا هناك في الهواء الطلق بعيدًا عن العيون لكن ليس بعيدًا عن نفسه، الليل كان هادئًا،لكن داخله لم يكن كذلك.
في الداخل لم تهدأ الجلسة كما بدا،بمجرد خروج محمود تبادلت الوجوه نظرات سريعة ثم انفتح الحديث دفعة واحدة كأن الصمت كان ينتظر إشارة.
قال أحدهم وهو يهز رأسه بإعجاب إن ما رأيناه ليس عاديًا هذا الرجل لا يليق به أن يجلس معنا هكذا على الهامش
رد آخر وهو يميل للأمام إنه يجب أن يكون معنا فعلًا لا مجرد رفيق سهرات شخص مثله لا يجوز أن يقف على الحافة
وأضاف ثالث بنبرة حاسمة هذا أحق واحد يقودنا لديه قوة واضحة وعقل جعله يصل إلى ما هو عليه وليس أي شخص يمكنه أن يجمع بين الاثنين
وائل كان صامتًا يستمع دون أن يقاطع بينما تتجمع الكلمات في اتجاه واحد وتتشكل منها فكرة واحدة،كانوا يرون فيه فرصة لا تتكرر أطفأ وائل سيجارته ثم نهض بهدوء وخرج دون أن يقول شيئًا
في الخارج وجد محمود واقفًا أمام العشة يمسك سيجارته بين أصابعه والدخان يتصاعد ببطء حوله
وقف بجواره في صمت للحظات ثم قال بصوت منخفض الجماعة عايزينك معاهم
لم يلتفت محمود في البداية واكتفى برفع حاجبه قليلًا
أكمل وائل عايزينك تكون قائدهم
التفت محمود هذه المرة ونظر إليه نظرة قصيرة ثم قال بهدوء آخر شيء ممكن أفكر فيه هو أن أكون كذلك
ثم أضاف أنا لا أصلح لهذه الوظيفة
ابتسم وائل ابتسامة خفيفة وهو ينظر للأمام وقال أنا واللي معايا مجرد مجموعة من الخارجين عن القانون وعندما يرى هؤلاء بارقة أمل لا يتركونها بسهولة
ثم التفت إليه وقال هم يرونك منقذًا مستعدون أن يسيروا خلفك وأنا كذلك
هز محمود رأسه ببطء وقال بنبرة واضحة أنا لست مجرمًا يا وائل ولن أكون كذلك أبدًا
ابتسم وائل مرة أخرى وكأنه كان يتوقع هذا الرد ثم قال تعال وقلهم الكلام دا بنفسك.
عادا معًا إلى الداخل،بمجرد دخول محمود سكت الجميع واتجهت العيون إليه مرة أخرى لكن هذه المرة كانت نظرات انتظار صريح
قال أحدهم إن وجودك معنا يجب أن يتغير أنت لست شخصًا عاديًا،وأضاف آخر نحن بحاجة إليك
وتتابعت الكلمات من أكثر من صوت لكن المعنى ظل واحدًا
محمود ظل واقفًا يستمع دون أن يقاطع أحدًا
تركهم يتحدثون حتى انتهت الكلمات وبقي الصمت
صمت طويل مر قبل أن يتكلم وكأنه كان يزن كل شيء
ثم قال بهدوء أنا يمكنني مساعدتكم
وتبادلوا النظرات في انتظار ما سيقوله بعد ذلك
أكمل وهو ينظر إليهم واحدًا واحدًا يمكنني أن أقول لكم ماذا تفعلون وأن أعطيكم رأيي وأن أشرح ما أراه
توقف لحظة قصيرة ثم قال بوضوح لكنني لن أكون شريكًا معكم في هذا الطريق، ساد الصمت من جديد
لم يكن ما قاله رفضًا كاملًا ولا قبولًا صريحًا
لكنه ترك شيئًا معلقًا في المنتصف شيئًا يجعل الباب مفتوحًا دون أن يعبره.
معلهش يا دكتور ودا مكمن يحصل ازاى ؟ سأل شحته الخمورجى بأهتمام مبالغ فيه جعل الأخرين يضحكون
بص يا شحته احنى محمود رأسه كأنه هيقول سر لازم تبطلو شغل القطاعى ،القطاعى مش جايب همه
انت يا شحته ورفاقك فى نظر القانون مجرم وفى نظر البوليس ابن كلب لو اتمسكت مش هيعتقوك وتلبس خمسمية قضيه.
هز شحته الخمورجى رأسة وكان بداء الكلام يعجبه كمل يا دكتور
لازم تكبرو، لو كان أقصى حلمك تبقى صبى معلم كبير هتفضل صبى مهما جمعت من فلوس، انا شايف بقا انكم لازم تكبرو.
أنا همدكم بالأفكار وانتو هتنفذو ،مفيش حاجه مضمونه
لكن لازم تفكرو كويس اذا كان ممكن تطيعو شخص مش هيكون مسؤل عن اى جريمه معاكم ،شخص كل شغلته الأفكار وسايب الخطر كله عندكم.
