رواية هتلر الفصل الحادي عشر11 بقلم اسماعيل موسي


رواية هتلر الفصل الحادي عشر11 بقلم اسماعيل موسي


لم يكن التحول عند محمود صاخبًا ولا ملحوظًا من اللحظة الأولى بل جاء هادئًا يتسلل كالماء بين الشقوق حتى يملأها دون أن يُرى
ظل في الظاهر كما هو نفس الجلسات ونفس الصمت ونفس النظرات التي لا تطلب لفت الانتباه لكن في الداخل كانت هناك حركة لا تهدأ
أصبح يلتقط التفاصيل بسرعة لافتة ولم يعد يسمع الكلمات فقط بل يفهم ما خلفها
يعرف متى يكون الكلام تمويهًا ومتى يكون تهديدًا ومتى يكون اختبارًا
تعلم أن هذا العالم لا يسير بالقوة وحدها بل بالترتيب الخفي للأشياء ومن يتكلم أولًا ومن يسكت ومن ينظر لمن ومن يتجنب النظر
تفاصيل صغيرة لكنها كانت بالنسبة له خريطة كاملة تقوده دون أن يشعر
ومع الوقت لم يعد ينتظر أن يُسأل وصار يتكلم في اللحظة المناسبة بجملة قصيرة لكنها كافية لتغيير اتجاه الحديث
في إحدى الليالي كانوا يناقشون مشكلة مع مجموعة أخرى وأصواتهم بدأت تعلو وكل واحد يريد أن يفرض رأيه
محمود كان صامتًا يستمع ثم قال بهدوء لو اتحركتوا دلوقتي هتدوا لهم اللي هما عايزينه خلوهم هم اللي يغلطوا الأول
ساد الصمت وكانت الجملة بسيطة لكنها أوقفت الاندفاع وجعلت الجميع يعيد التفكير
نظروا إليه ثم بدأوا يعيدون حساباتهم ولم يرفع صوته ولم يفرض نفسه لكن كلمته أصبحت تُحسب
شيئًا فشيئًا لم يعد وجوده مجرد حضور بل أصبح مرجعًا يعودون إليه دون اتفاق مسبق
الغريب أنه لم يشعر بذلك ولم يستيقظ يومًا ليقول لنفسه إنه يقودهم لكنه كان يفعل
حين يختلفون ينظرون إليه وحين يحتارون ينتظرون رأيه وحين يسكت يشعرون أن هناك شيئًا ناقصًا
كانت القيادة تخرج منه دون إعلان ودون قصد وكأنها شيء كان داخله ووجد طريقه للخروج
أما داخله فكان يتغير بطريقة أخرى ولم يعد يتردد كما كان ولم يعد يتفاجأ بسهولة
حتى خوفه لم يختفِ لكنه تعلم كيف يُخفيه وكيف يستخدمه بدلًا من أن يشله
كان يتشرب هذا العالم كما يتشرب الجسد الهواء دون وعي كامل
لكن خارج هذا العالم كان هناك شيء آخر لا يمكنه الهروب منه وهو البيت
حين يعود كان يحاول أن يترك كل شيء خلف الباب لكن التغيير كان قد سبقه
أمه لاحظت في البداية كان الأمر مجرد إحساس ونظرة أطول من المعتاد وسؤال يتكرر أكثر من مرة
كانت تقول له إنت كويس يا محمود وكان يبتسم ويقول إنه بخير لكنها لم تكن تقتنع
بدأت تلاحظ تفاصيل صغيرة سكوته زاد وحركته بقت أهدى لكن ليست طبيعية
حتى طريقته في الأكل وفي الرد وفي النظر كان فيها شيء غريب يقلقها
في مرة كانت واقفة في المطبخ وهو جالس في الصالة شاردًا فنادته أكثر من مرة ولم يرد
اقتربت منه ولمست كتفه فانتفض قليلًا كأنه عاد فجأة من مكان بعيد
بصت له بقلق وقالت مالك يا ابني إنت بقيت مش هنا
حاول يبتسم لكنه لم ينجح تمامًا وقال تعب شوية ضغط شغل
هزت رأسها لكنها لم تقتنع وفي ليلة أخرى تأخر كثيرًا وجلست تنتظره حتى عاد
عندما دخل لم تسأله أين كان بل نظرت إليه طويلًا وقالت بهدوء إنت بتتغير يا محمود
سكت ولم يعرف ماذا يقول وأكملت وهي تحاول تخفي خوفها أنا مش فاهمة إيه اللي بيحصل بس قلبي مش مرتاح
نظر إليها للحظة ثم أشاح بوجهه ولم يكن يستطيع أن يشرح ولم يكن يستطيع أن يكذب بطريقة تطمئنها
فقط قال أنا كويس يا أمي لكن الكلمة خرجت فارغة لا تحمل يقينًا
نظرت إليه وكأنها تسمع ما لم يقله ثم سكتت وكان في ذلك الصمت خوف أم ترى ابنها يبتعد دون أن تعرف إلى أين

عاد محمود إلى الجامعة وكأن شيئًا لم يحدث
مواعيده أصبحت أدق من المعتاد وحضوره لا يتأخر دقيقة واحدة
كان يدخل القاعة قبل الطلاب أحيانًا ويقف لحظة ينظر إلى المقاعد الفارغة
ثم يبدأ محاضرته بنفس الهدوء والتركيز وكأن العالم خارج الأسوار لا يعنيه
صوته ثابت وشرحه واضح والطلاب يتابعونه بانتباه
لم يكن يطيل ولا يختصر كان يعطي كل شيء في مكانه دون زيادة أو نقصان
زملاؤه لاحظوا التغير
انضباط حاد وهدوء أكثر من اللازم كأن كل شيء محسوب
أما مايا فكانت جزءًا من هذا المكان لكنها لم تعد جزءًا من يومه،منذ تلك الليلة لم يحاول أن يقترب ولم يكرر دعوته ولم يفتح بابًا للكلام،كانت تراه في الممرات أحيانًا
يمر بجوارها بنظرة عابرة وكأنها مجرد وجه مألوف،في البداية ظنت أنها صدفة،ثم أدركت أنه اختيار،وفي أحد الأيام لم تنتظر أكثر، وقفت في طريقه بعد انتهاء محاضرته
توقف محمود حين رآها،لم يظهر اندهاشًا ولا ترحيبًا فقط سكون معتاد،نظرت إليه مباشرة وقالت،هو أنا عملت حاجة غلط، لم يرد، أكملت بصوت أخفض،في حاجة ضايقتك مني وخليتك تبعد كده،ظل صامتًا،عيناه ثابتتان عليها لكن بلا رد
لحظة مرت،ثم أخرى،الصمت كان أطول من السؤال
تنفست ببطء وقالت،ولا أنا فهمت غلط إنك كنت عايز تقرب
في تلك اللحظة تحرك محمود قليلًا،كأنه قرر أن يخرج من صمته،قال بهدوء،إنتِ معملتيش حاجة غلط
تعلقت عيناها بالكلمة،كأنها تنتظر ما بعدها، أكمل بنفس النبرة
بس القرب مني… مش هيعملك حاجة كويسة،ارتسمت الحيرة على وجهها،قال وهو ينظر بعيدًا قليلًا،أنا طريقي مش شبهك
وأي حد يقرب مني في الطريق ده… هيخسر،سكت لحظة ثم عاد ينظر إليها، قربك مني مش هيبقى غير إحباط ليكي
لم تكن كلماته قاسية في نبرتها،لكن معناها كان حادًا بما يكفي
وقفت مايا للحظات لا تتكلم،كأنها تحاول أن تفهم أو ترفض الفكرة،أما محمود،فلم ينتظر ردًا،تحرك بهدوء وتركها واقفة مكانها.

لكن صوت خطوات سريعة خلفه قطع ذلك الهدوء
ركضت مايا خلفه ونادته بصوت متقطع من اللهاث استنى يا دكتور محمود،توقف دون أن يلتفت في البداية
ثم استدار ببطء ونظر إليها وهي تقترب،وقفت أمامه تحاول أن تلتقط أنفاسها،ثم قالت بنبرة صادقة أنا مستعدة أكون في حياتك بأي طريقة تحبها، ترددت لحظة ثم أكملت مهما كان طريقك،لكن من فضلك متتجاهلنيش،نظرت إليه بعينين فيهما رجاء واضح،وقالت أنا حياتي فاضية أصلا يا دكتور محمود ومصدقت حد نضيف يظهر فيها،صمت محمود قليلًا
ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة تحمل سخرية هادئة
لم تكن سخرية منها،بل من الفكرة نفسها،نظر إليها لكن عينيه لم تكونا معها،كأنهما ذهبتا إلى مكان أبعد بكثير
هي لا تعرفه، لا تعرف ما الذي مر به
لا تعرف ذلك اليوم الذي سُحب فيه على الأرض أمام الناس
ولا تعرف الإذلال الذي كسره من الداخل،لا تعرف هتلر
ولا تعرف أن اسمه محفور داخله كجرح مفتوح،لا تعرف أنه لا ينتظر شيئًا من هذه الحياة، سوى لحظة واحدة
لحظة ينتقم فيها، ولا تعرف الطريق الذي اختاره،طريق مليء بوجوه لا تعرف الرحمة،ومجالس لا يدخلها إلا من فقد شيئًا من نفسه،نظر إليها مرة أخرى، لكن هذه المرة بنظرة أهدأ
كأن بينه وبينها عالم كامل لا يمكن عبوره
، ثم قال بصوت منخفض إنتي مش فاهمة أنا ماشي فين
وسكت بعدها،كأن الكلمات القليلة كانت كافية لتقول كل شيء

اقتربت مايا خطوة أخرى وخفّضت صوتها كأنها تحاول أن تصل إليه دون أن تضغط عليه
قالت بهدوء طيب احكي يمكن أفهمك
تعلّقت الكلمات في الهواء بينهما وكانت محاولة صادقة للاقتراب
نظر محمود إليها للحظة ثم صمت
لم يكن الصمت عجزًا عن الكلام بل امتلاء بما لا يُقال بسهولة
تساءل في داخله كيف يشرح لها ومن أين يبدأ
فكر كيف يفتح بابًا أغلقه منذ زمن ويترك جرحًا قديمًا يرى النور من جديد
شعر أن الكلام ليس مجرد حكاية بل نزيف سيبدأ ولن يتوقف
تخيّل نفسه وهو يروي كيف سُحب على الأرض وكيف انكسرت صورته أمام الناس
تخيّل عينيها وهي تسمع وهل ستظل تنظر إليه بنفس الطريقة أم سيتغير شيء في نظرتها
كانت فكرة أن تُرى هزيمته في عيون أحد أثقل مما يحتمل
شعر أن صدره يضيق أكثر وكأن الكلمات تحاول الخروج وهو يمنعها
ثم خطر بباله أنها من عالم مختلف تعيش في نظام واضح وحدود مفهومة
تساءل كيف لها أن تفهم حياة الحارة حيث يتحكم شخص واحد في كل شيء
فكر كيف يشرح لها أن القوة هناك تسبق الحق وأن القانون لا يصل إلى تلك الأزقة
هز رأسه ببطء كأنه يرفض الفكرة كلها
شعر أن هذا ليس وقت الكلام وليس المكان
فكر أنه ربما في وقت آخر حين يهدأ كل شيء داخله يستطيع أن يحكي
تخيل أنه حين يستعيد نفسه قليلًا قد يجد الكلمات دون أن يشعر بالانكسار،نظر إليها ثم ابتسم ابتسامة خفيفة
فكر أنه ربما يدعوها يومًا على فنجان قهوة هادئ ويحكي لها كل شيء،لكن ليس الآن

تعليقات



<>