رواية ممر اورفاندا الفصل الحادي عشر11والاخير بقلم حميده عبد الحميد


رواية ممر اورفاندا الفصل الحادي عشر11والاخير بقلم حميده عبد الحميد

​حالة سندس وهي مرمية بين يديني زي الريشة، وشاحبة كأنها فارقت الحياة، خلتني أتحول لإنسان تاني.. في اللحظة دي غضبت غضب ما طبيعي، غضب زلزل كياني وخلاني أنسى إنو انا واقف ك بشر حافي وسط جيوش من الجن والمردة.
و​العفاريت وكلهم اتلموا حوالينا،

 وفجأة انشقت صفوفهم وظهرت هي.. "مورجانا".

كانت قبيحة لدرجة تخلي العقُل يطير، جلدها كان عبارة عمرورق قديم ومحروق ومجعد، وعيونها كانت عبارة عن جمرتين من نار بتطلع دخان أسود، ريحتها كانت نتنة زي الحيوانات الميتة والأماكن المهجورة، وشعرها كان عبارة عن أفاعي ميتة بتتحرك ببطء.. كانت كتلة من القذارة والكُره في شكل كائن مقزز.

​قلت ليها بصوت طالع من أعماق قلبي المحروق: "أنتي هبشتي نار.. والليلة نهايتك يا ملعونة".

ضحكت ضحكة زلزلت عالم الجن كلو، صدى صوتها كان بيتردد بآلاف النبرات في وقت واحد، صوت فيهو حشرجة الموت وسخرية الشياطين، وقالت وهي بتتمايل بغرور وكبرياء :

"أيووووووب.. أيووووووب.. أنا مورجانا ملكة ممالك الجن، إنت قايل نفسك منو؟ إنت ما بتعمل لي شي! إنتو البشر ضُعااااف.. ضعاف شديد، ونحنا الجن لابسِنّكم خواتم في يدنا!".

​واصلت كلامها بصوت بيفجر طبلة الأذن وقالت 
: "أنا الفرقّت بين الزوج وزوجتو،  وأنا العملت العداوة بين الأخوان، وأنا الفتنت الأقارب وقطعت أرحامهم.. وأنا الخليت الإنسان يستهين بالصلاة والأذكار لحدي ما نساها، أنا الخليت المسلم يكون مسلم بالاسم وبس! أنا الزرعت الحسد والفتنة والحقد في عقولهم .. أنا الخليت الإبن يرفع صوتو في وش أمه وأبوه ويكون عاق!" ويغضب ربو 

وبعدها ​ضحكت ضحكة طاغية وقالت بكبرياء مُقيت: "أنا مورجانا الخليت عالمكم بؤرة من الفتن، وإنتو أغبياء!  وعارف ليه؟ 
عشان انتو عارفين إنو إبليس وسوس لابوكم  آدم ورفض يسجد ليهو، وبرضو ماشين وراهو! ورغم إنو اتوعد قدام ربنا وقال: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} يعني هو وعد ربنا انو ح يغويكم ويجركم جر للمعصية وانت بتطيعوا  واستغنيتوا عن الجنة .. وأنا الخليت بناتكم يقلدوا الكفار في اللبس الفاضح والعلاقات المحرمة، وخليت شبابكم غارقين في الزنا والمخدرات.. إنتو حطب جحيمنا!".

​في اللحظة دي، جاني ثبات وقوة من مافي ، ودي كانت مدد من ربنا. رقدت سندس في أرض ممر "أورفاندا" الكان عبارة عن نار مُلتهبة بس لسه ما قادرة تلمسنا بفضل الله، ووقفت بكل تحدي وشموخ، عيوني في عيونها المرعبة وقلت ليها:

"بس إنتي نسيتي تتمي الآية يا مورجانا.. إبليس قال: برضو {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}.. إنتي قايلة نفسك عندك سلطة علينا ؟ ربنا قال: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}. إنتي وممالكك وجيوشك أضعف من جناح بعوضة أمام قوة الله! انتو بتعيشوا على وسوسة الضُعاف وغفلة الغافلين ، بس الموحد الساجد لله  بيعرف إنو كيدكم كان ضعيفاً! " وشكلك م سمعتي الايه دي 
​{الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}

وفي اللحظة دي شلت  نفس عميق، وغمضة عيوني تماماً، وانفصلت عن كل القُبح الكان مُحاوطنا ، وبديت أقرأ..
 صوتی طلع رخيم، وقوي، وبيهز جدران الممر، قريت بيقين وايمان 

{قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا . يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا}.

​أول ما نطقت بالآيات، ممر أورفاندا بدأ يهتز كأنو ضربو  زلزال، العفاريت بدوا يصرخوا صرخات تقطع القلب، ويجروا في كل اتجاه كأنهم  بيتحرقوا بنار مُخفية. مورجانا وشها بقا يتمزق، وعيونها انطفت تماما  وبقت تصرخ بصوت مخنوق: "وقف! وقف الكلام دا!".

​بس  أنا كنت في عالم تاني، وصوتي بقا أعلى وأقوى من اول ، وقريت آية الكرسي.. {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ...}، ومع كل كلمة، كان في مارد بيتحول لرماد قدام عيني، ومورجانا بدت تصغر وتنكمش، وجلدها بدا يسيل زي الشمع المحروق.
​رفعت صوتي بآيات الحرق والتنكيل بالظالمين: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ۖ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا}.

وفجأة..  حصل انفجار عظيم هز ممر "أورفاندا" كلو، وطلعت  نار بيضاء ساطعة غطت المكان، وشفت مورجانا وهي بتتلاشى وتتفتت لقطع صغيرة قبل ما تطير مع الريح كأنها لم تكن! العروش اتهدمت، والممالك المظلمة كلها  ذابت وانتهت  تحت هيبة وعظمة  كلام الله. عز. وجل 

​غمضت عيوني من شدة الضوء.. وحسيت بهدوء عجيب.. هدوء ما جربتو قبل كدا.
فتحت عيوني ببطء، ولقيت نفسي راقد في نجيلة باردة و ريحة الأرض كانت مُندية ، وصوت العصافير بيغرد.. اتلفت حوالين ولقيت نفسي في حوش بيتنا، القديم  وقدامي "شجرة الزونيا" الكبيرة بتتمايل مع الهوى كأنو  بتسلم علينا.
​سندس كانت راقدة جنبي، وبدت تفتح عيونها بتعب، مسكت يدها ودموعي نزلت، دموع فرح ونصر.
"سندس.. نحنا رجعنا يا حبيبتي.. مورجانا انتهت، خلاص

قالت لي وهي لسه مخلوعة ومتمسكة فيني: "بجد يا أيوب.. يعني خلاص انتهينا؟ ماف مورجانا تاني وماف عالم الجن وماف أي شي؟".
شديت على يدها بكل حب وحنية، وقلت ليها وإحساس الأمان مالي صدري: "أي يا ستي.. الحمد لله انتهينا، كابوس وانزاح، وبعد دا خلي نمشي لأهلنا،
 وشكلو البيت دا هو  زاتو البيت داك أو بيت ناس امك .
​رفعت رأسها واتفحصت المكان زين، عيونها لمعت بالدموع وقالت: "أي دا هو! طيب ناس أمي وين؟".
قلت ليها: "ما عارف، المهم أرح نطلع برا سريع وبعدين نفتش لينا كلام نقولو ليهم".
قالت لي بتردد: "يعني ما حنحكي ليهم  صاح ؟".
ضحكت وقلت ليها: "والله لو حكينا ليهم زول  ح يصدقنا ماف ، وحنطلع مجانين رسمي قدامهم !".
ضحكت وقالت لي: "صح كلامك.. أحسن يفتكرونا بالغنا في الكلام  ولا  نطلع مجانين 
".
قلت ليها: "فعشان كدا خلي السر دا يكون سرنا الصغير".
قالت لي بدهشة: "صغير؟ أيوب دا سر كبير قدر الليلة وبكرة!".
ضحكت وقلت ليها: "صح صح.. يلا قومي".
​مديت ليها يدي وقامت، وجرينا اتجاه الباب، وقبل نفتحه، سمعنا صوت مرا.. اتلفتنا مع بعض، وكانت دي أم سندس!
أول ما شافتنا بلمح البصر، صرخت وبقت تسكلب وتبكي باخر صوت  ، وجات جارية حضنت سندس، والبيت كلو طلع على صوتها، الأصوات اتداخلت والأحضان ملت المكان، كل زول يسلم ويحضنها بلهفة وشوق. ودقايق بس وجا أبوها، مسك سندس وبكى بكى الرجال الحار داك ، وقال ليها بصوت مخنوق: "إنتو جيتوا يا بتي؟ الحمد لله يا رب.. الحمد لله".
​سلم عليّ بحرارة، وقلت ليهو وأنا بحاول أثبت: "أي يا عمي، جينا من السفر الليلة". طبعاً كلهم استغربوا،  وبقو يعاينوا لينا  لانو ماف شنط ، وماف أي أثر لسفر طويل، بس الفرحة غطت على كل الأسئلة

.
دخلونا جوه، وجابوا لينا مويه وعصير  شربنا، ومن هنا بدت الأسئلة زي المطر 
كنتو وين وحصل شنو؟ .. سرحت مسافة وبقيت أفكر لي في "تأليفة" تطلعنا من المطب الوقعنا فيهو دا.
​اتنهدت وقلت ليهم بجدية: "ياهو.. أنا كنت في مكان بعيد، وسندس كان اتخطفت وأنا اتعرفت عليها هناك، والمكان داك نظامو صعب، ما بيخلوا اتنين يقعدوا سوا من دون رابط شرعي، فعشان كدا اضطررت أعقد عليها هناك، ولقيتها نعم الزوجة ونعم السند". عاينت ليهم، وكلهم قالوا "أهااااا" ب صوت  واحد، و نظراتهم كانت بتقول إنو هم لسه م مقتنعين بـ 1% من الكلام دا!

​قعدنا معاهم للساعة 7 م، وبعدها قلت ليهم لازم نمشي لناس أمي، ودعناهم وطلعنا.
سندس أول ما ركبنا العربية قالت لي بضحكة: "غايتو تنفع في تأليف القصص!".
قلت ليها: "خلاص حأبقى كاتب روايات بعد دا!".
قالت لي جرب حظك ٠٠٠

وصلنا بيت ناس أمي، واستقبلونا بالأحضان والدموع الحارة، واضطررت أعيد ليهم  نفس القصة.  
أبوي حمر لي بعينو وقال: "غايتو يا أيوب أنا ما صدقتك ولا اقتنعت !".
ابتسمت ابتسامة نصية وقلت ليهو: "بل صدّق يا غالي.. صدّق، المهم إنو نحنا  رجعنا ليكم سالمين".
​ونسنا معاهم كتير، رشربنا الشاي وصلينا العشا، وقلت لسندس: "أرح نمشي البحر نغير جو ونتنفس شوية".
قالت لي: "تمام، بس لازم أمشي البيت أستحمى وأغير العباية دي".
قلت ليها: "ظابط، عشرة دقايق وبجيك". هي فاتت وانا 
​طلعت غرفتي، وطلعت لي غيار  ظابط " وكان عبارة عن ، قميص رمادي  ظابط وبنطلون أسود، وسرحت شعري ورشيت من عطري المفضل اللي ريحتو كانت بتملأ المكان ٠٠، ولبست ساعتي.. وكنت في قمة الأناقة والارتياح.
​مشيت لسندس لقيتها جاهزة ولابسة عبايه  سماوي وطرحه نفس اللون ، اتحركنا على البحر، وقعدنا في الكراسي الأمواج كانت بتضرب في الشاطئ بريق هادي، وريحة البحر واليود كانت بتغسل الهموم من صدورنا.
٠٠٠
سندس عاينت لي مسافة وقالت بصوت واطي: "على فكرة.. صوتك حلو شديد يا أيوب وإنت بتقرأ قرآن".
وبعدها ابتسمت، وكملت كلامها وقالت : " صح كنت شبه واعية هناك في ممر أورفاندا، بس سمعتك لمن كنت بتقرأ قدام الجن، وحاسة إنك إنسان غامض شديد، وممكن تحكي لي عنك اكتر ي أيوب ؟".

​ابتسمت وأنا بخت قدامها كباية الشاي السادة المنعنع، وقلت ليها:
"أنا يا ستي، من قمت في الدنيا دي، قمت بين الخلاوي والمساجد.. وأبوي كان حريص أدخل الخلوة من بدري، وكنت بحب القرآن حب ما عادي، لدرجة إني حفظتو بأربعة روايات، ومستحيل يمر يوم في حياتي من غير ما أقرأ وردي.. القرآن دا هو الروح اللي بتنفس بيها، وهو القوة اللي خلتني أقيف قدام مورجانا وما يرف لي جفن.. القرآن يا سندس هو اللي بيحمي الإنسان، ومهما الدنيا ضلمت، الآيات دي هي النور ال ح يضوي لينا ".
 دموعها نزلوا من التأثر، وقالت لي بصدق: "بجد أنا محظوظة بيك شديد يا أيوب، وربنا عوضني بيك انت بجد نعمة وربنا يديمها لي ".
ابتسمت وشلت يدها بين يديني وقلت ليها: "وأنا المحظوظ بيك أكتر.. إنتي الصبرتي وقاومتي عالم الجن كلو عشان ترجعي لي".

و​قربت منها وقلت ليها بهمس: "يا سندس، السلاح الحقيقي في الدنيا دي هو الإيمان، والتحصين والأذكار هي الدرع اللي ما بيقدر عليهو لا جن لا مارد.. ووعد مني ليكي، بعدين  أولادنا في المستقبل حنربيهم على حب المصحف، وحينشأوا في رحاب العقيدة والتوحيد، وعشان ماف 'مورجانا' تانية تقدر تهبش أمان بيتنا".
و​عاينا للبحر مع بعض، والقمر كان ساطع في السماء كأنو كان  ببارك لينا البداية الجديدة دي .. بداية خالية من السحر، ومليانة باليقين والحب٠٠٠

                          تمت             

                  

​                 
تعليقات



<>