الصمت نزل على الأوضة زي حجر تقيل. سيف كان قاعد على السرير، اللاب توب واقع على الأرض، ووشه خالي من أي تعبير.. عينيه باصة للفراغ ودمعة واحدة يتيمة نزلت على خده، دمعة كسرة وضياع.
كل حاجة عاش عشانها، كل عذاب السنين، كل رصاصة أخدها عشان يثبت براءة أبوه.. طلعت سراب. أبوه هو الشيطان الأكبر.
بطة كانت واقفة بعيد خطوتين، بتترعش وبتبص لسيف برعب، بس لما شافت دمعته، وكسرة ضهره اللي عمرها ما شافتها في الظابط القوي ده، قلبها اللي متربي على الجدعنة في الشارع غلب صدمتها.
جريت عليه، ومسكت وشه بين إيديها الصغيرين، ومسحت دمعته بلهفة وقالت بصوت بيترعش بس مليان حنية الدنيا:
"سيف.. بصلي يا سيف.. إنت مسمعتش أبويا قال إيه؟ قال إنت ملكش ذنب.. إنت ضحية زيك زيي بالظبط.. أبوك هو اللي شيطان، بس إنت الملاك اللي ربنا بعتهولي ينقذني من المستنقع ده."
سيف رفع عينيه الحمرا من العياط وبصلها بضياع، وقال بصوت مبحوح ومكسور: "أنا ابن الراجل اللي دمر عيلتك يا بطة.. الراجل اللي خلى أبوكي يموت ميتة الكلاب.. أنا دمي من دمه.. إزاي هتقدري تبصي في وشي بعد كده؟"
بطة مقدرتش تمسك نفسها، وضربته خبطة خفيفة على صدره السليم وقالت بدموع وكوميديا عشان تخرجه من حالته:
"يا واد إنت عبيط؟ هو أنا هتجوزك إنت ولا هتجوز بطاقتك العائلية؟ ده أنا لو عليا أغيرلك اسمك في السجل المدني وأسميك 'سيف بطة' واسجلك على اسمي! إنت بتاعي أنا يا سيف.. إنت الراجل اللي أخد رصاصة عشاني، واللي نط في النيل عشان ينقذني.. قوم يا بطل، إحنا لسه عندنا حساب لازم نصفيه."
سيف بصلها بذهول، كلامها نزل زي الماية الساقعة على نار قلبه. عيونه لمعت بتصميم مرعب، شد الكانيولا من إيده بعنف، الدم نزل من وريده بس مهتمش. قام وقف وهو بيعض على أسنانه من ألم كتفه وقال:
"عندك حق.. الحساب لسه مخلصش.. كمال باشا لازم يدفع تمن كل قطرة دم نزلت بسبب طمعه."
بطة شهقت وقالت: "إنت رايح فين يا مجنون؟ إنت بتنزف! وبعدين إنت هتروح تقبض على أبوك اللواء؟ ده معاه حراسة تاكل بلد!"
سيف لبس قميصه الأسود، وسحب مسدسه من على الترابيزة وعمره بحركة محترفة، وبصلها بعيون بتطق شرار: "أنا مش رايح أقبض على اللواء.. أنا رايح أقبض على زعيم المافيا.. خليكي هنا يا بطة، طارق بره هيحميكي."
بطة مسكت في لياقة قميصه بعناد وقالت: "ده بعينك! أسيبك تروح لوحدك عشان يخلصوا عليك؟ ده أنا بطة ساطور! رجلي على رجلك، ولو متنا، نموت سوا، أهو نوفر حق كفن واحد."
سيف مقدرش يقاوم ابتسامة صغيرة وسط كل الغضب ده، شدها لحضنه باس راسها وقال: "مجنونة.. بس مقدرش أعيش من غيرك. يلا بينا."
في فيلا اللواء كمال.. الفيلا كانت هادية جداً، كمال قاعد في مكتبه الفخم، بيشرب قهوته وبيسمع موسيقى كلاسيك، وكأن مفيش أي حاجة حصلت.
فجأة، باب المكتب اتكسر حتت، وسيف دخل وموجه مسدسه لقلب أبوه، وبطة وراه مستخبية في ضهره وماسكة فازة كريستال تقيلة من الصالة مستعدة تضرب بيها أي حد.
كمال باشا متهزش، حط فنجان القهوة بالراحة، وابتسم ببرود وقال: "أهلاً بالبطل.. كنت عارف إنك هتوصل للفيديو بتاع محمود عاجلاً أم آجلاً.. طالع ذكي لأبوك."
سيف صرخ بصوت هز جدران الفيلا: "ليه؟!! ليه عملت كده؟ دمرتني ودمرت حياة الناس دي كلها ليه؟ ده أنا عشت عمري كله بحارب عشان أثبت براءتك.. أتاريك إنت الوساخة نفسها!"
كمال وقف وبصله بقسوة وقال: "عشان السلطة والفلوس يا غبي! إنت فاكر المثالية بتاعتك دي هتأكلك عيش؟ أنا بنيت إمبراطورية، وكنت بجهزك عشان تستلمها مكاني.. بس إنت طلعت خايب، وقلبك حن لبياعة كبدة من الشارع!"
كمال سحب مسدس من درج المكتب في كسر من الثانية، ووجهه... مش لسيف... وجهه لبطة!
وقال بابتسامة شيطانية: "لو الحب هو اللي مخليك ضعيف.. يبقى نخلص من نقطة الضعف دي للأبد."
سيف عينيه وسعت برعب، وفي اللحظة اللي كمال ضغط فيها على الزناد... سيف أخد الخطوة، وميل جسمه قدام بطة، وفي نفس الوقت ضرب نار!
رصاصة كمال خدشت دراع سيف، ورصاصة سيف اخترقت كتف أبوه، كمال صرخ والمسدس وقع من إيده، ووقع على ركبه في الأرض بينزف.
سيف كان بينهج، والدموع مالية عينيه وهو رافع المسدس على أبوه اللي بيتوجع، وقال بصوت بيترعش: "إنت اللي علمتني أضرب نار في القلب يا سيادة اللواء.. بس أنا مش قاتل زيك.. أنا ظابط شرطة."
في اللحظة دي، طارق والقوات الخاصة اقتحموا الفيلا، وقبضوا على كمال باشا اللي كان بيبص لسيف بنظرة أخيرة قبل ما ياخدوه
سيف رمى المسدس من إيده، ووقع على الأرض من التعب والنزيف. بطة رمت الفازة وجريت عليه، قعدت على الأرض وأخدته في حضنها وهيا بتبكي وتضحك في نفس الوقت: "خلصت يا سيف.. الكابوس خلص يا حبيبي."
سيف دفن وشه في رقبتها، وشم ريحتها اللي بتديله الحياة، وهمس: "بحبك.. بحبك يا أعظم انتصار ليا في الدنيا دي."
بعد مرور ٦ شهور
على النيل، وفي مكان راقي جداً متزين بأنوار مبهجة وورد أبيض في كل حتة، يافطة كبيرة منورة مكتوب عليها: "مملكة سيف وبطة".
المكان كان مليان معازيم من أهل الحتة وظباط الشرطة زمايل سيف. النهاردة مكنش بس افتتاح أكبر وأفخم مطعم كبدة في مصر.. النهاردة كان فرح سيف وبطة!
سيف كان لابس بدلة ظابط بيضا بتخطف العين، وواقف على الجريل الفخم اللي في أول المطعم كنوع من الهزار مع المعازيم.
وبطة كانت طالعة زي القمر في فستان فرح أبيض منفوش، بس رافعة الديل بإيدها وماسكة "مساكة السجق" بالإيد التانية، وعمالة تزعق للعمال بخفة دمها المعتادة:
"إنجز يا واد إنت وهو، المعازيم هتاكل في وشنا! حط طحينة بضمير يا بني هو أنا بدفعلك من جيبي عشان تستخسر!"
سيف ضحك من قلبه، ساب الجريل وراح ناحيتها. مسك إيدها اللي فيها المساكة وباسها قدام الناس كلها. المعازيم سقفوا وصفروا، وبطة وشها جاب ألوان من الكسوف.
سيف بصلها بعيون بتلمع بدموع الفرحة وقال بصوت دافي ورومانسي دوبها: "مش كفاية شغل بقى يا ست المعلمين؟ إنتي عروسة النهاردة.. أجمل عروسة شافتها عيني."
بطة بصتله بحب كبير مالي قلبها، ومسحت دمعة فرحة نزلت من عينيها وقالت: "أنا مش مصدقة نفسي يا سيف.. إحنا بجد مع بعض؟ بعد كل الدم والنار والخوف ده.. إنت بجد بقيت جوزي؟"
سيف لف دراعه حوالين وسطها وضمها لحضنه، وباس جبينها برقة وقال: "إنتي العوض الجميل اللي ربنا بعتهولي بعد سنين من العذاب.. إنتي اللي طلعتيني من الضلمة للنور.. أنا اللي مش مصدق إن حتة السكر دي بقت ملكي."
بطة ضحكت بدلعها اللي بيجننه وقالت: "طب بقولك إيه يا سيادة الرائد.. أنا جعانة! ما تعملي ساندوتشين كبدة من إيدك الحلوة دي قبل ما نكتب الكتاب؟"
سيف ضحك بصوت عالي، وشالها فجأة بين إيديه ولف بيها قدام كل الناس اللي بتسقف وتزغرط، وقال وهو بيبص في عينيها: "كبدة إيه يوم فرحنا يا مجنونة؟ أنا هأكلك الشهد كله بقية عمرك!"
وسط ضحكاتهم، ودموع الفرحة، وأنوار النيل اللي بتعكس حبهم، انتهت قصتهم.. قصة بدأت بخناقة على عربية كبدة، وانتهت بعشق مالوش حدود، عشان يثبتوا إن الحب الحقيقي بيقدر يغسل أي وجع، ويبني من رماد الماضي، أجمل حياة.
تمت
