رواية هوس الريان الفصل الاول1بقلم ساره الحلفاوي
وقفت جوار نافذة غُرفتها، تضم بكفيها عضديها من الرياح القارصة التي تضرب بـ جسدها .. و رُغم ذلك تتحملُه فقط في مُقابل أن تراه، معشوقها الذي منذ أن أُعلن وصول خبر مجيئه و عودته من إحدى الدول العربية و القصر بأكمله قُلِب رأسًا على عقب، الخادمات يطوفون هُنا و هناك، والدته السعادة تغمُرها و والدُه يتابعه كل دقيقة منذ نزوله من الطيارة، و ها هي منذ سماعها ذلك الخبر و هي تقف أمام الشرفة حتى تكاد تقسم أن قدميها قد غزاها الإزرقاق، لن تنسى شرودها و زوجة عمها تهزها بحماس كبير و تقول:
- ريان جِه يا ليل .. ابن عمك جه أخيرًا
إبتسمت عندما تذكرت شرودها الذب لم تفيق منه سوى على صوته في مكبر الصوت و عمها يهاتفه، سماعها لصوته جعل تستفيق و تبتسم و صوته العميق الرجولى قد غزى جوارحها:
- أنا خلاص يا حاج على وصول ..
إستفاقت على صوت سيارة من سيارات عائلة الشافعي، شهقت ليل و تشبثت بـ ستارة النافذة تخفي جسدها و وجهها عدى عيناها، تهمس بصوت شديد الخفوت و الحروف تهتز على لسانها:
- ريان!
إبتسمت و هي تضع كفها على قلبها، تكاد دقات ذلك اللعين تصم أذنيها، و تُقسم أن أنفاسها إهتاجت من شدة سعادتها أنها تراه أمامها، بهيئته شديدة الوسامة .. و طوله المَهيب مع منكبيه العريضان، تلك الذقن التي نمت على وجهه بشكلٍ مُشذبٍ، إزدردت ريقها و هي تراه يقترب بخطوات واقفة من القصر حتى سمعت صوت زغاريد تصدح من زوجة عمها، أسرعت تتفخص مظهرها فإبتسمت بـ رضا، كانت جميلة .. ذات عينان عسليتان كـ حبات القهوة الفاتحة، و بشرة بيضاء مع شعر طويل بني أيضًا لون عيناها، كانت ململمة إياه على هيئة كعكة للخلف، ترتدي زي جميل أزرق اللون يصل لما بعد الركبة و واسع لكن يضيق على خصرها ذي أكمام تصل لمنتصف رسغيها، ذلك الخلخال الجميل يُزين قدمها اليُسرى، و ترتدي في قدميها حذاء جميل أرضي باللون الأسود أظهر بياض بشرتها، توقفت لبضع دقائق قبل أنا تفتح باب غرفتها و تذهب ناحية الدرج، تراه يُرحب بهم بدءًا بوالدته و والدته و عمته و إبنتها المقربون للعائلة بشكلِ كبير، إبتسمت و بدون هوادة كانت ترتجل الدرج و الإبتسامة تشُق ثغرها، وقفت أمامه تقول بأعين قد فضحتها لمعتها و بصوتها الجمبل:
- إزيك يا أبيه ريان!
إبتسم ريان لها بمجاملة أصابت قلبها، و قال بـ نبرة غزتها برودتها رغم تلك الإبتسامة المتكلفة الموضوعة على شفتيه:
- ليل .. أخبارك إيه!
عجزت عن الرد، إنطفأت مِحياها .. و تلاشت إبتسامتها و هي تراه يتجاوزها و يصافح عمته و إبنتها .. ربما بحرارة أكثر منها، لم ينتبه أحد لعيناها الشاردة و الدموع التي سكنت محجريها، تكاد تقسم أنها تشعر بـ دوار غريب داهمها، تراجعت خطوتان عندما وجدتهم يتجهوا لسفرة الطعام و زوجة عمها تناديها، وقفت تنظر أرضًا كـ طفلة مخذولة حتى تحركت للسفرة، جلست على آخر مقعد تنظر للمقعد الذي جاورُه و التي جلست جواره ابنة عمته مستغلة تلك الفرصة، لطالما كان هذا المقعد يخصها، لطالما كان يطلبها بالإسم لكي تجلس بجانبه عندما كانت صغيرة، بل و يطعمها بيداه .. ماذا تغير، كيف له أن يكُن بهذا البرود الآن، أخفت دمعاتها و عبثت في طبقها دون أن تأكل تستمع لحديثهم الذي يدار:
- وحشتنا أوي يا حبيبي .. كُل دي غُربة يا ريان، نهون عليك تسع سنين كدا من غير م تشوفنا؟
قال ريان بهيبته المعهودة:
- والله ما تهونوا عليا يا أمي بس أعمل إيه، إنتِ عارفة أد إيه مهنة الطب صعبة و دايمًا محتاجة مذاكرة بإستمرار حتى في سني ده لسه بذاكر، و كان لازم أشرف على العيادة لحد م كبرتها الحمدلله و بقت في طائف و الرياض
إبتسمت والدته دليلة على نجاح إبنها و قالت لعمته مفتخرة:
- شايفة يا سُهير .. هو دايمًا كدا من و هو صغير لما بيحط حاجة في دماغه لازم بيعملها!
إبتسمت سهير تقول و هي تبتسم لها بفرحة:
- طبعًا يا حبيبتي إنتِ هتقوليلي عن ريان!
ثم تابعت و هي تربت على ظهر إبنتها التي كانتتختلس له النظرات بهيام:
- شايف إسراء يا ريان .. كِبرت و إحلوت غير م إنت سيبتها خالص!
هتف ريان بمزاح:
- إسراء حلوة طول عمرها يا عمتو!
- قلب عمتو!
هتفت الأخيرة و السعادة تنطق من عيناها، بينما أعتُصِر قلب تلك الجالسة و تكاد تقسم أن هنالك خدر يسير في كامل أطرافها، كانت تشعر أنها منبوذة، لينتشلها عمها من تفكيكرها يطالعها بقلق:
- إيه يا ليل يا حبيبتي .. من ساعة م قعدتي و إنتِ سرحانة و طبقك زي م هو!
رفعت وجهها تبتسم له بإمتنان حقيقي .. تقول بصوتٍ مسموع بالكاد:
- أصلي شبعانة يا عمو، بس قولت أقعد معاكوا عشان ريان ميتدايقش!
ثم وجهت أنظارها له .. لتقبض على المعلقة تعتصرها بألم و هي تراه لم ينتبه لها بالأساس .. أو ربما هذا ما ظنته، يأكل دون أن يبالي بها، لاحظ عمها نظراتها و هو خير شاهد على مقدار العشق الذي تكنه لإبنه، فـ قال عصام و كأنه يحاول لفت نظر وحيده لها:
- ولا ليل بقى يا ريان .. بقت عروسة زي القمر، ده أنا مش عارف ألاحق على العرسان يابني والله!
رفع ريان عيناه لها يشملها بنظراته فـ إرتبكت و نظرت لطبقها و هي بالكاد تسير على دقات مُعذبها، ذلك الذي سقط أرضًا عندما قال و هو ينظر لطبقه و يأكل:
- لسه صغيرة أوي يا حاج على الجواز!
كتمت شهقتها .. صغيرة! هي ثغيرة و تلك الـ إسراء جميلة منذ الصغَر .. أهكذا يراهما؟ صمتت و شعرت أنها لو جلست أكثر من ذلك ستنهار باكية أمامهم و ستؤكد له نظرته بها، فـ إنسحبت تقول بهدوء:
- عن إذنكوا .. هطلع أكمل مُذاكرتي!
رفض عصام بشكل قاطع يقول بتوبيخ:
- مذاكرة إيه يا حبيبتي دلوقتي .. هي المذاكرة هتطير! أقعدي معانا و مع ابن عمك و كملي أكلك، ولا عايزاه يأكلك زي زمان!
تخضّبت وجنتبها إحمرارًا و جلست تقول و هي تنظر لأناملها:
- حاضر يا عمو .. هقعُد
جلست بالفعل مجددًا، تغصب نفسها على الطعام دون شهية، و هو كالصنم .. جالس ولا يُعلق أبدًا، إلتفت لإسراء يقول بإهتمام تمنى لو كان موجّه لها:
- دخلتي كُلية إيه يا إسراء؟
هتفت إسراء مبتسمة من إهتمامه:
- دخلت حاسبات يا ريان .. مستقبلها حلو و شغلها بيبقى كويس و فيها فرص كتير!
إبتسم لها الأخير بهدوء:
- فُرصها كويسة فعلًا!
إنتظرت أنه يوجه لها نفس السؤال لكن هيهات، لتُنقذها والدته دليلة تقول بفخرٍ:
- و ليل حبيبتي دخلت فنون جميلة يا ريان .. إنت عارف من صغرها تموت في الرسم!
قال و هو ينظر لأمه:
- توقعت يا أمي .. ليل فنانة في الرسم!
لا تعلم لما لم تتقبل هذا الإطراء، لمحت به شبح سُخرية لكن صمتت، أهو قد كرهها؟ ماذا فعلت له؟ لطالما إنتظرته بشوقٍ وقلب ملتاع، أهذا جزاؤها؟
سأل ريان عمته:
- أومال سيف فين يا عمتي .. ماجاش يشوفني يعني!
هتفت سُهير بحرج:
- أعمل إيه يا حبيبي إنت عارف سيف مقضي معظم حياته يا إما في الجيم يا إما مسافر .. هو زمانه جاي هتصل أستعجله دلوقتي!
نهض ريان يقول بلا مُبالاة:
- لاء خليه ييجي براحته، ألف هنا يا جماعة أنا حاسس إني هنفجر .. تسلم إيدك يا ست الكُل!
- تسلم يا حبيبي .. يلا إطلع إرتاح شوية إنت جاي من سفر و تعبان!
- لاء أرتاح إيه بقى .. أنا هدخل مكتبي كدا أخلص شوية شغل أونلاين .. عايز بس حد يعملي قهوة مظبوط كدا أحبِس بيها بعد الأكلة الحلوة دي!
أسرعت عمته تقول بلهفة:
- حالًا يا حبيبي هخلي إسراء تعملج أحلى فنجان فهوة!
صمت قليلًا قبل م يقول:
- ماشي
ثم رمق تلك الجالسة للحظات معدودة قبل أن يتجه لمكتبه، كانت تحترق ألمًا، نهضت و هي تنتوي الفرار لغرفتها لكن أوقفتها دليلة تقول بجدية:
- إستني يا ليل .. روحي إنتِ يا حبيبتي إعمليلُه القهوة و وديهالُه و إنتِ ساعديني يا إسراء نشيل الأكل!
قُتم وجه إسراء و والدتها و لكن قالت رغمًا عنها:
- حاضر يا مرات خالي!
ذهبت ليل و هي تكاد تطير سعادةً، تذهب نحو المطلخ و تعد لها القهوة بكل دقة، تعلم كيف يشربها، وضعت جوار القهوة حبات من البسكوت كانت قد خبزتها له هو خصيصًا تتمتم:
- يارب يعجبه
ذهبت لمكتبه تحمل القهوة بحذر، و طرقت على الباب قبل أن تدلف فـ سمح لها بالدخول
دلفت تراه منكب على الأوراق أمامه، إقتربت من المكتب و وضعت الصينية بعيدًا عن أوراقه، رفع نظره لها يقول بهدوء و هو يعود يدون بعض الملاحظات:
- مش إسراء تقريبًا اللي كانت هتعملها؟
شُحب وجهها .. و قالت و هي تتراجع:
- بتساعد ماما دليلة!
صمت يومئ لها، و ألقى نظرة على البسكوت الذي يجاور فنجان القهوة، إلتقط منه واحدة يقول و هو يستند بظهره على المقعد:
- أنا مقولتش إني عايز بسكوت!
توقفت تقول و هي خجِلة من تحديقه بها بتلك الطريقة:
- كنت عاملاه النهاردة الصبح، قولت تدوقه ..
ثم هتفت:
- أشيله لو مدايقك؟
تذوقه قبل أن يرد عليها، حاول ألا يظهر إستمتاعه به و بمذاقه الفريد، ليقول بهدوء:
- لاء خليه عادي ..
طالعته بحزن .. و تشجعت تجلس أمامه على المكتب، تقول و قد إمتلئت عيناها بالدموع:
- هو .. هو أنا مزعلاك في حاجة؟
نظر لها للحظات، عيناها المغرورقة بالدمعات، و وجهها الأحمر، لا يعلم كيف لهذه البراءة .. و ذلك الوجه يختبئ خلفه شيطانة تختلف تمامًا عن تلك التي تربت على يداه، لما يجيبها .. يقول بهدوء:
- سيف أخباره إيه؟
لم تنتبه لسؤاله الضمني .. تقول برجاء:
- ممكن تجاوبني؟
- إنتِ شايفة إنك عملتي حاجة مزعلاني؟
قال و هو يعبث بهاتفه .. يهرب من تلك الدمعات، قالت و هي تعبث بأناملها:
- لاء .. أنا مش شايفة إني عملت حاجة!
- يبقى معملتيش يا ليل!
قال و هو لازال ينظر لهاتفه .. تدايقت و نهضت تقول بثبات:
- عن إذنك
و بخطوات سريعة خرجت من مكتبه .. ليتها لم تدلف، ليت إسراء هي التي طهت له قهوته، صعدت لغرفتها و اغلقت الباب خلفها ترتمي على الفراش تجهش في بكاء عسيرٍ، حتى ضاقت أنفاسها، فـ أسرعت تنهض تجثو على على ركبتيها جوار الكومود تأخذ بخاخ الربو الذي لطالما أنقذها من نوبات ضيق التنفس التي تأتي لها كل حين و آخر، بخت به الأوكسجين في فمها، و إستندت بـ ظهرها على القدم الفراش، تضع كفها على صدرها تقول و هي تحاول أن يجعله يهدأ:
- إهدى .. إنت اللي عملت في نفسك كدا، علّقت نفسك بيه على الفاضي!
أزالت دمعاتها و أخذت أغراضها تخرج من غرفتها و تترجل على الدرج، تذهب لملاذها الآمن .. مرسمها، لكن وسط دمعاتها إرتطمت بصدر عريض و كان ذلك سيف، سيف الذي تعتبره كأخيها العزيز على قلبها، يقول بمزاحه المعتاد:
- إيه يا ست إنتِ واخدة في وشك و رايحة كدا على فين!
جلست على ركبتيها تلملم أشيائها تحاول إخفاء دمعات عيناها، لكنه أمسك لذراعها يوقفها و يقول بقلق:
- ليل؟ إنتِ معيطة؟
نفت براسها بسرعة بتقول مبتسمة:
- لاء يا سيف دي حاجة دخلت في عيني بس .. عامل إيه؟
حاوط وجنتيها يزيل دمعاتها و يقول بحنان:
- بتعيطي أهو .. إيه مالك يا لولا؟
خجلت من قُربه و لمسته لوجنتيها، و لم تكن تنتبه لـ أعين راقبتهما بـ كُل شراسةٍ و غضب مُضقع، للدرجة التي جعلته هيدلف لمكتبه مرة أخرى و يصفع الباب، إنتفض جسد ليل و لم تفهم ما الذي حدث
