رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل الخامس5بقلم ميفو السلطان


رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل الخامس5بقلم ميفو السلطان

...انهارت ملك وحكت لها كل شيء. حكت عن عمر والزواج وعن الوحوش الذين اقتحموا بيتها وسحقوا كرامتها. ظلت ملوك تنظر إليها لبرهة تشعر أن قلبها سينفجر من مكانه. الصدمة كانت أكبر من استيعابها همست بذهول.... 
إيه..... اتجوزتي. اتجوزتي يا ملك. اتجوزتي من غير ما تقوليلي.

لم تحتمل ملوك تلك الطعنة في ظهرها. اندفعت تمسكها بجنون وهي تصرخ....
تمسكها بجنون وهي تصرخ.... 
اتجوزتي يا رخيصة يا زبالة يا واقعة عرفي. منك لله دي آخرتها. آخرة تعبي وشقايا عليكو. أهو خدو ابنهم ورموكي. ورمولك قرشين يا رخيصة عشان يغسلوا وسخك.

اندفعت مليكة  تمسك ملوك وتحاول تهدئتها وهي تصرخ... 
ابوس إيدك يا ملوك سيبيها. البت بتموت في إيدك.أنا خايفة أنا خايفة أبوس إيدك بطلي يا ملوك.

صرخت ملوك بصوت زلزل البيت.. 
أبطل... أبطل إيه أختك فضحتنا. يا مصيبتي السودا. جم لحد عندك وضربوكي وخدوا الواد. طب إيه اعمل إيه. أروح أنهش قلبهم ولا أحرقك وأحرق نفسي.

سادت لحظة صمت مرعبة لم يقطعها إلا شهقات ملك المحطمة ونظرات ملوك التي تحولت من الغضب إلى لمعة غريبة تقطر شرا وتوعدا. كانت ملوك الطبيبة تختفي الآن لتظهر بدلا منها امرأة أخرى قررت أن تحرق عائلة الراوي ومن فيها.

صرخت ملك بذعر هستيري وهي تحاول تغطية أذنيها بيديها.. لا لا هيموتني. أخوهم هيموتني. هو قال لي هموتك وهتاوي جتتك للكلاب.

انفجرت ملوك كبركان ثائر وصرخت بصوت هز جدران البيت.. هو مين ده بروح أمه.. دانا اللي هنهش قلبه وأطلع روحه بيدي دي. دانا أشرحه بمشرطي حتة حتة.

.
تعلقت ملك بملابس ملوك وهي تبكي بضعف...... 
أبوس إيدك يا ملوك. عمر بيحبني. هو هييجي أنا عارفة هو قال  هيسكتهم وييجي ياخدني ده بيحبني والله. 

صرخت ملوك بوجهها وعيناها تجحظان من الغل....
حبتك عقربة تلوشك يا زبالة يا رخيصة. يا مصيبتي السودا على آخر الزمن ننفضح ليه؟ ليه ترخصي نفسك؟ كنتي حاسة بإيه وهو بيديكي فلوس ويقولك يا رخيصة يا زبالة؟ الواطي واقف يقسم ويحكم ويقول ليه؟ كان ربنا البعيد.. خده ربنا يبتليه بمصيبه الفاجر . إنتي فاكراني هسكت  ملوك ماهتسكتش لحد. أنا أختي مايتعملش فيها كده. أنا هروح وهبلغ عنهم وافضحهم فضيحة مايلاحقوا عليها. هجرسهم في البلد 

ارتعشت مليكه بقوة فهيا ضعيفه ومرتعبه وشخصيتها مهزوزه وانهارت قواها.. أبوس إيدك اسكتي انا خايفه سيبيها تهدي   حرام .

انكمشت ملك على نفسها أكثر وهي تشهق بالبكاء. لكن ملوك لم ترحم ضعفها بل استمرت تفرغ شحنة القهر التي تملكها... 
حرام... صرختي وبتقولي حرام.. حرام على مين بالظبط هاه؟ قولي أدينا بنعيده تاني. الهانم حبت... عايزة تحبي إنتي كمان؟ يلا روحي حبي عشان يا يفضحك يا يموتك. حبيتوا يا ولاد الهاشمي؟ أهو تاني بنعيده.. هم وحزن. أمك ماتت بسببهم ياللي بتقولي حرام.. ماتت مقهورة بسبب راجل. وأختك انفضحت وانداس على كرامتها بسبب راجل وعيلته.

خبطت علي صدرها بحرقه... ألطم على وشي؟ دي آخرة صبري؟ ده جزاء جريي عليكي وشقايا عشان أرفع راسكم؟ دانا نسيت أنا مين وعايشة عشانكم. ليه؟ حرام إيه؟ أجيب لك عريس وأجوزك تفرحي بالرجالة يا مليكة إنتي كمان؟

صرخت مليكة بذعر وهي تحاول تهدئة ملوك.. 
لا لا مش عايزة.. بطلي يا ملوك حرام عليكي البت بتموت في إيدنا. 

كانت ملوك تدور في الغرفة المجنونة.. تهذي بغضب لا يرحم.. منك لله فضحتيني وخليتي زبالة زي دول يتجبروا علينا. محروقة دمي يا جزمه. هموت وأروح أنهش قلبه. يا مصيبتي أختي تنضرب وتتهان؟ أختي يتعمل فيها كده؟ قعدك تحت جزمته بيديكي فلوس الجعان الواطي عديم الشرف. مين البيه إللي جبروته وفجرو عدو أي نجاسه. ياخدو الراجل من بيته إيه دول ماصوتيش ليه لميتي الخلق.. أعمل إيه انهش قلبهم إزاي يقعدك تحت جزمته أنا أختي تقعد تحت جزمه راجل دانا كنت حشرتهالو في بوقو بس أقول إيه.. رخصتي نفسك منك لله. 

انكمشت ملك على نفسها أكثر وهي تشهق بالبكاء. ؟

لم تعبأ ملوك. وجلست فجأة على الأرض تخبط على ركبها بجنون وهي تهذي:
أروح فين وأعدد لمين.. الفضيحة نار بتاكل في جتتي. بس لاااا.. ملوك ماهتسيبش حقها لو في بطن الحوت. لو في بطن ولاد الراوي همد إيدي وأجيب مصارينهم بره. اللي مد ايده عليكي ده.. اللي افتكر إنه كبير وعنده اطيان وشركات يقدر يشتري بيها شرف الناس..  هخليه يتمنى الموت وما يطولهوش.

وقفت ملوك ببطء ومسحت دموعها بعنف. سكنت حركتها فجأة وصار صوتها هادئا بشكل مرعب أكثر من صراخها... 
. اللي داس عليكي بالجزمه هخليه يلحس تراب رجليكي. والله يا ملك.. وبحق كل دقيقة ذل عيشتيها في الشقة دي وهو بيمد ايده عليكي.. لأخلي عيلة الراوي دي عبرة للصعيد كله. هعرفهم مين هي بنت الهاشمي اللي استرخصوها.. هعرفهم إن المشرط اللي في إيدي ده ممكن يقطع رقاب مش بس يداوي جروح.

نظرت لملك بجمود وقالت:
نامي.. نامي يا ملك واشبعي نوم. عشان من بكره ملوك تانية خالص هي اللي هتصحي. ملوك اللي هتاخد حق أختها من عيون ولاد الراوي.. واحد واحد. بس هصبر علي قولك إما نشوف البيه هيعمل إيه وهيطلع راجل وإلا زباله زي صنفه. 

دخلت ملوك حجرتها وظلت تدور بغل. لم تحتمل ملوك ولبست ونزلت صاله الجيم كانت ملوك تقف في زاوية معتمة من صالة تدريب ملاكمة مهجورة في أطراف المدينة. بعيدا عن أعين أختيها اللتين تظنان أنها في مناوبتها الليلية بالمستشفى. كانت ملوك تفرغ شحنة من الغل والحقد في كيس ملاكمة ضخم أمامها.

لم تكن تتدرب كهاوية. بل كانت تضرب وكأنها تخوض معركة حياة أو موت. صوت ارتطام قبضتها  كان يدوي في الصالة كطلقات الرصاص. كانت تتخيل وجه أخوة عمر   على ذلك الكيس. ومع كل ضربة كانت تهمس بفحيح مكتوم... 
دي عشان القلم اللي نزل على وش أختي.. ودي عشان الوجع اللي في قلبها.. ودي عشان ورقة الجواز اللي استرخصتوها يا واطين.. ودي عشان جزمتك النجسه يا
زباله. 
تصبب العرق من جبينها بغزارة لكنها لم تتوقف. التفت حولها حين صاح المدرب بحدة.. 
أقوى يا دكتورة.. ركزي في الهدف.. اضربي في مقتل. 

لم تجبه بكلمة بل زفرت أنفاسها بقوة وانقضت على الكيس بضربة خلفية جعلت السلاسل الحديدية التي تحمله تصرخ من شدة الضغط.

مسحت العرق بظهر يدها وعيناها تلمعان ببريق مخيف خلف خصلات شعرها المبتلة. همست لنفسها وهي تنظر ليديها المرتجفتين من المجهود.... 
بكرة يا ولاد الراوي.. بكرة هتعرفوا إن المشرط لما بيتحول لسيف.. مابيرحمش.

عدلت ملابسها الرياضية السوداء وأخفت كدمات بسيطة في مفصل يدها  وخرجت بهدوء لتعود لمنزلها كأنها لم تفعل شيئا تاركة خلفها صدى ضرباتها الذي لا يزال يهز جدران المكان. 

*************
نعود بالزمن لقصر الراوي... دخلت زوجة العم على بناتها والغضب يتطاير من عينيها لتجد ندى غارقة في دموعها وقهرها. صرخت ندى بهياج... 
شفتي اللي حصل يا ماما ؟ شفتي عمر عمل فيا إيه؟ إنتِ إزاي ساكتة كده؟ أنا لازم أروح أعمل مصيبة  وأفضح البت دي. 

هتفت أمها بحزم وهي تلوح بيدها.. 
مصيبة تشيلك يا حزينة بطلي نواح عاد.. عامر جال كلمته وكلمة عامر سيف على رقجابنا كلنا، لا إنتِ ولا أنا نطدر نكسرها.

صرخت ندى وهي تضرب صدرها بقهر.. 
يتجوز عليّا؟ يروح لبت من الشارع ويحرج جلبي؟ ده أنا ندى بنت الراوي. 

ردت الأم بسخرية لاذعة... 
ما أنا جولتلك بلاش عمر.. جولتلك ده بتاع طيش ومشاعر عندك عامر بوقاره ولا عمار بهيبته إنما إنتِ اللي مابتفهميش وركبتي دماغك. 

في تلك اللحظة دخلت مها الابنة الثانية كانت تتهادى بدلال لافت وجمال باهر يفيض بالثقة وكأن ما يحدث لا يعنيها. هتفت ببرود وغرور... 
لا يا ماما.. عامر إيه اللي ندى تبصله؟ عامر ده بتاعي أنا اصحي يا ندى وماحدش يقرب منه  ده الحلم اللي مايطولهوش إلا اللي تفهمو. 

نظرت إليها الأم بتعجب وقالت... 
أيوة يا مها، بس عامر ده حجر صوان ملوش في الحب ولا في السبسبة اللي ندى غرجانة فيها دي مش زي الخروف ابن عمك اللي البت لفت عليه.

ضحكت مها بجلجلة  وقالت بتباه... 
يا ماما عامر راجل ملوش في الحزن ده سبسبة إيه وقرف إيه؟ خيبة على الرجالة اللي يمشوا ورا مشاعرهم.. لاه.. ده سيد الناس وسيد البلد وأنا شكلي هبقى ست الجصر ده بجد.. أنا اللي هعرف أروض الحجر ده.

ثم التفتت لأختها المنكسرة وقالت بجمود... 
وأنتِ يا حزينة طالما عامر ق
جال يبقى خلاص كلمته ببلد كفكفي دموعك وحضري فستان فرحك عريس مغصوب أحسن من مفيش. 

جلست ندى تخبط على ركبتيها وتبكي وتنعى حظها الذي رماها في قلب رجل لا يراها بينما وقفت الأم ومها تراقبونها كل واحدة منهما تنسج خيوط طموحها فوق أنقاض كرامة ندى وكسرة قلب عمر.

***************
خلف الباب الموصود... هب عمر كالإعصار في الغرفة المحبوس فيها كان يضرب الجدران بيديه حتى سالت منها الدماء ويصرخ باسم جده وصوته يشرخ جدار الصمت في سرايا الراوي........ 
يا جديييي يا جديييي.. افتحلي ياجدي ورحمة فضل عندك يا جدي وعضم التربه افتحلي.. انا عمر حرام عليكو..افتح يا جدي.. ابوس يدك ارحمني من الذل ده.. بيموتوني بالبطيء وأنت سامعني ليه يا جدي؟ هو أنا مش من دمك؟ هو أنا غريب؟ يا جديييييي.. ارفع راسك وبصلي.. أنا عمر اللي كان بيتحامى فيك من الهوا شرفي يا جدي مرتي يا جدي بالله عليك ورحمه ابنك .. دلوقتي بتسلمني ليهم؟ يا جديييييااااااي.. لو الباب ده ما اتفتحش دلوقتي اعتبرني مُت.. اعتبرني مالوش وجود..

صرخ بحرقه بخ فيها صوته ونحيبه يعلو... يا جديييييييييي ارحم كسرة قلبييييي.. يا جدييييييييياااااااااي ماليش غيرك يا جدي انجدني منهم يا جديييي يا جدياااااااااااااااي 

لم يحتمل الجد سعفان أنين حفيده المفضل... لاه اني مش جاد هفتحلو... 

فقام بوهن وفتح الباب. اندفع عمر كالمجنون إلى وسط الدار و الإخوة  يقفون بانتظاره ببرودهم المعتاد.

وقف عمر في مواجهتهم و وجهه يشتعل حمرة وعيناه تطلقان شرارات الغضب مسح دموعه بحرقه.. وصرخ بصوت زلزل  السقف... 
لتكونوا فاكرين إني هعدي اللي حصل ده يا ولاد فضل.. أنتوا من هنا ورايح مالكوش حط ولا أخوة عندي. إني هرجع لحبيبتي أراضيها وآخدها وأفرح بيها أجيب عيال وأعيش متهني. وأنتوا بقى كلوا بعض ربوا في لحمكم المر يا كلاب صعرانة.. اتجوزوا نسوان للنوم والقرف. أنتوا مالكوش تحبوا ومالكوش تتحبوا. أنتوا مالكوش جلب ما بتعرفوش ماعندكوش نعمة الحب من أساسه. 

هتف عمار باحتقار وهو يربع يديه فوق صدره الضخم.. 
سيبنالك النحنحة وجلة الأدب والمسخرة دي ليك يا واد يا خايب.

رد عمر عليه وهو يقترب منه بندقية.. 
مالكش صالح إني مبسوط هاه.. ليك شوج في حاجة؟

تدخل عامر بوقاره المرعب الذي يخفي خلفه بركانا وقال بنبرة هادئة تخرج من تحت أضراسه.. 
أنت ياض واجف تباجح ليه؟ أنت فاكرنا بريالة. لا يا شاطر اصحي وفوج، إني عامر الراوي.. خلاص جصة وزبالة وخلصت.

هنا انفجر عمر وصرخ في وجهه.. 
لا! أنتوا اللي زبالة تتهجموا على النسوان يا عديمي الشرف. تدخل دار أخوك يا بتاع العدل.. عدل إيه يا راجل دا لو حد عرف هتبقى فضيحة. أنتوا دلوك قدامي من غير شرف لا أنت ولا أخوك. 

اندفع عامر نحوه وجذبه من ثيابه بغل
ليه عشان مرة نجسة زي دي  إني اديتها قرشينات وغارت خلاص جصة وخلصت. 

تجمدت الدماء في عروق عمر واتسعت عيناه بذهول وصدمة زلزلت كيانه وهمس بصوت مكسور كأنه لا يصدق... 
إيه؟ اديتها إيه؟ أنت مشيت مرتي؟ مشيت حرمتي وادتها فلوس يا بن أبوي؟ يا فضحتي للدرجة دي مافيش نخوة؟ حرمة أخوك تخرجها من دارها؟ حرمة أخوك تمشيها وتديها غلوس في أنصاص الليالي؟ ترمي لحم أخوك منك لله.. ربنا ينتقم منك يا بعيد تدوق حُرجة الجلب يا عديم الجلب. تمشي مرتي بفلوس ليه؟ كلبة؟ 

دفعه بعنف 
.... لاااا.. فوج إني آه صغير بس صعيدي والشرف عندي برجابكم وصنفكم واللي يمس مرتي أنهش جلبه. 

ثم استطرد وهو يشير بإصبعه في وجوههم جميعا... 
مرتي هترجع وهتبقى ست داري وأي حد هاه.. فاهمين؟ أي حد هدوسه قدامي وهسيح دمه الجتل فيه حلال. إني ماتعاصش في شرفي وأسكت. 

تراجع خطوه للخلف ونظر لهم جميعا رفع يده مشيرا إليهم.... من هنا ورايح إني متبري منكم ومن أخوتكم ليوم الدين. لا أدخلكم دار ولا تدخلولي دار. عمر الراوي ماعاش لية عيلة ماشي يا عامر يا كبير؟ اجعد فيها وانبسط اجعد من غير جلب خلي الدود ينهش جواك. كمل جثة ميتة يا عامر ياللي خرجت مرت أخوك من دارها.

دار بحرقه... عايز اخرج اعلي صوتي واجول اشهد يا بلد.. عامر الراوي رمي لحم اخوه في الشاااارع.. اخص على الرجالة اخص أنتوا نسب يعر عملت إيه المسكينة دي عشان تناسب جرف زينا كلاب صعرانة بوشوش ناس ماتعرف ربنا. 

صرخ عامر وهو يدفعه بقوة أطاحت به أرضا.. 
دانت فاجر جوي.. داحنا كبسنكم نايمين مع بعض يا زبالة.. وطيت راسنا في الأرض وجاي تتبجح... 

كان عمر ملقى على الأرض يضحك بمرارة ودموعه تنهمر يلملم كرامته الجريحة ويستعد ليغادر هذا الجحيم الذي يسمونه بيت العيلة وعيناه تقسمان أن الانتقام لن يكون سهلا.

ساد صمت رهيب في المندرة صمت لا يقطعه إلا أنفاس عمر المتلاحقة التي كانت تخرج كحمم بركانية. نظر عمر لعامر باحتقار لم يره الأخير في حياته وصرخ بمرارة... 
وطيت راسكو مين.. إني... دانتو راسكو واطية خلجة... واطية بسلسال الغل والنعرة الكدابة.. واطية لعبادة الأسياد والملوك. الله في سماه يا عامر لأجيب حج مرتي منيكو وهفضحكو وهفرج عليكو خلجه.. ما اللي عدم ناسه يشتريله ناس. وإني عدمت أهلي خلاص. 

جن جنون عمار واندفع كالثور الهائج ليرفع يده ويصفع عمر لكن المفاجأة كانت في حركة عمر السريعة فقد أمسك يد أخيه في الهواء بقبضة حديدية وصرخ في وجهه بفحيح مرعب... 
لاااا.. كان زمان يا ابن فضل لما كنت عاملك كبير. كان زمان لما كنت شايفك راجل كان زمان أحط خدي مداس ليك ولأخوك.. إنما دلوك؟ خدي ده بعيد عن شنبك وشنب اللي يتشددلك.. 

نفض يد عمار بقرف والتفت لجده الذي كان يجلس منكسرا وهتف بقهر.. 
مبسوط يا جدي؟ سيبتهم يخرجوا مرتي من داري.. وجايبلي بت تجوزهالي ليه؟ ليه عملت إيه؟ لااا.. دي مرتي وما هتكونش غير دي، واللي عندكو اعملوه.

هنا اشتعل عامر واقترب بظله الثقيل الذي يلقي الرعب في قلوب الجميع وصرخ... 
عملتلك إيه يا نجس عشان تبيع أهلك عشان دي؟

لم يتراجع عمر خطوة واحدة بل اقترب أكثر حتى تلاقت عيونه بعيون عامر وهتف بجمود يسبق العاصفة... 
أهلي؟ هما فين أهلي يا عامر؟ هما فين؟ ترضاها على روحك؟ أخش أجيب مرتك من دارك وأخرجها في نص الليل؟ ترضاها.. أنت عندك نخوة أنت؟ ترضاها يا سيد الناس؟ أخرج أجول للناس عامر كبيري خرج مرتي في نص الليل؟ طب عرفني.. خرجتها مستورة وإلا عررتها؟ إني نجس يا عامر؟ انا؟ دانا مابسيبش فرض بس عارف يا عامر؟ مش هجولك عاللي بينا واللي عملته ولا هدافع  عارف ليه؟ لأنك مابقتش تهمني ولا يهمني تجول عرفي ولا رسمي مابقاش يفرج. 

أخذ نفسا عميقا وتابع وهو يشير إلى قلبه.. 
حطها حلقة في ودنك.. أخوك مات يا عامر من يوم ما مديت يدك وخرجتها مقهورة. إني لا ناجص ولا عويل. احبس.. اضرب.. عارف اللي هيحوشني عنها إيه؟ موتي مد يدك وموتني عشان ترتاح ساعتها بس عمر الراوي خلص دنيته.. بس خلصها بشرف.. يا عديمي الشرف. 

تركهم عمر واقفين كالأصنام وكلماته تنهش في جدران السرايا وفي ضمائرهم التي ظنوا أنها ماتت. 

اشتعلت النيران في المندرة بتلك الكلمه   أمسك عامر عمر من ملابسه بعنف يزعزع الأبدان، وهتف بفحيح يرعد القلوب.. هبعت أجيب المأذون يكتب كتابك على ندى بت عمك دلوك.. وابقى أنطج بكلمة  والله لأحطك تحت رجلي يا فاجر يا بتاع العرفي. 

ولأول مرة في حياته فعلها عمر مد يده ودفع أخاه الأكبركبير الراوية بعنف أسقط وقاره أرضا وجعل عامر يتراجع بذهول لم يختبره من قبل. ضحك عمر ضحكة هستيرية ممتزجة بالقهر.. 
ليه مرة تكتب عليا؟ لاه.. خليهالك ابلعها ولا جوزها لعمار.. ماهو ماتفرقش بهيمة ينام معاها وخلاص. 

لم يحتمل عمار الإهانة فاندفع كالثور الهائج.. 
إني هعرفك مجامك يا جوز الست يا اللي جايب واحدة بتتحضن في الشجج بالعرفي.. 

اشتبك عمار مع عمر في عراك عنيف الجسد يرتطم بالجسد والأنفاس تخرج كالحميم. صرخ عمر وهو يحاول الإفلات.. 
إني همشي يا عمار وأعلى ما في خيلك اركبه.. سيبني أمشى.. 

تجمع النساء عند الأبواب يولولن والجد يصرخ وصوته يضيع وسط ضجيج الصراع. اقترب عامر ليفض النزاع بقسوة وفي لحظة من الجنون والضياع امتدت يد عمر المرتجفة وجذبت الطبنجة من جراب أخيه عمار.

صرخ عمر بوجه محقن بالدماء واصبح ممسوسا... ض. 
بعد.. بعد عني إني هموتك.. إني هعرفك إزاي تتهجم على حرمة أخوك  إني هوريك الرجولة. 

تملك الذعر من قلب عمار لأول مرة ليس خوفا من الموت بل خوفا على أخيه الصغير الذي فقد عقله. صرخ بصوت متحشرج... 
هات الزفت ده منك لله هات.. ده ميري يا مخبول هتروح في مصيبة.يدك اوعي طيب اهدي ماهنعملش حاجة. 

تلاحم الثلاثة في كتلة واحدة من الغضب والخوف عمر يحاول التحرر بسلاحه. وعمار يصارعه بيدين مرتعشتين لينتزع المسدس الملكي قبل أن تحل الكارثة. وعامر يحاول بجسده أن يفصل بين النارين.

صرخ عامر بزئير أراد به شق هذا الكابوس قلبه سيقف من خوفه علي أخيه الصغير ... .. 
سيب يا مخبول هنروح في داهية. ما
هنجيش جارك سيب ورحمة أبوك سيب. 

وفجأة.. انشق صمت المكان بصوت انفجار مروع.

صدح العيار الناري في الأفق ليتجمد الزمن في تلك اللحظة. سكتت الولولة وتوقفت الصرخات، وساد صمت جنائزي ثقيل. وقف الجد سعفان في مكانه كالصنم وضع يده على رأسه بذهول والمنظر أمامه يخلع القلوب من مواضعها.

كان الأخوة الثلاثة عامر وعمار وعمر لا يزالون ملتحمين في وضعية الجمود كتلة واحدة لا تتحرك. العطر الفاخر اختلط برائحة البارود المحروق. لم يتنفس أحد ولم يتحرك أحد. والكل يترقب بصدور مخنوقة.. أين استقرت الرصاصة الغادرة؟ هل غرزت أنيابها في قلب الوحوش الذين طغوا؟ أم سكنت في قلب النابض الذي لم يطلب سوى الحق والحب؟ 

سالت قطرة دم واحدة على الأرض الرخامية لتعلن بداية النهاية.. أو نهاية البداية... 


                    الفصل السادس من هنا
تعليقات



<>