رواية اشباح المخابرات الجزء الثاني2الفصل الخامس5بقلم ايه محمد رفعت

رواية اشباح المخابرات الجزء الثاني2الفصل الخامس5بقلم ايه محمد رفعت


(شياطين وكرهم كالجحيم لا عودة منه)



صعد للطابق العلوي، يتجه للغرفة الصغيرة التي خصصت لعدد من الغسالات الخاصة بتنظيف الملابس، جذب "ياسين " باب الخزانة التي تحتوي على المنظفات، ومن ثم ضغط على اللوحة السرية، وما أن انفتح من أمامه الباب السري، ولج للداخل يبحث عنها. 

كانت تقف أمام الحائط الإلكتروني، وفوق أذنيها السماعات، بينما سلاحها تحمله باحترافٍ وجسارة، تسلط زُرقتها على الهدف الذي يظهر أمامها فجأة، فتصيبه بسلاحها الكاتم للصوت، وكلما اشتدت عليها المرحلة صعوبة وتنتقل لمستوى أعلى، كانت تسدده بمهارة واتقان، جعله يراقبها بشغفٍ، حتى استدارت تسلط عليه سلاحها، ونظراتها الحادة تجتازه. 

كبت ياسين ابتسامة قد تظهر عليه، ومال يربع يديه أمام صدره العضلي القوي، بينما يقول في ثباتٍ: 
_مليت من إني أعيد جملتي ليكِ كل مرة، عنيدة هانم نزلي سلاحك بهدوءٍ، بلاش تستفزيني! 

أبقت على سلاحها وهي تقول ببرودٍ: 
_وإن استفزيتك هتعمل إيه مثلًا، هتستخدم رخصتك وتأمرني بالانسحاب؟ 

تركها ترنو منه والسلاح يقترب من وجهه، بينما يتطلع لها بجمود وثقة: 
_مقدرش أعمل كده لإنك جزء مهم من الفريق! 

أرادت استفزازه فاستفزها هي، فاذا بها تخفض سلاحها وهي تنزع سماعاتها وتلقيها بعصبيةٍ، لحق صعبها خطواتها وهي ترحل من أمامه، فاستدار يخبرها: 
_تحبي تشاركيني بأول خطوة من المهمة؟ 

وقفت محلها واستدارت صوبه متلهفة، فاذا به يقترب ويخبرها بخبثٍ يجعله سيدًا: 
_هتعرفي تمثلي إننا زوجين! 

وتابع وهو يشيعها بنظرة ساخرة: 
_والمفروض إننا في شهر العسل، بس معتقدش إنك بطريقة لبسك دي هتباني عروسة! 

تحررت عن صمتها بتهديد صريح: 
_ لو رفعت عليك سلاحي دلوقتي هتقف تعيد اسطوانة حفيد ياسين الجارحي ميترفعش عليه سلاح، وإنت تستحق خرطوش مش سلاح. 

رغمًا عنه جلجلت ضحكاته الرجولية حتى جعل ملامحها الغاضبة تهتدي إليه، بينما يجاهد هو للحديث: 
_والله قابل منك كل اللي يجي منك، وبعدين إنتِ مش محتاجة لا لسلاح ولا خرطوش، عيونك أقوى من الاتنين، فأنا كده كده قتيل! 

ارتبكت من حديثه، فتنحنح وهو يشير لساعته: 
_ربع ساعة وتكوني جاهزة. 

وسبق خطواتها ليخرج من المكان، ولكنه وقف وقال وهو يولياها ظهره: 
_مرين أوعي تنخدعي بكلامي وتلبسي شيء مكشوف أو ضيق، هعين لبسك قبل ما نطلع. 

وأضاف بصرامة وحزم: 
_ولو حبيتي تعانديني بالنقطة دي بالذات، يبقى المشوار ده هروحه لوحدي! 

قال ما قال وانسحب من الغرفة السرية، بينما تقف هي تتطلع للفراغ الذي خلفه من بعده مُبتسمة، مالت تستند على الحائط وهي تهيم شاردة. 
يعاندها ويزيد من شُعلة النار بينهما، بينما يعود ليسدد لها غيرته بشكلٍ واضح وعلني، وبالرغم من عدم استقرار الامور بينهما الا أنه مازال يقر إنها تخصه وملكًا له، وبالرغم من عنادها الا أنها يروق له الحدود الذي يضعها من أمامها! 
                              *****
وقف أمام باب الجناح، حتى فُتح أُتوماتيكيًا، فولج بخطاه الثابت إلى الداخل، حيث وجده يجلس بانتظاره. 

وضع"كِنان" الكيس الذي يحوي الماس والحقيبة التي بيده على الطاولة الفاصلة بينه وبين "عثمان" الذي يطالعه بنظرات ثابتة، ثم استدار ليغادر فأوقفه جملته: 
_غدرت بيهم الأول ولا هما اللي غدروا. 

قبض قبضته ومعالم الضيق تحتل ملامحه، لا يريد ذلك اللقاء بأكمله، ولكنه مجبر على الرجوع للديزل بنهاية كل مهمة، استدار كِنان إليه وقال: 
_الغدر عمره ما كان طبعي، فأكيد مغدرتش بيهم الا لما هما اللي غدروا! 

ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجه "عثمان"، فحرك مقعده باشارة من يده حتى اقترب منه وهو يقول: 
_بيعجبني طبعك وقوتك يا كِنان، ولولا إنك مسلم رقبتك بسبب نقاط ضعفك كان زمانك لسه في مكانتك، وقريب مني زي الأول. 

وأضاف والشر والخبث يتراقصان برمادية عينيه: 
_بس للاسف مصر توقع نفسك بتعلقك الكبير بأخوك، وببنت عمك حتى لو ادعيت إنك مش عايزها ومبتحبهاش، مشاعرك ريحتها فايحة. 

تحلى كِنان بالصمت، بينما يستطرد عثمان: 
_وده كفيل يوقعك ويجيب رقبتك الارض، ومش هارون بس اللي هيستغل ده عشان يخضعك ليك، لا في الاعلى والاقوى منه ومننا، وإنت عارف مصير الضعيف بينهم أيه؟ 

ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه، وقال: 
_عارف، ومش عايز أدخل العالم القذر ده، أنا راضي بمكانتي اللي بعيدة عن الدخول المباشر ليه، كفايا انك المسؤول عننا واللي بتمثل عيلتنا قدامهم. 

وتابع متعمدًا أن يذكره بما مضى: 
_مع إنك بردو كان ليك نقطة ضعف وهما بنفسهم اللي اتخلصوا منها، توقعتك هتثور وهتنهي كل الشر ده بس خيبت ظني يا عثمان. 

اندهش كِنان حينما وجده يبتسم ولم تتأثر شعرة واحدة فيه، بل قال ببرود؛ 
_كويس إنهم عملوا كده، يمكن لو كان اللي في بطنها اتولد واتعلقت بيه بنسبة بسيطة كان ممكن اتوجع، لكن الحقيقة اللي إنت متعرفهاش إن موت إيلا واللي في بطنها مهزش فيا شعرة، بدليل إني قدامك أهو بتابع شغلي وكبرته عن الاول بكتير. 

واستكمل وهو يشمله بنظرة باردة: 
_سبق وقولتلك زمان، شغلنا رقم واحد في حياتنا، لا في قبله زوجة ولا ابن ولا حتى أخ!   عشان كده هارون بقى مكانك يا جاك. 

وبمكرٍ مخيف : 
_يمكن لما تشطب نقاط ضعفك وتبقى بطولك ترجع لمكانك من تاني. 

تحلى عن صمته بتعصبٍ: 
_نوح وروز هيفضلوا في رقبتي يا عثمان، ولو صابهم أي أذى حتى ولو بدون قصد مش هتلاقيني في فريقك ده كله، لا من قريب ولا من بعيد. 

وأضاف قبل أن يغادر: 
_أنا عارف إنك محتاجلي وبتعتمد عليا اعتماد كلي، فياريت تخلينا على هذا الوضع أفضل، إنت ليك مصلحتك وبس. 

وتركه ورحل بهدوءٍ، تاركًا ابتسامة خبيثة تتلاعب على شفتي شيطان آل التميمي المخيف!
                            *****
أغلق "تيام" باب الشقة الخاصة به، وولج يتجه إلى غرفة شقيقته، طرق الباب وانتظر أن يستمع لأذن دخوله، ولكنه لم يستمع له، فتح الباب فوجدها تقف بزواية الغرفة، تراقبه بعينيها المتورمة من البكاء والخوف منه يصل له من محله! 

تنهد بارهاقٍ ولكنه تابع المضي قدمًا، وقال بحنان: 
_قربي يا تالا. 

قالت من محلها بتوترٍ وقلق: 
_مش هعمل كده تاني، انا بس كنت خايفة ومش عارفة أعمل أيه؟ 

عاد يكرر قوله بصوتٍ أكثر حنانًا: 
_تعالي يا تالا. 

تحركت بخطواتٍ بطيئة، حتى وقفت قبالته، ضمها تيام وتحلى بالصمت، اختار التخلي عن أي حديث يُقال بينهما وهي بتلك الحالة التي فتكت بها، مسد على ظهرها بحنو، فانفطرت بالبكاء وهي تتمسك به، حتى همست بانكسار: 
_أنا كنت خايفة أوي من اللي حصل، ومكنش في حد يحميني غيره. 

ضمها كف يده الذي يمسد به على ظهرها، حتى هدأت، فقال ومازال يضمها: 
_أنا عديت اللي حصل عشان اللي قولتيه يا تالا، بس مش عايز ده يتكرر تاني، بعد كده لو حصل حاجه رني عليا، لو في أخر الدنيا هجيلك. 

وأضاف وهو يضعها بفراشها ويسحب الغطاء عليها: 
_ إنسي اللي حصل النهاردة وحاولي ترتاحي، وبعد كده أنا اللي هوديكِ وهجيبك من الجامعة عشان اللي حصل ده ميتكررش مرة تانية. 

منحته ابتسامة هادئة، وهي تحمد الله أنه صدق ما قالته، ولم يعلم شيئًا عن حقيقة الأمر، سحبت الغطاء وأغلقت عينيها تتصنع النوم، بينما مازال يجلس قبالتها. يمرر يده على خصلاتها الطويلة، بينما يتوه عقله تدريجيًا خلف الضوء الأبيض المشع حتى رأى ذاته يقف قبالة هارون بشراسة
##
_زي ما سمعت، أنا مش هكمل معاكم في القذارة دي يا هارون. 

قالها تيام بشجاعة، ودون أي تردد، بينما مازال الأخر يتجرع من الخمر بكثرةٍ ويتجاهل ما قال. بينما يصرح له المطلوب: 
_حاول تطور من العقار، زي ما اخترعت منه على شكل الشوكولاته، خليه بأشكال تانية عشان الحكومة بدأت تركز معانا. 

طرق الطاولة الزجاج حتى يفق له: 
_انت مبتسمعش بقولك مش هكمل معاكم، أنا خلاص مبقتش متحمل القرف ده، هخرج من بينكم ومعايا أختي. 

وأضاف بما ينتوي فعله: 
_أنا عايز أعيش حياة نضيفة مع الانسانة اللي حبتها، عايز اعيش من غير ما أخاف من بكره واللي مستخبي فيه، عايز أتخلص من الاحساس المرعب اللي بحس بيه بسبب القرف اللي انتشر بسببي،  خلصت يا هارون مش هكمل. 

ترك هارون الكأس من يده ونهض يواجه الدوار الناتج من الخمر، تحمل حتى وصل له، وقال: 
_وتفتكر هيسيبوك تعيش حياتك!!  إنت شوفت بنفسك عملوا أيه مع مرات عثمان وابنه عشان بس قرر يهدي الدنيا ويقلل الاصدارات لـ50 في المية، ما بالك لو شموا خبر بيك هيعملوا فيك وفينا أيه؟ 

ألقى كل شيء من خلفه، وبلا مبالاة نطق: 
_مش فارقلي، يعملوا اللي يعملوه أهون عليا ألف مرة من احساس الذنب اللي مش بنام بسببه. 

وجد أن الحديث الهادئ لم يجدي نفعًا معه، فلجئ للتهديد: 
_أنا هعتبر نفسي مسمعتش البوقين دول، ومش هوصلهم لعثمان، هعتبر انك ضربت كاسين معايا وسكرت وده أحسنلك عشان الأذى ميجلكش مني أنا مش من المافيا يا دكتور!!! 

أفاق من ذكرياته الغائمة، وشعور النفور يجتاحه مما حدث بتلك الفترة المُظلمة من حياته، وإذا به يميل مقبلًا جبين شقيقته ثم يتجه لغرفته بخطى متهدجة، منكسرة، كحال قلبه المُحطم! 
                           *****
خرج من الغرفة يرتدي بذلة سوداء فخمة، من أسفلها قميصًا أبيض محلول أول أزراره، وقف بجاذبيته الطاغية يراقب الدرج من الحين والآخر، ومن ثم يخطف نظرة لساعته. 

فوصل له صوت حذاء أنوثي يعانق أرضية الرخام برقةٍ وخفة، ومن ثم ظهرت قبالته بهيئة جعلت عسليته تكاد تنخلع من مُقلتيه! 

فستانًا محتشم بنفس لون عينيها، يتدلي بوسع كفستان الزفاف، ومن فوقه جاكيت جلد باللون الأسود، تاركة خصلاتها القصيرة تتهاوى من حولها، وحمرة خديها تتدرج رغم أنها بدون أي مستحضرات تجميلة!! 

وقفت "مرين" قبالته، ورددت بثقة: 
_أنا جاهزة يا قائد! 

ابتلع ريقه وعينيه تتحاشاها، كأنها فتنة متنقلة، بل بدى الضيق على ملامحه وهو يراها هكذا، لقد اعتاد أن يرى نساء عائلته بالحجاب، وبالرغم من أن ملابسها محتشمة الا أن شعرها المكشوف أچچ النيران داخله، وما يزيد ضيقه أنه لم يجد ما يعلق به ليجبرها على تبديله بآخر، لأنها نفذت تعليماته وارتدت فستان محتشم وواسع. 

تنهد وهو يعود لثباته وأشار لها: 
_هنتحرك. 

اتبعته مرين والانزعاج من الخطى بالفستان كان واضحًا عليها، حتى أنها كادت أن تتعثر أكثر من مرة، مما دفعه للاستدارة لها، كابتًا ضحكته وهو يعرض عليها: 
_محتاجة مساعده؟ 

أجابته بحدة: 
_ميرسي. 

اتسعت عينيه بسخرية ملحوظة لها، فقالت بغضب: 
_يوووه،  مش قولت أبان عروسة وفي شهر العسل، أعملك أيه تاني!! 

مال للخلف من كثرة الضحك حتى أدمعت عينيه،  بينما تتابع هي: 
_لعلمك أوعى تفتكر إن عشان لابسة فستان وباينة رقيقة هتتمسخر بيا، خد بالك أنا مسلحة والمرادي هقتلك بجد يا ياسين! 

توقف عن الضحك من شدة الصدمه، وردد بصعوبة بالحديث: 
_مسلحة!!  ازاي؟! 

منحته ابتسامة ماكرة وهي تتفاخر بوقفتها: 
_زي الناس، وزي ما بابي بيقول خدلك ساتر قوي مني يا قائد. 

رمش بذهولٍ، واستحضر قوله الهادر: 
_خرجي الاسلحة اللي معاكِ حالًا!! 

ربعت يديها أمامه وقالت: 
_وإفرض احتاجتلهم. 

رد وهو يتحلى بالصبر: 
_إحنا رايحين نعين المكان مش نشكك أصحاب المكان فينا! 

اقتربت خطوتين وبثقة قالت: 
_لا مهو أنا مش هحتاج للسلاح عشان أصحاب المكان، هحتاجه عشانك يا قائد!! 

جحظت عسليته بشكلٍ جذاب، بينما تتسع بسمتها وهي تراه مندهش بتلك الحالة، فحملت طرف فستانها وتحركت برقةٍ قاتلة: 
_هنتاخر كده يا قائد. 

وهبطت تتجه للسيارة، فاذا به يفوق من حالة الصدمة خاصته، ويسبقها بخطواته السريعة، يغلق الباب الذي فتحته بعنف، وبصرامة قال: 
_مرين حالًا الاسلحة تخرج والا مش هحتاجلك معايا من الاساس، لو حابة تختبري صبري جربي! 

تأففت بغضبٍ، بينما يميل على مقدمة السيارة بثبات قاتل: 
_وقتك بينفذ! 

منحته نظرة قاتلة، وصرخت بوجهه: 
_دور وشك! 

أشار على الرحب والسعة، واستدار يوليها ظهرها، فاذا بها ترفع الفستان الذي كانت ترتدي من أسفله بنطال من الجينز، وعلى ركبتها أحزمة غمست فيها أسلحة رغم انها صغيرة الا أنها كانت حديثة وقاتلة بدرجة مخيفة. 

انتهت مما تفعله، فاذا به يستدير وما أن رأى مقدمة السيارة حتى اتسعت مُقلتيه من كثرة الخناجر والاسلحة النارية الصغيرة، فنطق باستهزاء: 
_كل دي أسلحة ليا!!  للدرجادي واقعه في حبي! 

رددت بهمس محتقن: 
_جدااا. 

ابتسم وهو يغمز لها بمشاكسة: 
_مصدقك، أنا أتعشق مش أتحب! 

حلقت نيران  الغضب بزُرقتها، تركته وصعدت للسيارة تغلق بابها بعنف، حمل ياسين الاسلحة عن السيارة وهو يتمتم بسخطٍ: 
_كل ده كان تحت الفستان!!  شكل اللي جاي مش سهل عليك يا جنرال!! 
                              *****
كانت تجلس على الشيزلونج، تراقب حديقة القصر بنظرات منطفئة، جُردت منها الحياة، فاذا بباب غرفتها يُفتح ويظهر أخيها قبالتها. 

ارتعب "رزان" ووقفت تتطلع إليه في وجلٍ، فاذا به يدخل ويقف أمامها بنظراته المخيفة، وبغضب قال: 
_أيه اللي خلى كِنان يعارض على جوازك من إليون، ويتشرط عليا إنك مش هتكوني لا ليه ولا لغيره؟ 

ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة، حتى أنها تراجعت بجسدها للخلف، حتى اصطدمت بظهر الأريكة من خلفها: 
_محصلش حاجة! 

أحاطها هارون بنظرة أكثر رعبًا من سابقتها، ومع ذلك ردد: 
_انطقي باللي حصل والا متلوميش الا نفسك. 

تجمعت الدموع بزُرقتها، وهمست بضعف: 
_قولتله إني مش عايزاه، وإنه لو اتقدملي هرفضه. 

تهاوى على وجهها بصفعةٍ قوية، جعلت الدماء تنسدل على جانبي شفتيها، فبكت من شدة الألم، عاد يجذبها من خصلاتها البرتقالية، وهو يسبها بألعن السباب القذرة: 
_أنا طلبت منك كده يا****

صرخت من شدة الوجع، ورددت في قهر: 
_حرام عليك يا هارون، إنت بترخصني قدامه، أنا كرهته ومش عايزاه خلاص. 

قبض على خصلاتها وقربها من عينيه المُقيتة: 
_مش بمزاجــــك،  أنا اللي أقول أيه اللي تعمليه وأيه اللي ميتعملش. قولتلك إن كِنان لازم يبقى تحت طوعي وده مش هيحصل الا بجوازك منه. 

مسكت يده القابضة على شعرها، تحاول أن تحرر ذاتها منه وهي تهتف: 
_وهو مش عايز يتجوزني أعمل أيه؟! 

تجلى فيه الشيطان، ونزع عنه رجولته فاذا به يقول: 
_تعملي اللي قولتلك عليه. 

ارتعبت مما قرأته بحدقتيه القذرة، وبرعشة قالت: 
_أعمل أيه؟ 

ردد بدناءة: 
_تروحيله أوضته وتحاولي تجيبي رجليه. 

وأضاف بما يجعل الرجال يبصقون بوجهه من شدة الخزي: 
_ومش مرة بس،  لا خليه ميقدرش يستغني عنك،  لو حملتي منه هيتجوزك فورًا، أنا عارف كِنان. 

كادت أن تغشي عليها من هول ما استمعت إليه، فتمردت بين يديه وهي تصرخ: 
_إنت إزاي بالحقارة دي،  أنا أختك يعني لحمك وعرضك!! 

واسترسلت بصوتٍ مبحوح: 
_لا مش هعمل كده حتى لو قتلتني، على الاقل الموت هيكونلي رحمة من إني أعيش تحت رحمة خنزير زيك! 

سقطت ضرباته القوية عليها، فدمت وجهها الأبيض وحولته لكدمات زرقاء، حرص على تلقينها ضربًا مُبرحًا، ومن ثم جذبها إليه، لتنصت لما سيقول، فتحرر عنه فحيح رعبها: 
_إنتِ فاكرة إني هموتك!  إنتِ ساذجة أوي، ده أنا هخليكِ تتمنى الموت كل لحظة ومطولهوش، وأكبر مثال حي قدامك الكلبة اللي متجوزها، ديتها عندي أرخص من رصاصة خارجة من مسدسي، استخسرتها فيها وسايبها بتتعذب على نار هادية بالرغم من أنها ماشية تحت طوعي، فما بالك باللي هعمله فيكِ! 

ازداد بكائها برعبٍ منه، بينما يشدد من ضغطه على شعرها: 
_ها هتبقي مطيعة زيها ولا أفتحلك باب من أبواب جحيمي! 

لم يكن بيدها حيلة، فاذا بها تهز رأسها وهي تبكي بانكسارٍ قاتل، ذبحها بجبروته وكأنه يظن أن لم يعد هناك وجود لمن يوقفه عن شره!! 
                               ******
وقف بشرفته يغلق عينيه بقوةٍ، والهواء البارد يلفح صدره ببرودته، بينما تتساقط خصلاته على وجهه بعنف، شاردًا، تائهًا، حائرًا في رحلته التي تزداد عتمة كل لحظةٍ. 

طرقات باب غرفته جعلته يفتح بنيتاه، هامسًا بحنق: 
_مش يومك ولا وقتك يا نوح! 

دخل "كِنان" من الشرفة، يجذب قميصه، إرتداه وهو يتمتم بنزقٍ: 
_ادخل! 

فتحت باب غرفته بأصابع مرتشعة، كم كانت تتمنى أن لا يكون بالدخول، عسى أن يرى من يراقبها على الدرج بأنه ليس هنا، ولكن نبرة صوته القوية أعلمته بوجوده، فلم يعد على تلك البائسة سبيل للتراجع!! 

سحبت حطام الأنثى الساقطة عن تلك الجثة، ومضت منكسرة للداخل، خصلاتها تنهمر من  الجانبين على وجهها، فنجحت باخفاء جروح وجهها بنسبة كبيرة، والنسبة الاخرى تخضع للزينة التي وضعتها أمام أخيها الديوث! 

تفاجأ بها كِنان، وأكثر ما صعقه ما ترتديه، لأول مرة يراها بفستانٍ قصير مثل الذي ترتديه، لدرجة جعلته يشعر بأنه سيقتلها وخاصة بأنه تسرب له ما تفعله من قبل أن تخطو خطوة واحدة، فاذا به يصرخ من محله:
_أيـه القرف اللي إنتِ لابساه داا؟؟ 

تخشب جسدها محله، ولم تمضي خطوة آخرى، بل دفنت رأسها أرضًا تبكي بصوتٍ مكبوت، استطرد كِنان بعصبية كادت أن تلهبها بالنيران: 
_طاوعتيه ونزلتي لمستواه الوضيع ده!!   مش مصدق عنيا!!! 

لم يصدر عنها أي كلمة، ومازال يقف أمام الشرفة ينتظر أن تدافع عن ذاتها، وكلما طال صمتها ازداد فتيل غضبه القاتل، فصاح بعنفوانٍ: 
_الصبح بتقوليلي إني لو حفيت مش هتقبلي بيا وبليل بترخصي نفسك بالشكل ده!!  

انتفض جسدها من شدة كبتها للدموع، حتى تحرر صوت مكسور عنها ببكاءٍ جعله يبتلع كل أقاويله، بل هرول ناحيتها بشكٍ من طريقة وقفتها وانحناء قامتها، وقف قبالتها يناديها بقلق: 
_رزان! 

زادت من دفن رأسها أرضًا، فوضع يده أسفل ذقنها، يجبرها على التطلع له، تأوهت من شده الألم، بينما تتغمده صدمة جعلت قلبه يطعن بقسوةٍ، حينما رأى وجهها المشوه، وخط الدماء الذي انسدل من شفتيها وانفها مهما حاولت مسحها،  انتفض هلعًا وهو يتخيل مدى المعاناة والضغط الذي تعرضت له حتى تأتي خاضعة بانكسار هكذا. 

تجمدت الكلمات على لسانه، لم يجد أي شيء يقوله، بينما تبعد هي كفه تجهش بالبكاء بصوتٍ تحرر كأنها لم تبكي منذ أعوامٍ. 

قبض قبضته بغضب، وصوت اصطكاك أسنانه يصل لها، فاذا به يركل السراحة بقدمه فسقطت أرضًا، وفجأة اندفع للخارج كالسهم المؤقت، متخذًا طريقه للاعلى وبالاخص جناح هذا اللعين!!! 
                                *****

من يصدق أن النسخة الكبيرة عن توم وجيري تنتهي خصومتهما أخيرًا، وكلاهما الآن يجلسان على طاولة مزينة بالشموع الحمراء كالحبيب والحبيبة، يرتسم عليهما ملامح الحب والاندماج،  وخاصة ياسين الذي مال يهمس لها وهو يحافظ على ابتسامة متقنة: 
_أنا تعمدت أقول للويتر إننا عرسان جداد، وإنه يهتم بالتربيزة، هنشوف بعد كده الخطوة اللي جاية. 

تصنعت التبسم لما يقول، وتناولت قطعه اللحم بالشوكة التي حملتها في رقة ونعومة، بينما تهمس من بين ابتسامتها المخادعه: 
_بس لحد الآن الامور ماشية عادي! 

قطع بسكينته قطعة اللحم، ومال للامام يقدمها لها، تفاجآت من فعلته، ولكنها مالت وتناولتها وهي تتقن الدور ببراعة اعتادتها في العمل، بينما يستغل ياسين انحناءها ويتفحص الممر المؤدي للحمام النسائي، وما أن قبض على طرف الخيط حتى أشار لها اشارة مقروءة، فهزت رأسها بتفهمٍ. 

مدت يدها تلتقط منديلًا ورقي، تزيح بقايا الطعام، وتسحب الحقيبة وهي تردد برقة مصطنعة أمام النادل الذي أقبل يزيح الاكباق باشارة منه: 
_سأعود بعد قليل حبيبي. 

قالتها حتى يبدو أن الامور تسري بشكلٍ طبيعي ولكن ياسين أبصرها بتيهٍ يتابعها بارتباكٍ وكلمتها تُعاد إليه، تُوقظ داخله مشاعر المراهقة، وحب الطفولة الذي دفنه لها، فاذا به يهمس في ذاته: 
_هانت وهتبقي حلالي عنيدة هانم! 

ولجت "مرين" للحمام النسائي، ادعت أنها ترتب شعرها، وتحمل بين يدها حمرة الشفاة، حتى يظن من حولها بأنها ترتب مكياجها، بينما تسترق السمع لما يدور حولها، فاذا بها ترى إحدى الفتيات بملابس مُبتذلة للغاية، وجهها مملؤء بالحلقات المعدنية التي تشق أنفها وشفتيها ولسانها وتملئ أذنيها بشكلٍ مبالغ به، كانت تجوب بين الفتيات بعُلبة بها نفس نوع الشوكولا التي سبق ورأتها "مرين" بالعرض الذي قدمه "عمر الرشيدي، آدهم" 

تفحصتها الفتاة بنظرة خبيرة، فادعت مرين انشغالها بوضع حمرة الشفاة، والمسكرا، فاذا بها تقف جوارها، تفرقع العلكة بشكلٍ استفز مرين التي ودت لو أطاحت برأسها بالمرآة المقابلة لهما، حدثتها الفتاة بميوعة: 
_يبدو وكأنكِ عروسًا. 

غامت زُرقتها بمكر من خبث عاملي المكان الدنس، الذين أسرعوا بتسريب الخبر لالتقاط العملاء لشراء تلك اللعنة، نجحت بالتظاهر بالبراءة وقالت: 
_نعم أنا كذلك،  لقد تزوجت منذ أربعة أيام وأنا هنا لقضاء شهر العسل. 

واستدارت صوبها تتساءل بلطفٍ خبيث: 
_وماذا عنكِ؟ 

تفحصت الفتاة المكان من حولهما، ومالت تردد لها بغمزة: 
_أتجول هنا لأقدم السعادة للفتيات، وبالاخص المتزوجات. 

ادعت عدم فهمها رغم أنها توشك على لكمها: 
_كيف؟  لا أفهمك. 

أخرجت الفتاة من  الحقيبة التي تحيط خصرها عُلب الشوكولا، وقالت: 
_هكذا ،  هذا النوع سيروق لكِ لدرجة ستجعلك تعودين إلى هنا بحثًا عني. 

تلألأت زُرقتها بمكر، والتقطت منها الشوكولا قائلة بملامح طبيعية: 
_أيحدث ذلك من هذة!  

هزت رأسها بكل تأكيد، فسحبت حقيبتها وقالت: 
_حسنًا سأجرب، أخبريني بكم السعر؟ 

طرقت ذراعها بذراعها بخفة وغمزة خبيثة: 
_المرة الاولى بالمجان، ولكن المرة المقبلة سيكون عليكِ دفع أربعمائة يورو. 

هزت مرين رأسها وقالت: 
_يا له من كرم كبير منك،  حسنًا سأراكِ مجددًا. 

وتركتها وخرجت من الحمام، والغضب يجعل مُقلتيها تجتاحها عاصفة رآها ياسين فعلم بأن الامر قد تم، فما أن جلست حتى مال يقدم لها العصير وهو يهمس: 
_عملتِ أيه؟! 

أمالت حقيبتها وهي تريه ما حصلت عليه، فعاد بظهره وهو يخفي ضحكاته بيده، بينما تهاجمه نظراتها الشرسة، فاذا به يبتلع العصير جرعة واحدة، ويشير لها بمزح: 
_ما تيجي نرقص؟ 

زوت حاجبيها بدهشة: 
_والله!  أمال فين عم الشيخ اللي نايم قايم على سجادة الصلاة؟ 

رد وهو يبتسم: 
_حاضر وموجود في كل وقت، وللعلم لما نرجع من المهمة دي هنكتب الكتاب على طول. 

سحبت حقيبتها وجاكيتها وقالت: 
_هقطع عليك حلمك المستحيل ده، يالا نمشي. 

نهض يجذب حفنة من المال ويضعها على الطاولة، ثم اتبعها للخارج، فاذا بأحد شباب الأمن يشيرون له، فأشار لها بأن تسبقه للسيارة وذهب رفقته. 

جلست مرين بالسيارة تنتظر عودته، فاذا به ينضم لها بعد قليل، وما أن صعد للسيارة حتى سألته بلهفةٍ: 
_كان عايزك ليه؟ 

تجاهلها عن عمد، فقالت: 
_مش بترد ليه؟  الشاب ده كان بيقولك أيه؟! 

تصنع الجدية التامة وهو يخرج من جيب سترته أنبوب صغير: 
_اتنشر جوه اننا عرسان جداد فمسى عليا بالعقار النسائي وبالمجان، بحيث لما أشوف نتايجه أرجعله زحف. 

عصف الرعد بعينيها، فانحنت تجذب من حذائها سلاح صغير، ثم سلطته على ياسين المصعوق مما يحدث، ومازال يردد بصدمة: 
_جبتي السلاح ده منين تانــــي؟؟؟ 

صاحت بعنف: 
_قولتلك إنت مينفعش أخرج معاك غير وأنا مسلحة! 

رفع ذراعيه وتمتم بتحذير: 
_مرين احنا قدام المكان لسه، هيشكوا فينا! 

هدأت نظراتها العنيفة، وعادت تجلس بمقعدها بهدوء رغم أنها مازالت تراقبه بحذر، ضحك ياسين وتحرك بالسيارة، حتى ابتعد عن المكان، فوقف فجأة وقال وهو يجاهد للسيطرة على نوبة الضحك التي سيطرت عليه: 
_بهدوء كده لو لسه معاكِ أسلحة خرجيها هنا، ده لو عايزة تيجي معايا المشوار الاخير اللي ريحينه. 

صاحت بعناد: 
_مش هطلع حاجه، ثم إنك بتتشرط وبتتأمر عليا بصفتك أيه؟ 

حرك كتفيه بغرور: 
_القائد بتاعك يا ميري! 

كزت على أسنانها بغيظٍ، فاذا بها ترفع طرف الفستان وتجذب الاسلحة التي تحيط بها الحذاء من الداخل والخلف، وتدفعهم على تابلو السيارة، فاذا بياسين يرى عدة شرائح يبرع فيها الجوكر ومن بعده تلميذه آدهم، وسلاح صغير الحجم كاتم للصوت، وخنجر صغير. 

رمش بعدم استيعاب وهو يعود إلى التطلع إليها: 
_ليه كل ده، احنا طالعين حرب؟! 

شملته بنظرة منفرة وعادت تتطلع للنافذة بغضب، فعاد يقود وهو يتمتم: 
_لازم أفتشك قبل ما ندخل جناحنا بعد الفرح، أنا مش مستغني عن روحي!!! 

أتاه ردها اللازع: 
_أحلامك ابتدت توسع منك يا قائد. 

تابع القيادة وهو يقول: 
_حلمك سابق حلمي يا ميري! 

تغاضت عما قال، وتساءلت باهتمام: 
_احنا رايحين فين؟ 

التفت لها وبابتسامة واسعة قال: 
_مكان هنكون فيه على طبيعتنا، وإنتِ جاهزة من الصبح بأسلحتك يعني مش محتاجة تسخين. 

رددت بحيرة' 
_مش فاهمة!! 
                             ******
طرق باب الجناح بعنفٍ وهو يصيح: 
_هـــــــــــــارون! 

خرج من الداخل مندهشًا من طريقة طرقه، وصياحه المنفعل، وما أن طل إليه حتى نالته لكمة قوية من كِنان، وقبل أن يستوعب أي شيئًا كان يجذبه بعنف للخارج، وينبطح من فوقه وهو يكيل له الضربات بصراخ جنوني: 
_بتمد ايدك عليها يا كلب،  بتستغل ضعفها! 

دفعه هارون عنه بقوة، وهدر بحقارة: 
_وهعمل أكتر من كده، مالك بيها أختي وأنا حر معاها! 

ازداد غضبه بحدة، فاذا به يعود إليه، يحاول تسديد لكمة إضافية له: 
_إنت مش بني آدم إنت شيطان لعين، وربي لأقتلك يا هارون. 

لم يقاومه هارون وتركه يسدد له اللكمة الاولى، ثم توقف بالثانية حينما قال: 
_وأنا مش هقاومك، بس متنساش إن أخوك تحت رحمتي، وبضغطة زرار واحدة أوضته هتبقى جمرة نار. 

قبض قبضته وهو يتراجع عنه، بينما يطالعه هارون بابتسامة انتصار، ونهض يعيد ترتيب ملابسه ويتفحص أنفه وشفتيه النازفة، بينما يعود ليتطلع صوبه بنظرة شامتة: 
_اسمع يا كنان أنا بعترفلك أهو اني شيطان، فتوقع مني كل شيء، الا بقى لو خايف عليها مني ومن اللي في نيتي ليها، وحابب ترأف بيها اتجوزها وخلصها من الشيطان زي ما بتقول. 

ضم شفتيه بنفور منه، وطالعه بكراهية شديدة، طال صمته وهارون ينتظر سماع ما سيقول: 
_ها قولت أيه؟ 

شدد القيد من حوله، فأرغمه على الرضوخ له للمرة الثانية، فاذا به يهز رأسه وهو يقول: 
_هتجوزها. 

ورفع اصبعه صوبه: 
_بس ورحمه أبويا لو عرفت إنك رفعت ايدك عليها تاني هتكون كتبت نهايتك بنفسك يا هارون، ولا هيهمني مخلوق وأولهم عثمان التميمي. 

قال ما قال واندفع يعود كالعاصفة مثلما أتى، بينما رنا هارون من المرآة يتطلع اصابته بحقد وكره شديد له. 

ومن خلف الشاشات، كان يراقب ما يحدث باستمتاعٍ، يستمع ويحضر كل شيء كأنه بث مباشر، فاذا به يغلق الشاشة وهو يهتف بضجر: 
_طول عمرك غبي يا هارون. 

وأضاف عثمان وهو يتحرك بمقعده: 
_ بس النتايج اللي بتوصل ليها في النهاية بتعرف تراضيني! 

ولاحت ابتسامة شيطانية على وجهه، بسمة خلقت بالشر ويفوح بها كل شر. 
                                ******
_أنت فاكرني مش هقدر أخلص عليه لوحدي! 
كلمات متمردة تفوهت بها بشراسةٍ وعينيها لا تترك خاصته، جذب ياسين كأسه من أعلى البار ثم أشار للنادل الذي يتابعهما بدهشة وعدم فهم حوارهما العربي، فصاح هازئًا: 
_هيي أنت ألم يسبق لك رؤية زوجان يتناقشان بأمور خاصة بهما. 

ورفع الكأس قبالته مجددًا: 
_فلتضع المزيد من الثلج ربما سيفيد باسترخائي.
 
وارتشف من الكوب وهو يتابع: 
_دعني أنصحك يا فتى لا تفكر يومًا بالزواج طالما حييت، النساء هي أخطر مرض يقتص من عمر الرجل. 

عبث الفتى بعينيه، وهو يجاهد لعدم متابعة ما تفعله مرين بنهاية الملهى، فقال: 
_عفوًا سيدي ولكني أعتقد أن زوجتك بحاجة لمساعدتك. 

استدار بمقعده تجاه من تصرخ به باستنجادٍ: 
_ياسيــــــــــــن ساعدنـي!! 

تابعها بنظرة باردة وهي تقفز كالقنفذ في محاولة للفرار من ذاك الرجل ذو الجسد العملاق، سبق وحذرها بأنها لن تستطيع التعامل معه ولتتخلى عن عنادها تاركة سابق الأمور إليه، ولكنها كالعادة تود رسم دور المرأة ذات القوة الخارقة، استكمل كوبه لنهايته، ثم وضعه أمام الفتى المصعوق مما يحدث، ونهض عن مقعده يشير له: 
_تذكر نصيحتي جيدًا، لا تفكر يومًا بالارتباط وخاصة بالمرأة العربية تمتلك خبث ودهاء لن تتمكن من التغلب عليه. 

ونزع عنه ساعة يده، ليضعها على الرخام مشيرًا بعسلية عينيه: 
_سأعود لك... يبدو لي أن زوجتي الحبيبة تطلب مساعدتي أخيرًا. 

واتجه خطوتين ثم عاد يشير إليه بتحذير: 
_فلتعتني بساعتي، هدية ثمينة من ياسين الجارحي بذاته. 

واتجه إليها بخطواتٍ بطيئة، ليجدها تصارع يد هذا الهجمي الذي يلفها حول رقبتها، فطرق على كتفه مردفًا: 
_عفوًا يا سيد. 

استدار الرجل إليه فناوله لكمة أطاحت به لجوارها فاقدًا للوعي، نهضت مرين تحدجه بنظرات قاتلة، فتغندج من أمامها بفخرٍ: 
_شوفتي الموضوع أبسط مما تتخيلي! 

التهبت عينيها بحمرة غاضبة، لتقديمه مساعدة متأخرة عن تعمد، فجذبت سلاحًا من جيب بنطالها الذي كانت ترتديه أسفل فستانها وحينما علمت بالمهمة المطلوبة انتزعت الفستان الذي ترتديه وبقيت بالملابس التي كانت تعدها أسفله، سلطاه إليه وصرخت بعنف: 
_هقتلك... صدقني هقتلك! 

استدار يراقب اشارة معينة ينتظرها، وعاد يتطلع لها هامسًا: 
_مهمتنا تمت على أكمل وجه، القادة وصلهم الرسالة اللي عايزين نوصلها. 

عبثت بعدم فهم وصدمة من استغلاله لعنادها حتى يوصل رسالة صريحة لما جمعه بزيارتهما للنادي الليلي، فاذا بها تعيد السلاح إليه، فردد بتعب: 
_عنيدة هانم، ممكن نكمل خناقتنا بعدين، الساعة بقت 4 الصبح! 

وتركها واتجه للسيارة، بينما تتبعه بغيظ جعله يسيطر على ضحكاته بكل ما تمكن، حتى عاد كلاهما للمكان السري، حيث كان زين بانتظارهما، وأول ما تحرر عنه: 
_سيادتكم كنتم فين؟؟ 

تجاهله ياسين واتجه لغرفته بتعبٍ، بينما صعدت مرين على مقعد الرخامة قبالته، وعلامات الغيظ والغضب تموجا بزُرقتها. 

رنا تجاهها زين وقال: 
_كنت فين يا مروان؟ 

هدرت فيه بحقد وغضب: 
_زين كلم أنكل رحيم وخليه ينقل القيادة ليك، ياسين بيستغل إنه القائد، وبعدين انت الجدير بقيادة الفريق مش هو. 

سحب رشفة من قهوته التي أعدها، وقال بخشونة مضحكة: 
_هو عملها معاك وجاي تشعلل الدنيا بينا. 

قالت وهي تدعي البراءة: 
_أنا بقول الحقيقة، متنساش ان الفريق كله اتسمى بلقبك إنت بسبب سرعتك ومهارتك، إنت مستقل بنفسك أوي يا زين. 

ضيق زيتونته وهو يصيح بسخط: 
_آه منكم يا معشر الحريم، تموتوا وتوقعوا المديرية في بعض، بس على مين أنا أموت ولا أقع في صاحبي، إلعب غيرها يا ميرو. 

تخصرت وهي تهاتفه باستنكار: 
_وهي خطيبتك من معشر أيه الذكور؟ 

انتفض واقفًا، يهاتفها بعنف: 
_فشر ده أنا خطيبتي ست البنات كلهم، قطعة كوكييز في نفسها كده،  مروان يا اشطا اهدى كده وإطلع ريح، العملية مش ناقصة كفايا عليا أم الملف والشخصية اللي لبست فيها دي

وترك الكوب وهو يستكمل بضجر: 
_اقولك أنا اللي هسبهالك، هروح أنام في حضن صاحبي أتدفى، خليك انت كل في نفسك واهري كده لحد ما البيت ينفجر بيك بإذن واحد أحد!!! 
                               *****"
ها قد مرت عليها ساعات الليل القاتل، وأتى الصباح باقتراب الموعد المقرر لها بلقاء "عثمان التميمي"، أدت قدس صلاتها، وقد خصصت ركعتين تشكو فيهما صعوبة مهمتها لله عزوجل وتطلب منه أن يعينها، وإن توفاها الله أن يتقبلها من الشهداء في سبيل حماية الوطن. 

لربما يحصل البعض على الشهادة، ويُعرف أمره للجميع حتى يصبح حديث السوشيل ميديا لفترات، وربما هناك الكثير ممن ينالون الشهادة في صمتٍ تام، رغبة في حماية الأهل من بطش من إغتالهم. 

خرجت قدس تحمل حقيبة ملابسها، وتتجه صوب سيارة الاجرة التي تنتظرها لتقودها إلى مصيرها المجهول. 

ثمة شيئًا داخلها يحذرها من القادم، ولكنها حسمت الامر وأخذت تذكر الله طوال الطريق حتى اطمئن قلبها «أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ». 

استقرت السيارة أمام باب القصر ذو البوابة الضخمة السوداء، وقد منع الحرس السائق من الدخول، فاضطرت للهبوط واستكمال الطريق على ساقيها، وهي تحمل الحقيبة. 

رفعت قدس بصرها للاعلى تراقب تلك الشرفة المثلثية التي ينتهي بها القصر، والتي تعد مميزة بشكل مخيف، ابتلعت ريقها والارتباك والتوتر يكادان أن يقتلاها، ومع كل خطوة مُتبقية يخفق قلبها أناشيد الرعب والقلق حيال القادم!!!! 

                   الفصل السادس من هنا
لقراءة باقي فصول الجزء الثاني اضغط هنا
لقراءة باقي فصول الجزء الاول من هنا

تعليقات



<>