رواية الاخطبوط الفصل الثامن8بقلم اماني سيد
عزه ♥️ عمار
كنا نحسبُ أن البيوتَ أمان، وأن من نمنحُهم أبصارنا سيحفظون لنا ضياءَ الملامح.
لكننا نسينا أن بعضَ الأيادي التي تمتدُّ لتنتشلنا من بئر الوحدة، هي ذاتها الأيادي التي تحفرُ لنا قبوراً تحت مسمى 'الستر'.
يا قلبي.. لا تبعْ انكسارك لمن يرى فيك مجرد 'سكنٍ' مؤقت،
ولا تنحنِ لتلمع بيوتهم بينما هم يطمسون نور روحك.
الكرامةُ يا صاحبي ثوبٌ إذا اتسخَ بماء المذلة، لا يطهرُه اعتذار،
والذي لا يراكَ وأنت في قمة عطائك، لن يراكَ وأنت جثةٌ هامدة على أعتابِ جحوده.
ارحلْ.. ليس حِقداً، بل استرداداً لنفسٍ ضاعت في زحام 'حاضر وطيب'،
فالأرضُ واسعة، واللهُ لا ينسى من كان اليتمُ قدره، والكرامةُ اختياره."
مر الأسبوع وكأنه سنة على "زينب"، اللي كانت بتعد الساعات والدقائق وهي باصة للسما، بتدعي إن "محمد" يطلع هو الفارس اللي هيخطفها من وحدة الملجأ. أما في بيت "عايدة"، فكان التجهيز على قدم وساق، بس مش تجهيز فرحة، ده كان تجهيز لـ "فخ" محكم.
العربية وقفت قدام الباب، ونزل منها محمد وهو بيعدل ياقه القميص، ريحة برفانه كانت سابقة خطوته، وعايدة جنبه ماشية بفخر وكأنها جاية تشتري حتة أرض مش تخطب بنت.
حنان استقبلتهم بابتسامة هادية، بس عينيها كانت بتفحص كل تفصيلة في محمد، بتحاول تقرأ اللي ورا الوش المرسوم. دخلت زينب بصينية العصير، إيديها كانت بتترعش والخجل راسم وردتين على وشها. أول ما عينيها جت في عين محمد، لقت نظرة "هادية" وطيبة.. مكنتش تعرف إن النظرة دي "مدروسة" بالمللي قدام المراية.
حنان وعايدة سحبوهم وخرجوا الجنينة، وسابوا "العروسين" يتكلموا.
محمد (بصوت واطي وناعم):
— "بصي يا زينب.. أنا عارف إن القعدة دي بتبقى صعبة وموترة، بس أنا عايزك تطمني خالص. أنا مش جاي أدور على عروسة وخلاص، أنا جاي أدور على 'شريكه حياه '.. نفسي لما أرجع من شغلي وتعب الشغل، ألاقي الوش اللي يضحك لي، والبيت اللي أحس فيه إني ملك ومراتى ملكه
— "ده اللي بتمناه يا أستاذ محمد.. أنا ماليش طلبات والله، أنا بس نفسي في بيت يتقفل عليا، وأهل يحبوني وأحبهم. طنط عايدة شكرت لي فيك كتير، وأنا.. أنا ارتحت لكلامها
— "ماما دي أطيب قلب في الدنيا، بس هي كمان تعبت ونفسها ترتاح وتشوفني مستقر. وعشان كدة أنا مش عايز نضيع وقت في الخطوبة والرسميات.. أنا جاهز، والشقة جاهزة، ومستني بس موافقتك عشان نكتب الكتاب وننقل حياتنا لمرحلة تانية."
زينب من كتر الفرحة كانت هتعيط، حست إن بوابات الجنة اتفتحت لها.
— "تعرفي يا زينب.. أنا من أول ما شوفتك وأنا حاسس إن فيكي حاجة مختلفة. البنات اليومين دول طلباتهم مابتخلصش، وعايزين منظرة وفشخرة.. لكن أنا لمحت في عينيكي 'الأصل'. لمحت الست اللي هتشيلني في عينيها، وأنا والله يا زينب، هعوضك عن كل يوم مر شوفتيه في حياتك."
زينب (وشها بقى طماطم وبصت في الأرض):
— "ربنا يخليك يا أستاذ محمد.. أنا والله مش طماعة، أنا بس محتاجة الأمان. محتاجة أحس إن ليا ضهر أتسند عليه لما الدنيا تضيق بيا."
محمد (مسح على وشه بتمثيل متقن وكأنه متأثر):
— "الأمان ده كلمتي ووعدي ليكي. بس خليني أكون صريح معاكي في حاجة.. أنا وأمي روحنا في بعض، وهي اللي ربتني وكبرتني لحد ما بقيت مهندس قد الدنيا. هي عايزة تشوفنا مبسوطين، بس هي كمان نظامها 'شديد' شوية في البيت.. يعني بتحب النظام، وبتحب الست اللي تعرف قيمة اللقمة وتدبر بيتها
— "ماتقلقش يا محمد.. أنا اتعلمت في الدار كل حاجة، من أول الطبيخ لحد أصغر تفصيلة في البيت. أنا هخدم ماما عايدة بعيني، وهشيلها فوق راسي، دي كفاية إنها اختارتني وبقت هي الأم اللي كنت بحلم بيها."
— "عفارم عليكي يا زينب.. ده العشم برضه. وعشان كدة، أنا اتفقت مع ماما إننا مش هنعمل فرح وهيصة ومصاريف مالهاش لازمة. إحنا أولى بالفلوس دي نجهز بيها لعيالنا اللي جايين، ونعمل كتب كتاب في الضيق ونروح على شقتنا.. إيه رأيك؟"
زينب (سكتت لحظة، كان نفسها تلبس الفستان الأبيض وتفرح زي البنات، بس الخوف من ضياع الفرصة خلاها توافق):
— "اللي تشوفه صح يا محمد أنا معاك فيه.. المهم نكون مع بعض في بيت واحد."
في اللحظة دي، دخلت عايدة ومعاها حنان، وعايدة كانت بتراقب ملامح زينب
— "ها يا ولاد؟ شكل الوفاق حصل والقلوب اتفتحت لبعضها.. مبروك علينا يا ست حنان، البت زينب خلاص بقت تخصنا."
حنان (بقلب مقبوض بس بتحاول تبتسم):
— "على بركة الله.. بس يا ست عايدة، زينب بنتي، وأنا لازم أطمن على كل خطوة. والكتب كتاب مش هيتم إلا لما نخلص كل الإجراءات الرسمية هنا في الدار."
محمد (قام وقف وفرد طوله وبكل ثقة):
— "طبعاً يا مدام حنان، إحنا بتوع أصول.. وفى اقرب وقت كل حاجه تخلص ، ونخرج زينب لبيتها اللي هينور بوجودها."
خرج محمد وعايدة من الملجأ، وأول ما ركبوا العربية وقفلوا الأبواب، الوشوش اتغيرت تماماً.
عايدة (وهي بتعدل طرحتها قدام المراية):
— "برافو يا محمد.. ثبت البت بكلمتين 'الأمان والستر'. البت واقعة وشكلها هتسد معانا في المصلحة دي."
محمد (وهو بيدور العربية ببرود):
— "اهي وافقت على موضوع الفرح وكتب الكتاب السريع.. بس يا أمي، إنتي متأكدة إن الست حنان مش هتعمل لنا مشاكل في 'القائمة' والطلبات؟"
عايدة (بضحكة خبيثة):
— "قائمة إيه يا موكوس! البت مالهاش حد، والدار بتجهز بأساسيات..
على أطراف الملجأ، كانت العربية الجيب السوداء مركونة في حتة مدارية تحت شجرة ضخمة. "عمار" كان ساند ضهره على الكرسي، وماسك في إيده "تابلت" عليه خرائط مساحية، وعينيه مش مفارقة باب الملجأ. شاف محمد وعايدة وهما خارجين، وشاف الفرحة اللي كانت مرسومة على وش زينب وهي بتودعهم من بعيد، فابتسم بسخرية وطلع الموبايل وطلب "رحيم".
رحيم (رد بصوته الهادي الرخيم اللي فيه نبرة آمرة):
— "ها يا عمار.. طمني، الأرض طلعت زي ما قولت؟"
عمار (بتركيز وهو بيبص للمساحات اللي قدامه):
— "يا رحيم بيه، الأرض دي كنز.. مساحة بكر، وموقعها يخلي التوزيع للمحافظات اللي حوالينا أسرع من البرق. بس زي ما قولتلك، فيه 'شوكة' في نص الأرض.. ملجأ الأيتام."
رحيم (سكت لحظة، وسمع عمار صوت تكة الولاعة وهو بيولع سيجاره):
— "الشوكة بتتشال يا عمار.. الأرض دي لازم تبقى 'إمبراطورية الألبان' الجديدة. الملجأ ده مساحته قد إيه بالظبط؟"
عمار:
— "واخد مساحة مش قليلة،مساحه فيلا صغيره والمباني قديمة شوية بس مترممة. الملجأ ده فيه حركة، والست حنان اللي ماسكاه، سمعتها في المنطقة إنها 'ست بـ 100 راجل' ومبتفرطش في حق عيالها."
رحيم (بضحكة باردة فيها ثقة مرعبة):
— "100 راجل؟ تمام.. خليهم 101 بيا. اسمع يا عمار، مش عايزك تدخل من باب المواجهة دلوقتي. ابدأ اسحب الأراضي اللي حوالين الملجأ كلها، اشتري من الأهالي بأي تمن.. عايز الملجأ ده يبقى 'جزيرة' محاصرة بأملاكي من كل ناحية. والملجا ده وحنان دى سبهملى انا متحاولش حتى تكلمها او تيجى جمبها فاهم انا هعرف ازاى اخلص الموضوع ده
عمار (بتردد):
— "يعني نتبع سياسة 'النفس الطويل'؟"
رحيم (بصوت قاطع):
— "أنا معنديش وقت للنفس الطويل يا عمار بس انا عارف هعمل ايه كديس واعرف ازاى استغل اى حاجه قدامى
بعد ما عمار قفل مع رحيم، حس بضيق مش عارف سببه، ركن العربية ونزل يتمشى شوية حوالين سور الملجأ، كان بيحاول يشوف مداخل ومخارج الأرض بعينه بعيداً عن الورق والخرائط.
وصل عند حتة في السور، كانت المباني فيها واطية شوية ومطلة على الجنينة الجوانية، ووقف يعدل قميصه.. وفجأة، عينيه جت على "عزة".
كانت قاعدة على دكة خشب قديمة، سانده راسها على السور وبصة للسما بشرود، ملامحها كانت هادية بس باين عليها "وجع" سنين، وكأنها وردة دبلت قبل أوانها. عمار فضل واقف مكانه مش عارف يتحرك، جمالها الحزين خطف نظره، وخلاه ينسى هو كان جاي يعمل إيه أصلاً.
عزة حست بحد واقف، لفت وشها بسرعة وهي مخضوضة، ومسحت طرف عينيها بطرف طرحتها:
— "مين حضرتك؟ وعايز إيه من هنا؟"
عمار ارتبك لأول مرة في حياته، هو اللي بيواجه حيتان السوق، لقى نفسه مش عارف يجمع كلمتين قدام نظرة عينيها:
— "أنا.. أنا آسف جداً لو أزعجتك. أنا مهندس، وكنت بعاين الأراضي اللي حوالين الملجأ عشان مشروع جديد، وتُهت في المساحات شوية."
عزة قامت وقفت، ونفضت إيدها من تراب الدكة بحركة فيها كبرياء يوجع القلب، وقالت بنبرة حادة زي الموس:
— "الأرض اللي بره السور تقدر تعاينها براحتك، لكن هنا ده مكان خاص.. يا ريت تمشي قبل ما حد يشوفك ويفهم غلط."
عمار سحب نفس طويل، وبدل ما يمشي، سند كوعه على حرف السور الواطي وبص لها ببرود محترف، بس عينيه كانت بتلمع بفضول غريب:
— "الغلط الحقيقي هو إنك تكوني في السن ده وشايلة في عينيكي نبرة 'يأس' متوقعة الموت في أي لحظة. أنا مهندس يا آنسة، وعيني واخدة على كشف العيوب في الأساسات.. وإنتي أساسك محتاج ترميم."
عزة ضحكت ضحكة وجع، قصيرة ومكتومة:
— "أساسي؟ إنت جاي تتفلسف ولا جاي تشتري؟ لو جاي تشتري، فالدار دي ملهاش تمن، ولو جاي تتفلسف، فوفر كلامك.. اللي إيديه في المية الباردة مش زي اللي إيديه محروقة بنار 'حاضر وطيب' وخدمة ناس ميسووش."
عمار استغرب قوتها، وقرب وشّه منها شوية وبصوت واطي فيه بحّة جدية:
— "أنا عمار.. والناس اللي بتعرفني، بتخاف من نظرتي لأني مابشوفش غير الحقيقة. والحقيقة اللي أنا شايفها دلوقتي، إنك عاملة زي العمارة اللي صمدت قدام زلزال، بس خايفة من الهوا اللي جاي يوقعها. ليه؟ هو الستر بره السور ده مخيف للدرجة دي؟"
عزة قربت من السور هي كمان، وعينيها كانت بتلمع بالدموع اللي رافضة تنزل:
— "مخيف؟ كلمة مخيف دي قليلة. بره السور ده فيه ناس بتشوف اليتيمة 'لقمة' سهلة، وناس بتشوفها 'خدامة' بلقمتها، وناس بتشوفها 'ستر' لسر قذر.. بره السور ده يا بشمهندس، مفيش حد بيحب لله، كله بيحب للمصلحة. أنا جربت أكون 'سند' واتكسر ضهري، وجربت أكون 'عِطر' واتداس عليا بالرجلين.. فما تجيش إنت ببدلتك دي وتقولي أساسك محتاج ترميم."
عمار سكت خالص، حس إن الكلام لجمه.. حس إن البنت دي "كتاب مفتوح" بس حروفه مكتوبة بالدم.
عزة لفت وشها وسابته واقف، مشيت بخطوات سريعة ومنتظمة، ضهرها مفرود بوجع، وكأنها بتحاول تثبت للأرض قبل ما تثبت له إنها لسه واقفة على رجليها. مابصتش وراها ولا لفت براسها
عمار فضل مكانه.. إيده لسه ساندة على السور، وعينيه مثبتة على النقطة اللي اختفت عندها. الصمت اللي سابته عزة كان ألعن من كلامها، كان صمت بيصرخ في وشه ويقوله إن العالم اللي هو جاي منه بـ "بدلته وشياكته" مجرد قشرة قدام حقيقة الوجع اللي ساكن ورا السور ده.
عدت دقيقة.. اتنين.. وفجأة، موبايله رن في جيبه بـ "نغمة" خاصة، نغمة أوامر رحيم بيه.
الصوت ده كان كفيل يرجعه للواقع، نفض إيده من غبار السور وكأنه بينفض تأثير كلام عزة عنه. عدل ياقه قميصه بجمود، ورسم على وشه الملامح الرخامية اللي بيقابل بيها الدنيا.
عمار (بصوت واطي ونبرة خالية من أي مشاعر):
— "فوق يا عمار.. إنت هنا عشان 'أرض'، مش عشان 'حكاوي'. الأرواح دي ليها رب يحميها، لكن رحيم ملوش غيرك ينفذ له اللي هو عايزه."
طلع المنديل، مسح إيده ببرود، ولبس نضارته الشمسية اللي خبت أي لمعة تعاطف كانت في عينيه. ركب عربيته، ودور المحرك بصوت قوي هز هدوء المكان، وبص للملجأ في المراية وهو بيتحرك:
— "آسف يا آنسة عزة.. بس في عالم الأخطبوط، مفيش مكان للترميم.. فيه بس 'إزالة' وبنا من جديد."
