رواية عشق شرف انتقام الفصل الرابع عشر14بقلم نور كرم
اتجمدت شرف في مكانها من اللي سمعته… عقلها رفض يستوعب، كأن الكلام عدى من ودنها ومثبتش جواها.
رجعت خطوة لورا بسرعة، ومن غير ما تاخد بالها زقت الباب وراها…
في اللحظة دي، اللي جوا انتبهت، وجحظت عينيها برعب وهي بتهمس في التليفون:
_ أقفل دلوقتي… حاسه إن في حد سمعني!
قفلت المكالمة بسرعة، وخرجت تجري من الأوضة…"هنا" حاولت تلحقها بعينيها، لكن ملحقتش غير طرف عبايتها وهي بتختفي على السلم…
والسرعة خلتها مش قادرة تحدد مين بالظبط.
رجعت "هنا" مكانها ببطء، خطواتها متلخبطة وقلبها بيدق بعنف…
هي مش شاكه… هي متأكده إنها سمعت كل حاجه.
دخلت الأوضة تاني، وهي حاسة برعشة خفيفة في إيديها…
الفكرة بس كانت كفيلة تخلّيها تتوتر لو اللي سمعته ده حقيقي، فالموضوع أكبر بكتير مما كانت متخيلة…
بلعت ريقها بصعوبة، وهمست لنفسها برجاء:
_ يارب… يطلع كله وهم.
• • • •
جريت بره البيت بسرعة، وهي مش قادرة تستوعب اللي سمعته…
يعني كل ده مكانتش بتحاربها عشان غيره… لا، دي كانت خايفة… خايفة تخسر كل حاجه!
وصلت لعربيتها بسرعة، وخلعت حذائها بعصبية ورمته جنبها، قبل ما تدور العربية وتتحرك…
أكيد مفيش غيرها هو اللي ممكن يكون سمع… وهي مستحيل تسيبها تفلت بقذارتها دي.
هتدفعها التمن… غالي أوي، حتى لو كان التمن حياتها هي!
مش فاهمة نفسها… بتعمل كده ليه؟
بس حاجة واحدة كانت واضحة جواها:
مش هتسمح لأي حد يقرب لـ"ريان".
كانت بتسوق بمهارة قديمة، إيديها ثابتة… لكن جواها عاصفة.
وطول الطريق… مفيش في دماغها غيره هو.
بعد ساعتين…
كانت واقفة قدام الشهر العقاري، والورق في إيديها…
خدت كل حاجه… مش النص بس، لأ… كله.
خرجت وهي بتبص للورق بابتسامة نصر خفيفة…
أخيرًا… أول الخيط بقى في إيديها، وتقدر تحركه زي ما هي عايزه.
_ ها… مبسوطة دلوقتي؟
صوته خلا ملامحها تتقلب باشمئزاز لحظي، بس بسرعة سيطرت على نفسها…
ورسمت ابتسامة ماكرة، ولفت له بهدوء:
_ أكيد مبسوطة أوي يا حبيبي!
عينيه لمعت بفرحة واضحة… الكلمة دي لوحدها كانت كفيلة ترجعه سنين ورا.
قرب منها بخطوات هادية… لكنها رجعت بنفس السرعة، وقالت بحدة خفيفة:
_ على مهلك يا محمود… لسه بدري أوي على إنك تقرب مني، متنساش اتفاقنا.
تنهد وابتسم بهدوء:
_ حاضر يا عيون محمود.
وبلهفة صادقة قال:
_ أنا لسه مش مصدق إنك حامل… بجد فاجأتيني. حاسس إني بحلم!
وساعتها عرفت إنك لسه بتحبيني… ومحدش قدر يقربلك بعدي يا شرف.
رفعت عينيها بصمت… لكن عقلها سحبها لمكان تاني خالص…لـ"ريان"…
لليلة امبارح… وهي بين إيديه، بتحتمي فيه كأنها أخيرًا لقت الأمان.
_ شرف… سرحتي في إيه؟
صوته رجعها تاني، فهزت راسها بسرعة:
_ مفيش… أنا لازم أمشي يا محمود، وهقابلك تاني…
بس عشان ريان لو جه وملقنيش… الموضوع مش هيعدي.
اشتعالت عينيه بغيرة حادة، وهدر:
_ يولع في ستين داهية! متخلنيش أروح أخلص عليه دلوقتي!
طول ما إنتِ معايا… اسمُه ميتقالش!
اتجمدت لحظة… مش خوفًا على نفسها…
خوفًا على "ريان".
هي عارفاه كويس شراني… ولو فكر يأذيه، مش هيتراجع.
بلعت توترها، وقالت بابتسامة مهزوزة:
_ في إيه بس يا محمود… أنا مقصدتش أضايقك.
أنا بس بقولك عشان محدش يدخلنا في مشاكل دلوقتي.
زفر بضيق، وصوته هدي شوية:
_ أنا مش زعلان منك… بس بولع لما بسمع اسمه.
ما بالك لما أتخيل إنك بتباتي عنده!
غمضت عينيها بضجر لحظة، وبعدين رجعت لثباتها:
_ أنا لازم أمشي دلوقتي.
بص لها بحزن خفيف:
_ ماشي… كنت عايز أقعد معاكي شوية.
طب خلاص… هجيلك بليل.
_ لأ، متجيش!
قالتها بسرعة وحدّة خلتُه يشك، فعقد حواجبه:
_ ليه؟ مش عايزاني أشوفك ولا إيه؟
استوعبت نفسها بسرعة، واتكلمت بهدوء مصطنع:
_ لا يا حبيبي… بس خايفة عليك. مش عايزة يحصلك أي مشكلة.
ابتسامته وسعت، وعينيه لمعت بسعادة:
_ كنت عارف إنك لسه بتخافي عليا…
عشان كده هسمع كلامك. بس متتأخريش عليا… إنتِ بتوحشيني أوي.
كتمت ضيقها بالعافية، وابتسمت بصعوبة، قبل ما تركب عربيتها وقالت:
_ هحاول.
قفلت الباب، وانطلقت بسرعة…
أول ما بعدت، فكت الطرحة من حوالين رقبتها، وكأنها بتفك خنقة كانت خانقاها.
مش طايقة ولا كلمة منه… ولا وجوده أصلًا.
زودت سرعتها أكتر… لازم توصل قبل "ريان".
لأن المرة دي… لو ملقهاش، مفيش مبرر هينقذها.
• • • •
بعد مرور ساعة… قدرت توصل للبيت أخيرًا،
ولحسن حظها كان معاها المفتاح، فمكنتش مضطرة تكلم حد أو تستنى حد يفتح لها.
دخلت وهي شبه بتجري لجوه…
لكن فجأة اصطدمت في جسم صلب قدامها!
كادت تقع… لولا إيدين قوية لحقتها وحاوطتها بسرعة.
غمضت عينيها بفزع، وفي لحظة عدّت في دماغها فكرة واحدة:
إنها اتأخرت… وإن "ريان" سبقها.
فتحت عينيها بحذر…
لكنها اتفاجئت بشاب غريب واقف قدامها، لسه ماسكها!
اتسحبت بسرعة من بين إيديه، وعدلت حجابها بارتباك، وقالت بحدة:
_ إنت مين؟! وبتعمل إيه هنا؟
ابتسم ابتسامة واسعة، وقال بثقة خفيفة:
_ أنا شريف الأسيوطي… وإنتِ؟
نظراته كانت واضحة فيها إعجاب جريء، خلاها تتضايق وتقطب حواجبها:
_ يعني إيه شريف الأسيوطي؟! ابن خالي وأنا معرفش؟
ضحك بسماجة وهو بيبص لها من فوق لتحت بنظرات أربكتها وقال:
_ لا أنا صــــ
لكن قاطعه صوت جه من وراهم بسرعة وحدّة:
_" شريف الأسيوطي" يا ابن الإيه! إيه اللي جابك هنا؟!
لفت بصدمة، ولقيت "ريان" داخل عليهم بخطوات سريعة.
شريف ضحك بفرحة واندفع و حضنه حضن أخوي:
_ إنت يا جدع! وحشتني أوي!
ريان ضحك وهو بيرد الحضن بنفس القوة:
_ وإنت كمان يا ابن اللذينة، وحشتني !
وقفت "شرف" مكانها، باصة عليهم باستغراب…مش فاهمة أي حاجة من اللي بيحصل.
لكن فجأة لاحظت نظرة "شريف" ليها…
نظرة طويلة زيادة عن اللزوم "ريان" أخد باله فورًا…
فبص لها، وابتسم ابتسامة واسعة، وناداها بحب:
_ شرف… تعالي يا حبيبتي.
_ شرف؟!
قالها شريف بدهشة، قبل ما يضحك:
_ أول مرة أسمع الاسم ده!
وبص لها تاني وقال بهدوء:
_ بس بصراحة… اسم جميل.
قبل ما ترد، كان ريان مد إيده وشدها ناحيته، ودخلها في حضنه بتملك واضح اتصدمت لحظة… لكنه ابتسم وقال:
_ شرف دي طول عمرها جميلة...
شريف رفع حاجبه وقال بفضول:
_ طيب ومين شرف بقى؟ أختك؟
رد ريان بهدوء، وهو لسه ضاممها:
_ لا… مراتي.
سكت الآخر لحظة، وبعدين قال وهو بيحاول يستوعب:
_ مراتك؟! طب مش إنتَ كنت متجوز "هنا"؟
تنهد" ريان" بضيق واضح عند ذكر الآخرى فرّد:
_ أيوه… بس إحنا هنطلق قريب.
رفعت شرف عينيها له بصدمة…
مش فاهمة ليه قلبها دق بالفرحة دي فجأة…
لكن الإحساس اتبدل بسرعة لخوف… خوف عليه.
ريان لمح التغير في عينيها…بس فهمه غلط بأنها لا تريد هذا الشيء ربما لا تغار عليه ولا تريده أن يطلقها
قطع تفكيره صوت شريف وهو بيقول:
_ خلاص فهمت… ربنا يوفقك يا صحبي.
فمد إيده يصافحها بعفويه قائلاً:
_ مبروك يا مدام شرف.
لكن قبل ما هي تمد إيدها، "ريان" سبقها وصافحه بدلًا منها بابتسامة هادية:
_ الله يبارك فيك يا صاحبي.
شريف ابتسم، لكن عينيه فضلت ترجع لها… بإعجاب واضح ريان لاحظ…ده فشتعل قلبه بغيرة وشر وسكت.
وبعد لحظة قال:
_ يلا اطلع أوضتك ارتاح، وننزل نتغدى سوا.
وهخليهم يعملولك الأكل اللي بتحبه.
ضحك "شريف" برحابه وهو شايل شنطته:
_ تمام، طالع أهو… سلام!
اختفى من قدامهم،تمامًا
وساعتها بس… "ريان" قرّب من شرف، ومال على ودنها وهمس بصوت دافي:
_ على فكرة… إنتِ وحشتيني أوي.
بصت له، بهدوء حتي تقابلت عيناهم …ابتسمت بخجل، ورجعت خطوة لورا وقالت بلطف :
_ طب أنا..... هطلع أغير هدومي بقا .
لفت بسرعة وطلعت تجري على السلم…فضحك وهو بينادي عليها:
_ استني بس! رايحة فين؟
وطلع وراها بسرعة، بيجري وراها بمرح.
• • •
كانت لسه هتقفل الباب... لكن هو لحقها.
بسرعة فتح الباب، فترجعت للخلف بدهشة، وهي بترمقه بتوتر واضح، قبل ما تقول بنبرة مهزوزة ضحكته:
_ إيه... في إيه!؟
كانت لسه هتجري، لكنه سبقها، مسك معصمها بسرعة، وجذبها ناحيته بقوة خلتها ترتطم في صدُره الصلب.
شهقت بصدمة، لكن شهقتها اختفت فور ما همس في أذنها بنبرة عاشقة مشتاقة:
_ بقولك وحشتني... تسبيني وتطلعي؟!
تلعثمت الكلمات على شفتيها، واشتعل وجهها بخجل من قربُه المربك... والمريح في نفس الوقت.
وهتفت بتوتر واضح:
_ أمـ... أمال أقول إيه؟!
ابتسم بخفة وقال بنبرة مرحة دافئة:
_ يعني لو ينفع تقولي... وحشتني يا جوزي!
ضحكت بعفوية على طريقته، وقالت بخجل:
_ ده بجد؟! هو أنا لازم أقول كده!
قطّب حاجبيه بضيق مصطنع وقال:
_ أمال عايزة تقولي إيه؟!
رفعت كتفيها ببراءة، وقالت بلطف خطف قلبه:
_ معرفش!!
ابتسامة ماكرة ارتسمت على شفتيه، وهو بيقرب منها أكتر...
بينما هي تراجعت للخلف بتوتر من نظراته، وهو يقول:
_ أقولك أنا!!
اتسعت عينيها بقلق، ومع كل خطوة يقربها، كانت بتبعد خطوة...
لحد ما في لحظة غفلة، وقعت على الفراش، فلحقها هو، وبقى فوقها تمامًا.
أغمضت عينيها بخوف للحظة، ولعنت حظها إنها ماخدتش بالها من الفراش وراها...
لكنها فتحت عينيها بحذر، لتلاقي نظراته العاشقة بتتأملها بحب صريح.
ارتعشت أهدابها، وتسارع نبض قلبها بعُنفٍ...
مش عارفة ده خوف... ولا تأثير قربه اللي بيهزها من جواها حاولت تتكلم، لكن كلماتها خرجت متقطعة:
_ ر... ريان... إنتَ أنا... يعني...!!
لكنه قاطعها بلهفة، وعينه مش بتفارق ملامحها:
_ تعرفي إنك جميلة أوي... سبحان اللي خلق العيون دي زي الغزال، والخدود دي زي الفراولة... ولا الشفايف...وطعامتها
ابتسم بشغف مكملًا بصوت أخفض:
_ دانا يبختي يا بختي بيكي!
احمرّ وجهها أكتر، وابتسمت بسعادة، وعينيها سرحت في عيونه وهي تهمس:
_ بجد؟... يعني إنت شايفني حلوة كده يا ريان؟
قرب منها أكتر وهمس بحب:
_ وأكتر كمان يا عيون ريان... وقلبه وروحه كمان
ابتسمت بتلقائية، ورفعت إيديها بدون وعي تحيط برقبته، وهمست بتوهان:
_ إنت بتحبني قد إيه؟... عايزة أعرف.
تنهد بعمق، وكأن الكلام اللي جواه أكبر من إنه يتقال، وقال بصوت مليان إحساس:
_ بحبك... دي كلمة قليلة عليكي يا شرف.
أنتِ بقيتي نص روحي اللي رجعلي... النور اللي دخل حياتي بعد ضلمة طويلة.
سكت لحظة، وعينه بتتكلم بدل كلامه:
_ حياتي من غيرك كانت فاضية... منورتش غير لما دخلتيها.
تاهت في كلماته، ومبقتش قادرة تكذب إحساسها أكتر...
هو مش مجرد أمان... ده حاجة أعمق بكتير جواها.
لاحظ استسلامها، فمد إيده بهدوء، يبعد خصلات شعرها عن وشها المحمر...
ولما لمسها، أغمضت عينيها كأنها بتحفظ الإحساس ده جواها.
فتحت عينيها ببطء، لتلاقيه بيبصلها كأنها أغلى حاجة في الدنيا...
كأنها لوحة فنية مش قادر يشبع منها.
ومع غياب أي رفض في عينيها... قرب أكتر، وأنفاسهم بقت قريبة لدرجة مربكة.
طبع قبلة خفيفة على شفتيها...
فأغمضت عينيها هي باستسلام، وابتسمت.
ابتسم هو كمان، وقرب تاني، لكن المرة دي بمشاعر أعمق...
في البداية توترت، لكن بعد لحظة، سابت نفسها للإحساس اللي سيطر عليها.
كان قلبها بس هو اللي بيتكلم...
ومع كل لحظة، كانت بتقربله أكتر بدون وعي.
بعد لحظات، فتحت عينيها أخيرًا، وهمست بخجل:
_ ريان...
لكنه كان غارق في قربها، وكأنها عالمه كله...لكنها بعدت شوية وقالت بخجل:
_ ريان... مينفعش كده... أنـ… انا حامل.
كلماتها فوقته فجأة.
ابتعد عنها، وكأن الحقيقة رجعته لواقع تقيل عليه انسحب ببطء تعجبته لـ يجلس جنبها، دافن وجه بين إيديه...
وهي بصتله بدهشة وقالت بقلق:
_ هو أنا زعلتك في حاجه ؟
رفع عينه ليها، بيحاول يتمالك نفسه، وقال بهدوء:
_ لا... أنا بس فكرة إني أقرب منك وأفتكر إنك حامل... ومن غيري... بتوجعني.
بصلها بصدق:
_ أنا مش قصدي أجرحك وافكرك بالماضي بس أنا راجل يا "شرف"...حتي الولد اللي انتِ شيلاه ده أنا بغير منه غصب عني والله بس غيرتي عليكي بتغلبني.
أغمضت عينيها بتفهم وقالت بهدوء:
_ أنا فهماك... مش محتاج توضح إنتَ عندك حق .
بس دي فترة وهتعدي... وبعدها هبقى ليك لوحدك.
رفع عينه بلهفة، وكأن كلامها أنقذه،من فكره اللي مش برحمه لحظه وقال بابتسامة:
_ بجد؟... يعني موافقة بيا؟
احمرّ وجهها وقالت بخجل:
_ أيوه... ومش عايزة غيرك يا" ريان"
شدها لحضنُه بقوة، وكأنه بيأكد لنفسه إنها فعلاً معاه...
وهمس عند رقبتها:
_ أنا بحبك أوي يا شرف... مش قادر أوصفلك إزاي في الآخر كله كلام مفيش حاجه من دي تقدر توصفلك شعوري
ابتسمت، وقالت بهدوء:
_ أنا عارفه وانا مش عايزه... كلام عايزه بس فعل يا ريان وميجيش اليوم اللي تسبني فيه!
بصلها بحب، وقرب منها وهمس:
_ بحبك يا أغلى من روحي.
تحمر وجنتيها وتزيد من ضمتها إليه، لكن وفجأة قامت وهي بتضحك بخفة:
_ يلا... هروح أغير هدومي بقا.
ليضحك هو برحابه وعاد يقول بمكر:
_ طب أستني طيب... كان في سر عايز أقولهولك!
ضحكت بلطف وقالت بعبوس :
_ لا... إنت قليل الأدب!
_ طب تعالي بس!
قالها بمشاغبة ، وجريت نحية غرفة الملابس، وقبل ما تقفل الباب قالت بشقاوة:
_ روح غير إنت كمان!
قفلت الباب في وجه بسرعه قبل ميلحقها، ووقف هو وراه الباب وقال بمشاغبه:
_ طب استني أساعدك!
_ بس يا قليل الأدب!
هتفت من بين ضحكتها فضلت ترن في ودنه...
أما هي، فكانت واقفة لوحدها، مبتسمة بسعادة غامرة...
حاسه إن الدنيا أخيرًا بتضحكلها.
يمكن ده العوض اللي كانت مستنياه طول عمرها...
يمكن "ريان" مش بس حب... ده حياة كاملة.
ولأول مرة تعترف لنفسها...
إنها بتحبه وبقلبها كله كمان...ومش مستعدة تخسره... أبدًا.
لو مكنشت حياتها بالصعوبه دي آه لو كانت شفته هو الاول مكنش حصلها كل ده أبدًا..
• • • •
وفي مكانٍ آخر...
داخل بيت "محمود الهلالي" تحديدًا...
ترجّل الدرج بخطى ثابتة، تحمل في طياتها برودًا غريبًا، وهو ينفث دخان لفافة التبغ بين شفتيه بلامبالاة...
ألقى بها أسفل حذائه، ودعسها بقسوة، كأنها شيء بلا قيمة... تمامًا مثل نظراته الخبيثة التي لمعت في عينيه.
توقف أمام الباب، وطرق عليه عدة طرقات متتالية، بنفاد صبر واضح...
ومع الطرقة الثالثة، انفتح الباب أخيرًا.
ظهرت "حسناء" زوجة محمود...
وللحظة، شهقت بصدمة حادة، ووضعت يدها على صدرها، تدفعه للخلف بسرعة وهي تقول بنبرة مهتزة مليئة بالخوف:
_ نهارك أسود يا "رفعت"! إنتَ إيه اللي جابك هنا؟! "محمود" بره وممكن ييجي في أي وقت!
اشتعلت عينيه بغيرة واضحة، وارتسم على وجهه مزيج من الغضب والامتلاك، وهتف ببرود مستفز:
_ وفيها إيه يعني؟... "محمود" بره! هو إنتِ مبيحللكيش أكون في حضنك إلا وإنتِ حطاله منوم في الأوضة اللي جنبنا؟!
شحبت ملامحها فورًا، واتسعت عينيها بذعر حقيقي، وهي تترجاه بخوف ظاهر:
_ أرجوك يا "رفعت"... يا حبيبي امشي. إنتَ عارفه متخلف... ولو شافك عندي مش هيحصل كويس.
وأنا خايفة عليك والله...
ضغط على أسنانه بغيظ، وصوته خرج مشحون بغيرة سامة:
_ أنا مش فاهم إيه النيلة السودة دي! يعني إنتِ تبقي بتاعتي أنا... وهو ييجي ياخدك على الجاهز؟!
أنا مش هستنى في القرف ده كتير... آخرنا يومين في موضوع الأملاك، وهاخدك ونمشي من هنا.
ولو اضطر الأمر... هقتله ونخلص بقى!
قالها بفحيح، وعينيه بتطلق شرارات غضب ممزوجة بغيرة قاتلة، تخفي خلفها تملك واضح.
تنهدت هي بعمق، وكأنها مرهقة من كل شيء، وقالت بحزن خافت:
_ مش مهم أي حاجة دلوقتي... المهم نخلص من القرف ده.
امشي دلوقتي... إنتَ عارف إني بتاعتك إنتَ.
حتى لمسته... مبيلمسنيش!
تنهد هو بضيق، وأشعل سيجارة أخرى بعصبية، ثم قال بضجر وهو يستعد للرحيل:
_ ولا يقدر يلمسك... يجرب كده وأنا أدبحهولك قدامك.
يلا سلام... أنا ماشي!
_ طيب يا حبيبي... خد بالك من نفسك!
قالتها بنبرة فيها رجاء واضح، وعينيها ساكنة لكن مليانة خوف.
تحرك مبتعدًا عنها، ورحل من أمام الباب...
لتغلقه هي بقوة خلفه، وكأنها تحاول تحبس كل الفوضى اللي حصلت برّه.
أسندت ظهرها على الباب، وزفرت بضيق، قبل ما تتمتم بنفاد صبر:
_ أنا مش عارفة إيه اللي جوزني الجوازة الطين دي... دي حاجة تقصف العمر!
• • • •
وفي المساء... داخل بيت "ريان الهلالي"...
كانوا ملتفين حول الطاولة، جو مشحون بصمت ثقيل رغم وجود الجميع...
يتصدرهم "ريان" بجانبه صديقه، و"شرف" اللي أصرت تقعد جنبه وكأنها بتثبت وجودها وسطهم كلهم.
كانت "هنا" بتطالعها بنظرات مليانة غل صريح، شرارته باينة في عيونها من غير ما تحاول حتى تخبيها...
وكذلك والدته، اللي الكره ظاهر في ملامحها بشكل فج، كأن وجود "شرف" نفسه مستفزها.
أما الآخر... فكان بيرمقها بين الحين والآخر بنظرات إعجاب واضحة، فيها جرأة مريبة.
لاحظ "ريان" النظرات دي...
فاشتدت عينيه غضبًا، وفكه اتصلب، حتى لو كان صديقه... اللي بيعمله ده ميتسكتش عليه.
تناول قطعة من الخبز بفمه، وهو بيرجع بجذعه للخلف ببطء، وعينيه ضاقت بنظرة حادة وهو يقول:
_ إنما صح يا "شريف"... إنتَ جيت فجأة كده، من غير ما تقولي؟
خير؟ حصل حاجة في الشركة وأنا معرفش؟
رفع الآخر عينه بتوتر واضح، وحاول يداريه بابتسامة باهتة:
_ لا... أنا بس جيت أطمن عليك... يعني بقالك فترة طويلة مبتجيش، ولا حتى بترد على تليفونك!
رفع "ريان" حاجبيه بتفهم للحظة، ثم قطبهم فجأة بتعجب مقصود وقال:
_ آه فهمت... بس مين قالك إني في قنا أصلاً؟
اتخنق "شريف" للحظة، وكأن الكلام وقف في حلقه، وبدأ يسعل بشكل مفاجئ من شدة توتره، قبل ما يقول بسرعة:
_ أبدًا يا ريان... "سارة" الأسيستنت بتاعتك هي اللي قالت...
هو في إيه؟ هو إنتَ مكنتش عايزني أجي؟!ولا إيه؟!
رد "ريان" بسرعة، لكن بنبرة حادة شوية:
_ لا لا يعم... أنا بس بسأل!
تنهد "شريف" براحة مزيفة، لكنه مازال متوتر، ورفع عينه تاني ناحية "هنا" اللي كانت قاعدة جنب والدته، وعينه بقت أبرد وهو يقول:
_ هعمل إيه بقى يا صاحبي... كنت وحشني أوي، قولت أجي أشوفك!
بادلته "هنا" نفس النظرات المريبة، اللي ما فاتتش "شرف"...
اللي كانت من ساعة ما قعدت وهي ملاحظة كل حاجة.
قطبت "شرف" حاجبيها بتعجب، وقلبها بدأ يدق بسرعة مع الإحساس الغريب اللي زحف لجواها...
والفكرة الوحيدة اللي جت في بالها خلتها تتوتر أكتر:
"معقولة يكون هو؟... لا لا يا شرف... مش للدرجة دي البجاحة توصل بيهم!"
قطع "ريان" حالة التوتر دي، وهو بيقف من مكانه فجأة وقال بنبرة عملية:
_ يلا الحمد لله... ربنا يديمها نعمة علينا يا رب.
أنا رايح على المكتب... تحب تيجي معايا ولا هتكمل قعدة؟
وقف "شريف" بسرعة هو كمان، بابتسامة ساذجة وقال:
_ لا أكل إيه... الحمد لله شبعت!
تسلم إيد اللي طبخ بجد... الأكل زي العسل!
كان واضح إنه بيرمي كلامه ناحيتها...
ناحية "شرف" اللي اتوترت من نظرة "ريان" المفاجئة ليها.
زفر "ريان" بضيق، وقال بنبرة فيها حدّة خفيفة:
_ طب يلا يا عسل... على المكتب.
وبعدين بص لـ"شرف"، ومال عليها شوية وقال بحنان واضح:
_ معلش يا حبيبتي... تعمليلنا قهوة، وتخلي "سميرة" تبعتهالنا؟
ابتسمت بخجل، وهزت رأسها بالموافقة...
في اللحظة دي، عيون الكل اتوسعت بدهشة...
من نبرة الحنان اللي استخدمها، ومن طريقته معاها قدامهم كلهم.
كانت لسه هتقوم، لكن صوت "كريمة" قطعها فجأة...
كلماتها خرجت زي السهام في ضهرها:
_ صحيح... مفيش خشا! وعلى رأي المثل... اقلب القدرة على فمها تطلع البت لأمها!
غمضت "شرف" عينيها بعمق، محاولة تمتص الإهانة من غير ما تنهار قدامهم...
كفاية عليها نظراتهم... وكفاية اللي بيحصل أول ما يشوفوها قريبة منه.
رفعت راسها بهدوء مصطنع، وقررت تتجاهل...
وسابت المكان كله، واتجهت للمطبخ...
علشان تعمل القهوة زي ما طلب منها.
• • • •
في المساء... في وقتٍ متأخر...
كانت الأجواء ساكنة بشكل مريب، والهدوء مخنوق بتوتر واضح بينهم...
جلست أمامه وعينيها مليانة قلق، واندفعت فجأة تقول بعصبية مكتومة:
_ بقولك إيه يا "شريف"... متجننيش! أنا بقولك أنا متأكدة إن "شرف" هي اللي سمعتني... إنتَ مشوفتش نظرتها!
ردّ عليها ببرود مستفز، وكأنه مش شايف الخطر اللي هي شايفاه، وهو يرفع ذراعيه بلا مبالاة:
_ خلاص... ما هي بدل ما حكتش، يبقى معندهاش دليل وهتغلط نفسها على الفاضي!
خصوصًا إنها متعرفش إن أنا اللي كنتِ بتكلميه!
اشتعلت عينيها حقدًا، وملامحها اتشدت وهي تقول بغيظ واضح:
_ لا... "شرف" دي أزبل بنت شوفتها في حياتي!
اسألني أنا... دي عيلة خبيثة ومش سهلة، فضلت تتمسكن تتمسكن لحد متمسكنت
يعني هي بس مستنية تمسك طرف الخيط...
وساعتها لا هترحمني ولا هترحمك!
رفع حاجبيه بضجر، وهو بيبعد نظره كأنه زهق من كلامها، ثم رجعلها بنظرة باردة وقال بجملة أشعلت الدم في عروقها:
_ يبقى نقتلها!
اتسعت عينيها بصدمة حقيقية، وصرخت فيه:
_ إنتَ عبيط؟! نقتل مين؟! هي خروف؟!
دي بني آدمة! ولا إنت القتل عندك حاجة سهلة؟!
ردّ بنفس البرود المرعب، وكأنه بيتكلم في حاجة عادية جدًا:
_ يا ستي افهمي... إحنا هنقتلها بس مش هنقتلها!
يعني إيه؟! يعني مثلًا... نوقعها من على السلم، تخبط دماغها... أو تخرج بره البيت وتخبطها عربية!
كان صوته خالي من أي إحساس، كأنه بيخطط لحاجة عادية جدًا...
فبصتله بصدمة أكبر، وقالت بسخرية ممتزجة برعب:
_ يا سلام! وهي كده هتموت؟! ما ممكن تطلع منها عادي!
ألقى نظرة بعيدة، وكأنه بيفكر في تفاصيل أكتر، قبل ما يرجعلها بهدوء مريب:
_ تعالي... وأنا أفهمك كل حاجة، بس إنتِ وحشاني أوي بصراحة!
تراجعت للخلف بتوتر خفيف، لكنه جذبها لأحضانه بقوة، خلتها تضحك غصب عنها...
ثم بصتله وقالت بنبرة فيها خوف حقيقي:
_ أنا خايفة أوي يا "شريف"... ريان لو وصله حاجة هيقتلنا!
زفر بضيق، والغيرة باينة في صوته، وقال بمكر:
_ متخفيش يا روحي... وبعدين ريان مين ده اللي تخافي منه؟
ده أنا أقتله لو فكر يلمسك!
ابتسمت بفخر، ومالت عليه أكتر، وحاوطته من خصره وهي تقول بهدوء:
_ معرفش من غيرك كنت هعمل إيه في حياتي!
طبع قبلة خفيفة على شعرها، وقال بنبرة ماكرة:
_ دانا أولع في الدنيا عشانك يا قلبي...
_ بحبك أوي والله!
_ وأنا كمان يا روحي... بموت فيكِ...
قالها بنبرة لعوبة، مليانة كذب متغلف بحنية مزيفة...
لكن عينيه ارتفعت بعيدًا عنها، وهو يتمتم بينه وبين نفسه ببرود:
_ أخلص من الزفت ريان بس... وبعدين أخلص منك يا حياتي.
حقك عليا بقى... عايز بس أريحك!
شدها ليه أكتر، وكأن مفيش حاجة في باله...
لكن داخله كان بيقول العكس تمامًا:
_ هتوحشيني أوي يا "هنا"... أعمل إيه بقى... قلبي الطيب!
• • • •
وفي صباح يومٍ جديد...
كانت تقف أمام المرآة، تربط الحزام حول خصرها فوق تلك العباءة الفضفاضة...
التي تنساب على منحنياتها بأريحية ناعمة، حتى تصل إلى الأرض بانسياب جعلها تبدو كأميرة هادئة الحضور.
لونها الزيتوني ينسجم مع بشرتها القمحية الدافئة...
وعيناها المرسومتان بالكحل العربي، تخطفان الأنفاس بسحرٍ شرقي أصيل.
بشرتها الحريرية لامستها لمسات خفيفة من مساحيق التجميل، زادتها نعومة دون أن تطغى على أنوثتها الهادئة وأناقتها البسيطة.
رفعت شعرها للأعلى على هيئة كعكة أنيقة...
وكادت ترتدي حجابها القطني، لولا تلك اليدين التي التفت حول خصرها فجأة شهقت بخفة...
وقبل أن تستوعب، طُبعت قبلة دافئة على عنقها.
رفعت عينيها نحو المرآة بخجل...
لتتفاجأ بعينيه، ذلك الولهان، يحدق بها وكأنها لوحة فنية نادرة.
كان يتأملها بتفاصيلها، ببطء... وكأنها المرة الأخيرة التي يراها فيها.
ابتسمت بخجل من قربه، وهمست:
_ بتبصلي كده ليه؟!
جعلها تلتفت إليه، وعلّق ذراعيه حول رقبتها، وهمس أمام عينيها بصوت دافئ:
_ بحاول أحفظ ملامحك... عشان كل ما أغمض عيوني أشوفك، وكل ما أغيب عنك تفضلي في بالي.
ارتسمت ابتسامة لطيفة على وجهها المشتعل خجلًا، زادتها فتنة، وقالت بنعومة:
_ بجد؟... يعني للدرجة دي بتحبني؟!
ابتسم بعشق واضح، وقال بصوت مبحوح من صدقه:
_ وأكتر وحياتك يا "شرف"...
تنهدت بعمق، كأنها بتستقبل إحساسه جوه قلبها، ثم قالت بهدوء:
_ إنتَ هتروح الشغل؟
مال وقبّل وجنتها بعمق، وقال بحنان:
_ أيوه يا بنوتي... في حاجة عايز أجيبها لك وأنا جاي.
نظرت له بقلق حقيقي، وقالت برجاء:
_ سلامتك يا رب... أهم حاجة ترجع لنا بالسلامة وتخلي بالك من نفسك.
ابتسم بحب، وسعادة غامرة بتلمع في عينيه...
لأول مرة يحس قد إيه حد خايف عليه بالشكل ده.
شدها لحضنه بقوة، وربّت على ظهرها بحنان قبل ما يقول:
_ يلا يا روحي... أنا همشي، عايزة حاجة؟
_ سلامتك يا رب... ترجع لنا بالسلامة.
قالتها بهدوء، خلاه يبتسم أكتر.
طبع قبلة عميقة على وجنتها، ثم تركها وغادر متجهًا لعمله...
وقفت مكانها لحظات، تتنهد بعمق...
شعور الوحدة بدأ يتسلل لقلبها فور خروجه.
البيت بقى فجأة بارد...
جدران صامتة... وناس لا تحمل لها أي ود
قلبها بدأ يقلق عليه...
خصوصًا من تلك الخبيثة "هنا"حركت عينيها في المكان بشرود...
لتلمح هاتف "ريان" موضوعًا.
مالت برأسها بابتسامة خفيفة، وقالت بسرعة وهي تتحرك:
_ ريان... نسي التليفون! يا لهوي!
ركضت خارج الغرفة بسرعة، بخطوات متعجلة تحاول تلحقه قبل ما يخرج...لكنها لم تنتبه...لبقع الزيت المنتشرة على درجات السلم وفي لحظة خاطفة...
انزلقت قدمها بعُنفٍ.
صرخة مكتومة خرجت منها، وهي تفقد توازنها...
لتسقط من أول السلم لآخره.
تدحرج جسدها بقوة على الدرج، صدمة وراء صدمة...
حتى وصلت لأسفله بلا حراك تقريبًا.
في نفس اللحظة...
سمع "ريان" الصوت قلبه وقع، وجري بسرعة جنونية نحو الداخل...
ليتجمد مكانه فور ما شافها ملقاة على الأرض...
والدماء تسيل من وجهها ورأسها...
وما بين قدميها أيضًا.
اتسعت عينيه بصدمة مرعبة، وصرخ بصوت هزّ المكان كله:
_ شـــــــــــــــــــــــرف!!
اندفع نحوها، وركع جنبها، إيده بترتعش وهو شايف الدم بينزف منها كأنه شلال.
صوته خرج مخنوق بالخوف:
_ يا لهوي... دي بتسقط! حضروا العربية بسرعة!!!
_ بتسقط...؟
قالتها "هنا" بصدمة مصطنعة، قبل ما تتحول ملامحها لغضب مشتعل، وصرخت فجأة:
_ إزاي؟! حامل إزاي... وإنتَ مبتخلفش؟!!!
