رواية غرام في العالم السفلي الفصل السابع والخمسون57بقلم داليا السيد

رواية غرام في العالم السفلي الفصل السابع والخمسون57بقلم داليا السيد 

بداية الانهيار

انتهى الاجتماع..  صمت عالق من الرجال وهي تخرج وقبل أن يصل الكبير لمكتبه هاتفه أوقفه "نعم"

الصوت أتي بتوتر "لقد نفذت الباش مهندسة مشروع الكينج وهو بلغه الأمر"

 لف حول نفسه وصفوان توقف بدهشة "أرسل رجال إلى الكينج"

 وأغلق وهو يتحرك للباب "صفوان هاتف أنس وأخبره ألا يترك ليال لحظة ولا يخرج بها من الفندق"

وانغلق باب المصعد عليه والجنون يعصف به.. كيف لم تنتظر أوامره؟ 

*****

صوت الشيطان يجعلها ترتجف.. تسقط بقاع الذكريات المخيفة وضحكته تهز كيانها 

"الضربة بالصميم أعترف، لكن لا أحد يعبث معي وينجو"

كان يرغب بأن يضع يده على الفندق ويجعل هارون بخسارته تلك، أن يدفع جزء من الخسائر التي تسبب بها له

لكن.. 

الديبة كان لها رأي آخر.. 

استدعت قوة ليال الديب، نفضت وهن لن تجعله واجهة زوجة الكبير "أنت من بدأ، لا أحد أيضا يعبث مع الكبير وينجو"

رحلت ابتسامته الساخرة، ذكر الديب يرفع درجات الجنون داخله لنهايته "لا كبير سواي يا فتاة، زوجك انتهى، حكم على نفسه بنفسه واختار نفس الطريق، الرذيلة، بل وانضم لصفوف الضعفاء والمتخاذلين"

صمتت، تأنت قبل أن تجيب، لم تعر دقات قلبها الفزع أي اهتمام، لم ترمش كي لا تفقد قوتها برمشة عين "لا يهم البدايات، العبرة بالنهايات"

لف بالمقعد، المدينة ترقد من خلفه وكأنها تجلس بانتظار أوامره.. جمرات ملتهبة تتقد داخل مقلتيه أغلقت الأخضر "والنهايات دائما لي، فقط لا تظني أن ما فعلته اليوم انتصار، بل بداية حرب جديدة"

قبضت أصابعها على الهاتف، تلتمس شجاعة، قوة، عزيمة "ما فعلته اليوم هو حق وتم استرداده وليس حرب، أنا لست داخل دائرتك، حربك مع هارون وليس معي"

نهض، أعجبه الحوار، امرأته تتخلى عنه، هل هذا ممكن؟ 

أشعل سيجارة ونفخ دخانها قبل أن يرد "لا يمكنني تصديق تلك الكلمات، أين الحب والرومانسية؟"

تنفست، أنس تلقى مكالمة من صفوان والتفت لها وهي لا تراه بل تجيب "لا علاقة لهم بالعمل والمال، المصالح تكسب"

ضحك بقوة "أحب ذلك، حتى زوجته تخذله"

لم ترد، منحته ما رغب بأن يسمعه ولكنه عاد وأكمل "لكن تلك الضربة لن تمر هكذا يا.. زوجة الديب"

لم تهتز، ظلت ثابتة "وزوجة الديب لا تخاف، سبق ورأيت بنفسك"

رفع رأسه، طرف السيجارة يشتعل والدخان يخرج من فمه يملأ كل ما حوله "أحب التحديات، سنلتقي"

وأغلق وهي تركت يدها تهبط بالهاتف ببطء وهي تأخذ أنفاسها التي كانت مسجونة داخل صدرها وأنس يهتف "ليال، ليال هل أنتِ بخير؟"

هاتفها أفزعها، الريس، الكبير، زوجها يهاتفها

استعادت نفسها "نعم هارون"

رفع رأسه وهو من يقود السيارة ولا شيء يوقفه، اخترق كل الاشارات وابتلع الطريق بلا مبالاة بالمخالفات "ماذا حدث؟ مع جسار؟"

أغمضت عيونها، أسندت رأسها على ظهر المقعد "هو يظن أني أرغب بالمال ولا أهتم بك"

ضاقت الزرقاء على الطريق الممتد "جيد، أخبرتك أن تنتظري"

شعرت بدوار يهاجمها فتماسكت قدر استطاعتها "حسنا كنت مخطئة"

صوتها لا يعجبه "امنحي الهاتف لأنس"

فعلت بتعب واضح وأنس أجابه وهو يلاحظ ملامحها "لا هي بخير، لا تقلق، الحراسة محكمة ولن نخرج من هنا"

أغلق وهي قاومت "أنس.. بعض.. العص.. "

ولم تكمل وهي تسقط بالظلام.. 

والكبير اخترق الطريق بلا توقف.. لم ينتظر أن يقود أحد بل دهس دواسة البنزين، خرق كل قواعد المرور والجنون يأكله بلا رحمة والشيطان أيضا لا يرحم

رائحة اللافندر وصلتها.. 

صوته العميق ناداها فقاومت ثقل رموشها وحاولت دفع الظلام وهي تفتح عيونها لتلتقي بوجهه المليء بالقلق "ليال، ليال هل تسمعيني؟"

ممددة على فراش وثير.. غرفة فاخرة من غرف الفندق فقد رأتهم أثناء المرور و.. 

الكبير هنا.. 

أغمضت عيونها مرة أخرى تسحب الوعي من أعماقها، هل عادت لتلك الأوقات؟ غثيان، دوار وفقدان للوعي؟ 

ربما، لكن مع الاختلاف.. هو هنا، معها 

"ليال"

عادت تفتح عيونها وصوتها خرج واهنا "أنا بخير"

هي بخير لكن قلبه ليس بخير، قلبه ينبض بجنون، خوف، قلق وربما ندم على حمل أراده قبل أن ينهي حساباته 

ترك زجاجة العطر وساعدها وهي تحاول الجلوس وتقاوم الغثيان "أخبرتك أنك لن ترغب بي وأنا.. "

قاطعها بحزم "لم أسامح نفسي أني لم أكن معك المرة السابقة وكل ما أرغب به هو تعويضك ما كان"

تحرك وهي تتبعه بنظراتها وعاد بكوب عصير، التجهم على وجهه والقلق واضح حتى بلمسة يده 

تناولت العصير وهو جذب مقعد وجلس بجوار الفراش 

"آسفة أني لم أسمع كلماتك، سامي استفزني ولم يمكنني تركه"

هدأ قلقه وارتد لهدوئه "حسنا ليال، لكن ما حدث يجعلك تتعلمين ألا تنساقي وراء غضبك"

سكنت نظراتها على كوب العصير "تظن أنه سيهاجمني؟"

يداه ثبتت على ذراعي المقعد ونظراته عليها وهو يعلم أن جسار لديه الأهم الآن "ربما"

رفعت عيونها له "أنت غاضب مني؟"

نعم، هي جازفت بحياتها وحياة طفلهم القادم.. أبعد وجهه 

بالطبع أدركت الأمر "أرجوك لا تغضب فأنا لا أتحمل غضبك مني"

لف وجهه لها، هي لم ترى وجه الغضب لهارون الديب، تركه خلفه يوم انفجر اليخت به، غضبه كان يأكل كل ما بطريقه بلا تمييز أو رحمة 

نظراتهم التقت، صامتة لكن داخلها كلمات "إلا حياتك ليال، لن أتسامح فيها أبدا حتى لو كنتِ أنتِ من يعبث بها"

ابتسمت، نست ما كان ورأت الرجل الذي تحبه وتعشقه وتعرف كم يحبها ويخاف عليها "لكنك ستسامح صغيرتك، ملاكك، قلبك"

تعرف كيف تتسرب تحت جلده، داخل شرايينه، تغزو قلبه، عقله، وتوقف حتى أنفاسه

نهض، تحرك مبتعدا بلا مكان لوجهته ولم يجيبها، لا يرغب بذكر الوقت الذي قطعه ليصل لها وهو يشعر بالجنون من خوفه عليها 

يداها التفت حول خصره من الخلف كما اعتادت أن تفعل، رأسها تستقر على ظهره وصوتها يرحل له "صغيرتك ما زال أمامها الكثير لتتعلم فهل مللت منها سريعا هكذا؟"

لم يرد ولم يجذبها له، تحركت حتى وقفت أمامه، يدها تعرف مكانها ورأسها ارتفع لوجهه وشعرها هبط كشلال هادئ انساب من أعلى التل بهدوء.. 

"آسفة حبيبي، أعدك ألا أتجاوز مرة أخرى بأي شيء"

سقطت نظراته على وجهها، نظراتها تمتلئ بالرجاء وقلبه يضعف أمامها "لا أقوى على غضبك مني أكثر من ذلك"

وارتفعت على أطراف أصابعها ومنحته قبلة على شفتيه ونظراتها لا تتركه "اغفر لصغيرتك"

أغمض عيونه، وهي تضع رأسها على صدره ويداها تلفه بلا انتظار ذراعيه لكن هو منحها إياهم، لفها بذراعه 

"إياكِ والمجازفة بحياتك أو التقليل من خصمك مهما كان ضعفه أو قوته ليال، تلك اللعبة لا ثالث لنتائجها، إما قاتل أو مقتول"

أجابت بصدق "فهمت"

رفعت وجهها له ولكنه أكمل "تلك الدائرة انغلقت ونحن لن نكون داخلها ليال، نحن مشاهد فقط، هذا ما رغبتِ أنتِ به وأنا سعيت له"

تفهمت ولم تجادل وهو ضمها له مرة أخرى ليمنح قلبه الطمأنينة أنها بخير 

**** 

لم يهتم الشيطان بالديبة، ليس لأنه اقتنع بكلماتها بل لأنه نساها بخضم الأحداث التي ابتلعته، بالضبط كما كان يعلم الكبير "لديه الأهم الآن"

قذف الهاتف على المكتب وسقط هو على مقعده وقبضته هي الأخرى تضرب سطح المكتب، الخسائر لم تكن واضحة بعد، لكنها تتحرك تحت جلده

تهرب البنوك منه كان أول جرس إنذار وبعده لم يستوعب ما يدور من حوله، مورد معروف ألغى اجتماع معه فجأة وقد كان الاجتماع هام 

شركة شحن خذلته بلا مقدمات عندما طلبت لأول مرة ضمان إضافي

وما أصابه بالجنون تلك الصفقة بالملايين والتي فجأة.. تأخرت بلا سبب واضح مما أصابه بخسائر فادحة وفتحت باب الشرط الجزائي

تفاصيل صغير.. لكنها كثيرة ومقلقة

حصار يحاوطه من كل الجهات.. لم يمر بمثل ذلك من قبل

عاد وجذب الهاتف واتصل وانتظر الجواب "غالي.. ما الذي يحدث؟"

الصمت جاء لحظة ثم صوت الرجل متحفظًا وهو يجيب "لا شيء يا باشا لكن.. السوق متوتر.. اسم الديب ما زال يثير القلق والقوانين الجديدة و.. "

هتف بلا اعتبار لمكانته "الديب انتهى، أنا كسرته"

صمت على الطرف الآخر، صمت طويل حتى صدمه الرد "لا أحد كسر الديب، هو فقط تركك تفعل ما تشاء"

وانغلق الخط بلا تفسيرات فقط ظلت الكلمات عالقة بالهواء... 

هو فقط تركك تفعل ما تشاء

**** 

عودتهم من الكينج كانت بالصباح، فما أن تركها ليجيب هاتفه حتى عاد ووجد الفانيليا غارقة بالنوم، ابتسم.. يعشقها بكل حالاتها لكن بالنوم تكون ملاك حقيقي.. 

دفع الغطاء عليها ووضع قبلة على وجنتها وتركها لتنام

لم يرحل للمكتب ولا هي للفندق كلاهم تحرك لجناحهم بينما تحرك الغاضب لبيته وألاء تسرع له وهي تحمل حمزة

ابتسم وهو يضع قبلة على شفتيها ثم يحمله والطفل ما زال صغيرا لكنه يعرف والده

قبلته دافئة على وجنته "ليال بخير أنس؟"

جلس وحمزة بأحضانه "نعم"

جلست جواره "أخبرتني أنها فقدت الوعي، ماذا حدث؟"

رفع وجهه لها لحظة ثم عاد لحمزة الذي تلاعبت أصابعه بالهواء وصوته الطفولي يجذب انتباهه "ليال حامل، لذا فقدت الوعي"

تراجعت، هل فعلت بتلك السرعة؟ كيف؟ 

عاد لطفله وهي تسأل "أحمد لم يكمل عام أنس"

وضع قبل على وجنة ابنه "هارون لا يرغب بالانتظار ألاء" ورفع وجهه لها "ولا أنا"

لفت وجهها له، التقت بالجدية بملامحه فأكمل "نحن عشنا الوحدة كثيرا ألاء وآن الأوان أن نحظى بالأسرة والأولاد وهارون على حق لذا سنفعل مثله"

لم ترد ولم تفكر بالاعتراض.. كل ما تتمناه بحياتها أن تمنح زوجها كل ما يرغب فهو يتفانى في إسعادها ومنحها حبه وحنانه ولن تقل عنه.. 

صفوان بحث عن المجنونة فلم يجدها، رفع هاتفه وظن أنها عند خديجة لكنها أجابت "بل بالطريق للسخنة صفوان أنا أخبرتك"

أصابه الجنون، هي فعلت لكنه لم يمنحها الموافقة "لكني لم أوافق جميلة، هل نسيتِ أنكِ حامل؟"

رحلة مع الجامعة وهي اعتادت على الحرية، لم تعرف القيود ولم تراعي حتى زواجها "ظننت سكوتك موافقة صفوان"

تحرك خارجا لسيارته والغضب ارتفع داخله بلا حاجز "أخبري السائق أن يقف بأقرب استراحة وانتظريني هناك وإلا أقسم ألا أرحمه هو أو أي أحد"

لم تخالف أوامره تلك المرة، انتظرته وما أن هاتفها حتى خرجت لسيارته ورؤيته منحتها نبذة عن الغضب المشتعل داخله والذي قد يحرق كل ما أمامهم لو خرج 

الصمت لفهم، دموعها تجمدت بعينيها، لم تعرف من أين تبدأ أو ماذا تفعل حتى وصلا القصر.. 

نزلت وتحركت للبيت بلا كلمات وهو تبعها وهي تحتمي بغرفتها لكن لا شيء سيوقفه "ألا تعرفين شيء عن طاعة زوجك؟ ألا معنى لكلماتي عندك"

التفتت له وهي تبحث عن رد "لم أقصد مخالفتك صفوان أنا ظننت سكوتك موافقة"

هتف بجنون "موافقة على سفرك وحدك مع شباب لا تعرفينهم؟ تحمل مشقة السفر وأنتِ حامل ولدينا ما يكفي من مشاكل بحملك؟"

تلجم لسانها، فقدت الرد 

عاد وأكمل "ظننت أنكِ لستِ بحاجة لرأيي جميلة، لديكِ عقل يميز"

أخفضت وجهها وهو التفت مبتعدا، لا يجد شيء يهدأ غضبه "أنا فقط أردت بعض المتعة صفوان، نحن لا نذهب لأي مكان"

التفت لها، وجهه يواجه وجهها وهي أكملت "أنت لا تأخذني معك لأي مكان وأنا مللت ولم أرغب بأن أكون عبأ عليك"

للحظة ظل صامتا، يستوعب كلماتها حتى قال بنبرة أخف "ولم تفكري أني أفعل من أجل صحتك وطفلنا!؟ لا يمكنك تخيل مقدار القلق الذي يساورني عليكِ بغيابي لكن الأمر ليس بيدي"

سقطت دموعها "وأنا لا أتذمر صفوان لكني رغبت بمساحة من الحرية"

اقترب منها "حرية لا تمس صحتك وصحة الطفل جميلة، إلا إذا كنتِ لا ترغبين به"

رفعت وجهها له بذهول، دموعها تتساقط بلا وعي منها "لا أرغب به؟ هل تمزح؟ تعلم كم أتمناه وأحلم بيوم أراه وأحتضنه بين ذراعي"

أحنى رأسه وانخفض صوته "لكنك لا تفعلين ما يجعلك تنالين حلمك، أنتِ تعرضينه للخطر بتهورك وجنونك وعدم طاعتك لكلماتي وأنا لن أقبل ذلك جميلة"

وتحرك خارجا وهي تستوعب كلماته ثم انهارت بالبكاء بلا مقدمات وقلبها يؤلمها وإحساسها بأنها كانت ستتسبب بضياع طفلها جعلها تتمزق بقوة

**** 

الاجازة بالبيت كانت ممتعة بأحضان الكبير وهي استمتعت بها حتى منتصف النهار عندما خرجت من الحمام ملتفة بالمنشفة لتجيب هاتفها واسم خديجة يضيء 

هارون تبعها هو الآخر بالمنشفة حول خصره وأخرى يجفف بها شعره 

"مدام خديجة ماذا هناك؟"

انتقى ملابس خفيفة ولم يهتم بالمحادثة.. 

خديجة لا تمثل أكثر مما منحها إياه، قبول وجودها ببيته فقط

عندما عاد لغرفته اصطدم بصغيرته تسرع له بلا انتباه، لفها بذراعه قبل أن تفقد اتزانها وتسقط وضمها لصدره بتملك 

"هل تنسي أنكِ حامل؟"

استنشقت الهواء من الفزع الذي أصابها واستندت على صدره بيداها ونظراتها تمنحه القلق "لا هارون ولكن أختك متعبة، نزيف، هل تهاتف الطبيب؟"

أفلتها والزرقاء تضيق وهو يتحرك لمكان هاتفه "وأين صفوان؟ ماذا حدث ليال؟"

كانت تنتقي ملابسها بسرعة وهي تجيبه وهو يهاتف الطبيب "تشاجرا وتركها ورحل"

**

أوقف الكبير صفوان عند باب غرفة النوم بلمسة صغيرة على ذراعه "الطبيب بالداخل"

ظلت نظراته ثابتة على الباب وعقله المشتت يحاول تجميع فتاته، الغضب انصرف بتعويذة من الكبير عندما هاتفه "عد، امرأتك تنزف"

وعاد.. 

قاد كما قاد الكبير بالأمس ليحمي امرأته، كسر هو الآخر كل قواعد المرور ولم يهتم بأي شيء سوى أن يعود لها ويضمها لصدره ويخبرها ألا تخف.. 

ارتد لهارون الذي منحه نظرة هادئة كعادته وهو يقول "أعلم أن لك كل الحق بأن تغضب لكن، أنت نسيت أن جميلة مختلفة"

تحرك العملاق مبتعدا والصمت رفيقه، هو لا يتحدث كثيرا لكن لو فعل يمنح المفيد والكبير أكمل "هي مدللة، مجنونة ومندفعة وكلنا نعلم ذلك، لذا كان عليك التأني بتعاملك معها"

التفت لهارون، لم يمكنه تقبل أن تخاطر بنفسها وطفلهم هكذا "كدت تقتل كل من بطريقك بالأمس لنفس السبب هارون"

تحرك له، بنفس الهدوء والثبات وقف أمامه، الزرقاء تمنح لمعان يبث التساؤل عما تحمله من معاني 

"هذا صحيح لكن، ليال ليست جميلة، جميلة ما زالت تخطو لعالمنا صفوان لكن ليال انخرطت فيه، وحتى ذلك، أنا لم أتركها وأرحل بل منحتها غضبي بتأني جعلها تدرك الخطأ"

ابتعد وهو يشيح بذراعه ويرد بعصبية "قلت إن ليال ليست جميلة، ليال تتفهم الخطأ"

وضع هارون يداه بجيوبه ورد "وجميلة تفعل بدليل ما أصابها"

التفت له والخضراء تتحدث عن عدم الفهم والكبير يمنحه الخطوط العريضة "هي انهارت لما حدث بينكم وبنفس الوقت أنت جعلتها تشعر أنها كادت تتسبب بفقدان الطفل"

 كاد يرد لولا خروج الطبيب وتحركه لهما وهو يمنحهم نظراته "هي والطفل بخير"

تنفس صفوان بقوة، أخرج الزفير الذي كتمه داخله من شدة القلق بينما منح الكبير اهتمامه للطبيب "النزيف؟"

تجولت نظرات الطبيب بينهما "مثل ما أصاب المدام وقت حملها سيد هارون، مدام جميلة تعرضت لضغط نفسي وجسدي وبالطبع هذا أثر على جسدها وهرموناتها خاصة بتلك الحالة"

أبعد صفوان وجهه وهارون عقد ذراعيه "هل هي بحاجة للمشفى؟"

الرجل تحدث بهدوء "لا، توقف النزيف وهي بحاجة للراحة الجسدية وزيادة الدعم العاطفي بتلك المرحلة، أنت تفهم بالطبع يا كبير"

هز رأسه وتحرك الطبيب للخارج والتفت هارون له "هي بحاجة لك، تعلم أن امرأتك ما زالت بحاجة للكثير لتلاءم حياتنا"

صوت ليال أتاهم "هي تسأل عنك صفوان؟"

التفت لها، وجهها حمل معاني أكثرها عتاب وأقلها رجاء وهو تحرك حتى وقف أمامها فقالت "هي تؤنب نفسها بشدة صفوان، خفف عنها من فضلك"

لم يمنحها رد، ليال أكثر الناس قربا له ونظرتها له جعلته يتفهم ما عليه فعله

تحرك للداخل، خديجة نهضت لرؤيته وتوقفت قليلا والجسد الصغير راقد بالفراش تكاد لا تظهر منه

نحفت كثيرا بسبب الغثيان والقيء وعدم تناول الطعام والآن.. ستضيع منه لو تمادى بطريقته هذه.. 

اقترب من الفراش وهي مغمضة، لا تفتح عيونها وإن علقت الدموع برموشها بوضوح، لمسة يد على كتفه جعلته يلتفت لخديجة

لم تتحدث لكن كأم منحته رجاء ألا يستمر بغضبه وأن يربت على الواهنة أمامه

خرجت وهو ظل جامدا مكانه لحظة حتى تحرك وهبط الفراش تحت ثقل جسده مما جعلها تدرك وجوده.. 

شعرت بعطر أنفاسه يضربها.. حرارة جسده تنطلق لها فلفت وجهها الشاحب لا تصدق أنه عاد 

"صفوان!؟"

تمزق قلبه من نبرتها الواهنة والتي حملت معنى رحل له، أنت هنا.. 

فتحت عيونها والتقى بالألم الذي ارتفع بهما، دموعها، تعثر أنفاسها وجفاف فمها، كل ذلك لمس قلبه الطيب

رد بصوت فقد الغضب والتوعد وحمل القلق والخوف من ضياعها "هنا"

رفعت يدها تبحث عن يده، تلتمس قربه، تتأكد أنه هنا، بالحال كان يقبض على يدها وهي بكت "أنا آسفة صفوان، لن أفعل ذلك مرة أخرى، لم أقصد ضياع ابننا ولا إغضابك أنا.. "

تألم أكثر، انحنى ولفها بذراعه واحتضنها ليوقفها عن كلماتها المؤلمة "كفى حبيبتي، اهدئي، أعلم أنك لم تقصدي شيء"

بضعف تعلقت به، احتضنته بقوة، حبها لا حدود له، خوفها من ضياعه منها تخطى كل الحدود، هي لا ترغب بأن تعيش وهو بعيد عنها، لن تعيش بدون قربه 

بكت أكثر "والله لم أقصد، سامحني صفوان أنا لا أتحمل غضبك، لن أخرج من البيت وحدي مرة أخرى ولن.. "

أبعدها لترتاح على الفراش وما زال ينحني عليها وهي تلفه بذراعيها لكن توقفت عن الكلمات وهو يلف وجهها الغارق بالدموع براحتيه 

"أنا كنت خائف عليكِ حبيبتي وليس رغبة بسجنك هنا، ما أن تتعافي حتى نسافر لأي مكان ونمضي أجازه سويا"

تجمدت ملامحها، لا تصدق كلماته، نست كل ما كان وهتفت "حقا صفوان؟ سنسافر؟ أرغب بزيارة شرم أخبرتك من قبل، لا يهم الألعاب المائية لأجل عمر أو هنا لكن سأسبح بالبحر وأرى الأجانب.. لا، لا، ليس شرم لن ترى النساء سنذهب إلى.. "

أسكتها بقبلته التي تعشقها ولم تتردد وهي تجذبه لها بذراعيها، سعيدة أنه عاد لها ولأحضانها 

وهو لم يعد يهتم بجنونها وتهورها، مع الأيام ستكبر وتتعلم وهو سيظل بجوارها فقط لأن هذا هو 

الحب.. الغرام

****

ظل الشيطان جالسا على مقعده، الهاتف لا يزال بين يديه، الكلمات تتردد في رأسه كصدمة لا تهدأ "هو فقط تركك تفعل ما تشاء.. "

ابتلع ريقه، حاول أن يسيطر ولو مرة واحدة على غضبه، لكن.. كل عضلة في جسده مشتعلة، كل خلية من خلاياه تصرخ بالجنون

لم يعد يعرف أي شيء؛ كل تحركاته، صفقاته، مكالماته.. مجرد حركة في لعبة أكبر منه بكثير

ثم.. هدوء

ذلك الهدوء الذي لا يُحتمل

شاشة الهاتف، الأوراق على المكتب، غرفة مكتبه كلها تبدو ساكنة لكن.. جسار يشعر بأنها تتحرك، أن هناك عين ترى كل خطوة، عقل يتوقع كل تصرف 

رفع رأسه ببطء، عيناه تبحثان عن شيء ملموس، أي مؤشر يمكنه من السيطرة.. لكنه لم يجد

وفي تلك اللحظة.. 

كما لو أن الهواء تغير، همس صوته الداخلي لأول مرة بوضوح "لقد خسرت.. ولم تبدأ بعد"

كل المؤشرات، الصفقات المتعثرة.. ليست صدفة.. كل شيء مدروس، كل خطوة محسوبة وكل زلة صغيرة تكشف له حجم هيمنة هارون

ابتسامة هادئة، قاتلة، ترسم على وجه هارون في ذهنه، وهذا الهدوء لا ينكسر أبدا.. 

فتح درجًا جانبيا، أخرج ملفًا قديمًا، صفقات مرت، توقيعات، أختام.. كل شيء يبدو سليم

إذن من أين يأتي هذا التعطيل؟ 

بمكبر الصوت تحدث "أحضر لي كل التحويلات التي تمت بالفترة الأخيرة؟"

أحضرها الشاب وترك الشيطان وحده.. عقله يستخدم تفاصيل ظنها هامشية.. جلسة المجلس التي سرت كما أراد، توقيع هارون بلا نقاش، تبدل القوانين و.. 

لم تكن هزيمة.. 

كانت انتظار.. 

رن الهاتف مرة أخرى فسرقه من نتائج أفكاره، رقم داخلي "يا باشا، البنك جمد حساب شركة الواجهة مؤقتًا"

لم يرد.. تنفس بعمق 

سأل ببرود "مؤقتًا؟"

تعثرت الكلمات في الرد "نعم.. إلى.. إلى أن تنتهي المراجعة"

وانتهى الحديث.. وتراجع بالمقعد 

هل حقا ما يفكر به هو ما كان؟ هل بدأ يفهم الحقيقة؟ 

هارون لم يواجهه. لم يصطدم به. هارون فتح الأبواب وتركه يدخل وحده

أو كما قال، منحه المفتاح وهو من اختار.. 

جذب ملف من الملفات، قلب الصفحات بعصبية حتى توقف.. اسم صغير، توقيع صغير.. 

قرار كان قد مرره بنفسه، قرار يفتح ثغرة وربما ثغرات قانونية لو استُخدمت الآن، تُغلق كل الطرق أمامه وتفتح طريق واحد

جهنم.. 

ابتسم.. لكن تلك المرة كانت ابتسامة رجل أدرك أنه سقط بالفخ

نهض، وقف أمام نافذة مكتبه.. المدينة لم تتغير.. لكن مكانه فيها بدأ يضيق

الانتصار الذي ظنه انتصار واحتفل به.. كان كاذبا والسقوط.. بدأ بالفعل

 نهاية الفصل

بنقرب من النهاية خلاص

حتى الآن ومنذ انتهيت من كتابتها لم أعرف كيف أكتب رواية أخرى

            الفصل الثامن والخمسون من هنا

تعليقات



<>