رواية عشقت محتالة الفصل التاسع والعشرون29بقلم سلمي جاد



رواية عشقت محتالة الفصل التاسع والعشرون29بقلم سلمي جاد


الجو في بيت محمود كان مليان دفا وفرحة مش سيعاها الحيطان، ريحة البخور والورد كانت في كل مكان كأن البيت بيحتفل معاهم. أول ما أدهم دخل وهو ماسك إيد جميلة وكأنها جوهرة خايف عليها تخدشها النسمة ومعاهم يزن ، استقبلتهم الزغاريد والضحكات.

نادية قربت من جميلة بلهفة وفتحت دراعاتها ودموع الفرحة في عينيها:
"مبروك يا حبيبتي..، ربنا يتمم لك على خير ويقر عينك ."

جميلة حضنتها بحب، وأدهم رد بابتسامة وهيبة: "الله يبارك فيكي يا طنط."

ياسمين جريت على أخوها أدهم وحضنته بقوة وهي بتضحك:
"مبروك يا أدهم.. مبروك يا حبيبي، أخيراً هتبقى بابا" 

وبعدين لفت لجميلة وحضنتها: "ومبروك ليكي يا جيمي،حصلتيني يا أروبة."

جميلة ضحكت وقالت وهي بتلمس بطنها المسطحة بكسوف: "يعني أنا كمان كام شهر هبقى ماشية ببطيخة كدة زيك؟"

علي قرب من ياسمين وحاوطها من ضهرها وباس راسها وقال بضحكة: "أحلى بطيخة في الدنيا.. المهم تقومي بالسلامة انتي وهي."

علي بص لأدهم بنظرة تحدي وقال: "بس تفتكروا هتخلفوا إيه؟ بنوتة تانية تنافس بنتي ولا ولد يشيل اسم السويسي؟"

أدهم رد بسرعة ومن غير تفكير: "بنت.. نفسي في بنت."

جميلة بصتله باستغراب، كانت دايمًا فاكرة إن راجل بمركز وهيبة أدهم السويسي هيكون نفسه في ولي عهد يشيل اسمه ويدير شركاتهم، فسألته بدهشة:
"إنت عايزها بنت يا أدهم؟"

أدهم بص في عينيها بلمعة دافية وشد على كف إيدها بقوة وقال بصوت رجولي مليان حنان:
"طول عمري نفسي في بنوتة، تكون نسخة منك يا جميلة.. أدلعها وأحميها من الدنيا كلها، وأجيبلها كل اللي تتمناه قبل ما تطلبه. البنت بتبقى حتة من روح أبوها، وأنا عايز روحي تكبر قدام عيني.. ثم أنا جربت شعور تربية الصبيان مع يزن ،فنفسي المرادي في بنوتة "

جميلة حست بقلبها بيدق من كلامه، وعرفت إن أدهم اللي الناس بتخاف منه، جواه طفل بيدور على حنية البنات.

نادية ومنى ومحمود كانوا قاعدين مع بعض، والضحكة مش مفارقة وشوشهم وهم بيخططوا لمستقبل الأحفاد اللي جايين، بينما أدهم وعلي كانوا في ركن تاني، ورغم الفرحة، مكنوش بيسيبوا سيرة الشغل والصفقات اللي وراهم. جميلة وياسمين كانوا غرقانين في عالمهم الخاص، بيتكلموا عن لبس البيبي والديكورات، ويزن قاعد بيلعب ومنسجم على الآخر.

فجأة أدهم سكت ورفع صوته شوية عشان الكل يسمعه:
"بقولكم إيه.. إحنا لازم نحتفل بالخبر ده ... إيه رأيكم نعمل حفلة شوي باربيكيو بكرة عندي في جنينة القصر؟ نغير جو ونكسر روتين الشغل ده شوية."

ياسمين عينيها لمعت من الفرحة وسقفت بإيدها:
"فكرة تجنن يا أدهم ...أنا أصلاً وحشني قعدة الجنينة عندك، والجو هيبقى تحفة."

علي ضحك وبص لأدهم:
"وأنا جاهز للشوي يا سيدي"

لكن محمود اتنهد بابتسامة هادية وبص لنادية ومنى وقال برزانة:
"لا يا ولاد.. روحوا أنتم اتبسطوا واتجمعوا، إحنا كبار السن ملناش في الهيصة والشوي والوقفة دي.. روحوا عيشوا يومكم براحتكم."

ياسمين قامت وقعدت جنب والدها ومسكت إيده :
"ليه يا بابا بس؟ دي الحفلة مش هتحلى غير بوجودكم، إنت هتتبسط أوي معانا والله."

منى ردت عليها بحنان وهي بتمسح على كتفها:
"يا حبيبتي يا ياسمين، إحنا في سننا ده اللي بيبسطنا بجد هو إننا نشوفكم أنتم مبسوطين ومتجمعين.. دي بالدنيا وما فيها."

نادية أيدت كلامها وهزت راسها بالموافقة:
"فعلاً يا ولاد، اليوم يومكم. افرحوا واتبسطوا، وإحنا هنكون طايرين من الفرحة وإحنا عارفين إنكم مع بعض."

أدهم بص لجميلة اللي كانت مبتسمة وراضية بالفكرة، وقال بحسم:
"خلاص، مدام ده يريحكم.. بكرة بإذن الله حفلة باربيكيو عالمية في القصر ، وهخلي الخدم يجهزوا كل حاجة من النجمة."

علي غمز ليزن الصغير وقال:
"سمعت يا بطل؟ بكرة فيه لعب وجري في الجنينة لحد ما تتعب."

يزن قام وقف وبدأ يتنطط من الفرحة وهو بيقول: "وهناكل لحمة مشوية كتير يا عمو علي"
الكل ضحك على براءة يزن، واتفقوا إن بكرة هيكون يوم للذكرى.

السهرة خلصت والكل ودع بعضه بضحكات صافية، وأدهم أخد جميلة ويزن وركبوا العربية عشان يرجعوا القصر. طول الطريق، يزن مكنش بيبطل كلام، الحماس كان واكل قلبه الصغير ومن ساعتها وهو بيسأل جميلة عن البيبي اللي جاي هياكل إيه وهيلبس إيه..

أدهم وهو سايق، بص ليزن في المراية وابتسم، وافتكر المشهد اللي حصل من كام ساعة لما رجعوا من الشركة ودخلوا ليزن غرفته عشان يبلغوه الخبر. يزن وقتها كان لسه راجع من مدرسته وقاعد بيكتب واجباته، وأول ما شافهم، قام جرى عليهم وحضنهم بلهفة.

قعدوا التلاتة على سرير يزن الصغير، وأدهم بدأ يداعب شعره الويفي بحنان:
"إزيك يا بطل.. عامل إيه في مذاكرتك؟"

يزن رد ببراءة: "الحمد لله يا بابا، بس الواجب كتير النهاردة."

أدهم بص لجميلة اللي كانت بتشجع نظراته، وقال ليزن:
"أنا عارف يا يزن إنك أوقات بتزهق عشان بتبقى لوحدك هنا، وأنا بكون في الشغل وجميلة في الكلية.. صح؟"

يزن هز راسه بتأكيد: "أيوة يا بابا.. بستناكم كتير عشان نلعب سوا."

أدهم ابتسم وقال: "طيب إيه رأيك لو نجيب لك حد يونسك ويفضل معاك طول الوقت؟"

يزن عقد حواجبه باستغراب طفولي: "إزاي يعني يا بابا؟"

جميلة قربت منه وقالت بحماس: "يعني نجيب لك أخ أو أخت يلعبوا معاك، وتكون أنت الأخ الكبير اللي بيعلمهم كل حاجه وياخد باله منهم ويحميهم."

ثواني من الصمت، وعيون يزن بدأت تلمع كأنه بيستوعب، وفجأة اتنطط على السرير بصريخ فرحة:
"يعني فيه بيبي في بطنك يا جميلة؟ بجد؟"
جميلة هزت راسها بضحكة، ويزن مكنش سايعه الكون من الفرحة وفضل يتنطط ويحضنهم هما الاتنين.

أدهم فاق من ذكرياته على صوت فرامل العربية وهي بتقف قدام باب القصر. نزلوا ودخلوا هما التلاتة، وطلعوا السلالم وأدهم بيهز راسه باستسلام ضاحك من جميلة ويزن اللي مكنوش بيبطلوا رغي ومناقشات طول الطريق، وكأنهم فتحوا راديو مش هيفصل.

وصلوا قدام غرفة يزن، ودخلوا معاه يطمنوا عليه لحد ما نام . أدهم خرج من الغرفة وجميلة كانت لسه بتوارب الباب بالراحة، وفجأة لقت أدهم بيشيلها بين دراعاته بخفة.

جميلة ضحكت بدلع وهي بتلف دراعاتها حوالين رقبته:
"أدهم! بتعمل إيه؟ نزلني يا مجنون."

أدهم بص في عينيها بنظرة كلها عشق وقال بصوت رخيم:
"من النهاردة ... كل ليلة هتدخلي جناحنا وإنتي متشالة بين إيديا، مفيش مشي كتير، ومفيش تعب لـملكة السويسي خالص."

جميلة مالت براسها على كتفه وقالت بدلال:
"طيب وبعد ما أولد يا أدهم؟ هتفضل تدلعني كدة برضه.. ولا البيبي هو اللي هياخد كل الدلع والاهتمام وأنا هتركن على الرف؟"

أدهم وقف مكانه قدام باب جناحهم، وبص لها بنظرة هيام .نظرة هزت كيانها:
"إنتي الأصل يا جميلة.. إنتي اللي علمتيني يعني إيه حب وسكن، والبيبي ده جاي عشان يزود غلاوتك مش ينقصها. أنا عمري ما هبطل أدلعك، لإني من غيرك أدهم السويسي مجرد اسم، لكن بيكي أنا ملك."

دخل بيها الجناح وقفل الباب برجله، وفضلوا يكملوا كلامهم الرومانسي في ليلة كانت الأهدأ والأجمل في حياتهم، وهما بيخططوا لحفلة بكرة.. وللمستقبل اللي بدأ يترسم بوجود فرد جديد في عيلة السويسي.

__________________________________

في جناح أدهم وجميلة، كان الهدوء بيسيطر على المكان، وأشعة الشمس بدأت تتسلل من بين الستائر. أدهم كان نايم وهو محاوط جميلة بدراعه بتملك، كأنه بيحميها حتى وهو في سابع نومه، وجميلة كانت نايمة في حضنه بهدوء وسكينة.

فجأة، انقطع السكون ده بصوت تخبيط متكرر وحماسي جداً على باب الجناح، وصوت صغير بينادي بلهفة:
"بابا.. جميلة، يلا اصحوا بقى، إحنا بقينا الظهر!"

أدهم فتح عينه ببطء وهو بيحاول يستوعب، بص لجميلة اللي بدأت تتقلب وتفتح عينها بصعوبة، وابتسم وهو بيمسح على وشه. قام قعد على السرير وهو بينفخ بضحكة خفيفة:
"ده يزن.. مفيش فايدة فيه، منبه بشري مبيفصلش."

قام أدهم وفتح الباب، لقى يزن واقف بكامل أناقته ونشاطه:
"كل ده نوم يا بابا؟ زمان طنط ياسمين وعمو علي على وصول، يلا عشان نجهز الحاجات عبال مايوصلوا"

أدهم نزل لمستواه ومسح على شعره الويفي وهو لسه صوته فيه بحة النوم:
"خلاص يا بطل، صحينا أهو. هدخل أخد شاور سريع يفوقني، وأنت انزل الجنينة استقبلهم لو وصلوا قبلي."

لف أدهم وبص لجميلة اللي كانت قاعدة على السرير بتاعها بكسل، وقال بنبرة فيها أمر ممزوج بحنية:
"وإنتي يا جميلة.. تنزلي السلم بالراحة، خطوة خطوة. وإياكي، بقولك أهو قدام يزن، إياكي أشوفك شايلا حاجة تقيلة، حتى لو طبق فاكهة. أنا والخدم هنجهز كل حاجة."

جميلة ضحكت برقة وهي بتهز راسها:
"حاضر يا سي أدهم، هسمع الكلام والله.. روح أنت بس عشان منتأخرش عليهم."

بعد ساعة. علي وياسمين وصلوا، والجو كان ربيعي بامتياز. الشباب كانوا لابسين كاجوال مريح؛ أدهم كان طالع بـ هيئة تخطف العين بترينج رصاصي نص كم مبرز عضلاته، ورافع شعره لورا بمنتهى الأناقة. وعلي كان لابس تيشرت أزرق وبنطلون أبيض، وشكله كان وسيم جدا بالبس الكاجوال.

البنات كانوا زي الورد المفتح؛ ياسمين كانت لابسة دريس موف واسع ومريح للحمل، مليان ورود رقيقة، وعاملة شعرها ضفيرة على جنب عطتها شكل طفولي جميل. أما جميلة، فكانت لابسة فستان بينك رقيق جداً عليه فراشات، ورافعة شعرها ذيل حصان، ووشها كان منور بلمعة الحمل الطبيعية.يزن كان نسخة مصغرة من أدهم، لابس ترينج رصاصي شبه بتاع أدهم بالضبط.

أدهم وقف قدام الشواية باحترافية، والدخان بدأ يطلع بريحة اللحمة المشوية اللي تجنن، وعلي كان جنبه بيجهز السلطات والمقبلات ويزن بيساعده .

أدهم بضحكة: "يا ابني ارحمني، السلطة بقت تلت أرباعها خيار من اللي أنت بتاكله وأنت بتقطع."

علي ببرود مضحك: "دي ضريبة المساعدة، وبعدين أنا بدوق عشان أضمن الجودة ."

في الناحية التانية، جميلة وياسمين كانوا قاعدين يتبلوا الفراخ ويصبعوا الكفتة، والضحك والدردشة مكنتش بتخلص، والخدم حواليهم بينظموا السفرة الأرضية.

فجأة أدهم نادى بصوته الرجولي القوي:
"يلا يا اجمعوا ..الأكل جاهز خلاص."

فرشوا ملاية كبيرة على النجيل الأخضر تحت ضل الشجر، وبدأوا يرصوا الأطباق؛ أسياخ الكفتة المشوية، والكباب اللي ريحته يفتح النفس، وسلطات علي المميزة. قعدوا كلهم وبدأوا ياكلوا بشهية وسط الضحك والأجواء الجميله، لحد ما خلصوا والخدم جابوا الشاي بالنعناع.

قعدوا يسترخوا، والهدوء بدأ يرجع للجنينة. يزن سحب نفسه وقعد جنب ياسمين بفضوله المعتاد:
"هو النونو عاملة إيه يا طنط ياسمين؟"

ياسمين بضحكة صافية: "كويسة يا حبيبي، بس شكلها هتطلع شقية أوي، مش مبطلة حركة من الصبح."

يزن بانبهار: "يعني هي بتتحرك بجد؟ يعني بتمشي جوه؟"

ياسمين حست بخبطة خفيفة في بطنها، بصت ليزن بابتسامة وقالتله: "تحب تجرب؟"

يزن بصلها بتردد وخوف، فمسكت ياسمين كف إيده الصغير وحطته برقة على بطنها. ثواني ويزن حس بحركة منتظمة وخفيفة، وشه نور فجأةبضحكته وقال بهمس:
 "إزيك.. أنا اسمي يزن."

ياسمين رفعت عينها لعلي اللي كان متابع المشهد بحب، وقالتله بتمني:
"تعرف يا علي.. أنا نفسي بنتنا تاخد تقاطيع يزن أوي. شعره البني الويفي ده، وعينيه الزرقا اللي زي السما.. يارب تاخد من ملامحه."

وحست في اللحظة دي إن الحركة اللي بنتها عملتها تحت إيد يزن كانت إشارة.. وكأن البنوتة دي فعلاً هتاخد من ملامح وجمال يزن، ويكون بينهم رابط غريب من قبل ما تتولد.
__________________________________

بعد مرور كام شهر ...

كان الليل في سكونه التام، والغرفة يغلفها هدوء ما قبل العاصفة. ياسمين كانت غارقة في نوم عميق، لكن ملامحها لم تكن مرتاحة؛ كانت تضم حواجبها بألم، وأنفاسها بدأت تتسارع وتخرج بصعوبة وكأنها في صراع داخلي.

علي كان نايم جنبها، وفي غمرة نومه مد إيده وضمها ناحيته بقوة كأنه بيطمنها وهو مش حاسس، لكن ثواني.. وفجأة انطلق صرخة مكتومة هزت أركان الغرفة. ياسمين شهقت بوجع رهيب، وشعرت بشيء غريب بيحصل، رفعت الغطا بسرعة وفتحت عينها بصدمة وهي شايفة هدومها ومفرش السرير غرقانين مية.
صرخت بأعلى صوتها وهي بتهزه بعنف:
"آااااه.. علي ... الحقني يا علي"

علي فتح عينه بخضة، وقلبه كان بيدق زي الطبول، بص لها وهو مش فاهم حاجة:
"فيه إيه؟ مالك يا ياسمين؟ "

ياسمين كانت بتعصر إيده بوجع ووشها بدأ يتقلب لونه للأحمر :
"الحقني.. أنا بولد ... المية نزلت يا علي!"

علي فضل باهت مكانه لثواني، عقله وقف عن التفكير وسأل ببلاهة من كتر الصدمة:
"يعني إيه بتولدي؟ مش لسه فاضل أسبوع؟"

ياسمين صرخت فيه بوجع وغل وهي بتعيط:
"مش وقته أسئلة يا علي ..بقولك بولد.. المية نزلت والوجع بياكل في ضهري.. آاااااه"

علي قام زي اللي لسعته حية، بدأ يلف حوالين نفسه في الغرفة مش عارف يعمل إيه، يلبس هدومه ولا يلبسها هي؟ يمسك الموبايل ولا يشيلها؟ خرج يجري في الطرقة زي المجنون وراح لغرفة منى وهبد على الباب بعنف.

منى فتحت وهي بتفرك في عينها بنوم:
"فيه إيه يا علي؟ "

علي بصوت مرعوب:
"الحقيني يا خالتي.. ياسمين بتولد! "

منى فجأة انتبهت وكل ملامح النوم طارت:
"إيه؟! يا ستر يا رب"

جرت على الغرفة لقت ياسمين عاضة طرف المخدة وبتعيط بوجع يقطع القلب. منى شافت حالة هدومها وقالت بلهفة:
"يا حبيبتي يا بنتي.. شكلك استبردتي والمية نزلت بدري. علي! أنت واقف تتفرج؟ افتح الدولاب هات لها أي جلبية واسعة وساترة بسرعة"

علي كان واقف متنح ومصنّم، مش قادر يتحرك من كتر خوفه عليها. منى راحت له وشدته من ذراعه بقوة عشان تفوقه:
"علي!  فوق يا ابني مش وقت توهان ،لازم تشيلها فوراً ونوديها المستشفى.. المية اللي حوالين الجنين نزلت وده خطر، لازم تولد في أسرع وقت"

علي فاق من صدمته لما شاف ياسمين بتصرخ تاني، جرى عليها بعد ما منى لبستها الجلبية، وشالها بين ذراعه بخفة كأنها ريشة، رغم رجفته اللي كانت باينة. نزل بيها السلم وهو بيلهث، ومنى وراه شايلة شنطة الهدوم اللي كانوا مجهزينها للطوارئ.

فتح باب العربية وحطها في الكرسي اللي ورا براحة، ومنى ركبت جنبها وسندت راسها في حجرها وهي بتطمنها. علي ركب ورا الدريكسيون، ودور العربية وانطلق بيها زي الصاروخ ، وعينه مكنتش بتفارق ياسمين في المراية، وهو بيدعي في سِره: "يا رب سلم.. يا رب قومها لي بالسلامة هي وبنتي."

علي كان بيسوق وهو إيده بترتعش على الدريكسيون، وعينه كل شوية تروح في المراية على ياسمين اللي كانت نايمة وراسها في حجر منى، وشها بقى شاحب وعرقان وصوت أنينها بيقطع في قلبه. ياسمين كانت بتضغط على إيد منى بكل قوتها وبتقول بصوت متقطع:
"يا رب.. يا رب هون عليا.. علي، بسرعة يا علي مش قادرة بموت"

منى كانت بتحاول تهديها وبتمسح على راسها وبتقرأ لها قرآن:
"استغفري يا بنتي، قربنا خلاص.. اهدي يا ياسمين النفس يا حبيبتي، خدي نفس طويل."

علي، وهو بيعدي العربيات بجنون، طلع تليفونه وبسرعة اتصل بأدهم 

في القصر
 أدهم كان نايم وجنب منه جميلة اللي بدأت بطنها تظهر بوضوح وبقت في بداية شهورها النصانية. فجأة تليفون أدهم رن بصوت عالي، فتح عينه بخضة وبص للاسم، رد بسرعة:
"أيوة يا علي؟ فيه حاجة؟"

علي صوته كان طالع مخنوق وبالعافية:
"أدهم.. ياسمين بتولد، إحنا في الطريق لمستشفى (...)، إلحقني يا أدهم أنا مش عارف أعمل إيه"

أدهم اتنفض من السرير، وجميلة صحيت مخضوضة: "فيه إيه يا أدهم؟"

أدهم وهو بيلبس هدومه بسرعة البرق:
"ياسمين تعبانة ورايحة المستشفى بتولد، خليكي إنتي هنا مع يزن ومتحركيش، أنا هروح أشوفهم وهطمنك."

جميلة قامت بخوف: "لا يا أدهم، خدني معاك ،أنا مش هقعد هنا وأسيب ياسمين"

أدهم بص لجميلة وشاف الإصرار في عينيها، وعرف إنه مش هيقدر يقنعها تقعد:
"طيب بسرعة البسي، مش عايز تأخير"

في المستشفى..
علي وصل ووقف العربية بفرملة قوية قدام باب الطوارئ، نزل وشال ياسمين اللي كانت شبه غايبة عن الوعي من كتر الألم، وصرخ في الممرضين:
"دكتورة بسرعة .. مراتي بتولد!"

نقلوا ياسمين على الترولي جريوا بيها على غرفة العمليات، وعلي كان عايز يدخل معاها بس الممرضين منعوه. وقف ورا الباب وهو بيخبط بإيده على الحيطة بوجع، ومنى كانت واقفة بتدعي .

في اللحظة دي، سمعوا صوت خطوات جري سريعة في الطرقة، كان أدهم بملامحه القلقة وهو شادد جميلة في إيده، وجميلة كانت بتنهج، وإيدها التانية ساندة ضهرها بسبب ثقل حملها. أدهم جري على علي وشدد على كتفه وهو بيقول:
"علي .. طمني.. دخلت العمليات بقالها قد إيه؟"

علي رفع عينه اللي بقت حمراء من التوتر:
"بقالها نص ساعة يا أدهم.. بس النص ساعة دي كأنها مية سنة. الدكاترة دخلوا ومحدش خرج طمني."

أدهم بصرامة هادية حاول يطمنه:
"استهدى بالله إنشاءالله هقوم بالسلامة هي والبنت."

جميلة راحت قعدت جنب منى، وبتحاول تتحكم في خوفها وتوترها ...خصوصًا لما جيه في دماغها انها هتكون مكانها بعد شهور قليلة.أدهم كان متابعها بعنيه ،وفاهم اللي بيدور في بالها ،راح ووقف جنبها ومسك ايديها بصمت عشان يطمنها.

الوقت بدأ تمر، والجو في الممر بقى تقيل ومكتوم. أدهم كان رايح جاي، وعينه على جميلة كل شوية ، وعلي كان قاعد على الكرسي، مائل بجسمه لقدام ودافن وشه بين كفيه، بيدعي بكل جوارحه.

فجأة، انفتح الباب الزجاجي الكبير، وخرجت ممرضة شايلة لفة بيضاء صغيرة، وفي اللحظة دي بالظبط.. انطلق صوت صرخة طفلة خلت قلب علي ينط من مكانه.

علي قام وقف وكأنه اتنفض:
"دي هي؟ أدهم.. ده صوت بنتي صح؟"

أدهم ابتسم بلهفة وطبطب على ظهره:
"أيوة يا بطل.. مبروك يا علي"

خرجت الدكتورة وهي بتقلع الماسك وبتبتسم ليهم بتعب:
"ألف مبروك يا أستاذ علي. بنوتة زي القمر، ما شاء الله عليها. ومدام ياسمين زي الفل، هي دلوقتي في الإفاقة، نص ساعة وهتطلع أوضتها وتقدروا تشوفوها."

علي في اللحظة دي مقدرش يقف على رجله، نزل سجد على أرض المستشفى سجدة شكر طويلة، ودموعه نزلت بللت الأرض. منى زغردت بهدوء وهي بتبكي من الفرحة، وجميلة حضنت أدهم وهي بتعيط.

بعد شوية، الممرضة خرجت بالبنوتة، علي قرب منها بإيد مرتعشة، شالها كأنه شايل أغلى كنز في العالم. بص لملامحها الصغيرة، لوشها الأحمر وعيونها المقفولة،قرب أنفه منها واستنشق ريحتها البريئه بعمق وتلذذ ،قرب من ودنها بهمس :" نورتي الدنيا يقلب أبوكي"، وبدأ يكبر في ودنها .

جميلة قربت وبصت للبيبي وانبهرت بجمالها، وقالت بضحكة:
"ما شاء الله.. ربنا يباركلك فيها يا علي."

أدهم قرب من الطفلة اللي بين إيدين منى وباس جبينها ،وبعدها ضم جميلة لصدره بقوة، وباس راسها وهمس لها بصوت مليان حب وشجن:
"عقبالنا يا جميلة، لما أشيل بنتنا إحنا كمان وأشوف الفرحة دي في عينيكي. أنا النهاردة بس عرفت يعني إيه خوف الراجل على مراته وهي بتجيب له حتة منه."

بعد شوية في غرفة ياسمين .الكل كان قاعد بما فيهم محمود ونادية اللي وصلوا بعد ما عرفوا الخبر .

علي كان ساند ضهره لورا ومراقب ياسمين اللي بدأت تحرك راسها يمين وشمال بتعب، وعيونها بتفتح وتقفل ببطء كأنها بتستوعب هي فين. أول ما لقت علي قصادها، طلع صوتها ضعيف ومبحوح:
"علي.."

علي ميل عليها وباس جبينها بحنان غامر وهمس في ودنها:
"قلب وروح علي.. حمد الله على سلامتك يا روحي، مبروك يا حبيبتي، جيبتي أجمل بنوتة في الدنيا."

ياسمين دموعها نزلت بتلقائية وهي بتسأل بلهفة الأم:
"بجد يا علي؟ هي كويسة؟ أنا عايزة أشوفها.."

علي ابتسم وطمنها: "زي الفل يا روحي، ثواني هقوم أجيبهالك من جدها."

قام علي وراح ناحية محمود اللي كان قاعد على كنبة في ركن الغرفة، شايل حفيدته بتأثر ودموعه محبوسة في عينه وهو بيفتكر أول ما شال أدهم وياسمين. محمود سلمه البنت، وعلي رجع بيها وقعد على طرف السرير، وحطها في حضن ياسمين.

ياسمين أول ما لمست جسمها الصغير، انفجرت في العياط وهي بتضمها لصدرها بقوة وحذر في نفس الوقت، وبدأت تبوس كل حتة في وشها الصغير:
"يا قلب مامي أنتي.. يا روحي يا بنتي، نورتي الدنيا يا قلب مامي من جوه."

علي حاوطهم هما الاتنين بدراعه، وكأنه بيضم ملكيته الخاصة وأغلى ما يملك في مشهد خلى نادية ومنى يمسحوا دموعهم من الفرحة.

فجأة، الباب خبط خبطات سريعة ومميزة، وانفتح ودخل يزن بشنطة مدرسته اللي لسه على ضهره، ونهجان نفسه باين وكأنه كان بيجري سباق. أدهم كان واقف وراه بيبتسم، بعد ما يزن أصر إنه لازم يروح المستشفى يشوف النونو فوراً.

علي بص ليزن وضحك، وأخد البنت من حضن ياسمين بحرص، ونزل لمستوى يزن وقعد على ركبته قدامه:
" تعالى يا يزن .. تعالى شوف النونه."

يزن قرب بخطوات بطيئة، مبهور بالكتلة الصغيرة اللي نايمة دي. كانت مغمضة عينها وضامة شفايفها بطريقة تخطف القلب. يزن مد صباعه ولمس كف إيدها، وفي لحظة قبضت على صباعه بايدها الصغنونه اللي كانت بحجم صباعه.

 يزن ضحك بذهول وبص لعلي:
"دي مسكت إيدي يا عمو علي ."

وثواني، بدأت تفتح عينيها براحة وبتثاقل، ومع أول نظرة، ساد الصمت في الغرفة لثواني قبل ما يتبدل بشهقات مذهولة.

علي بص لياسمين وهو مش مصدق، وقال بضحكة مذهولة:
"مش معقولة! ده طلع موضوع الوحم ده حقيقة علمية مش كلام ستات وخلاص .من كتر ما كنتي بتبصي ليزن وتتمني بنتك تطلع شبهه، البنت خدت لون عين يزن الزرقا بالظبط"

ياسمين ابتسمت بتعب وقالت :"هنسميها ايه يا علي."

علي بص للنوتة وهي بين ايدين يزن وقال بحب:" عيونها فاتنه اووي ..هنسميها فتون."

الكل ضحك في جو مليان سعادة، ويزن فضل باصص لفتون الصغيرة وهو حاسس بمسؤولية كبيرة تجاه البنوتة اللي عيونها شبه عيونه، وكأن خيط خفي اتربط بينهم في اللحظة دي .. وللأبد.


البارت 29 الجزء التاني 
في قصر السويسي، وبعد مرور أيام قليلة، كان الهدوء بيسيطر على أركان المكان. جميلة كانت قاعدة في غرفة يزن، لابسة فستان بيتي رقيق، وبطنها بدأت تبرز وتدور بوضوح، مديها شكل يجنن وهي في شهور حملها المتوسطة.

كانت مركزة جداً مع يزن، ساندة براسها قريبة منه وهي بتشرح له مسألة في دروسه، والاتنين بيضحكوا سوا، مش واخدة بالها من العيون اللي مراقباها من ورا باب الغرفة.

أدهم كان واقف عند الباب، مربع إيده وبيتأملهم بتذمر واضح، والغيرة بدأت تنهش فيه. هو نفسه اعترف مؤخراً إنه بقى بيغير من يزن لما بيحس إنه سارق وقت جميلة واهتمامها منه، خصوصاً في أيام إجازته اللي بيستناها بفارغ الصبر.

جميلة بصت ليزن بابتسامة وقالتله:
" زينو ،أنا هسيبك تحل المسألة دي لوحدك لحد ما أقوم أشوف حاجة وارجع لك تاني، وريني شطارتك."

يزن رد بحماس: "حاضر هحلها في ثواني."

قامت جميلة، وأول ما لاحظ أدهم إنها جاية ناحية الباب، استخبى بسرعة في ركن الظل في الطرقة. بمجرد ما رجلها خطت بره الغرفة، حست بإيد قوية بتسحبها فجأة وبتحاصرها بين الحيطة وجسم صاحب الإيد.

جميلة شهقت بخوف، لكن الشهقة دي اتحولت لضحكة رقيقة أول ما لقت عيون أدهم هي اللي قصادها وبتحاصرها بحدة.
"أدهم! خضتني.. فيه إيه؟"

أدهم فضل باصص لها بصمت، ملامحه كانت جد زيادة عن اللزوم، ومردش عليها. جميلة ابتسمت بدلع ومدت إيدها تلمس شعره المترتب وقالت:
"أدهم.. إنت مش عايز تكلمني؟"

أدهم رد بضيق طفولي مضحك:
"والله إنتي مش عارفة يعني؟"

ردت بجهل مصطنع وهي بتميل راسها: "لا مش عارفة.. فيه إيه؟"

أدهم اتنهد بضيق:
"مش عارفة إن النهاردة يوم إجازتي؟ ومن وقت ما صحيت مشفتكيش خالص.. قاعده مع يزن، وأنا كأني مش موجود في القصر.. لو مش فاضيالي قوليلي ونا وأرجع الشركة عادي."

ابتسمت جميلة بحب وحاوطت رقبته بإيدها:
"أولاً، أنا مقدرش مفضالكش يا أدهم.. ثانياً يا حبيبي، يزن امتحاناته قربت جداً ولازم أكون جنبه، فكنت قاعدة معاه أزاكرله."

ملامحه بدأت ترتخي شوية قدام نظراتها، وشدها من وسطها ناحيته برقة وخوف على بطنها:
"شكراً يا جميلة على كل اللي بتعمليه مع يزن.. إنتي عارفة إنك مش مضطرة تت"

قاطعته جميلة بضيق حقيقي:
"أدهم! إنت بتقول إيه؟ إنت عارف غلاوة يزن عندي.. ده ابني الأولاني، ومش هيكون غير ابني يا أدهم، أوعى تقول كدة تاني."

أدهم ابتسم بحب وهو حاسس بصدق كلماتها:
"عارف يا روحي.. والله عارف."
 وبعدين رجع كشر تاني: "بس برضه أنا مبحبش تنشغلي عني، أنا بغير يا ستي، ارتحتي؟"

قربت جميلة منه وهمست برقة: "طيب أعمل إيه يرضيك؟"

فجأة، ومن غير إنذار، رفعها بين دراعاته وشالها بخفة. جميلة بدأت تحرك رجلها باعتراض وهي بتبص وراها بخوف ناحية أوضة يزن اللي بتبعد:
"أدهم! نزلني.. عشان خاطري يا أدهم"

أدهم مسمعش لأي اعتراض منها، ومشى بيها بخطوات واسعة وواثقة لحد ما وصل لجناحهم، وقفل الباب برجله وهو بيضحك على كسوفها اللي بيعشقه.
__________________________________

علي خرج من الحمام والبخار لسه مالي الجو، كان بينشف شعره بالفوطة وفجأة وقف مكانه يتأمل المشهد اللي قدامه. ياسمين كانت قاعدة على السرير، ضامة فتون لحضنها بقوة وحنان، والتعب كان محفور تحت عينيها وشاحب على وشها، وهدومها كانت متبهدلة شوية من قعدة الليل الطويل، ومع ذلك كانت بتهزها ببطء وبتدندن لها بصوت واطي وهامس عشان تنيمها.

علي ساب الفوطة من إيده وقرب قعد جنبها، مد إيده ورجع خصلة شعر كانت نازلة على وشها ورا ودنها، وقال بنبرة دافية:
"حبيبتي.. هاتيها عنك شوية، أنتي أكيد هلكتي من شيلتها طول الليل. قومي أنتي دلوقتي خدي شاور يفك جسمك ، وأنا معاها أهو."

ياسمين بصت له بامتنان وابتسامة حب، وادتهاله بحرص وهي بتبوسه من خده:
"تسلملي ياحبيبي."

قامت وجريت على الحمام بسعادة طفولية، وكأنها رايحة رحلة، من وقت ولادة فتون وهي حاسة إن وقتها ملك للبنت وبس، ومش لاقية فرصة تهتم بنفسها أو تعمل أبسط الأشياء اللي كانت متعودة عليها.

بعد ربع ساعة، الباب اتفتح وخرجت ياسمين نسخة تانية خالص؛ ريحة الشامبو والورد فواحة منها، وشها بقى منور ومرتاح، ولابسة بيجامة ستان رقيقة مبيّنة جمالها اللي وحش علي.

وقفت مكانها وابتسمت بحب من المنظر اللي قدامها؛ علي كان منيم فتون في نص السرير، وهي نايمة ببراءة ملوش زي، وهو ساند راسه على المخدة جنبها وباصص لملامحها وعيونه بتلمع بحب الأب. أول ما حس بحركتها، بعد بهدوء وقام وقف قصادها، عيونه كانت بتفحصها بلهفة وكأنه بيشوفها لأول مرة بعد غياب.

حاوطها بدراعاته بحب وسند جبينه على جبينها، وغمض عينيه وهو بيستنشق ريحتها اللي بتجننه، وقال بهمس أجش وخافت عشان الصغيرة متصحاش:
"بحبك أوي يا ياسمين.. بحبك وبشكرك على أجمل هدية في دنيتي."

ياسمين لفت دراعاتها حوالين رقبه ورفعت نفسها شوية، وهمست له بنفس النبرة الدايبة:
"وأنا بموت فيك يا حبيبي.. لولا وجودك جنبي أنا مكنتش عرفت أعمل حاجة."

علي شدد من ضمته ليها وباس جبينها:
"إحنا مع بعض في كل حاجة يا روحي.. ودلوقتي بقى، البنوتة نامت، وأم البنوتة بقت زي القمر، وأنا مش ناوي أسيب القمر ده ينام بدري النهاردة."

__________________________________

في سايبر هاديء ومظلم إلا من إضاءة شاشات الكمبيوتر الباهتة، كان سليم قاعد بتركيز غريب ميليقش بطفل في سنه. عيونه الواسعة السوداء زي الفحم، والمزينة برموش طويلة لدرجة بتلمس بشرة خده اللي باللون القمحي ، كانت مثبتة على الشاشة بنظرة حادة زي الصقر.

على محرك البحث في جوجل، كان مكتوب اسم: رجل الأعمال أدهم السويسي.

سليم كان بيقلب في الصور ببطء، صوابعه  ضاغطة على الماوس بغل وحقد مكتوم، وكأنه عايز يخترق الشاشة ويوصل للراجل اللي في الصورة. سليم زي يزن اللي في نفس سنه تقريباً ... لكن شتان بين حياة الاتنين.

قام سليم، دفع حساب قعدته لصاحب السايبر ببرود، وخرج وطلع السلالم المتهالكة للشقة اللي فوق السايبر مباشرة. فتح الباب ودخل بهدوء، لقى والدته ثريا قاعدة في الصالة ذات العفش البسيط جداً اللي بيحكي قصة حالهم المادية الصعبة.

ثريا أول ما شافته ابتسمت بحنان، ومدت إيدها لعبت في شعره الأسود الغزير وقالت:
"أجهز لك الغدا يا سليم؟"

سليم هز راسه بالنفي وهو بيقعد جنبها:
"مش جعان يا ماما.. المهم، أنتي أخدتي دواكي؟"

ثريا بابتسامة باهتة:
"أيوة يا حبيبي، أخدته من شوية قبل ما تطلع."

سليم غمض عينه باطمئنان. رغم صغر سنه، إلا إنه كان شايل هم علاجها وكأنها السبب الوحيد اللي مخليه متمسك بالحياة وبالحلم الصعب وسط الظروف دي.

سكتت ثريا شوية، وبعدين بصت له بنظرة غريبة وقالت بصوت واطي:
"سليم.."

"هممم.. نعم يا ماما؟"

"أوعدني يا سليم.. أوعدني إنك تجيب حقنا وحق أبوك من أدهم السويسي وعيلته. أنا مش ضامنة إني أعيش لليوم اللي أشوفك فيه وأنت بتاخد بتارنا."

سليم بلع ريقه وحس بقلبه انقبض، بصلها بلهفة:
"مالك يا ماما؟ أنتي تعبانة؟ حاسة بحاجة؟"

هزت راسها بتعب وقالت بجمود:
"أنا كويسة يا حبيبي.. بس دي وصيتي ليك. لو حصلي حاجة ومبقتش معاك، متنساش حقنا. عيلة السويسي لازم تدفع الثمن."

ثريا بصت للفراغ بعيون ميتة، وهمست لنفسها بصوت مسموع لسليم:
"وأنا قريب أوي.. هحرق قلب أدهم السويسي، مسألة وقت مش أكتر."

سليم استغرب شرودها وكلامها الغامض، سألها بتردد:
"بتقولي إيه يا ماما؟ قصدك إيه ؟

نفضت ثريا الأفكار من راسها وبصت له تاني وقالت بإصرار:
"مفيش يا قلب ماما.. أوعدني يا سليم."

سليم سكت لثواني، كأنه بيستجمع كل الحقد اللي جواه، وبعدين قال بصوت قوي وأجش
"أوعدك يا ماما.. أوعدك إني هخلي حياتهم جحيم. هاخد حق أبويا من أدهم السويسي وعيلته كلها، وهأذيه في أقرب ما عنده.. زي ما حرمني من أبويا ويتمني، هخليه يدوق نفس الوجع."

(فهموني يعني إيه أبقى في السن ده وأكراش على طفل عنده عشر سنين؟؟؟🙂)

__________________________________

في ردهة القصر الواسعة، كان يزن واقف بسكون وهو ساند ظهره على أحد الأعمدة الرخامية الضخمة، وأدهم واقف قصاده بوقار، ماسك قلم رصاص وبيركز جداً وهو بيعلم علامة دقيقة عند مستوى رأس يزن.
أدهم ابتعد خطوة وهو بيتأمل العلامة بابتسامة فخر:
"كده طولك بقى 155 سم يا بطل.. ما شاء الله."

يزن سقف بإيده بحماس وهو بيتنطط:
"يعني خلاص يا بابا، هبقى زيك قريب؟"

أدهم ضحك وطبطب على كتفه: "أكيد، كمان كام سنة هتطول عن كده كتير، وهتكون أطول واحد في العيلة."

جميلة كانت واقفة بتراقبهم بحماس طفولي، وقربت من أدهم وقالت بدلع:
"طيب قيس طولي أنا كمان، أنا حاسة إني طولت سنتي من وقت الحمل"

أدهم بصلها بابتسامة، وقرب وجهه من وجهها بشدة لدرجة إن أنفاسهم اختلطت، وبدأ يتأمل طولها بالنسبة له بتركيز مبالغ فيه. جميلة وشها قلب أحمر وخجلت من قربه الزايد، خصوصاً ويزن واقف بيبصلهم بفضول، فهمست بصوت واطي:
"أدهم.. ابعد شوية، يزن واقف."

أدهم رد بمكر وهو لسه قريب:
" أنا بشوف الرقم بس." وبعد ثواني، انفجر من الضحك وهو بيبتعد عنها: "158 سم؟ امشي يا أوزعة من هنا"

جميلة زقته بغيظ ناحية العمود وقالت بتحدي:
"طيب تعالى بقى أما أقيس طولك أنت، عشان نشوف مين اللي بيضحك في الآخر."

أدهم سند ظهره على العمود وربع إيده على صدره بهيبة، وهو بيحاول يكتم ضحكته بالعافية على منظر جميلة وهي بتحاول تشب على أطراف صوابعها عشان توصل لقمة رأسه وتعمل العلامة، بس فشلت تماماً.

نفخت بزهق وبصت حواليها، وجابت مخدتين كبار من على الكنبة وحطتهم في الأرض ووقفت عليهم، وهي بتسند بإيدها على كتف أدهم القوي عشان توازن نفسها، وبطنها المنتفخة كانت قصاد بطنه مباشرة في مشهد رقيق.

جميلة وهي بتنهج من المجهود:
"أخيراً.. وصلت" علمت بالقلم وبصت للرقم بذهول: "193 سم"

يزن فتح بقه بانبهار: "واو أنت طويل أوي يا بابا"

أدهم ضحك وهو بيشيل جميلة من فوق المخدات وينزلها الأرض: "عقبالك يا قلب بابي.. بس جميلة خلاص، نموها وقف لحد كده، هتفضل أوزعة للأبد."

يزن ضم شفايفه بزعل مصطنع وبص لجميلة:
"يعني خلاص يا جميلة مش هتطولي تاني؟ يا حرام.. متزعليش، أنا هبقى أجيبلك الحاجات اللي في مكان عالي وانتي مش بتطوليها لما أكبر."

أدهم كان باصص لجميلة اللي نفخت وشها بغضب طفولي، ومنظرها وهي مقموصة كان لا يُقاوم، فمقدرش يتحمل وانفجر في الضحك. جميلة ضربته بخفة في كتفه ومشيت بغيظ وسابته هو ويزن يضحكوا عليها.

راحت قعدت على الكنبة اللي في ردهة الصالة، وبسبب هرمونات الحمل، الزعل البسيط قلب معاها بضيق حقيقي ودموع محبوسة. بصت حواليها باستغراب لما لاحظت إن أدهم ويزن اختفوا فجأة من قدامها، فهمست بحزن لنفسها:
"للدرجة دي زعلي مش فارق معاك يا أدهم؟ ماشي.."

لكن فجأة، انتفضت مكانها لما دوى صوت أغاني في الصالة بقوة، ومكنتش أي أغاني.. ده كان صوت مهرجانات شعبية صاخب جداً. لفت وشها وراها وفتحت بقه بذهول من المنظر؛ أدهم ويزن كانوا واقفين وراها وبدأوا يرقصوا بطريقة شبابية مضحكة.

أدهم، بكل هيبته ومركزه، كان بينزل كتفه وبيهزه وهو باصص لجميلة بنظرة شقية كلها تحدي وحب، ويزن جنبه بيقلده في كل حركة وهو بيضحك من قلبه. أدهم بدأ يقرب منها وهو بيغني مع الكلمات بطريقة زادته وسامة وشباب :

" سكر محلي محطوط عليه كريمة
 كعبك محني والعود عليه القيمة
 
 وتجيبني تلاقيني لسه بخيري
 مش هتبقي لغيري
 ايوه أنا غيري مافيش

جميلة مكنتش قادرة تقاوم المنظر، وهي شايفه هيبة ورزانة أدهم السويسي طاروا في الهوا، وانفجرت في الضحك وهي شايفاه بيرقص بطريقة شعبية عشان يرضيها.

" بنت الجيران شغلالي أنا عنيا
 وأنا في المكان في خلق حواليا
 مش عايز حد ياخد باله من اللي أنا فيه
 
 شوفت القمر سهرني لياليا
 وهموت عليكي رب العالم بيا
 سيبي شباكك مفتوح ليه 
 ليه تقفليه؟

جميلة مكنتش قادرة تقاوم المنظر ده ثانية كمان، الضحكة انفجرت منها غصب عنها، ونسيت خالص إنها كانت زعلانة ..جميلة حاولت تقوم، وبالفعل قامت براحة وهي ساندة بإيدها بسبب ثقل بطنها، فأدهم قرب منها ،وحاوطها بدراعاته برقة، وبيقرب وشه من وشها وهو بيغني بعيون بتلمع بالحب والهيام:

"بهوايا انتي قاعدة معايا
 عنيكي ليا مراية
 ياجمال مراية العين 
 خليكي لو هتمشي اناديكي انتي ليا أنا ليكي
 أحنا الاتنين قاطعين

يزن كان بيتنطط حواليهم وبيسقف مع الإيقاع، وأدهم شدد من ضمته لجميلة وهو بيكمل المقطع الأخير بمرح وكأنه بيوعدها إنه مش هيسيبها تزعل أبداً:

" تسيبيني أكره حياتي وسنيني 
 أتوه ومش هتلاقيني
 واشرب خمور وحشيش
 وتجيني تلاقيني لسه بخيري مش هتبقي لغيري 
 أيوه أنا غيري مافيش

جميلة دفنت راسها في صدر أدهم وهي بتضحك بدموع من كتر الفرحة والذهول، وقالت من بين ضحكاتها:
"خلاص يا أدهم.. قلبي هيقف من الضحك."

أدهم رفع وشها وباس جبينها بحنان وقال:
"بعد الشر عنك، المهم الأوزعة بتاعتي وشها يفضل منور بالضحكة دي، ولا إيه يا يزن؟"

يزن رد وهو بيعمل حركة نهاية العرض بطريقةمضحكة: "طبعاً يا بابا."
 
__________________________________

بعد مرور يومين

 كان بيت علي وياسمين قطعة من البهجة، روائح البخور والشموع مالية المكان، وصوت الضحك والأغاني الشعبية الخاصة بالسبوع مالية الأجواء. الكل كان متجمع عشان يحتفل بـ "فتون".

ياسمين كانت طالعة زي الملايكة، فستانها الأبيض المطرز كان بيلمع تحت الإضاءة، والتاج الورد اللي على راسها مع شعرها المنسدل على ظهرها خلاها تبدو رقيقة جداً وكأنها عروسة من جديد. كانت شايلة فتون اللي متكحلة ولابسة أبيض في أبيض، وبدأت ياسمين تمشي وسط الزغاريد وتعدي السبع مرات فوق المنخل حسب العادات، وأغنية السبوع اللي بتقول : 

حلاقاتك برجالاتك
 حلقة دهب في وداناتك
 حلاقاتك برجالاتك
 حلقة دهب في وداناتك

علي أول ما خلصت، قرب منها وباس جبينها بحنان، وضمها هي والبيبي لصدره بقوة وكأنه بيعلن للعالم إن دول هما جيشه وسنده، وهمس لها:
"مبروك يا أم فتون.. نورتي بيتي وحياتي."

بدأت الحلقة تكتمل، المعازيم وكل الحبايب لفوا حواليهم على هيئة دايرة، كل واحد ماسك شمعة بيضاء منورة، وصوت أغاني السبوع مالي المكان :

ويا رب يا ربنا
 تكبر وتبقى قدنا
 وتيجي تعيش وسطنا
 وسط الحبايب
 تكبر وتروح المدرسة
 وتصاحب شلة كويسة
 وتشوف عيون أمك وأبوك
 فرحانة بيك
 
يزن كان واقف في نص الدايرة، ماسك الهون النحاس وبيدق فيه بكل قوته وهو بيضحك ومتحمس جداً، وكل شوية يبص فتون الصغيرة اللي كانت نايمة في حضن نادية.

أدهم كان واقف ورا جميلة، محاوط ظهرها بدراعاته بحرص شديد وكأنه خايف عليها من الهوا، خصوصاً مع الزحمة والحركة. كان ساند دقنه على كتفها وباصص لملامحها اللي كانت منورة بالفرحة، وهمس في ودنها:
"بكرة بإذن الله هعملك سبوع يتحاكى بيه القصر كله لما بنتنا تنور."

جميلة لفت وشها وبصتله بحب وسندت راسها على صدره:
"وجودك جنبي هو الفرحة يا أدهم.. أنا مش عايزة غير إننا نفضل كدة علطول."

محمود ونادية كانوا واقفين بيتأملوا عيالهم وهما بيكبروا وبيكونوا عائلة، والدموع مالية عينيهم من كتر السعادة. منى كانت بترش الملح والورد وهي بتقول: "خمسة وخميسة في عين اللي ميصلي على النبي.. ربنا يحميكم من العين."

#رواية_عشقت_محتالة
#الكاتبة_سلمى_جاد

إقتباس من بارت بكرة ...❤️‍🔥❤️‍🔥❤️‍🔥

سليم فتح باب الشقة بعد ما رجع من المدرسة ...الهدوء في البيت كان غريب، هدوء تقيل يقبض القلب. رمى شنطته ونادى بصوت عالي:
"ماما.. يا ماما! أنتي فين؟"

استغرب جداً، لأن ثريا مابتخرجش خالص وتسيب البيت فاضي كده. بدأ يتحرك في الصالة بخطوات قلقة، لحد ما عينه وقعت على ورقة مطوية محطوطة على الترابيزة. مسكها بوجل، وبمجرد ما فتحها وقرأ أول سطور، فتح عينه بصدمه.

"سليم حبيبي.. أنا جبت حقنا وحق أبوك . أنا خطفت بنت أدهم السويسي عشان أحرق قلبه عليها زي ما حرق قلبي. لما ترجع مش هتلاقيني في البيت لأني في مشوار مهم، الطفلة هتلاقيها في أوضتك على سريرك وجنبها حاجتها.. خد بالك منها لحد ما أرجع."

سليم وقف مكانه زي التمثال، الورقة وقعت من إيده وهو مش مستوعب اللي قرأه. "خطف؟ أمي خطفت طفلة؟"

وقبل ما يكمل تفكيره، شق سكون البيت صوت بكاء رضيع، صرخة مكتومة وضعيفة جاية من جوه أوضته.

رجليه شالته بالعافية لحد باب الأوضة، فتحه براحة، واتصدم من المشهد. على سريره، كانت فيه طفلة رضيعة ،  جسمها الصغير ملفوف في قماشة وبتبكي بحرقة وهي بتحرك إيديها في الفراغ.

سليم قرب منها ودقات قلبه بتتسارع مع كل خطوة، قعد على طرف السرير وبص لها بذهول...

 البنت كانت بتعيط بقوة ووشها الصغير بقى أحمر من كتر الصراخ.

سليم ملقاش حل غير إنه يمد إيده ويشيلها بتوتر، أول ما رفعها بين دراعاته، جسمها كان دافي ورقيق جداً.
"ششش.. بس خلاص.. اهدي."

قالها بصوت متردد، لكن البنت مابطلتش عياط. سليم بص حواليه بقلة حيلة وقال لنفسه:
"أكيد بتعيط من الجوع.. شكلها جعانة أوي."

لمح جنب السرير علبة لبن أطفال وببرونة جديدة لسه بغلافها. ساب الطفلة بحرص على السرير وجري على المطبخ، قرأ الطريقة المكتوبة على العلبة بتركيز شديد ، جهز الرضعة ورجع بسرعة.

شالها تاني وسند راسها على دراعه، وأول ما حط الببرونة في بقها، البنت سكتت فجأة وبدأت ترضع بلهفة. سليم وهو بيتأملها، لقى ابتسامة غصب عنه بتترسم على وشه.. ملامحها كانت لطيفة جدا وهي بترضع.

همس لها وهو باصص في عيونها اللي بدأت تقفل بنوم:
"شكلك كنتي جعانة أوي.. معلش."

دقايق والبنت خلصت رضعتها، واستسلمت للنوم، ومرسوم على شفايفها الصغيرة ابتسامة هادية وهي نايمة. سليم فضل باصص لها بذهول، الحقد اللي كان مالي قلبه تجاه عيلة السويسي بدأ يتزاحم مع شعور غريب بالشفقة والمسؤولية تجاه الكائن الرقيق اللي بين إيديه.

لمس خدها بصباعه براحة وقال بهمس:
"يا ترى اسمك إيه؟.. وإيه اللي مستنيكي ومستنينا يا صغيرة؟

تعليقات



<>