رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل الثامن8بقلم ميفو السلطان


رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل الثامن8بقلم ميفو السلطان
 مرت الأيام ثقيلة  فاقت ملوك لتجد نفسها وحيدة مرة أخرى أمام القبر تواري ملك الثرى بجانب أمها. وكأن القدر كتب عليها أن تكون هي دافنة الأحباب والحارس الوحيد لذكرياتهم.

وقفت ملوك أمام القبر المكان هادئ بشكل مرعب لا يقطعه إلا صوت أنفاسها التي تخرج محملة بنار الغل. 

انحنت ملوك ببطء وكأنها بتركع للأرض اللي بلعت نصها التاني. مدت إيدها المرتجفة وكبشت تراب القبر بقوة ضغطت عليه لحد ما ضوافرها غرزت في الطين بالظبط زي ما عملت يوم موت أمها. 

وبصوت مبحوح لكنه أحد من السيف همست... 
المرة اللي فاتت يا أمي كبشت ترابك وعاهدتك إني هكون الجبل.. والنهاردة يا ملك بكبش ترابك وبقولك إن الجبل ده هيتحول لبركان يبلع الأخضر واليابس.

فتحت ملوك ببرود قاتل الكيس الحريري اللي شايلاه من سنين. الكيس اللي فيه تراب قبر أمها وفضت التراب القديم فوق تراب ملك الجديد.. خلطت وجع الماضي بـ نار الحاضر ودمجت دمعة الأم بصرخة الأخت. 

ثم.. لمع النصل أخرجت ملوك المشرط وبحركة سريعة ودقيقة شرطت كف إيدها شرطة عميقة   نزل الدم ساخنا.. نزل  ليغسل تراب القبر والحرير. 

حطت كفها النازف على التراب وعينها بتلمع بنور شيطاني... 
وعهد الله ووجعك يا ملك إللي حرق قلبك وقلبي .. وعهد الدم اللي بيجري في عروق ابنك.. إني ماهيهمني  حد ولا هيغمضلي عين إلا وحقك وحق عمر واصل لمكانه. وزي ما عاهدت أمي إني ما أدخل صنف راجل حياتي النهاردة بجدد العهد.. ملوش مكان في قلبي غير عمر الصغير والغل لآل الراوي. دمي ده يا ملك هو صك البيع لروحي.. أنا بعت الدنيا النهاردة واشتريت كفن عامر وعمار... اسياد الأرض هبلعهم تراب أرضهم.. 

شالت إيدها من على التراب فتركت بصمة دم معلمة في قلب الأرض. وقفت ملوك مسحت الدم في ثوبها الأسود وبصت للسما بضحكة خاوية... 
استعد يا عامر.. الملوك مش بس جاية.. الملوك حلفت بدمها ودم الملوك طوفان يا ولاد الراوي. 

---

عادت إلى البيت ذلك البيت الذي كان يوما يعج بضحكات ملك ورقة مليكه فأصبح موحشا باردا لا يكسر سكونه إلا صرخات الصغير..عمر الراوي الصغير.

ذلك الطفل الذي جاء للدنيا يتيما قبل أن يرى النور مات أبوه غدرا وأمه قهرا ولم يكن لهما ذنب سوى أنهما أحبا في زمن  لا يعرف أسياده سوى لغة الدم والأرض.

ألا إن ملوك  نفضت عنها غبار الضعف سريعا فمعدنها الأصيل لا يظهر إلا في المحن. شدت من أزرها ووقفت كالجبل شامخة ليس لأجلها بل لأجل هذا الصغير الذي يملأ صراخه أركان البيت.

التصقت ملوك بابن أختها وبشكل مفاجئ ومذهل انفجر داخلها حنين الأمومة الذي لم تكن تعلم بوجوده. ملوك الطبيبة القوية العنيفة التي كانت ترفض صنف الرجال وجدت نفسها تذوب أمام ملامح عمر الصغير. التي هي نسخة مصغرة من أبيه الراحل وعيون اختها المكلومه .

كانت تضمه إلى صدرها وهي تهمس في أذنه.. 
نام يا عمر.. نام يا قلب ملوك. حقك وحق أبوك وأمك في رقبتي ليوم الدين. والله لآخد حقكم من عيلة الراوي نفر نفر ولو كان التمن روحي.

كانت تنظر إلى خاتم عمر في إصبعها وتشعر بمسؤولية تنوء بها الجبال. أصبحت ملوك الآن هي الأب والأم والدرع أصبحت لبؤة تدافع عن شبلها وسط غابة من الوحوش. وبداخلها الف صرخة... الخاتم ده كان قيد في إيد ملك.. بس في إيدي أنا هيكون مشنقة لرقابكم يا عامر.
****

في أوضة ندي و مها كانت قاعدة بتبرد ضوافرها ببرود مستفز وبتقول لندى.. 
يا بت بطلي عياط على اللي راح.. عمر ما كان ليكي من الأول ده كان مسحور بالبت المصرية دي. ركزي في عمار الجد هيجوزهولك عشان يلم الورث. وأنا عيني على عامر.. السرايا دي بكرة تفضى لينا ونطلع خيالات عمر والبت دي منها البخور. دا بقت عيشة تغم 

 ندى طلعت صور" كانت مخبياها لعمر بس مها انفعلت وقامت خطفتها منها وقطعتها وهتفت بحده... 
اللي بيموت في السرايا دي مابيرجعش.. والحي ابقي من الميت يا حبيبتي اعقلي كده 

دخلت عليهم سعدات مغلوله... لازم السنوية دي تعدي والجد يجتنع إن البت غارت في نصيبه دا باعت يدور عليها دا حزن. عمار لازم يتجوزك يا  ندى بطلي زفت نواح علي أيامك الطين .. مش ناجصين ورثة غرب يدخلوا يجاسمونا  في حلالنا. أنا بعت حد يراقب الجد وعرفنا إنه لسه باعت ناس يدوروا.. بس متوكده أن  عامر مش هيسكت وممكن يجلب علينا السرايا.

*******
في زاوية هادئة من الغرفة كانت تجلس مليكه. لم تكن قد نقت تماما من هول الصدمة ولكن عاد صوتها ولكنه عاد  متلعثما لا تقوي علي النظر للغرباء تخشى كل شيء.. . 
في ذلك المساء كانت ملوك خارج البيت وملك تجلس بمفردها مع الصغير. فجأة انقطع التيار الكهربائي فعم الظلام الدامس أرجاء الشقة. تسمرت مليكه مكانها وشعرت ببرودة تجتاح جسدها النحيل. بدأت ترتعش بعنف ووضعت يديها فوق أذنيها لتحتمي من أشباح الماضي التي بدأت تتراقص أمام عينيها في الظلام.

همست بصوت غير مسموع شفتاها تتحركان بلا صدى
لا.. لا سي بو ني.. سي بو ني لو ا حد ي.

بكى الصغير عمر بحدة فاهتز كيان مليكه. الخوف على الطفل كان أقوى من خوفها على نفسها. تحاملت على ضعفها وبدأت تزحف في الظلام نحو سرير الصغير وهي ترتجف . عندما لمست يداها جسد الطفل أحست بدفء غريب تسلل إلى قلبها الخائف. ضمت عمر الصغير إلى صدرها وبدأت تهزه برفق وهي تهمس بكلمات غير مفهومة كأنها تعويذة تحميه وتحميها.

فجأة طار عصفور صغير كان قد ضل طريقه واصطدم بزجاج النافذة ليسقط على الحافة مرتجفا غير قادر على الطيران.

مليكه التي فقدت نطقها لم تفقد رحمتها. انتفضت من مكانها بخفة تكاد لا تسمع واقتربت من العصفور بعينين تلمعانِ بدموع محبوسة. لم تصرخ ولم تناد أحدا.. بل مدت يدها المرتجفة ببطء شديد. 

حملت العصفور بين كفيها الصغيرتين وضمته إلى صدرها بحنان..  فبدأت تهزه برفق كأنها تهز طفلا رضيعا. 

في تلك اللحظة..
تحركت شفتاها  كانت تحاول أن تغني له هدهده كانت ملك تغنيها لهما وهما صغار.. شفاه تتحرك باللحن.. وعيون تفيض بوجع مكتوم. مسحت برأسها على ريش العصفور وظلت تهمسُ له بروحها..
ماتخافش.. أنت لسه عندك اجنحة.. أنت تقدر تطير وتسيب المحبس ده.. طير أنت يا صغيري عشان أنا مبقتش أقدر خلاص. 

عندما استعاد العصفور توازنه وطار بعيدا ظلت مليكه تنظر إليه حتى اختفى في السماء ثم نظرت إلى كفيها اللتين لا تزالان تحتفظان بدفئه وابتسمت ابتسامة باهتة حزينة.. ابتسمت لأنها استطاعت أن تنقذ روحا من السقوط في حين أنها سقطت هي حبيسة مخاوفها ولم يمد لها أحد يده.

---

وعلي بعد آلاف الكيلومترات كان عمار يجلس فوق التراب ملتصقا بقبر أخيه عمر كأنه يحاول استمداد الدفء من جسد واراه الثرى.  لم يكن عمار الراوي الجبار الذي يخشاه الجميع بل كان حطام رجل لحيته نبتت بإهمال وعيناه غارقتان في سواد الندم.

سند رأسه على الرخام البارد وبكى بكاء مكتوما يمزق الصدر همس بصوت محشور بالدموع.. 
سامحني يا خوي.. سامحني يا عمر. الدنيا من بعدك بقت سجن كبير والسرايا اللي كنا بنتعارك عليها بقت جبر بيضيق عليا كل يوم. جتلتك بيدي وأنا فاكر إني بحميك وبحمي شرف العيلة مكنتش أعرف إني بدبح نفسي وبدبح النور اللي كان فاضل في حياتنا.

مسح وجهه بكفه المرتجفة وتابع بنحيب... 
أنا ضعت يا عمر.. ضعت وتاه مني الطريج. يجد شايل سيفه في وشي  وعامر بقى حجر صوان وأنا.. أنا ميت وباتنفس. يا ريتني كنت مكانك يا خوي ويا ريتك كنت أنت اللي عايش.يا رب خدني إني كمان يا رب مامتحملش. يا رب كان روحي والله يا رب كنت بحوشه ولا اتمنيته ذره اذي يا رب انت عالم حبه في جلبي.. سامحني يا اخوي منها لله حسبي الله فيها.. ااااه يا حرجة جلبي. 

كانت الرياح في المقابر تصفر وكأنها ترد على نحيبه وبينما هو  حبيسا لندمه وظلمه  في شقة القاهرة كانت مليكه تنظر لعصفورها الطائر من بعيد تنتفض من صوت الريح ذاتها حبيسة روحها المفقوده

*****

في زاوية ضلمة من السرايا كانت فؤادة قاعدة بتهز جسمها بوجع وصوت نحيبها المكتوم يقطع القلب. دخلت عليها نجوان وبدأت تمسح على كتافها وهي بتقول بنبرة حادة بس فيها مواساة.. 

وحدي الله ياما كفاية بكة ونديب العياط مش هيرجع اللي راح وعمر خلاص بقا في دار الحج. ارحمي نفسك وارحمي عامر وعمار كفاية عليهم اللي هما فيه.

فؤادة رفعت راسها وعيونها غرقانة دموع وقالت بصوت مشروخ.. 
مش جادرة يا نجوان.. مش جادرة يا بتي. جلبي محروج على ولدي. دخل على الجبر جتة هامدة وهو في عز شبابه. النار اللي في جوفي مابيطفيهاش بحور الدنيا. ولدي راح يا نجوان.. راح غدر. 

نجوان ضغطت على إيدها وقالت بقهر.. 
ما تجسيش على عامر وعمار يا ياما.. والله غصب عنهم. هما مكنش جصدهم يكتلوه هما كانوا فاكرين انهم بيدافعوا عن اسم الراوي وعن شرفنا.. ده دماغهم إن البت  مسهوكة  لافت على عجله. عمار ما جتل أخوه بطلجة طايشة.. عمر إلي مسك المسدس وهو بيحوشه.. عمار ونار الندم واكلاه أكتر مني ومنك. ما تزوديهاش عليهم السرايا محتاجة سند وهما سندنا اللي فاضل.

فؤادة سكتت لحظة وشهقت بشهقة توجع وقالت... 
عارفة يا بتي.. عارفة إنهم ولادي وعارفة إنهم مكنش قصدهم.. بس جلبي محروج جلبي واكلني على ولدي الصغير اللي اندفن في عز شبابه عشان خاطر واحدة لا راحت ولا جت. ليه يا عمر؟ ليه يا ولدي رخصت نفسك ورخصت دمك عشان خاطر غريبة؟

ردت نجوان بجمود وهي بتبص لبعيد.. 
خلاص يا ياما الحساب عند ربنا.اهي جثة واندفنت الا البت دي  لو طالتها إيد عامر أو عمار بكرة مش هيسموا عليها. المهم دلوك نلم شمل السرايا ونجوي عامر وعمار عشان يجدروا يجفوا قدام الناس في السنوية بكرة وهما رافعين راسهم.

*******

كانت ملوك في غرفتها والظلام يلف المكان إلا من ضوء خافت يسقط على وجهها الذي تحول لقطعة من الفولاذ. لم تكن ترتاح بل كانت تميت نفسها في التمرين تدفع جسدها لأقصى حدود الطاقة بـ غل يتفجر من عروقها مع كل حركة.

عرقها يتصبب  وأنفاسها تخرج لاهثة كأنها شرار نار. كانت تضغط على أعصابها بـ قسوة مريعة وكأنها تعاقب جسدها لأنه لم يحم أختها، وتؤهله ليكون السوط الذي سيجلد كبرياء عائلة الراوي.

وفجأة.. توقفت لاهثه.. 
اقتربت من النافذة سحبت الستار ببطء وثبتت نظراتها الحادة نحو الأفق.. هناك تخيلت حيث يقبع قصر الراوي شامخا بجدرانه التي تظن أنها منيعة.

لمعت عيناها ببريق شيطاني وهمست بصوت يخرج من دهاليز قلب محروق.. 
شايفاك يا عامر يابن الرواي.. وشايفة قصرك اللي فاكره حصن. بكرة هتتهد السرايا دي طوبة طوبة فوق دماغ اللي فيها. بكرة هدخلها مش عشان أستخبى في ضلها أنا هدخلها عشان أطفي النور اللي فيها بدمكم. استعد يا ابن الراوي.. ملوك  بقت بتحضر كفنكم بيديها

  الضربة القاضية لآل الراوي يابن الراوي   مفيش حد هيهرب من الحساب.  فاكر نفسك في أمان... ضحكت بفحيح .. .. دانا بعدلك الثواني يابن الرواي عشان اوريك أمان الملوك عن حق. . 

*******

دخل عمار المكتب وجد عامر جالسا في الظلام لا يضيء المكان الا قنديل صغير 

عمار بصوت مبحوح.. مش ناوي تنام يا خوي؟ السرايا بقت بتخوف وهي فاضية.. حاسس بخطوات عمر في كل ممر. 

عامر بنظرة جامدة كالصخر.. عمر ماراحش يا عمار.. عمر عايش في جلوبنا....
التفت متنهدا... شفت جدك وعمايله . بيدور عالبت إللي طفشت بالفلوس.. ناوي يرجعها..   

عمار بغل وحزن.. ترجع فين.. ده أنا أهد الدار دي قبل ما تعتبها. واحدة رخصت أخونا. كانت السبب في جتله وجنونه زي الممسوس.. منها لله حرجت جلوبنا وفرجتنا عن بعض لو أطولها كت دبحتها.

وجلس وكل منهم  مشاعره هائجه يصبانها علي تلك المسكينه التي واراها الثري انها السبب في مقتل اخيهم... 
******
دخلت ملوك علي اختها واحتضنتها 
نظرت ملوك إلى  مليكه ودموعها التي  تنهمر بصمت ربتت على وجنتها بحنان وقوة في آن واحد ومسحت دموعها وهمست.. 
إحنا مالناش إلا بعض يا قلبي أنت وابن أختك الله يرحمها وبس.. واعرفي إنك أنتِ وهو بقيتوا روحي واللي هيقرب منكم هنهش قلبه. 

همست مليكه بتقطيع وصوت يرتجف من أثر الصدمة.. 
طب.. طب.. هنـ.. هنعمل.. إيـ.. إيه فيـ.. في عـ.. عمر؟ لا.. لازم يعـ.. يعرف عيلته.

سهمت ملوك قليلا شردت بعينيها اللتين تحولتا إلى جمر مشتعل وفي ذهنها عاصفة من الغضب والخطط التي ستحرق الأخضر واليابس. لم تكن تفكر في تعريف الصغير بعيلته من أجل صلة الرحم بل من أجل الحق الذي سُلب والدم الذي سُفك.
همست بجمود.. سيبها علي الله وعلي عبدته الفقيره. 
ضحكت ضحكة قصيرة لا تصل لعينها وتابعت بجمود مرعب... 
استني عليا.. بكرة الملوك توري السادة.. إن الوجع لما بيتحول لمشرط مابيسيبش جتة سليمة.
****
بدأ الجد سعفان يستعيد صحته رويدا رويدا لكن قلبه ظل معلقا بذكرى عمر. لم ييأس بل بعث فريقا من معارفه المخلصين للبحث عن ملك في كل شبر ليرد لها اعتبارها كما وعد حفيده قبل رحيله.

دخل عليه عامر الذي بات يشعر بجفوة جده وسأل بمرارة.. 
هو أنت دلوك مش معتبرنا عيالك يا جدي؟

هتف الجد بحدة... مالك يا عامر؟ ليك حاجة في تصرفاتي؟ ولا هتيجي كمان تتحكم في جدك؟

اندفع عمار خلف أخيه وهتف بغضب وندم يحاول تصريفه في غير موضعه.. 
إيه يا جدي؟ أنت لسه بتدور على اللي كانت السبب في جتل أخوي؟

صرخ الجد بصوت هز أركان الغرفة... إنتو اللي جتلتوه أنتو السبب وما هسامحكم واصل لحد ما ألاجيها وأرد لها حقها. 

نظر عمار إليه بغضب فحرقته على أخيه تحولت لغل تجاه ملك بينما استمر الجد في إصدار أوامره بصرامة... 

سنوية أخوك هتدبح فيها خمس عجول وتجيب شيخ من مصر وتعمل حاجة لله.. فلوس أخوك أمانة في رجبتي ليوم الدين. 

هتف عامر بغضب فهو فعلا لا ينظر للمال ابدا. .. وإحنا مابنبصش على فلوس يا جدي.. 
رد الجد بلسعة سوط... والنبي إيه..وجتلتوه ليه مش عشان الفلوس؟

صاح عامر بقهر علي أخيه ... هو ماكنش جصده ارحم عمار يا جدي كفاية جلبه المحروج. 

هتف الجد بسخرية مرة.. يعني ارتدع البعيد.. والا بيحس.. عموما إني برضك ماهسيبش عهدي لو طلعت روحي. عهدي لابن ابني وسره في ودني يتردله حجه. 
****

كانت ملوك مستلقية على فراشها جسدها ساكن كالجثة لكن عيناها كانتا تشعان بنور شيطاني وهي تحدق في سقف الغرفة الصامتة. في يدها كانت تمسك بـ مشرط صغير نصله يلمع تحت ضوء المصباح الخافت كأنه عين أفعى تتربص بفريستها.

بدأت تحركه في الهواء بحركات دقيقة ورشيقة كأنها ترسم ملامح خصمها في الفراغ أو كأنها ممسوسة بروح لا تهدأ إلا بالانتقام. ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة تقشعر لها الأبدان، وهمست بصوت رخيم يملأه الغل... 

عاااااامر الراوي...يا ترى هيطلع لك إيه مني يا عامر يا راوي... يا ترى لما أشوفك وشك.. هعمل فيك إيه؟

ضحكت ضحكة قصيرة خاوية من أي مرح وتابعت وهي تزيد من سرعة حركة المشرط في الهواء..
بيقولوا وحش وجبروت... وسيد الناس؟.. يا رب يكفيك شر جبروت حرقة قلب الملوك لما تنوي. الجبروت اللي دست بيه الغلابة هسحقهولك تحت رجلي.. والهيبة اللي لابسها زي التوب هقطعها لك حتة حتة بالمشرط ده.

لمعت عيناها بنار تلتهم الأخضر واليابس وتخيلت للحظة وجه عامر الراوي وهو مكسور العين أمامها وهو يرى سلطته تتهاوى تحت ضربات ذكائها وقوتها. كانت ملوك في تلك اللحظة لا ترى أمامها سوى قصاص عادل ونهاية تليق بأسطورة وحش الصعيد الذي تجرأ وداس على طرفها.

استناني يا ابن الراوي.. ملوك جاية وجايبة معاها نار مش هتنطفي إلا بكسرتك.. 
*****
أقيمت السنوية وتحولت ساحة القصر إلى مشهد مهيب يجمع كبار البلد والمشايخ ووجهاء القوم. كانت ليلة سوداء في تاريخ العائلة . ليلة تليق بفقيدهم الشاب.

وقف عامر في وسط الجمع شامخا بظاهره محطما بداخله وهتف بصوت جهوري.. 
اليوم ده اللي فطدنا فيه زين شباب الراوي عمر فضل الراوي. يوم ما يتنساش يوم أسود حل عالعيلة  هنفضل عمرنا كله ننعي فيه ذكراه. 

وفجأة.. وبينما كان الجميع ينصتون في خشوع لسيد الناس المستشار عامر الراوي . انشق الزحام عن خطوات واثقة قوية وقع كعب حذاء على الرخام كان يضرب القلوب قبل الأرض. توقفت الخطوات أمام عامر مباشرة وسط ذهول عامر ليتفاجيء عندما. ....

*********

بينما كان الراوي يوارون التراب على قطعة من قلبهم كانت هناك ملوك تشحذ مِشرطها في الظلام. لم تكن ملوك تبكي بل كانت تتبلور من جديد.. تتحول من أخت مكلومة إلى قدر لا يُرد.

فيا عامر.. ويا عمار..
لا تغركم حصونكم ولا تغركم ألقابكم. فالحق الذي ذبحتوه في ملك والوجع الذي سكن عيون مليكة والسر الذي دفنه عمر في أذن جده.. كلها خيوط ستنسج حول رقابكم كفن الغرور.

ستدخل الملوك نجعكم لا لتطلب العزاء بل لتأخذ الثمن.. تُدبر في الخفاء وتضرب في العلن. وبين جبروت المستشار وانكسار الفارس وضياع النسمة.. سيبقى السؤال

من الذي سيصمد حين يزأر الحق في وجه الباطل؟

وهنا.. انقسم الزمان لنصفين

نصف ينوح على ما فات ونصف يرتجف مما هو آت. السرايا اللي كانت فاكرة إنها دفنت سرها مع عمر مكنتش تعرف إن القدر بعت لها ملوك عشان تفتح القبور وتحاسب الأحياء قبل الأموات.

يا ولاد الراوي..
الليلة مش ليلة عزا الليلة هي ليلة رد المظالم. ملوك مدخلتش السرايا عشان تطلب رضاكم ولا جاية تدور على مكان في ضلكم. الملوك جاية وفي إيدها اليتيم اللي أنكرتوه وفي قلبها المشرط اللي هيشرح هيبتكم وفي عينيها نار ملك اللي مش هتنطفي إلا بدموع ندمكم.

انتهى زمن الصمت.. وبدأ عصر الملوك
السؤال دلوقتي: عامر الراوي هيعمل إيه وهو شايف نسخة من جبروته واقفة قدامه بوش امرأة؟ وعمار اللي غرقان في ندمه، هيقدر يواجه السر اللي شايله المشرط؟
 **تاتش ميفو للفانز**



                 الفصل التاسع من هنا
تعليقات



<>