رواية هتلر الفصل التاسع9 بقلم اسماعيل موسي
في البداية، لم يكن دكتور محمود سوى رفيق يجلس على الأطراف، يشاركهم المكان ،كان وجوده بينهم أشبه بظل هادئ وسط ضوضاء صاخبة، لا يتدخل، ولا يفرض نفسه، بل يكتفي بالمراقبة، وكأن كل ما حوله مادة يدرسها بعناية.
كانت لقاءاته مع وائل تتكرر، لكنها لم تكن متشابهة،أحيانًا تبدأ الليلة من مقهى شعبي في ساعة متأخرة، حيث تختلط رائحة الدخان بالشاي الثقيل، ويجلس الرجال في دوائر صغيرة، يتحدثون بصوت منخفض رغم الضحك العالي،هناك، تعرّف محمود على أول ملامح هذا العالم: كل شيء يُقال بنصف جملة، وكل معنى يُفهم من نظرة.
وائل كان يتحرك بينهم بخفة، يعرف هذا، ويصافح ذاك، ويجلس قليلًا هنا وهناك،لم يكن يقدم محمود باعتباره شخصًا مهمًا، بل يتركه يندمج بصمته، ومع الوقت، صار وجود محمود مألوفًا، كوجه يتكرر في نفس الأماكن دون أن يثير التساؤل.
في ليالٍ أخرى، كانت اللقاءات تنتقل إلى أماكن أكثر انغلاقًا؛ شقق ضيقة، إضاءة خافتة، وستائر مسدلة،هناك، تتغير نبرة الحديث، تختفي الضحكات العالية، ويحل محلها تركيز حاد.
تُفتح حقائب صغيرة، تُعد أوراق نقدية، وتُذكر أسماء وأماكن بسرعة، لم يكن أحد يشرح شيئًا، لكن كل شيء كان واضحًا بطريقته الخاصة.
محمود لم يسأل، ولم يُسأل. كان يجلس، يستمع، ويربط التفاصيل،تعلّم أن الصمت في هذا العالم ليس ضعفًا، بل وسيلة للبقاء،وتعلّم أيضًا أن المزاح، رغم حضوره، له حدود لا يجب تجاوزها،ومع تكرار اللقاءات، بدأت تتكشف له أنماط ثابتة.
هناك دائمًا شخص يتكلم أكثر من اللازم، وآخر لا يتكلم أبدًا،
شخص يضحك في كل موقف، وآخر لا يبتسم حتى في المزاح،لكن في اللحظات المهمة، تختفي هذه الفوارق، ويصبح الجميع على درجة واحدة من الحذر.
وائل، من جهته، كان يختار توقيتاته بعناية،أحيانًا يتصل بمحمود فجأة، يطلب منه النزول دون شرح،يركبان السيارة، يسيران في شوارع شبه خالية، ثم يتوقفان لدقائق مع أشخاص لا يتركون أسماء. كلمات قليلة، حركات محسوبة، ثم ينتهي اللقاء كما بدأ، بلا مقدمات ولا وداع.
وفي مرات أخرى، كانت الليالي أطول، جلسات تمتد حتى الفجر، يتخللها حديث عن صفقات قديمة، أو خلافات تم حلها، أو أخرى لم تُحسم بعد،لم تكن التفاصيل تُقال بشكل مباشر، بل تُحكى كقصص، فيها الكثير من الإشارات والقليل من التصريح.
محمود كان حاضرًا في كل ذلك، لكن حضوره ظل ثابتًا على نفس الصورة:
مستمع جيد، لا يتعجل الفهم، ولا يتدخل إلا بنظرة أو ابتسامة خفيفة، ومع الوقت، لم يعد غريبًا بينهم، بل صار جزءًا من المشهد اليومي، دون أن يتغير موقعه داخله.
وهكذا، بين المقاهي والشقق والسيارات، وبين الضحكات الخافتة والحوارات المبتورة، تشكلت علاقة من نوع خاص بينه وبين وائل، علاقة لا تقوم على الأسئلة، بل على المشاركة الصامتة في نفس السهرات، ونفس الطرق، ونفس العالم الذي يُكشف قليلًا… ويُخفى أكثر.
كان الليل قد استقر بثقله، والهواء داخل الشقة مشبعًا برائحة الدخان والكلام المقطوع. جلس محمود مع وائل وباقي الرفقة حول طاولة صغيرة، أكواب الشاي تتبدل، والضحكات تتسلل بين جمل ناقصة المعنى،لم يكن هناك ما يوحي بأن الليلة ستختلف عن غيرها… حتى انفتح الباب بعنف،
دخل شاب يلهث، عينيه متوترتان وصوته مبحوح:
"في ناس جاية… من المنطقة التانية… شكلهم داخلين على خناقة كبيرة."
سقط الصمت فجأة.
لم يسأل أحد "ليه"، ولا "إمتى". كل الوجوه شدّت، وكل حركة أصبحت محسوبة،وائل نهض ببطء، مسح على وجهه، ثم تبادل نظرات سريعة مع الباقين لا أوامر واضحة، فقط إشارات مفهومة،محمود كان جالسًا… ينظر،ثم، دون كلمة، وقف.
لم يطلب منه أحد أن يتحرك، ولم يلتفت إليه أحد أصلًا،لكن خطوته كانت هادئة وواضحة، كأن القرار اتُخذ داخله منذ لحظة دخول الخبر.
تقدم نحو الباب، سبق الجميع بخطوتين، وكأن جسده يعرف الطريق قبل عقله،في الخارج، كان الشارع نصف مظلم، أصوات أقدام تقترب، ونبرة عدوانية تسبق أصحابها. ظهرت المجموعة الأخرى، وجوه قاسية، وأكتاف مشدودة، ونظرات تبحث عن شرارة البداية،ولم تنتظر الشرارة طويلًا،
اندفعت الفوضى فجأة، لكن محمود لم يتحرك بعشوائية،
جسده دخل القتال كأنه يتبع إيقاعًا محفوظًا. ضربة سريعة، دقيقة، تستهدف وتنسحب،خطوة جانبية، ثم التفاف مفاجئ، وكوع ينزل بثقل محسوب. لم يكن يقاتل مثلهم… لم يكن يعتمد على القوة وحدها، بل على توقيت لا يخطئ،
لكن مع كل لحظة، كان هناك شيء آخر يظهر،شيء أقل انضباطًا… وأكثر قسوة.
حين اقترب منه أحدهم مندفعًا، لم يكتفِ محمود بإبعاده، بل ضغط عليه بقوة، دفعه أرضًا، وتابع الحركة بلا تردد،لم يكن هناك تردد في عينيه، ولا تراجع في جسده. مزيج غريب من النظام والاندفاع، من تدريب واضح… وغضب أعمق،
تراجع أحد المهاجمين خطوة، وهو يلهث، ونظر إلى رفاقه بصوت متوتر:
"هو ده مين؟!"
لم يجبه أحد.
لأن السؤال لم يكن له جواب.
في وسط الاشتباك، كان محمود يتحرك كأنه جزء منفصل عن المشهد. لا يصرخ، لا يندفع بلا حساب، لكنه أيضًا لا يرحم. كل حركة تنتهي قبل أن تبدأ الأخرى، وكل مواجهة تُحسم بسرعة غير متوقعة.
وائل، الذي كان يقاتل على الطرف، لمح المشهد للحظة، توقف جزء من الثانية، وكأن ما يراه لا يتوافق مع ما يعرفه،لكنه لم يقل شيئًا… لم يكن هناك وقت،الاشتباك لم يدم طويلًا،
مثل أغلب هذه المواجهات، بدأ فجأة… وانتهى فجأة.
تراجع المهاجمون كما جاؤوا، يحملون معهم ارتباكًا لم يكن في حسابهم. ظل أحدهم ينظر للخلف وهو يبتعد، كأنه يحاول أن يثبت ملامح ذلك الشخص في ذاكرته،"مين ده؟" قالها مرة أخرى، لكن بصوت أخفض،في الشارع، عاد الهدوء تدريجيًا،
تناثرت الأنفاس الثقيلة، واحتكاك الأحذية بالأرض، وصوت بعيد لسيارة تمر بلا اكتراث.
وقف محمود مكانه، يتنفس ببطء، وكأن شيئًا لم يحدث،
لم ينظر لأحد… ولم ينتظر تعليقًا.
وكأن ما فعله… كان طبيعيا، حتى اقترب منه وائل ووضع يده فوق كتفه وسأله
انت مين ؟
