(حين لا ينام الدم)
لم يكن الليل وقتًا للنوم.
كان مسرحًا يعاد فيه كل شيء… بدمه، بصوته، برائحته.
استلقى على السرير دون أن يغمض عينيه. السقف الأبيض فوقه يتحول ببطء إلى لون رمادي خانق، كأن الظلام يتسرب من داخله لا من الخارج. يده اليمنى، تلك التي لا ترتعش حين تضغط الزناد، كانت الآن متيبسة، كأنها ما زالت تمسك بجسد لم يبرد بعد.
الدم.
لا يفارقه.
حتى حين لا يكون موجودًا.
أغمض عينيه أخيرًا… فأتاه الصوت.
«اركض.»
لم يكن يعرف إن كان صوت المدرب، أم صوت طفلٍ يُسحب من ذراعه.
ركض. دائمًا كان يركض.
في المعسكرات، في المدارس الداخلية، في الممرات الطويلة التي لا تشبه البيوت.
لم يكن له بيت. هكذا قالوا له.
الذي لا أهل له… لا يُدلّل.
الذي لا أهل له… يُكسر أولًا، ثم يُعاد تشكيله.
كانوا يعرفون أين يضغطون.
كانوا يعرفون أن كلمة “مالكش حد” أقسى من أي صفعة.
كبر جسده سريعًا، أسرع من روحه.
تعلم كيف يقف مستقيمًا لساعات، كيف يبتلع الجوع، كيف يخفي الألم خلف نظرة جامدة.
تعلم القتل كمهارة… لا كخيار.
وفي أول مرة ضغط فيها الزناد، لم يشعر بشيء.
ذلك كان أخطر ما في الأمر.
دخل عالم المافيا كما يدخل الغريق الماء: بلا مقاومة.
قوانينهم واضحة، نظيفة في قذارتها:
تنفّذ… تعيش.
تسأل… تموت.
لم يكن يسأل.
لكنه كان يرى.
يرى الارتعاش في عيون من لا يستحقون الرصاصة.
يرى الخوف الذي يشبه خوفه القديم.
وكان يقتل… ثم يعود ليلًا، غير قادر على النوم، وكأن أرواحهم وجدت طريقها إلى فراشه.
أما “أمه”…
فكانت امرأة تؤدي دورًا بلا روح.
حضنها بارد.
لمستها محسوبة.
عيناها لا تبحثان عنه، بل تراقبانه.
كان طفلًا، لكنه شعر مبكرًا أن هناك خطأ ما.
أن الرائحة ليست رائحة أم.
أن الاسم الذي تناديه به يخرج من فمها بلا دفء.
كان أبوه مختلفًا.
ينظر إليها طويلًا… ثم يصمت.
صمت رجل فقد شيئًا ولا يعرف كيف يصرخ عليه.
في إحدى الليالي، سمعه يقول بصوت مكسور: «إنتِ مش هي…»
لم يفهم وقتها.
لكن الجملة علقت في صدره كشوكة.
الليلة…
بعد مهمة لم يُسمح له أن يفشل فيها،
بعد جسدٍ سقط أسرع مما توقع،
عاد إلى غرفته، وفتح درجًا قديمًا لم يكن يجرؤ على لمسه.
أوراق صفراء.
صور مشوشة.
وشهادة ميلاد.
قرأ الاسم…
ثم توقف.
اسم أمٍ أخرى.
وتاريخ وفاة…
يوافق يوم مولده.
شعر أن الغرفة تميل.
أن الدم الذي يطارده منذ سنوات لم يكن دم ضحاياه فقط…
كان دم البداية.
رفع رأسه، وعيناه دامعتان دون دموع. ولأول مرة منذ زمن طويل، لم يسأل: لماذا أنا هكذا؟
سأل: من أنا؟
وفي أعماقه،
بعيدًا جدًا عن هذا الظلام،
كان هناك نور صغير…
لم يصل بعد،
لكنه كان في الطريق.
الفصل ثانٍ: صمت الجراح
الليل كان يلتهم كل شيء حوله. الغرفة الصغيرة التي يقيم فيها ظافر كانت مظلمة، وكأن الجدران نفسها تتنفس ثقلاً، تتحدث بلغة صامتة عن كل ما فقده وعن كل ما سيخسره. جلس على سريره، جسده مشدود، عينيه تحدقان في الزوايا البعيدة، يبحث عن أي حركة، أي صوت يقطع صمت الألم الذي يخنقه.
لم يكن هناك أي صوت سوى دقات قلبه المتسارعة، وهمسات ذكرياته التي لا تعرف الرحمة. تذكّر أول أيامه في المدرسة الداخلية، ذلك المكان البارد الذي لم يكن فيه سوى صدى الألم. لم يكن يعرف الحب، لم يكن يعرف الحنان، ولم يكن يعرف أن العالم يمكن أن يكون أكثر من مجرد ساحة قسوة. كل شيء حوله كان يخضع لقانون البقاء، وكل ابتسامة كانت مشوبة بالخيانة المحتملة.
ظافر تذكر كيف ضُرب لأنه لم يملك القوة الجسدية الكافية، وكيف ضُحك عليه لأنه كان مختلفًا عن الأطفال الآخرين. شعر أنه لا مكان له بين البشر، وكأن العالم قد ابتلعه منذ البداية. الأم التي أنجبته، التي لم يرها قط، سُلبت منه بطريقة غامضة، والمرأة التي اعتنت به لم تكن سوى ظل، امرأة لا تعرف الرحمة، امرأة جعلت من قلبه ساحة تدريب قاسية.
كل هذه الصور تلاحقه في الليل، بلا رحمة. ظل يفكر في كل الدماء التي رأى دماءها، كل وجوه الموتى الذين أصبحوا مجرد أرقام في دفتر حياته. الدماء التي لمسها، التي سببها هو أو أجبر على مواجهتها، أصبحت جزءًا منه، جزءًا من كيانه، لا يمكن نسيانها أو محوها.
جلس طويلًا أمام المرآة، يتفحص وجهه بدقة. كل ندبة على جلده، كل كدمة، كانت تحكي قصة، درسًا، تذكيرًا بأن البقاء في هذا العالم يتطلب الوحشية. لكنه في أعماقه، كان يعرف أن هناك جزءًا منه لم يمت بعد، جزءًا صغيرًا يريد أن يحب، يريد أن يثق، يريد أن يشعر بشيء آخر غير الألم والخيانة. لكنه كان يعلم أيضًا أن أي ضعف قد يقتله، أن أي شعور بالرحمة قد يجعله فريسة.
مع مرور الساعات، أصبح الظلام أكثر كثافة، وأصبح الصمت أكثر حدة. كان يسمع صدى خطواته في ذهنه، صدى صراخ طفولته، صدى كل لحظة خيبة عاشها. كانت الجراح الداخلية لا تُرى، لكنها تثقل كل حركة، كل نفس.
ظل يفكر في العالم الذي سيواجهه قريبًا، في الدماء القادمة، في الوحشية التي ستطال كل من حوله. كان يعلم أن عليه أن يكون مستعدًا لكل شيء، أن يكون بلا قلب، بلا روح، بلا أي شعور قد يوقفه. لكنه في أعماقه، كان يسأل نفسه دائمًا: هل كل هذا الألم له معنى؟ هل هناك شيء يستحق كل هذا الظلام؟
ظل واقفًا، يحدق في المرآة، وكأنه يرى شخصًا آخر، شخصًا لا يعرفه بعد، شخصًا سيصبح أداة للدماء والقسوة، لكنه ما زال يحلم، رغم كل شيء، بأن يكون هناك شعاع صغير من النور ينتظره في نهاية الطريق. شعاع قد يأتي أو لا يأتي، لكنه كان هناك، يهمس له بصوت ضعيف: "الظلام ليس كل شيء… هناك شيء آخر."
مع أول خيوط الفجر، لم يغمض عينيه، لم يسترح. الليل انتهى، لكن صمت الجراح ظل، يرافقه كما لو كان جزءًا من جسده، جزءًا من روحه، جزءًا من حياته. وكل ما استطاع فعله هو الانتظار، الانتظار حتى يأتي اليوم الذي سيُختبر فيه كل ما تعلمه، كل ما أصبح عليه. الانتظار ليواجه العالم كما هو، بلا رحمة، بلا خوف، بلا قلب… أو ربما ليواجه نفسه، ويكتشف إذا كان لا يزال فيه شيء يستحق الحياه 🤍 … وترتعش روحه
ظافر لم يكد يستفيق من نومه ذلك الصباح، وما إن فتح عينيه حتى شعر بأن الحلم لم يتركه بعد. كل زاوية في الغرفة تذكّره بالفراغ الداخلي الذي تعذّر عليه ملؤه، وكل شعور بالراحة كان كاذبًا.
خرج من غرفته بخطوات محسوبة، خطوات الصامتين دائمًا، كأن الأرض تتراجع أمامه لا العكس. الممر الطويل، الرمادي، البارد، يبدو وكأنه يمتد بلا نهاية، مصابيحه الفلوريسنت تتوهج ضوءًا باهتًا يشبه الحياة التي عاشها: بلا دفء، بلا رحمة.
وقف الجنود في صفوف متقنة، دون أن يتفوه أحدهم بكلمة. حضور ظافر وحده كافٍ ليُرعب أي إنسان… أو ليزرع الخوف في قلب من يجرؤ على تحديه. لكنه اليوم لم يكن خائفًا… كان مثقلاً بشيء آخر: ظلها الذي لم يفارقه منذ عقد من الزمن.
وفجأة، جاء الحلم.
لم يكن كاملاً، لكنه كان حقيقيًا كما لو أنه يقف أمامه في الواقع.
الهواء أصبح أثقل، الوقت تباطأ، وضغط على صدره، وكأن الحلم يسرق من قلبه شيئًا ما لا يستطيع استعادته.
ثم ظهرت هي.
لا تمشي، بل تنزلق بين الظلال. ملامحها لا تكتمل أبدًا، لكن عينيها الزرقاوين ثابتتان، كأنهما المرسى الوحيد في بحر مظلم.
كل خطوة يقترب منها، تتراجع خطوة. وكل مرة، ينبض قلبه بعنف غير مبرر، كأن شيئًا يُنتزع منه دون أن يُمس.
فتحت شفتيها، ولم تنطق.
لكن النداء تردد في صدره، أقرب وأعمق مع كل مرة:
«Jel' lega mila…»
مع كل همسة، كان نفس ظافر يُسرق. زفير يخرج دون عودة، نبضة تختفي من قلبه. حاول الكلام، حاول السؤال، لكن صوته لم يكن موجودًا. جسده مشلول، وروحه مشدودة إلى شيء أكبر منه، شيء لا يراه أحد، شيء يخطفه من داخله.
تكرر النداء مرة أخرى، أقرب هذه المرة، حتى شعر بحرارة أنفاسها على عنقه:
«Jel' lega mila…»
وفجأة استيقظ.
ليس فزعًا… بل مختنقًا.
يده على صدره، أنفاسه متقطعة، وقلبه يخفق بعدٍّ ناقص، كأن نبضة ما لم تعد.
ابتسم لنفسه ابتسامة مرّة، وقال:
— كل ليلة… نفس القصة. نفس السرقة. نفس الألم.
لكن اليوم، لم يكن لديه الوقت ليتأمل.
أمره جاء من أعلى الهرم، ومهمته كانت قاتلة. المهمات التي يتولاها ظافر ليست للضعفاء، ولا للقلوب المكسورة. لكنه شعر اليوم أن قلبه المكسور سيعرّضه للخطر أكثر من أي بندقية في يده.
دخل غرفة العمليات، وبدأ العد التنازلي لمهمة لا تحتمل الخطأ. الخرائط مفتوحة، الأجهزة تومض، الجنود يترقبون… وهو، القنّاص الصلب، أقوى رجل في الغرفة، شعر فجأة بثقل داخلي لا يمكن تفسيره.
ظل النداء يرن في رأسه، يسرق نفسه، ينبض بقوة بين أوتار قلبه:
«Jel' lega mila… Jel' lega mila…»
وفي اللحظة التي ضغط فيها الزناد، شعر بأن الرصاصة لم تكن تقتل الهدف… بل شيء في داخله يُسحب، شيئًا لم يعرفه منذ صغره، شيئًا يسمى الحياه الحقيقي.
