رواية غرام في العالم السفلي الفصل الستون60والاخيربقلم داليا السيد

رواية غرام في العالم السفلي الفصل الستون60والاخيربقلم داليا السيد 

كان يا مكان.. كان في يتيم.. عاش عشر سنوات.. من عمره لقيط.. و.. 

انتهت الحكاية.. 

**** 

كالمرة السابقة، توقفت الديبة بجوار زوجها.. 

تلف يدها بذراعه، تضم نفسها لجسده، تعشق صلابته وقوته.. 

تتأكد أنها ضلعه الناقص.. 

الباشا نزل من سيارته، لم تعد هناك تلك السيارات والحراسات.. فقط تميم ولم يعرف الباشا أن هناك حراسة خاصة وضعها الديب الصغير خلفه لحمايته

ما زال الشيطان حر طليق.. 

ابتسامة الرجل قلصت التجاعيد.. أضاءت بريق الزرقاء مرة أخرى "أحب بيتك ليال، كله راحة ودفء"

ضحكت برقة، عمرها الصغير رحل وحل مكانه امرأة تعرف من هي جيدا، عرفت أنها خُلقت لتكون امرأة الديب 

"لأن كل طوبة منه بُنيت بالحب يا باشا"

توقف أمامها.. هارون لا يتحدث كعادته، والباشا يواجه زوجة ابنه "وهذا ما افتقدته بحياتي كلها ليال، الحب"

لم ترحل ابتسامتها وهي تضغط على ذراع زوجها "ما زال لديك وقت لتناله يا باشا، تفضل"

تحرك معهما للداخل وتلك المرة تجولت عيناه بالمكان، المرة الثالثة التي يدخل البيت ولكن تلك المرة مختلفة 

توقف بالبهو، عيناه التقطت الكثير مما لم يراه من قبل حتى استقر على الباب الزجاجي للحديقة وحمام السباحة "تلك الحديقة تذكرني بخاصتي، هل تعرف أنني لم أجلس بها ولا مرة هارون؟"

التفت له وهارون تحرك ليقف بجواره "أظن أن حجم أعمالك كان يأخذ وقتك"

لف وجهه له، حزن عميق ظهر بنظراته "وهل عملك منعك مثلي؟"

لف وجهه لها، عيونها لحقت بعينه.. كلاهم تخطى الكثير ليصل للآخر وينال تلك الحياة والكبير يدرك ذلك جيدا "ليس من بعد زواجي"

ابتسمت، ابتسم العجوز لنظرات الحب التي رآها بعيونهم "متى سأرى حفيدي؟"

عادت له ليال، لا تترك ذراع زوجها "للصدف يا باشا هو بالحديقة، ينال قسط من المرح فهو يعترض على غرفته تلك الإيام"

أشرق وجه الرجل، أشار للحديقة ببهجة "لديه كل الحق، لنذهب ونمرح معه"

وتحرك الرجل، لم ينتظرهم والكبير حرر ذراعه منها ليلفها به وهي تبتسم له 

لأول مرة يرى هارون، محمد الديب يتصرف بتلك الحرية، بلا قيود، بلا تعالي أو كبرياء.. هل حقا اختلف لأنه الآن جَد؟ 

أسند رأسه على أصابعه وظل يراقب الرجل الذي هو والده، يحمل الطفل ويداعبه ويضحك لمداعبات أحمد وليال تضحك معه.. 

لم يعد بإمكانه إنكار أن ذلك الرجل يحتل مكانة خاصة داخل قلبه، ربما لأن الرجل لم يتخلى عنه كليتا، بل نزعه من الضياع بالعاشرة، رفعه لمكانة مميزة.. منحه حمايته

طوال عمره لم يستطع الافتراق عنه، ساخط، غاضب لعدم الاعتراف به لكنه.. ظل يحمل داخله شيء له.. 

ظل شعوره بالبنوة يحتله رغما عنه

لفت انتباهه نظرات خديجة من خلف نافذتها، لم تتوقف عن تلك العادة، مراقبته بأي وقت يكون قريب من بيتها.. 

لماذا لم يلين قلبه لها كما لان لمحمد الديب؟ 

لماذا لم يستطع أن يغفر حتى الآن؟ 

الإجابة موجودة داخله.. بل ممزوجة بالسنوات العشر الذين نالهم بالملجأ، بلقب لقيط، بغضبه من والده، بأنه كان من الممكن ألا ينال تلك الحياة لولا محمد الديب

هي سبب كل ما أصابه.. هي من تخلت عنه.. 

لن يمكنه أن يسامحها.. فقط أمكنه تقبل وجودها، لأجل زوجته، ابنه ولأجل الدين حيث بدأ يتعلم مبادئه.. 

جلس الرجل بعد أن تذمر أحمد طالبا طعامه ونومه.. 

أخذته الفانيليا والمربية لحجرته.. 

ظل محمد ينظر للحديقة لحظة قبل أن يتحدث، صوته خرج أخفض مما اعتاده هارون منه "لم أظن يومًا أنني سأجلس هكذا، خارج قصري، بلا حراسة، بلا أوامر، ومعك"

لم يرد هارون، اكتفى بمتابعة نظرات محمد الزائغة وكأنه يمنحه فرصة كي يكمل 

"البيت مختلف" تابع الرجل "كما قالت زوجتك، به من الحب ما لم أعرفه طوال عمري"

ملامح هارون ثابتة، ثمية وضعت القهوة والكعك ورحلت وهارون تناول خاصته وقال "تلك الأمور لا تُشترى" قالها أخيرا بلا حدة، بلا دفء

لم يتناول الديب قهوته، لم ينظر لها أصلا، فقط ابتسم ابتسامة قصيرة، مهزومة "ولا تُفرض"

صمت بينهما ثقيل، لم يقطعه سوى صوت العصافير حولهم حتى تحدث محمد، وكأنه يعترف لنفسه لا له "كنت أظن أن القوة تصنع الرجال، فاتني أن الغياب يصنع الكراهية"

ظل هارون ينظر للأمام، القهوة ما زالت بيده وصوته خرج هادئا لكنه حاسم "الغياب يصنع فراغًا، والبعض يملأه بالشر"

الباشا يدرك المعنى، يدرك المنطقة التي خطى لها، منحه نظراته "جسار.. "

نظرة هارون تلك المرة كانت حادة، جعلته يتوقف لحظة ثم عاد وتنفس بعمق وأكمل "عرفت منذ صغره أنه لن يتقبلك.. لا لأنه عرف إنك ابني مثله، بل لأنك كنت الأفضل"

نظرات هارون انغلقت.. لا مجال لاستعادة الذكريات ومواقفهم السيئة معا فهي لن تُجلب أي سعادة "هو اختار طريقه"

الباشا تعلم إظهار مشاعره مؤخرا، لم يعد الجمود عنوانه "وأنا أخطأت حين تركته يظن أن المقعد حق.." وتوقف لحظة، إدراك، اعتراف ثم أضاف بصوت أخفض "كنت أعلم أنك الأصلح والأجدر"

لم ينظر له هارون تلك المرة، اكتفى بجملة واحدة وكأنها تنتهي كل شيء "الاختيار كان لك.. والنتيجة عليه"

 انخفضت كتفا محمد، كأن العبء أخيرًا وُضع حيث يجب

بعد لحظة طويلة عاد وقال "وجودي معك هنا، مع حفيدي.. " وابتسم بحزن صادق "هذا أكثر مما أستحق"

 وضع هارون كوب القهوة الفارغ على المائدة وقال بحسم "لكل إنسان فرصة واحدة ليكون أب"

وتوقف وهو يرفع وجهه للرجل الشاحب أمامه وأضاف "وأنا اخترت أن أكون أبا لابني"

واعتدل لرؤية زوجته عائدة لهما، نظرات الباشا انخفضت، كلمات هارون أصابت الهدف، طعنته بمقتل "الغداء جاهز يا باشا"

استعاد نفسه، لن يمكنه أن يلوم ابنه ولا أن يمحو ما كان، لكن يمكنه التمتع بالحاضر والمستقبل.. 

**** 

اجازة الكبير تعني اجازة لرجاله المقربين.. 

الغاضب ظل بالفراش والبسكوتة ما بينه وبين حمزة، هندية من أحضرت لهم الغداء اليوم، مهما حاولت ألاء صنع الطعام كانت تفشل وهو طالبها بالتوقف عن المحاولة 

معدته تشكو منه.. 

انتهت من نوم حمزة وأسرعت لغرفته وهاتفها يرن وهي تتعجب فمن سيهاتفها وزوجها هنا؟ 

وجهها شحب لحظة وهي ترى اسم خالها على الهاتف، هو لم يهاتفها منذ يوم المشفى فماذا الآن؟ 

صمت الهاتف وأنس لاحظ أنها لم تجيب، اعتدل وواجها "ألاء ماذا حدث؟ من المتصل؟"

أجابت بتعثر "خالي"

نهض، لفها بذراعه والهاتف يعود للرنين "أجيبي حبيبتي"

رفعت وجهها له، الألم والحزن هما كل ما سكن نظراتها، منحها هزة تشجيعية من رأسه لتجيب ففعلت 

أتاها صوت خالها "هي ترغب برؤيتك لآخر مرة ألاء، أمامها وقت قصير"

أغمضت عيونها بألم، لم تستطع أن تمحو حب أمها من قلبها 

عاشت كل عمرها بين أحضانها، غفلت عن قسوتها عليها، تجاهلت طباع الأم ورغباتها العملية لأنها أمها

الآن قلبها هو من يرتجف لها، سقط الهاتف وذراع زوجها تلفها بحنان

ما زالت جملة خالها ترن بأذنها، وشبح الموت يرفرف حولها.. رسالته كانت واضحة

أمها تموت.. 

رأسها اندفن بصدره ودموعها بللت ملابسه ويده تربت على شعرها 

همسه الناعم وصلها "لنذهب حبيبتي، لابد أن تذهبي"

رفعت وجهها الباكي له، الحيرة ملأت عيونها الدامعة "أنا.. "

أحاط وجهها براحتيه ورفعه له "أنتِ لن يمكنك مسامحة نفسك لو لم تذهبي لرؤيتها قبل فوات الأوان"

كانت خائفة، حائرة، لا تعرف ماذا تقرر؟ لكنه يفعل "مهما حدث بينكم ألاء بالنهاية هي أمك"

لم تعارض أكثر، ربما كانت ترغب بسماع كلماته تلك.. 

وقف أمام نافذته ينتظرها، رفع هاتفه وطلب الكبير والكبير كان يحمل أحمد ويربت على ظهره بعد أن تناول طعامه بانتظار والدته.. 

رفع هاتفه "نعم أنس"

نبرته الهادئة تريح رجاله، تمنحهم رفقة صديقهم "سنذهب لرؤية ميسرة"

ضاقت الزرقاء.. صمت صاحبها لحظة وأنس انتظر الرد "وفيم اتصالك؟ ترغب بوجودي معك؟"

عبث أنس بعينيه "لا هارون، فقط أخبرك"

ظل صامتا مرة أخرى وتأنى بكلماته "افعل ما تراه صواب"

وأغلق كلاهم وعاد الكبير يعبث بهاتفه حتى اتصل وأتاه الرد فقال بنبرة آمرة "أنس وزوجته بطريقهم لك، احرص على ألا يغيبوا عن عيونك، رجال ميسرة لا تؤتمن"

الرد حاسم "أوامرك يا باشا"

وأغلق وأحمد يشد خصلاته ويرغب بفك شعره كعادته وهو أوقفه برفق "ألا تجد شيء آخر سوى شعري؟ والدتك ستغضب لأجله"

وتحرك به للأرض حيث اللعب خاصته، وضعه وجلس ممدد ساقيه أمامه مستندا على مرفقه "هاك لعبك، تمتع بها"

ودخلت الفانيليا بابتسامتها لتجلس بجواره "عبث بشعرك مرة أخرى يا كبير؟"

رفع يده الحرة لشعره ونظراته لها "ومن يستطيع إيقافه صغيرتي؟"

ضحكت وهو ابتسم وهو يضع اللعب أمام طفله مستمتعا بوجوده معه

**** 

المطار لم يكن مكانا.. كان ساحة محاكمة مفتوحة.. 

الشيطان اختار طريقه الجديد، مكان الاستجمام، فترة وسيعود أقوى

سيعود لينتقم.. 

سار بخطى مختلفة، عصاه تتبعه، وجهه يتلفت حوله ولأول مرة كان يسير وحده، بلا رجال تتبعه ولا أشخاص تنظر له بهيبة، خوف أو انحناءات صامتة

لم يعد هناك صمت حين يمر

كان مجرد رجل آخر يحمل حقيبة.. وهذا وحده كان إهانة

الهواء كان ثقيل، أنفاسه غير منتظمة، كل خطوة كانت اقتلاعا من داخله، خروج من العباءة التي التف بها طوال عمره

اهدأ.. خاطب نفسه.. أنت لم تخسر بعد

حقا؟ 

لأول مرة يقف طابور، لا رجال تهرع لخدمته، وصل الشباك.. مد جواز السفر ويده ترتجف.. كره نفسه لذلك

الموظف الجالس أخذ الجواز، نقرة واحدة على لوحة المفاتيح ثم توقف.. 

هذا التوقف كان أطول من اللازم.. طويلا حد الفضيحة في حق رجل لم يعرف يوما الانتظار، ورفع الموظف رأسه.. نظر إليه نظرة لا تحمل رهبة.. ربما شفقة

انكسر شيء.. زهو وغرور

ارتفعت دقات قلبه حتى ظن أنها ستفضحه.. أدار رأسه بعنف واختنق من الرؤيا.. وجوه تحاصره، أعين تراقبه، همسات بدأت تزحف

ورآهم قبل أن يصلوا... رجال الأبيض

خطواتهم ثابتة، هادئة.. يعرفون أن الزمن أصبح في صالحهم "أستاذ جسار"

اسمه خرج من فم غريب.. بلا ألقاب، بلا هيبة

اندفع بالرد "أنا، أظن أن هناك خطأ ما، أو تشابه بالأسماء"

اقترب أحدهم أكثر، تراجع الجمهور، خفض الرجل صوته، كأنه يمنحه آخر فرصة ليحافظ على بقايا نفسه "لا، لا يوجد خطأ ولا تشابه"

تراجع خطوة، امتدت اليد، لمست معصمه 

ومر كل شيء دفعة واحدة، ماضيه الأسود، صورته الكبيرة بالفيلا.. الرجال الذين كانوا يقفون حين يدخل، السيجار، المكتب، المقعد

هارون.. 

وجهه الهادئ، عيناه الثابتتان، صوته الذي لم يصرخ يوما.. وكان أقسى من أي صراخ

"والكبير لن يسمح لك بأن تنهض من جديد"

وها هو يجذبه للقاع.. يغلق كل الأبواب بوجهه والأقفال من فولاذ 

اهتز جسده "اترك يدي؟" 

خرجت كأمر.. ثم سقطت كرجاء لكن القيود قبضت على معصمه، صوت الإغلاق كان أعلى من ضجيج المطار.. وأوضح من أي حكم قضائي

أشخاص توقفت، كاميرات ارتفعت وهواتف تسجل اللحظة.. اسمه يُهمس به.. لكن هذه المرة بلا خوف من الشيطان.. 

شعر بالحرارة تزحف إلى وجهه، بالاختناق، بالفضيحة.. حاول أن يرفع رأسه، فخانته قدماه

تعثر.. 

لم يسقط أرضًا، رجل الأبيض أمسكه.. وكانت الإهانة الحقيقية

هو.. الذي لم يمسه أحد يومًا، اليوم يُقاد 

"تحرك"

قالها الصوت من خلفه.. تحرك.. كل خطوة كانت جلدًا علنيًا، كل متر إعدامًا لصورته القديمة.. وعند باب الخروج صرخ باسم واحد "هارون"

لم يكن الكبير موجودا، لكن حضوره كان طاغيا.. كأنه يراقب من بعيد، صامتا، منتصرًا، لا يحتاج أن يقول شيئا

انغلق الباب

وسقط الشيطان، جسار، أيا كان الاسم فقد سقط صاحبه، ليس فقط في السجن بعد، بل سقط أولا داخل نفسه.. 

**** 

ووصلت الرسالة على هاتف الكبير وهو يقف أمام نافذة مكتبه بالبيت.. فتح الرسالة، يعلم ما بها 

"تم السقوط"

انغلق باب المكتب، عطرها ارتفع له فالتفت لها وابتسامتها تمنحه حياة فوق حياته

يداها استقرت على صدره، شعرها انساب بأريحية على ظهرها، ما زال الحمل لم يظهر، الغثيان أقل من حملها الأول لكنها تتجاوزه كعادتها 

"تأخرت"

لفها بذراعه، روبها الحريري الطويل منحه لمسة ناعمة، عيونه تستقر على وجهها المنتظر إجابته 

"كنت أنتظر رسالة"

وانحنى وجذب قبلة من شفتيها، متى سيشبع منها؟ 

أبعدها فسألته "وهل وصلت؟"

رفع يده لوجنتها، يحب ملمسها الناعم "نعم صغيرتي.. جسار سقط"

لم تتبدل ملامحها وكأن ما قاله ليس بجديد "هل كنت تشك بمصيره هذا يا كبير؟"

ابتسم، هي فقط من تجذب ضحكته لوجهه، تنسيه الكبير ومن قبل الريس.. هو معها هارون.. الحبيب.. العاشق.. الزوج

إبهامه صنع دوائر على وجنتها "لا، لكن ظننته أذكى من ذلك صغيرتي"

رفعت يداها ولفت ذراعيها حول عنقه "كنت تظن أنه سيهرب بطريقة مختلفة؟"

أسقط يده ولفها بذراعيه ليقربها منه أكثر "نعم لكنه خيب ظني"

داعبت مؤخرة عنقه "أردته أن يهرب؟" 

"شرف المحاولة فقط، لكنه لم يكن ليهرب مني"  

"هل سنمنحه وقتنا حتى بعد انتهائه؟"

لم يجيبها بكلمات بل رفعها بين ذراعيه، وهي تضحك بسعادة وهو يتحرك للباب "لا يستحق"

وبغرفتهم منحها كل اهتمامه، روحه التي هدأت بانتهاء الشيطان لكنه لم يخبرها بعد أن الشيطان هو من قتل والدها 

ولكنه سيفعل.. عندما يتأكد

****

دخل هارون المكان المخصص للاستجواب، الغرفة الباردة بلا أي أثاث سوى مقعد خشبي، مائدة عليها أدوات المنفذ، لكنه لم يعد يستخدمها

هو الآخر غسل يداه من الدماء.. الأبيض لف الكبير ورجاله معه

صفوان وقف بجوار الكبير وأنس جذب مقعد من الظلام ووضعه والكبير جلس.. أمامه جسد مقيد للمقعد الخشبي.. وجه صاحبه مصبوغ بالفزع وفمه مكمم بشريط لاصق

الكبير ظل هادئا، صمته يكسر عزيمة الرجل.. يوقف ضربات قلبه المتسارعة 

أخيرا قال "بالطبع تعلم سبب وجودك هنا"

هزات رأس الرجل نفت، لكن عيونه كانت تنبض بغير ذلك.. 

أسند الديب رأسه على أصابعه.. نظراته ثاقبة تكاد تخرق جسد الرجل من قوتها "إذن ترغب بالتذكير، صفوان"

قالها بهدوء أيضا، لكن اسم صفوان بحد ذاته هو الجحيم لأمثال ذلك الجبان

هز رأسه بفزع نافيا ما سيحدث له.. 

صفوان لم يتحرك فهو لم يكن سيفعل شيء.. 

الصمت سكينة لمن يرتاح باله..

لكن لمن يحمل جرما داخله ينتظر العقاب عليه، هو سكين حاد يمزق أحشائه.. 

"إذن تذكرت ما نسيته؟"

تلك المرة لمعت عيونه بدموع الجبناء، هزة واحدة من رأسه بالموافقة فأبعد هارون رأسه وأشار لرجاله.. 

أحدهم تقدم ونزع اللاصق والرجل يتألم بلا صوت وهارون ما زال بمكانه، تقدم نصفه الأعلى للأمام "والآن أسمعك جيدا"

وتنفس الرجل، أنفاس لا يعلم ما إذا كانت للراحة أم بداية العذاب "جسار بيه طلب مني إدخال الجثة بمخزنك يا كبير.. لم يمكنني رفض أوامره، أنت تعلم ما يفعله بمن يتخاذل عن أوامره"

 ظل ثابتا، عيونه لا تفارق عيون الرجل، هو أحد رجال الشيطان.. 

باختراق الديبة لنظام الشيطان تمكن الكبير من العثور على الكثير؛ أهمها المخزن الذي كان هذا الرجل يعمل به والذي وقعت به الجريمة

تراجع هارون بالمقعد وأراح ذراعيه على ذراعي المقعد ومنحه ما يرغب بأن يسمعه "من البداية يا رجل"

الثأر كان واضح بين جسار وشريف السمنودي.. هذا الأخير لم ينسى أنه سبب في دخوله السجن لأكثر من عشر سنوات وكادت ليال تضيع أيضا بنفس الليلة.. 

الرجل انهار.. منح هارون كل شيء "كان شريف يهدده بما كان يعرفه عن صفقاته غير المشروعة، أراد تعويض عن السجن وعن سكوته عما يملكه ضده"

أبعد هارون وجهه، كيف سيخبرها أن والدها لم يكن نقي كما جعلها تعتقد بآخر لقاء لها معه؟ 

أخبرها أن النور لا يأتي مرة واحدة، هو نفسه أخذ الكثير من عمره حتى غطا الأبيض كل حياته.. 

الرجل أكمل "بتلك الليلة تواعدا بالمخزن الخاص بالباشا.. شريف يمنحه ما يملك ضده والباشا يعطيه المال وبالطبع الباشا لم يفكر وهو ينهي حياته"

تنفس هارون بعمق، أنفاس ثقيلة، تحمل معها عبأ جديد.. جسار لم يترك رذيلة إلا وطرق بابها وضمها لجعبته.. والصغيرة من ستدفع الثمن

سكون حط على الغرفة حتى عاد هارون للرجل "هكذا انتهينا رشاد"

ونهض هارون واقفا، رفع يده والباب يُفتح ورجال الشرطة تدخل ورشاد صرخ والضابط المختص تقدم من هارون "شكرا لتعاونك سيد هارون"

منحه هزة من رأسه والتفت دون النظر لأحد، صفوان تبعه وأنس وهما يتبادلان النظرات، الكبير واجما وكأن ما حققه الآن ليس نصرا آخر على جسار.. 

ركب سيارة من السيارات وتحرك بها وتبعه صفوان وأنس كحراسة لكن ليس تدخل بلحظة انفراد أدركوها.. 

تطايرت خصلاته من هواء النافذة، جسار وشريف من نفس النار، وبالنهاية احترقوا بها لكن.. 

شريف لم يحترق وحده سيحرق الفانيليا معه وهو لا يعرف ماذا يخبرها.. 

أوقف السيارة وأسند رأسه على مسند المقعد وأغمض عيونه، كل ما في الأمر أنه لن يتحمل رؤيتها تتألم، من الأفضل تركها تظن أن والدها مات ملتفا بعباءة الفضيلة.. 

لا فائدة من ذكر شيء سيؤلمها ومن الممكن إخفاؤه عنها، أو على الأقل نصف الحقيقة.. 

الثأر فقط هو ما دفع جسار لقتله.. 

واختار ذلك.. 

***** 

الجدران الرمادية هي كل ما أحاطت به.. الأرض الباردة تلقت جسده المنهك، ضوء خافت ربما من القمر الذي لن يراه بعد اليوم إلا من وراء قضبان تلك النافذة المرتفعة

ثلاثة أيام من التحقيقات المستمرة، النائب العام، المباحث وكل الأسود ظهر وارتفع حتى كاد يغرقه عن آخره.. 

قدمه تؤلمه.. عصاه لم تعد له، بأول يوم له هنا اختبرت قوته، كان يناطح هارون القوة لكن هنا، سقط أمام الكثرة وتلقى الكثير من اللكمات والركلات ومسحت ملابسه الأرض ودمائه

انكمش بركن مظلم، الرجال تركته بعد أن ثبت ضعفه، وهو دفن رأسه بين ساقيه.. هل حقا انهزم؟ 

أين جسار الذي كانت تهتز له الرجال؟ أين من كان يأمر وينهي؟ يقتل ويهرب؟ 

جسار الذي حارب الجميع، ظن أنه سيمحوهم بلا رحمة، حتى والده كاد يطيح به لولا هذا اللعين، هارون، أنقذه.. 

هو سبب كل ما وصل له.. لم يرى هدف بحياته سوى هدف واحد الفوز على هارون الديب

ولم يفز

أغمض عيونه.. مرارة علقت بفمه الجاف، لا طعام، فلن يتناول طعام كالذي يقدم له هنا، لا مياه معدنية كما اعتاد.. 

لا ترف ولا ريش نعام.. 

اللعنة عليك هارون.. حطمت حياتي

صوت المزلاج الحديدي صدح بإزعاج والعسكري ينادي "جسار محمود"

نال اسم والدته لأن لا أب له.. رفع رأسه.. هل وجد من ينقذه؟ 

يد العسكري لا ترحم، يدفعه وكأنه يسوقه لجهنم.. 

ضابط المباحث تراجع لرؤيته والكاتب بجواره يستعد لعمله وهو وقف مكسور، مهزوم

القيود الحديدية لم تعد تؤلمه فقد تخدرت يداه من الجراح التي تسببت بها من قبل

الضابط نظر له بازدراء "لدينا شيء جديد لك جسار"

وفقد حتى أستاذ.. هل يُمنح المجرمين ألقابًا؟ 

نظراته التائهة استقرت على الضابط.. كان كمن سقط بكابوس مفزع ولم يعرف كيف يخرج منه 

"أي جديد؟"

قذف الضابط صورة على سطح مكتبه، سقطت معها نظرات جسار ورأى صاحبها.. شريف.. جثة ملطخة بالدماء

ابتلع ريقه.. تذكر كيف قتله وألقاه بمخزن هارون ووقتها ظن أنه انتصر

التوت شفتاه بضحكة ساخرة.. من نفسه

الضابط ارتد بالمقعد "والآن تحقيق جديد، قضية جديدة، وأرغب بسماع أقوالك بالتهمة الموجهة لك بقتل شريف السمنودي"

ظل عالقا داخل الصورة، قتل الكثيرين لكن لا أحد أُحكم عليه الأمر واليوم يُتهم بمن رغب بإسقاط هارون فيه

هل المثل الشعبي صحيح؟ من حفر حفرة لأخيه وقع فيها؟ 

أخيه!؟ 

لم يمنح نفسه ولو مرة فرصة للتمعن بالكلمة أو حتى اختبار وقعها بنفسه.. رغم أن هارون ناداه أخي أكثر من مرة.. 

هارون لم يكن أخيه بأي يوم.. ولن يكون

قاوم "لا أعرف شيء عن تلك التهمة"

تنهد الضابط قبل أن يقول "رشاد محمد حسين، يعمل حارس لمخزن يتبعك، شهد بأنك من قتل السمنودي وأمرته بوضع الجثة بمخزن هارون الديب"

قاوم، هتف بالنفي حتى أخطأ "كان لابد أن يموت"

وتراجع الضابط قليلا ثم نهض ووقف أمام الجسد المنهك أمامه ولم يشفق عليه، الجميع كان يعرف الشيطان لكن ولا واحد ملك ضده شيء حتى أسقطه الكبير.. 

نظرات الضابط كانت حادة "لأنه كان يملك ضدك الكثير، وثأر قديم.. لدينا تسجيل لكما معا جسار، لا مجال للإنكار"

وتخاذلت الشجاعة وفرت تاركة إياه وحده.. 

انهار.. اعترف.. عاد السجن وطرف جاكته يعلق بالحديد ويتمزق، لم يهتم فهو يعلم أنه قريبا سيستبدلها ببدلة أخرى لكن.. 

بدلة حمراء.. 

**** 

لم يكن لينتظر أن تعرف الحقيقة من الإعلام.. 

عاد البيت.. هادئا كعادته

كانت تعمل على الجهاز الخاص بها.. لم تشعر به وهو ينفخ برقة بجوار أذنها.. 

تراجعت بفزع "هارون!؟"

ابتسم وهو يلف خصلتها على إصبعه "قلب هارون"

أغمضت عيونها.. تنفست بانتظام وهو ينتظرها، يهدأ قلبه الموجوع لأجلها، لن يؤلمها أبدا 

فتحت عيونها، التقت بالزرقاء اللامعة لها "هل انتهيتِ؟"

ظلت تتجول على وجهه "لديك شيء لي وتتردد بقوله"

نهضت، فاعتدل وهي تواجهه، لم تتبدل ملامحه، ليس بجديد عليها قراءة دواخله، هي تسكن بعروقه وداخل قلبه وتتسرب حتى لعقله 

انتظرته فقال "قضية والدك"

ارتفعت دقات قلبها، موته جعلها تتألم لكنها لملمت أحزانها بسرعة، فقدته أكثر مما عاشت معه لذا سكن ألم موته بسرعة "هل عُرف القاتل؟"

يداه ظلت ساكنة بجواره، لم يلمسها ولم يفكر بالاقتراب منها أكثر، منحها مساحة لرد الفعل "نعم"

شحب وجهها، ارتفع قلقه داخله، هي حامل، الدوار والغثيان وتغير الهرمونات.. أشياء لن يمكنه تجاوزهم معها 

"لم لا تخبرني الأمر دفعة واحدة؟ هل هو جسار؟"

لمعت عيونه، بريقهم منحها الرد، ذكية، لن ينكر ذلك أبدا 

لم يتحدث، فقط منحها إيماءة من رأسه، عادت للمقعد، جلست.. ذهنها رحل لتلك الليلة، يوم عرفت حبيبها ويوم صدر الحكم على حياتها بالتغيير

للمرة.. نسيت العدد، يركع أمامها، امرأته، حبيبته، نبض قلبه "ليال، جسار ووالدك.. "

قاطعته بادراك وبصيرة امرأة عاقلة، بعيدا عن المشاعر الواهنة "كانا يسيران على خط واحد، جسار استأجره ليقتلك بتلك الليلة ووجودي كان ستار ليظهر الأمر كسرقة"

يداه قبضت على يداها الباردة، دفء جسده تحرر لها.. صوته الهادئ يمنحها سكينة وقتية "وجسار تخلى عنه وتركه بالسجن"

هزت رأسها، كانت تعلم، تفهم وتدرك.. قاومت الدموع "ولكن بابا تاب هارون، ترك كل شيء خلفه فكيف عاد لطريق جسار؟"

ظل جامدا أمامها، كان يتوقع السؤال وإجابته ضاعت منه.. تاهت بين خوفه عليها وعلى قلبها الواهن 

وهي لم ترحمه "هارون ما سبب قتل جسار لبابا؟"

جهازها الخاص أصدر صوتا، سؤالها ما زال عالقا وهي تلف وجهها للجهاز، الميديا تنشر صور جسار.. العناوين تظهر بسرعة أمامها

يدها تركت يده.. وهو ينتبه 

"القاتل الحقيقي بقضية شريف السمنودي والتي اتهم فيها هارون الديب.. جسار محمود"

نهض، مال على الشاشة وكاد يدفعها بعيدا ولكنها كانت قد سبقته.. نطقت بالكلمات "السمنودي هدد الرجل بملفات لديه وطالبه بالمال للتعويض.. أقوال الشاهد أظهرت الحقيقة"

ضغطت الأزرار.. تتبع الأخبار وهو هتف بها "ليال كفى"

وجهها شحب، شفتاها ابيضت، الحقيقة تظهر.. والدها كان على نفس الخط من النيران.. على الأسود الذي تحول لرماد.. 

والدها لم يتوب كما أخبرها.. هارون كان على حق.. 

سقطت دمعتها.. انهزم قلبها.. حتى قبل أن يموت كان يخدعها.. متى كان ينوي أن يكون أب بصدق؟ 

انهار قلبها.. وأنفاسها تعلو.. دموعها تنسكب حتى أغلقت عليها الرؤيا وهو لف الشاشة بعيدا ركع وجذبها ليضمها له وهي ظلت جامدة.. 

دموع بلا صوت، بلا انهيار على رجل لا يستحق.. لكنه بالنهاية والدها

يده ملست على رأسها بحنان محاولا تهدئتها "اهدئي صغيرتي"

وصغيرته تتألم.. من الغش، الخداع والحرمان.. أب وأم لم ترى منهم سوى الجحود والطمع وحب الذات.. 

هي لم تكن منهارة، هي لا تصدق أو مصدومة، مخدوعة وربما مهزومة.. 

أبعد وجهها، لم تنظر له، يداه أحاطت وجهها "ليال كنتِ تعرفين أن جسار شيطان لا يرحم"

رفعت رموشها المبللة والسوداء تحتهم مظلمة "لكن لم أعرف أن شريف كاذب، مخادع حتى لابنته الوحيدة"

رغب بأن يمنحها ما يبرد نيرانها لكن لم يملك شيء فقط واساها "على الأقل حاول كسب قلبك قبل أن يموت"

هتفت "كذب، أنا لم أعني له أي شيء، لا هو ولا هي، أنا أكرههم، أكرههم"

عاد وضمها له مرة أخرى، مدركا ما بداخلها من حزن وانكسار.. وتركها تبكي على صدره ربما دموعها تخفف من أحزانها وأوجاعها

***** 

وانتفض العملاق بمنتصف الفراش.. صرخة مدوية قطعت أحلامه.. 

المجنونة تقف بمنتصف الغرفة، يدها تحمل بطنها.. شعرها الأصفر انتشر حول وجهها الشاحب.. ووجهها اصطبغ بالأحمر 

"صفوان.. انهض بسرعة"

صوتها رن بالغرفة.. وهو لا يفهم ماذا يحدث.. الاسبوع الماضي حظى بليلة سوداء مماثلة وظل للصباح حتى رحل الطبيب ساخطا لإيقاظه من النوم لإنذار كاذب بالولادة

سقط رأسه على الوسادة من الصداع، عمله أصبح مضاعف بالفترة الأخيرة منذ أن تولى النيابة للكبير.. والمجنونة تمنع عنه النوم.. 

صوتها عاد للصياح "صفوان أخبرتك أن تنهض.. أنا ألد"

لم يفتح عيناه.. جذب الوسادة ووضعها على رأسه "قلتِ ذلك الاسبوع الماضي"

تحركت ببطنها البارز، بنهاية الثامن وربما بدأ التاسع على حساب الطبيب ومنذ أخبرها ذلك وهي تجد كل ألم ولادة  

هزته فلم يستجب.. سحبت الوسادة من على وجهه لكنه قبض عليها "صفوان أنا لا أمزح"

ولكنه لم يجيب.. النوم سلطان 

فجأة سكن كل شيء.. توقفت عن مناداته.. جذب الوسادة، فشعر بقلق.. أزاح الوسادة ليراها تقف بجوار الفراش.. 

وجهها شاحب أكثر، نظراتها على الأرض وعيونها متسعة ودموع تسكنهم

أبعد الوسادة ورفع نصفه الأعلى لينظر حيث تنظر هي وهاله منظر المياه المتساقطة منها 

وكان.. 

كل من بالمشفى صم أذنه من صراخها.. الكبير ظل مكانه بالاستراحة.. ليال توقفت أمام غرفة الطوارئ والحمل ظهر عليها بوضوح

صفوان علق بيد زوجته تجره خلفها للداخل ولم يستطع أحد نزعه منها.. 

خديجة تخاذلت قدماها عن حملها.. أنس سكن بجوار الكبير وحراسة الكبير تغطي المكان.. 

خرجت الممرضة "تستعد للولادة والزوج سيدخل معها"

لم يعلق أحد.. ذراع الكبير التفت حول زوجته "هل تجلسي؟ أنتِ حامل وقدماك متورمة"

يهتم بها لدرجة تفوق الوصف.. 

حنانه جعلها تحب طفلتهم القادمة.. 

نور.. 

هي منحتها هذا الاسم أيضا كالنور الذي ملأ حياتهم

نظراتها منحته مخاوفها، انحنى عليها "ليال هي ولادة طبيعية لا تستحق كل ذلك القلق"

ودفعها لتجلس وهو يدفع جاكته حول جسدها المتعب، وجلس بجوارها.. 

المجنونة كانت تصرخ بلا توقف.. بألم أو بدون ألم كانت خائفة والعملاق أكثر خوفا منها.. 

استعد لدخول العمليات معها وبالداخل نالت تخدير نصفي وكلاهم انتظر وصول طفلهم.. تعرقت جبهتها بلا توقف.. المخدر لم يمنع المجهود الذي تبذله لإنجاب طفلهم.. 

يده لا تترك يدها.. خوفه عليها تخطى الوصف والطبيب ما زال يخبرها أن تدفع مرة وأخرى.. 

رائحة المطهرات جعلت معدته تتقلب.. فقد الشعور بالزحام من حوله والأبيض يتحرك والوجوه مغطاه بكمامات معقمة.. 

أخيرا صراخ.. 

وصل.. 

ابن العملاق والمجنونة.. 

ووضعته الممرضة بين ذراعيه.. ملفوف بقماشة بيضاء. ما زالت الدماء تلطخ وجهه واللون الأحمر يصبغ بشرته الهشة. 

دموع الأبوة سقطت، أخيرا أصبحت أب.. 

قلبه كاد يتوقف من قوة ضرباته.. أنفاسه انحبست داخل صدره، لا يصدق أنه يحمل جزء منه.. 

عاد لها.. متعبة.. متعرقة، خصلاتها فرت من غطاء الشعر والتصقت بجبينها وهو يمنحها طفلهم وابتسامتها لا تمحو دموعها وهي تحمله بين ذراعيها 

"ابني.. ابننا صفوان"

وضع قبلة على جبينها، مسح دموعه وهي ترفع وجهها له "متى يمكنني إطعامه الكعك الذي تعلمت صنعه صفوان؟"

توقف كل الموجودين عن الحركة، حتى الطبيب الذي كاد يمنحهم التهنئة ثم فجأة انهار الضحك من كل ناحية 

مرحبا عمر صفوان المحمدي

**** 

توقفت نظرات الكبير على المدينة بالخارج وأنس يقترب منه "الجميع وصل هارون"

لم ينظر له، ذراعيه معقودة كالعادة ولكن صمته لم يطول "وصفوان؟"

 نفخ أنس بقوة "هو يصر على الرفض"

التفت لمكتبه، جذب هاتفه وضغط اتصال وأتاه صوت النائب "أين أنت؟"

نبرته الهادئة تخللها بعض الحدة.. تخبر عن داخله "هارون أنا.. "

قاطعه بحزم "دقيقة وتكون بمكتبي صفوان"

وأغلق.. وأنس يقترب "هارون هذا قرار صعب"

لم يلف جسده فقط لف وجهه والتقى بنظرات أنس "صعب على من أنس؟ أنا أم هو؟ أم عليك؟"

لم يرتبك أنس، قتلوا الأمر بحثا وجدلا بلا فائدة "علينا جميعا هارون، أن يكون عضو بالمجلس وأنا نائبك هذا.. "

دق الباب ودخل العملاق.. نظراتهم التقت.. الدائرة انغلقت وثلاثتهم هو من أغلقها.. معا منذ الأذل وسيظلون معا للأبد 

"منذ متى تتخاذلون عن قراراتي؟"

السؤال كان بنفس النبرة الهادئة وأيضا الحادة، قتامة عيناه أغلقت ما تحمله من معان خلفها وصفوان منح أنس نظرة قبل أن يعود لرفيقه 

"لم نفعل هارون لكننا اعتدنا أن نكون بجوارك وألا نفترق"

عقد ذراعيه.. رفع رأسه وعلق "ومن تحدث عن الفراق صفوان؟ المقعد فرغ وأنت أجدت إدارة ما كلفتك به واسمك علا بالسوق، ولن يكون هناك نائب لي من بعدك سوى أنس فأين مشكلتكم؟"

تراجع الاثنان، يتبادلان النظرات وهارون ينتظر الرد 

المجلس انعقد والكبير يزداد قوة، ليس بالذراع ولكن بالحكمة والعدل.. قدر المستطاع "وهذا يعني أن علينا اقتراح العضو القادم هل لديكم أسماء؟"

تم وضع اسم واحد وهارون ينتظر ولكن لم يقدم سواه فاعتدل "وأنا لدي اسم.. صفوان.. نائبي والآن التصويت على الاسمان"

همهمة وصلته لكنه لم يهتم، صفوان جامد الملامح، صامت كعادته.. هو يعمل بكد واجتهاد، لأنه يحب عمله ولأن هارون هو من علمه.. 

رفع هارون رأسه عن الشاشة وتراجع بالمقعد "شيماء أخبريني بنتيجة التصويت"

رفع يده عن الأمر لأن العضو هو نائبه.. 

علق صوته للحسم.. 

شيماء فتحت الأوراق وجمعت الأصوات "أربعة سيد مختار عزمي، وخمسة سيد صفوان وتبقى صوتك يا فندم"

اعتدل "وصوتي يعرفه الجميع، إذن صفوان يعتمد كعضو جديد معنا بالمجلس، صفوان تحرك للمقعد لنبدأ مناقشة بنود الجلسة، شيماء استدعي أنس ليحل محل صفوان"

ورفع وجهه للوجوه الصامتة أمامه وصفوان يجلس بتردد ولكنه بالنهاية رضخ لأوامر الكبير 

"نبدأ أول بند"

**** 

توقف على عتبة شرفة القصر.. الحديقة تمتد أمامه.. الأخضر يغطي كل شيء.. يمنح الروح الراحة 

لم تكن الحديقة فارغة كما كانت أول يوم دخل فيه القصر، بل تجولت عيناه على من يملؤونها بضحكاتهم وأصواتهم السعيدة.. 

أنس وهو يجري وراء حمزة وألاء تحاول اللحاق بهم ببطء بسبب حملها الثاني.. 

حمزة بالأساس كان يجري وراء أحمد ابن الديب الذي سرق من حمزة لعبته.. 

خديجة تحمل عمر ابن طيب القلب والمدللة.. 

رشدي يقف جامدا كعادته وأحلام تركت ابنتها على الأرجوحة.. وجلست هي الأخرى من حملها الذي أوشك على الانتهاء 

محمد الديب ظل جالسا يبتسم للوجوه المخلصة من حوله.. يضم بين ذراعيه نور الصغيرة فهي أحدث الموجودين

صفوان كان عند المائدة الكبيرة والمجنونة تساعده بوضع الأطباق وثمية وهندية يجلبون الطعام لهم.. 

أول يوم برمضان.. 

تجمعت العائلة برغبة الكبير.. 

الإفطار حقيقي هذا العام.. الجميع ارتقى والتقرب من الله صار أقوى.. 

ذراعيها التفت حوله من الخلف.. ابتسم.. جذب أنفاسه برائحة الفانيليا

استدار لها، لفها بذراعيه "أنت من حقق كل ذلك حبيبي"

دائما تخبره بكلمات خفية أنه الكبير.. أنه يجيد ما يفعل وهو أبدا لم ير نفسه صواب.. دائما ينقصه شيء.. 

"لم أكن لأحققه بدون وجودك معي صغيرتي"

رفعت يداها لصدره، عادة لن تتوقف عنها، تلمس صدره، تحس بدقات قلبه ولا تشبع منها "وصغيرتك لم تكن لتكون هنا لولاك هارون"

الزرقاء اتحدت مع سوداء عيونها بنظرة حب "لم تنسي ملاكي؟"

وضعت رأسها على صدره ويداه تلفها "أبدا، لم ولن أنسى ما حييت هاروون"

وضع قبلة على شعرها "تحبيني صغيرتي"

رفعت وجهها له، تملأ عيونها من ملامح الرجل الذي لم تحب سواه "تحبك صغيرتك.. تعشقك هارون"

ابتسم بسعادة وحبها هو كل ما تمناه وناله وسيحافظ عليها لآخر نفس من أنفاسه "وهارون لم ولن يحب امرأة سواكِ يا قلب هارون"

وضمها له مرة أخرى حتى انطلق مدفع الإفطار وتحركا للباقين والصيحات تهنأ بعضهم البعض بأول يوم لهم بالشهر الكريم.. 

اجتمعوا معا منذ الأذل وسيظلون معا للأبد.. لكن.. 

لم يعودوا بالعالم السفلي.. 

بل ارتقوا للسطح.. النور..

وظل معهم رفيق واحد من العالم السفلي.. 

الغرام...

                           تمت

لقراءة باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>