
رواية غرام في العالم السفلي الفصل الثالث والخمسون53بقلم داليا السيد
شكرا لكل من واساني في وفاة خالتي
لا أراكم الله مكره في عزيز لديكم
الفصل الثالث والخمسين
امرأة من زمن الملجأ
ربت هارون على كتف رشدي، لا شيء يمكن أن يوقف قلقه على امرأته وهارون يدرك ذلك جيدا، عاش تلك اللحظات من قبل
"ستكون بخير إن شاء الله"
رحلت الزيتونية للكبير، رجاله انتشرت بالمكان، مدير المشفى وصل بعد وقت قصير، الجميع تحرك بلا توقف لوجود الكبير الجديد بأحد المستشفيات التابعة للشبكة الخاصة بالمجلس
"كلاهم بخطر هارون"
مال تجاه رشدي، لم يعد شريكه فلا أحد يشارك الكبير، تنازل هارون له عن نصيبه ولم يهتم بالمقابل، لديه ما يكفيه سنوات كثيرة
محمد الديب أغدق العطاء لوريثه لكن وريثه رفض، ربما ما زال يتبع سياسة تحقيق العدالة بنفسه لكنه لم يتخذ الحرام سبيل لكسب ماله..
تحرر من تلك الطرق منذ وصل الإسكندرية، رفض الرذيلة والتف بالفضيلة وما زال متمسكا بها
الأبيض من داخله هزم الأسود بلا تراجع
"الجميع بالداخل يفعلون أقصى ما عندهم لإنقاذهم"
أغمض عيونه، لا يتصور حياته بلا عسليته.. حبها تسرب له يوما بعد يوم حتى ترسخ داخل قلبه وبكل جزء منه
رآها وهي تربط له ربطة العنق، تضحك لمداعباته، تحتضن وجهه براحتيها، تهتم بوالده.. ملأت كل الفراغ بحياته وجعلته يتنفس السعادة التي نساها
يد هارون أعادته فقال "وجودك يعني لي الكثير هارون"
لم يبتعد، ربت مرة أخرى على ذراعه "أنت وأحلام جزء من عائلة الديب وهارون لا يتخلى عن عائلته أبدا رشدي"
هو يعلم ذلك جيدا..
علي زيتون ظل جالسا بركن بعيد، لا يرغب بمواجهة أحد ولكنه يرغب بالاطمئنان على زوجة ابنه وحفيدته المنتظرة
جميلة التصقت بألاء التي ظلت واقفة بعيدا والخوف يتسرب لها، بنهاية شهرها السادس وكل ولادة حولها ليست طبيعية فهل ستلحق بهم هي الأخرى؟
أنس اقترب من ليال التي ظلت واقفة بعيدا عن رشدي وهارون، انتبهت له ولملامحه
"كل امرأة تختلف عن الأخرى أنس"
منحها وجهه، هي تقرأ أفكاره وهو يقرأ ملامح زوجته ويخاف عليها، ما زالت صغيرة وهو لن يتحمل ضياعها منه، أصبحت الحياة التي يحياها، الهواء الذي يتنفس به
"أعلم، ومع ذلك لا أستطيع وقف مخاوفي عليها"
راقبت نظراته الثابتة على زوجته وتفهمت قلقه "لا يمكنني منعك، لكن على الأقل لا تشعرها بمخاوفك"
ارتد لها، واجه اهتمامها الدائم بامرأته وكأنها أختها الصغرى بل هي فعلا تعتبرها كذلك، هي تمنح الجميع اهتمامها ومحبتها..
هي تجيد دور الديبة جيدا رغم عمرها الصغير..
اقتراب هارون أوقف حديثهم..
وأخيرا وبعد فقدان الأعصاب خرج الطبيب ورشدي يسرع له وابتسامة الطبيب تمنحهم الراحة "مبارك عليكم، طفلة جميلة بصحة جيدة والأم بخير"
تنفس الجميع بارتياح..
"متى سأرى زوجتي؟"
الكبير واقف بلا كلمات، نظرة الطبيب له كانت قلقة وإجابته موزونة ومختارة "ما أن يهتم بها التمريض سيسمح لك برؤيتها"
عقد الكبير ذراعيه ونبرته هادئة "والطفلة؟"
منح الطبيب هارون اهتمامه "بمكان الأطفال المخصص، يمكنكم رؤيتها يا فندم"
نظر هارون لأنس "أرسل الرجال"
الحراسة لكل من يخص الكبير وأنس تحرك بالحال ليمنح أوامره..
بالطبع لم يتردد العاشق برؤية طفلته والممرضة تشير لمكانها بين أسرة الأطفال وقلبه يرحل مع إشارتها للمكان المحدد
توقف.
قدماه ثبتا بالأرض، طفلته أمامه وقلبه سقط عليها يحتضنها
"يمكنك أن تحملها يا فندم"
الممرضة منحته الكلمات بعد أن وضعت الاسم على الاسورة ولفتها على اليد الصغيرة، نسمة رشدي علي زيتون..
يا له من وقع رائع على أذنه..
دق قلبه بلا انتظام، مال ولف الطفلة بالغطاء الوردي ثم رفعها لأحضانه..
رائحة الزيوت الخاصة بالأطفال ارتفعت له، منحته جو مختلف عما يعرفه، جو صغير، ناعم، دافئ، يأخذ قلبه..
ملامحها جميلة، تشبه أمها جدا.. وربما من نظرته رأى نسمة، أخته الصغيرة.. دمعت عيونه غصبا عنه.. ما بين ذكرى أخته وبين طفلته شيء ما أوجعه لكن..
أسعده..
رفعها ووضع قبلة على جبينها وشعر بحركة بجواره، التفت فرأى والده مبتسما، متشوقا للضيفة الجديدة التي ستنال قلوبهم
****
همسة بجوار أذن جميلة أفزعتها "من الأفضل عودتكم البيت"
التفتت وهي تنتفض لصوت العملاق، نظرات القلق بعينيه جعلتها تهدأ "أفزعتني صفوان"
سقطت نظراته عليها "تبدين شاحبة، ألم تتناولين أي طعام اليوم؟"
هي تفعل، معه فقط "تقصد بالأمس، تعلم أني أتناول طعامي معك ألم نفعل معا؟"
لا يعلم لماذا يراها مختلفة؟ حزينة.. قلقة! لا يعرف
"ماذا بكِ؟ هل تشعرين بشيء؟"
حدقت به بلا فهم لسؤاله "لا، ليس بي أي شيء، أنا بخير صفوان متى سنرى أحلام؟"
لم يبعد نظراته عنها، فقط زفر بقوة وأجاب "عندما تخرج لغرفة"
أحد الحرس تحرك له ليمنحه كلمات "الباشا الكبير يحاول الوصول للكبير"
هز رأسه وتحرك لهارون الواقف بجوار ليال "الباشا يحاول الوصول لك"
لم يبدي أي بادرة على وجهه وليال ترفع وجهها له، لن يتركهم لكنه لن يتجاهل الرجل..
هي اختصرت عليه الطريق "نحن بخير هارون، اذهب"
نظراتها تمنحه راحة وهو يتحرك للمصعد ومنه للخارج وهاتفه على أذنه والديب الكبير يمنحه الرد "جسار يعد لمكيدة خطيرة"
رفع رأسه والنهار يزيح الليل بقوة والحياة تدب بالمكان "تعلم أني أفرض عليه حصار خانق ولن يجد وقت ليفعل"
جاء الرد هادئ "أعلم لكن هو يتلون بألوان الشيطان"
ضاقت عيونه "الشيطان لا يملك سوى لون واحد يا باشا، لون الدم"
صمت حل بينهم والكبير القديم يشعر بالخوف على ابنه "وأنت تفتح صدرك له"
ابتسامة ديب حلت على فمه "الطُعم على قدر الفريسة"
الرد لم ينتظر "لن أتحمل أن يصيبك شيء مرة أخرى بني، أنا فقدته هو ولا يمكنني فقدانك"
الكلمات لمست قلبه، محمد أمكنه كسر كل الحواجز الفاصلة بينه وبين هارون، ربما لم يناديه أبي، ربما لم يمنحه كلمات الغفران، لكنه من داخله فقد الكره والقسوة تجاهه
لف وجهه للسيارات التي بدأت تتحرك، رجاله تقف حوله كدائرة محكمة ومنح الرجل الرد "ليس من السهل قتلي يا باشا، ما زلت تقف بظهري"
تنفس الرجل بقوة وكلمات ابنه تهزه "وسأظل بظهرك لآخر نفس من أنفاسي هارون"
كان يعلم وليس بحاجة لسماعه يقولها "لا تنسى أنه يستهدفك أنت أيضا"
تحرك الرجل لمقعد مكتبه وجلس براحة "لا تقلق، أستعد له جيدا"
وأغلق كلاهم..
تجولت نظراته بكل ما حوله وصوت صفوان يعيده للواقع "أحلام خرجت للغرفة"
لف وجهه لصفوان "ماذا حدث؟ هل أغضبتك المجنونة؟"
منحه نظراته "لا، لكنها لا تبدو كعادتها"
لم يتحدث للحظة، ثم أدرك ملامح صفوان "ألم تسألها؟"
وقبل أن يجيب كان أحد الرجال يخرج مندفعا "صفوان يريدونك بالداخل، زوجتك.. "
ولم ينتظره ليكمل، اندفع بلا تفكير للداخل، لا يرى أي شيء من حوله ولم ينتظر المصعد، أكل الدرجات وأنفاسه تسبقه ورشدي واجهه "الطبيب والباش مهندسة معها بالداخل"
كان يلهث وهو لا يفهم شيء وسرعان ما لحق به هارون "ماذا حدث؟"
أنس كان مع زوجته ولم يفهم شيء وهو ينضم لهم ورشدي يجيب "سقطت فجأة بلا أي مقدمات"
دفع يده بشعره وهو يتآكل من الداخل بالقلق والخوف، هل تبخل عليه الدنيا بالسعادة؟ من وجد سعادته معها، من منحته الحياة ترقد الآن بخطر؟
يد هارون جذبته "ستكون بخير، ربما لم تتناول طعام فهي لا تفعل كثيرا"
لم يجيبه.. ابتعد للباب ثم التفت ليراهم جميعا خلفه، لا يعرف ماذا يفعل أو يقول؟
التفت ليدخل، لن يبقى هنا وهي تعاني وحدها بالداخل، مد يده ليفتح لكن الباب انفتح بالفعل ورأى الطبيب أمامه
تراجع الطبيب، هو نفسه من تابع ولادة أحلام "سيد صفوان"
ثبت صفوان ونظراته مخيفة "ماذا بها زوجتي؟"
تقدم الطبيب منه بتفهم "هي بخير، فقدان وعي بسبب الانيميا و.. "
هتاف صفوان أفزع الرجل "وماذا؟ تحدث.."
تراجع الطبيب وهارون تحرك ليوقف صفوان ويفهم ما يحدث "صفوان، اهدأ كي نسمع الطبيب"
والتفت للرجل "ماذا غير الانيميا يا دكتور؟"
انتقلت نظرات الرجل من صفوان الغاضب لهارون الهادئ فهدأ ولملم نفسه "لا شيء يا كبير، هي بخير، فقدان الوعي نتيجة الحمل، وهذا أمر طبيعي لكن كما قلت الانيميا غير جيدة بحالتها"
جمد صفوان مكانه، حامل.. امرأته حامل..
أخيرا سيكون له أولاد.. أسما أرادت أن تحرمه منهم لكن القدر لم يفعل.. القدر منحه ما تمنى، ربما عندما قرر التوقف عن أفعاله السابقة وغسل يده من الدماء..
شكر هارون الطبيب والتفت لمن تجمد خلفه "مبارك يا رجل، أخيرا ستكون أب"
استعاد نفسه من دائرته التي سقط بها، لف وجهه لهارون وما زال لا يصدق "أنا أب؟ هارون أنا سأكون أب حقا؟"
ابتسامة الكبير ملأت وجهه "بالطبع يا أخي، هيا لترى امرأتك"
انتبه، امرأته، أم أولاده، العشرة كما أخبرته، لقد بدأ العد..
ركع بجوار الفراش، كانت شاحبة، مغلقة العيون، أنبوب التغذية يمتد لذراعها وليال تقف بجوارها
"ماذا بها ليال؟"
ابتسمت بسعادة لأجله ويده تمر على رأس مدللته بحنان وقلق واضح "لا شيء، فقط نائمة بفعل المهدئ، مبارك أخي"
رفع وجهه لها ورأت قلقه يطغى على سعادته "هي لا تبدو بخير"
الحب واضح بعيون العملاق، والمجنونة لا يقل حبها له عنه "هي بحاجة للراحة والتغذية صفوان، لكن هي والجنين بخير"
هدأ قليلا وما زالت يده تمر على رأسها ثم وجنتها بحنان ورقة كي لا يوقظها "الجنين؟ كنت أنتظره ليال.. لم أفكر به من قبل لكن معها تمنيته من كل قلبي"
لمست يده الأخرى يدها الراقدة بجوار جسدها فرفعها لفمه ووضع قبلة دافئة عليها "وسيكون لك إن شاء الله صفوان"
وتحركت للخارج، تمنحهم لحظتهم عندما تفيق شريكته وتلقاها الكبير باهتمام "كيف حالها؟"
توقفت النظرات عليها "بخير هارون، منحها الطبيب منوم وتغذية وطلب عرضها على طبيب متابع طبعا"
انضمت لها ألاء "أرغب برؤيتها"
التفتت لها "صفوان بالداخل ألاء"
تفهمت، هي لحظتهم الخاصة ورشدي يتحرك لهم "هل هي بخير؟"
التفت له الجميع وليال تجيب "نعم، هل نرى أحلام؟"
واليوم لا ينتهي..
****
بدأ الوعي يعود إليها ببطء..
ثقل غريب فوق جفونها، وصوت بعيد يتردد كأنه قادم من قاع بئر
حاولت أن تتحرك لكن جسدها خذلها. أنفاسها خرجت متقطعة، فتحت عيناها أخيرًا على ضوء خافت، أبيض.. رائحة مطهرات
المشفى!
ارتجفت أصابعها لا إراديًا، وشعرت بيد دافئة تطبق عليها فهمست "صفوان"
"هنا مجنونتي"
صوته. لم تخطئه ولن تفعل أبدا
حاولت أن تتحدث لكن حلقها جاف، صداع يشق رأسها ولكنها لم تهتم
ابتسم لها وهو يقترب أكثر، ملامحه مشدودة وقلقه عارِ بلا مواربة "اهدئي.. خذي نفسًا"
فعلت، بصعوبة، عيناها تجولان بالمكان حتى توقفتا عند الأنبوب بذراعها. ذاكرتها تعود على دفعات.. المشفى، أحلام، الدوار
همست بصوت واهن وما زال أثر المهدئ بجسدها "أحلام صفوان.. هي..؟"
ملامحه الهادئة منحتها هدوء تعرفه منه "بخير، خرجت من العمليات لغرفة والطفلة أيضا بخير"
ارتاحت، أغمضت عيناها ثم فتحتهما من جديد، وقد تذكرت شيء آخر "أنا.. سقطت؟"
هز رأسه بخفة، ثم شد على يدها "نعم، فقدتِ الوعي"
سادت لحظة صمت، لم يقطعها شيء لكن القلق ظهر على ملامحها "ماذا حدث لي صفوان؟ هل سأموت"
ابتسم رغما عن ثقل الكلمة، جذب يدها لفمه ومنحها قبلة طويلة "ألف سلامة عليكِ حبيبتي، الطبيب قال أن عندك أنيميا وتعب"
أومأت، منطقية.. ثم نظرت له نظرة ثابتة "لكن هذا ليس كل شيء، هيا صفوان هل لدي مرض خطير؟ ستتركني بسببه، لن أسمح لك بأن تعيش مع امرأة مريضة"
ظل يلفها بنظراته، مجنونة حتى وهي على فراش المرض، تمنحه الحرية كي لا يعاني بجوارها وهو يزداد حبا لها
لم يجب. اكتفى بأن رفع يدها ووضعها برفق على بطنها.
لحظة صمت.. وهي تحدق به
مرت ثانية..
ثم اتسعت عيون المدللة ببطء وكأن الكلمات وصلت قبل أن تُقال وهمست بنبرة مهتزة، بين الإنكار والخوف "لا.. "
ابتسم ودمعة خانته رغما عنه "نعم.. "
اهتزت أنفاسها، يدها تشنجت تحت يده وهي تحاول أن تصدق "أنا.. أنا.. حامل؟"
لم يجب بالكلمات، ارتفع ووضع قبلة على جبينها أغمضت لها عيناها وهو يهمس "حامل"
انسابت دموعها بلا صوت، بكاء مشبع بالدهشة وعدم التصديق. خوف، فرح، ارتباك.. كلهم اختلطوا دفعة واحدة
أسند رأسه على جبينها وهي تمنحه مخاوفها السابقة "خشيت ألا أمنحك أولاد كما كنت تتمنى"
لم يبتعد أو يتراجع بعيدا "كنت أستحق، لكن أنتِ لا تستحقين"
رفعت يدها الحرة لوجنته، لمست لحيته "أنت توقفت، والله بالتأكيد يعلم أن قلبك طيب ويستحق كل خير"
ابتسم، وضع قبلة أخرى على جبينها "أنا خائفة صفوان، قد لا... "
أوقفها "وأنا معك.. لا مكان للخوف جميلة"
ابتسمت، رحل الخوف وسكنت مكانه السعادة وأول شعور بالأمومة يتسرب لها وهي تفتح له ذراعيها..
****
أحلام احتضنت طفلتها بلا تصديق أنها أخيرا وصلت، الوجه الأحمر الصغير.. عيون مغلقة وفم صغير مثل أنفها
صورة من أمها كما أخبرها علي "مبارك يا ابنتي"
ابتسمت وعيونها ما زالت على طفلتها وعلي يجلس أمامها وليال تقف بجوار الفراش، لم تترك أحد من نساء العائلة والآن اطمأنت عليها بفراشها بالبيت وأحلام ممتنة لها
"شكرا بابا"
ليال تحدثت "أحلام لابد أن أذهب من أجل أحمد، سارة، الممرضة التي كانت تعمل عندي، وصلت وستبقى معك قليلا حتى يلتئم جرحك"
رفعت نظراتها الممتنة لها "شكرا ليال، لا أعرف ماذا كنت سأفعل وأنتِ لستِ معي"
ابتسامة الديبة، صادقة، نابعة من القلب "لا يمكن أن أكون إلا بجوارك"
عندما نزلت نهض رشدي لرؤيتها وهارون نهض هو الآخر، انتظرها، لم يذهب، كان من المفترض قضاء اليوم معا لكن..
رشدي منحها تقديره "شكرا لكل شيء يا باش مهندسة"
مالت رأسها رغم الإرهاق "لا شكر على واجب، أحلام أختي"
لمسة من يد زوجها على ذراعها "هل نذهب؟"
منحته نظرة عرفت منها أنه مشغول وربما يتركها بالبيت ويرحل من جديد
شاردا والصمت طغى عليه وهي تراقبه طوال الطريق وهاتفه لا يتوقف لكنه لا يجيب
لمست يده الساكنة على ساقه فانتبه لها ولف رأسه ليلتقي بالتساؤلات التي ظهرت بعينيها "يبدو الأمر خطير؟"
قبض على يدها ولم يتركها واعتدل ليمنحها اهتمامه جاذبا نفسه من الشرود "ربما، تبدين متعبة"
لا يمنحها شيء ولن يفعل، هي اعتادت منه ذلك مالت رأسها على كتفه تلتمس قربه "بل سعيدة لأنك معي هارون"
رفع يدها لفمه ووضع قبلته عليها "لن أكون سوى معك يا قلب هارون"
ابتسمت، أغمضت عيونها
نامت الفانيليا
عندما استيقظت كانت بفراشها.. وحدها
رحل الكبير.. تاركا قلبه معها..
****
انفتح باب سيارته ودخل رجل ظن أن له ثقله بمجال الأعمال
هارون لم ينظر له، والرجل فتح جاكته وبدأ الحديث "لماذا السيارة هارون؟"
لف وجهه، جسده مشدود، نال تدريب قاسي اليوم لاستعادة نشاطه والآن عضلاته تتمنى الافراج عن بعض شحنتها "ماذا!؟"
واجه الرجل الزرقاء القاتمة بغرور، سيد فهمي، الأخ الأصغر لأحمد فهمي والد ألاء "سألتك لماذا.."
نبرة الهدوء ليست لطيفة بل مخيفة خاصة من الديب "لا أحد يسأل الكبير سيد، أنت هنا لتجيب فقط"
ارتجف الجسد الجالس بجوار الكبير، من لم يعرفه يحبو بطريق معرفته "هارون لا تظن أنني أخافك، لا تنس من أنا"
أبعد وجهه، السيارة الرباعية لم تتبدل لكن لا أحد يبقى أثناء لقاءاته "لا، لم أنسى" ثم لف وجهه له مرة أخرى بنفس الهدوء لكن نظراته كانت نارية، مخيفة كهدوئه "لكن أنت من نسى.. نسيت من هو هارون الديب"
تراجع سيد بالمقعد وكأنه يحاول الابتعاد عن النيران المنفجرة من عيون الديب ربما تحرقه "أموال ألاء وميراثها، استوليت عليهم أنت وميسرة وزوجها لم يعترض لأنها لا تهمه لكن.. أن يحاول أحد المساس بها كما حدث بالمشفى فهذا ما لن يمر هكذا"
شحب وجه الرجل، البرودة سكنت جسده ونظرة خاطفة ليده عنت الارتجاف "أنا.. لم أفعل.. أنا"
القوة والعنف لهم وقتهم أما الآن فالديب يستخدم الهدوء "أنت ترغب بكل شيء، الشركات والانتقام خاصة بعد انتهاء ميسرة من الساحة لكنك نسيت شيء مهم"
زاغت عيون الرجل، فريسة سقطت بالفخ ولا حول ولا قوة عليها
أكمل الكبير "أنس رجل من رجالي، ربما هو رفض التدخل بشؤون زوجته فهذا أمر يخصه، لكن، حماية عائلة الديب أمر يخصني أنا وما حدث بالمشفى تطاول على الديب.. الكبير"
رجاله أحبطت محاولة خطف ألاء أثناء وقوفها بالخارج لإجراء محادثة هاتفية مع الممرضة وهي لم تشعر بشيء من الأساس ولا أنس..
هم يرغبون بتوقيعها للتنازل عن كل حقوقها
"هارون أنا.. "
تلك المرة صوته خرج حادا، قويا، يحمل الشر "الكبير.. ألاء لن تتنازل عن نصيبها، سيصل لها كله"
تجهم الرجل، هزة من رأسه منحت الكبير الموافقة فأكمل "جيد، عقابك سيصلك ببيتك الذي سترحل له الآن وستنفذه بالكامل ولن تمس شعرة من ألاء بأي يوم وإلا أقسم أن أمزقك قطعا وألقيها لكلاب الشوارع"
هز رأسه مرة أخرى ولكن بطريقة تدل على الفزع والخوف "حاضر، حاضر يا كبير سأفعل كل ما تأمر به"
منحه إيماءة من رأسه ليذهب فاهتزت يداه باحثة عن مقبض الباب وكاد يسقط خارج السيارة وهو يهرع لسيارته وصفوان يدخل وينظر له "من الجيد أنك لم تخبر أنس، لكان قتله"
لم ينظر له، هو يعلم ذلك لذا لم يخبره "المكتب، وعد البيت، جميلة بحاجة لك"
قاد خارجا من الجراج "جميلة بخير وأنت تعلم أنها لا تعترف بالمرض، مجنونة"
عاد له بعينيه وصفوان لا يمحو الكلمة "لكنها تحبك وتلك الفترة هي بحاجة لك"
كان الديب يتذكر ما كان مع امرأته، لم يشهد تلك الفترة، لم يعش لحظات نمو طفلهم معها، لم يؤازرها وقت ضعفها..
حتى لو كانت قوية.. هي امرأة وقوتها واهنة
خديجة لم تترك جميلة، سعادتها بحمل ابنتها كانت فوق الخيال، حياتها اختلفت كثيرا، أحمد حفيدها يملأ حياتها بهجة. ابنها أيضا أصبح بحياتها حتى لو كان من بعيد
تظن أنه لم يكن يراها وهي تجلس كل يوم بالنافذة تنتظره.. لا تنم إلا عندما تراه ينزل من سيارته
تشبع قلبها منه.. تحاول تعويض سنوات الحرمان، بالصباح تعرف موعده، تقترب أكثر وتستمتع بفخر بابنها، الكبير..
عودة صفوان لغرفته جعلتها ترحل والمجنونة بالفعل لا تستسلم للفراش..
أسرعت له بهاتفها "صفوان هل رأيت هذا الفراش؟ سنضعه بغرفة عمر التي تطل على القصر وهذا الدولاب أيضا"
توقف عن فك قميصه وهي تقف بجواره، ما زالت شاحبة، هزيلة، ترفع شعرها بلا اهتمام للمتساقط منه، الجينز الضيق وقميص مربوط من الأمام يظهر جزء من بطنها كعادتها بغرفتهم
"عمر من؟"
تذمرت بطفولية وهي ترمقه بشمس محرقة "ابننا صفوان، محل ملابسك ليس به قسم للأطفال وأنا معجبة بتلك التي تختارها ليال لأحمد، سنذهب لنختار منها"
كادت تبتعد وهو استوعب جنونها فجذبها له من ذراعها وهي تفاجأت "انتظري هنا"
توقفت، يداها تقبض على هاتفها ونظرات الدهشة سكنت عيونها "ماذا حدث؟"
أجاب بجدية واضحة "هل أصبتِ بالجنون حقا؟ نحن عرفنا بالحمل بالأمس واليوم تخططين لغرفته وملابسه؟ ماذا إن لم يكن ولد؟"
ولا كأنه يخاطبها بجدية، هتفت "سيكون اسمها، هنا، كما هي حياتي معك أيها العملاق ووقتها سأبحث عن محل آخر.."
قاطعها "جميلة اهدئي، كل هذا سيأتي فيما بعد لكن الآن عليكِ الاهتمام بنفسك"
لم تسمعه، فرحتها أكبر من أن توقفها صحتها "أنا بخير صفوان، هيا طالما أنت هنا دعنا نذهب للبيت ونرى ما أحرزه الرجال وبعدها نذهب لرؤية الأثاث و.. "
هتف ليوقفها "كفى"
شحبت من نبرته.. بل من ضعفها الذي لا تدركه بجدية بل بلا مبالاة "هل تفهمين معنى ضعفك وتأكيد الطبيب على الراحة والتغذية؟"
للحظة بدأت تتوقف، تحاول فهم كلماته "سأرتاح صفوان لكن بعد أن.. "
أوقفها بنفس الحدة والجدية علها تستعيد بعض العقل "ليس بعد جميلة، ربما لن يكون هناك بعد لو لم تحافظي على نفسك وصحتك"
لحظة إدراك..
ماذا يعني بكلماته؟ هي لا تفهم لذا منحته سؤالها "ماذا تعني؟"
أجاب "أعني أنكِ ضعيفة، بحاجة للراحة والتغذية ومقويات جيدة كي يستقر الحمل ونطمئن عليك وعلى طفلنا، كل ما تحدثتِ عنه لن يكون له قيمة لو أصابك شيء"
همست ودموع تتكور بعينيها وشمس الربيع تغرب عنها "أو أصابه هو، أنت تخاف عليه؟"
صمت، محاولا استنباط المعنى الحقيقي من كلماتها حتى فهم
رفع يداه لوجهها الذي غرق بالدموع بلمح البصر، مجنونة..
"أنا لم أعرفه بعد لأخاف عليه، لم أحبه وأجد سعادتي معه بل أحببتك أنتِ وأخاف عليكِ أنتِ"
رفعت يداها فوق يده ودموعها تشاركها مخاوفها "أنا أريده صفوان، أريد أن أكون أم وأمنحك أولاد"
كم يحبها تلك المجنونة "سنفعل حبيبتي، ستكونين أم وتمنحيني طفل جميل ومجنون مثلك لكن وأنتِ بخير.. تسمعين لكل ما هو بصالحك وصالحه كي يتحقق حلمنا"
هزت رأسها توافقه فجذبها لأحضانه ولفها بذراعيه وهي تمنحه كلماتها "أنا أحبك صفوان، أحبك جدا"
ابتسم، وضع قبلة على رأسها المستقرة على صدره "وأنا أعشقك يا مجنونة"
ومن داخله.. شكر رفيقه لأنه أعاده البيت ليوقف تلك المتهورة عما كادت تفعله..
****
اهتزاز هاتفه لم يوقفه عن كلماته للرجال الجالسين أمامه باجتماع دام ساعات "جيد، أرغب بالبدء بالتنفيذ بالوقت المحدد، أي تأخير محسوب على صاحبه"
ونهض واقفا، جاذبا هاتفه، وصفوان يتابع مع الرجال وضع اللمسات الأخيرة لأوامر هارون، الذي ابتعد لمكتبه والاسم يخترق هاتفه
لم يجلس بل ظل واقفا أمام النافذة والصوت يأتيه "أردت أن أشكرك على ما كل فعلته معي"
رفع رأسه ونور العصر يضرب عيونه القاتمة، امرأة ارتبط اسمها بالماضي الذي لا يغلق ولا يمكنه تجاهله
"لا شيء تشكريني عليه هندية"
المرأة انهارت بعد موت ابنتها، سقطت بجلطة وبالطبع هو لم يكن موجود، وعندما عاد عرف أنها بمشفى حكومية وحياتها بخطر وتولى أمورها حتى عادت وشفيت تماما
“لم أظن أنك ستهتم لامرأة كانت..."
قاطعها بحسم، موقفا أي ذكريات سيئة "أهتم، تعلمين أنكِ كنتِ جزء من عائلة الديب"
رفيقة الشيطان سقطت ونالت عقابها لكن هندية لا ذنب لها..
ما زال يذكر أنها من كانت تربت عليه بالصغر، تمنحه طعام فائض ونظيف، تغطيه بالبرد، كانت تحبه وكان يدفع عنها أي خطر
تنهيد عبر الهاتف، ربما دموع "لم أعد كذلك"
ظل صامتا.. هو لا يقسو على من هم رفاق الطريق. ترددت بالسؤال "لو طلبت.. "
وصمتت، لم تكمل وهو فهم فاختصر الكلمات "سأرسل لكِ سيارة بالمساء وليال ستتولى الأمر"
صوت البكاء ارتفع وهو رفع يده وعبث بعينيه غير راغب بذلك "هندية انتهينا"
وأغلق، صفوان يقترب منه "أنت ستعيدها؟"
عقد ذراعيه، ظل يحدق بالمنظر بالخارج، لكنه يرى ظلام، برد، عيون امرأة تخاف عليه "نعم"
صفوان لم يجادل، كلهم كانوا يحبون هندية، أم لكل واحد منهم، ابنتها نقطة سوداء بحياتها لكنها رحلت ومن الجيد عودتها
"أحب طعامها، أفضل من ثمية"
لف وجهه له وصفوان لا يمزح فقط هز كتفيه "سأرى أين انتهى أنس"
ظل بمكانه، هدوء ثقيل لا يقطعه سوى صوت أنفاسه والاسم ما زال يتردد بعقله
هندية.
امرأة من زمن الملجأ..
امرأة دفعت ثمن اختيارات غيرها.. أم لامرأة اختارت الشيطان فاحترقت بنيرانه
لم تكن موافقته على عودتها ضعفا، بل محاولة أخيرة لترميم شيء مكسور داخله، شيء لم يره أحد
أدار رأسه ببطء وهو يرفع هاتفه، نبرة صوته هادئة، محسوبة "أرسل سيارات للمكان الذي سأرسله لك وأحضر هندية منه للقصر"
أنهى المكالمة ..
هاتفه عاد للرنين فرفعه وأتاه ما كان ينتظره "الفندق أصبح لنا يا ريس، أقصد يا كبير، رجاله قاومت لكننا أسقطناهم"
رفع رأسه..
تمنى رؤية وجه جسار وهو يرى أملاكه تسقط واحدة وراء الأخرى "جيد، ماذا فعلت بالشركة؟"
أجاب الرجل بثقة "الأوراق أمام النائب العام كما رغبت، الرجل الذي كان يعمل لصفنا نال حقه مقابل معلوماته واختفى"
رفع يده للحيته ومررها عليها بهدوء ثم قال بصوت قوي "تبقى أرض الساحل، أريد أن يتم الأمر كما أخبرتك"
الطاعة واضحة بصوت الرجل "نائبه ظن أنه دفع واشترى"
تراجع لمكتبه.. جلس ومنح الرجل كلماته "لا تتركه يتنفس، أرسل لنائبه المالك الحقيقي، مع الأوراق الصحيحة طبعا وإما أن يشتري بالسعر الأصلي أو تطرده هو ورجاله وتهد كل ما بناه"
تنفس الرجل "ستكون خسارة فادحة يا باشا، دفع ثمن الأرض مرة أخرى أو الطرد منها وخسارة ما بناه وأنفقه"
أغمض عيناه، خسارة جسار لا تعني شيء أمام محاولته قتل ليال وهي حامل، أو قتل محمد الديب وضربه بصميم عمله
الآن لن يعرف من أين تأتيه الضربات..
"تابعني بالأخبار"
ظل الهاتف بيده وما زال عقله مليء بالخطط للشيطان
الفانيليا تهاتفه، هل تذكره؟
"ملاكي"
ضحكتها ترن داخل قلبه " الكبير لديه وقت لصغيرته؟"
دار بالمقعد "الكبير كله ملك صغيرته"
انفتح الباب ورآها أمامه وهي تكمل بالهاتف "أحتاج دليل على ذلك"
تراجع بالمقعد من رؤيتها وهي تتحرك له وشيماء تغلق الباب، قبلة على شفتيه وهي تجلس على ساقه كما كانت تفعل
مرحبا بالذكريات القريبة.. تعيد للقلب نبضاته
لم يترك القبلة عابرة، بل طويلة وقوية، منحتها إحساس بسعادته لوجودها ودليل على أنه كله لها
حتى توقف "سعيد بمفاجأتك صغيرتي"
ضحكت ولم تتركه، ظلت تحيط عنقه بيداها، تبتسم لعينيه التي تتجول على ملامحها، يده تعبث بوجنتها والأخرى تلفها بثبات
"الآن لست صغيرتك، أنا مدام ليال، مدير فنادق المجد وأرغب بعرض مشروعي على الكبير"
جذبها له، قبلة أخرى ترد على كلماتها حتى أبعدها "تحبيني صغيرتي؟"
مرت يداها على لحيته وكل نظراتها تمنحه حبها وعشقها، ذكرى ذلك السؤال، والرد ما زال هو "تحبك صغيرتك، تعشقك، لم تعرف الحياة إلا يوم عرفتك"
ابتسم، وجذب راحتها ووضع قبلة عليها "ما مشروعك إذن؟"
نهضت وابتعدت لتقف أمام مكتبه "تعرف أنني أحببت عملي بالفندق ومتابعة باقي الفنادق لكني اكتشفت أننا لا نملك شيء بالساحل ولا مطروح"
أسند وجهه على أصابعه ونظراته كلها لها وهي تكمل "عثرت على فندق قديم بمنطقة مميزة بمطروح وبسعر متوسط، صاحبه أصيب بالمرض مؤخرا وأهمل الفندق، أرغب بمراسلته وأعرض عليه الشراء"
الصمت أجابها ثم اعتدل ونهض لها حتى توقف أمامها "أنتِ لم تراسليه؟"
هزت رأسها بجدية "لا هارون، أردت رأيك أولا، أنا لا أملك خبرة كافية لأفعل"
انحنى لها.. قابل نظراتها المنتظرة "الديبة لا تثق بنفسها؟"
ظلت تحدق به، تبحث عن رد لكن الحقيقة تتصدر الواجهة "لا يمكنني تجاوزك هارون، أنت مالك كل شيء"
جمد، للحظة انتبه لكلماتها ولم يتراجع من أمامها "لم يكن هناك أنا وأنتِ ليال، منذ متى راجعتك بأي شيء؟ لكنت فعلت بعد إدارتك لكل الأملاك بغيابي"
كان دورها لتتجمد، تذكر تلك الأيام، كانت مدفوعة بقوة إيمانها بعودته وواجبها تجاه أملاكه
التفتت لتبتعد لكنه لم يمنحها فرصة لتفر، جذبها من ذراعها لتعود له، ترفع وجهها لوجهه كعادتها، ترى الحب بعينيه، الهدوء الذي تعشقه
"من الغد تلك الفنادق ستكون لكِ، بيع وشراء و.. "
رفعت يدها لفمه لتوقفه وصوتها يرافقها "لا، أنا لا أرغب بأي شيء هارون"
قبض على يدها واحتفظ بها بيده، دفء رحل لها من أصابعه "أعلم، لكن ربما هذا يعيد لكِ ثقتك بنفسك والتي كنت فخور بها، لم أوافق على عودتك للعمل كي تخبريني أنني صاحب كل شيء"
أخفضت وجهها، لا تعرف ماذا تقول، ترك يدها ودفع يده بعنقها، رافعا وجهها له ونبرته تبدلت "لا تخفضي وجهك أمامي أبدا ولا أمام أحد، أنتِ زوجة الكبير"
ظلت تنظر له، تتجول بالأزرق القاتم، غاضب لكن بحنان لأجلها، لا يقوى على إغضابها "أنا زوجة هارون الديب، حبيبته، صغيرته، ملاكه، آسفة هارون"
ضغط على عنقها، ملامحه جادة ونبرته تحمل لوم "ولا تأسفي أبدا معي ليال، أخبرتك ذلك من قبل، ثقي بنفسك، افعلي كل ما ترغبين به وتأكدي أني بظهرك، لن أدعك تسقطين أبدا"
هزت رأسها فابتسم وجذب وجهها ليضع قبلة على جبينها وضمها له وهي تهمس "أحبك هارون"
ضغط عليها بذراعيه "أعشقك يا قلب هارون"
*****
السيارة السوداء انطلقت ليلًا، طريق جانبي، حراسة خفيفة
وفي مكان آخر.. كان الشيطان يبتسم وهو يسمع الخبر الصغير، خبر عابر، لكنه كاف
"هندية عائدة لقصر هارون"
ضحك الشيطان وهو يمرر أصابعه على وجهه الذي ما زال يحكه من وقت لآخر "ما زلت كما أنت.. دائما لديك نقطة ضعف"
لم يقترب من السيارة.
لم يأمر بالهجوم.
لم يلمس هندية
لا.. ليس بعد
هو يريد هارون نفسه أولا..
نفس الوقت.. اهتز هاتف هارون، رقم غير مسجل وفتح الخط دون كلمة، جاءه الصوت باردا، مستمتعا "السيارة التي أرسلتها.. لن تكمل طريقها"
هارون لم يسأل أين. لم يسأل كيف..
ظل صامتا لوهلة ثم رد بهدوء قاتل وهو يعرف الصوت جيدا "هل أنهيت كلماتك؟"
ضحكة قصيرة "بالتأكيد لم تنسى اليخت، تلك المرة لن يكون هناك انفجار.. لكن هناك انتظار"
وانغلق الخط