رواية امرأة بين نارين الفصل الثاني 2 بقلم هاجر عبد الحليم

         

رواية امرأة بين نارين الفصل الثاني 2  بقلم هاجر عبد الحليم


كانت سيلا تقف أمام شباك الصيدلية، يديها تقبضان على حافة الكاونتر كأنها تحتاج لشيء تتشبث به. أخرجت من حقيبتها ورقة صغيرة ودفعتها للصيدلي.

رفع الرجل نظارته قليلًا، وقرأ الأسماء بصوت منخفض، ثم نظر إليها باستغراب خفيف:

— الأدوية دي تقيلة جدًا يا مدام، وعايزة تعامل حذر… الدكتور كاتبها لحضرتك مش كده؟

ابتلعت سيلا ريقها سريعًا وقالت:

— أيوه… وأهي الروشتة. وأنا فاهمة إنها لازم تتصرف تحت إشراف طبي.

هزّ الصيدلي رأسه وهو يفتح الأدراج واحدًا تلو الآخر، يخرج العلب ويضعها أمامها:

— الحقن دي لازم تتحفظ في التلاجة… عشان تحافظي عليها لأطول وقت ممكن. وهكتبلك مواعيدها عشان متنسيش، لازم تتاخد بانتظام لو عايزاها تبقى فعالة.

ثم ابتسم ابتسامة خفيفة:

— بالشفا إن شاء الله.

أومأت سيلا دون أن تنظر إليه، وعيناها معلقتان بالأدوية أمامها، كأن كل علبة تحمل ثقل حلم كامل. دفعت الحساب بسرعة، ضمت الكيس إلى صدرها، وخرجت.

خطت سيلا خطوتين فقط خارج الصيدلية… ثم توقفت فجأة.

سيارة سوداء كانت تقف على الجانب الآخر من الطريق، والباب مفتوح قليلًا. وكان يقف بجانبها… تميم.

ذراعاه متشابكتان أمام صدره، وعيناه مثبتتان عليها كأنه كان ينتظرها منذ زمن. شعرت سيلا أن قلبها سقط في قدميها.

اقتربت منه بخطوات حادة وقالت بغضب مكبوت:

— إنت بتعمل إيه هنا يا تميم؟ ومين قاللك تيجي أصلاً؟ وعرفت منين إني هنا؟ في إيه يا أخي؟ اقتحمت حياتي بدون أي حق… وعايز تخربها؟ وكمان استغليت جوزي في أكبر نقطة ضعف عنده عشان طموحه ونجاحه؟!

اشتدت نبرتها أكثر:

— اسمعني كويس… أنا مش هفضل ساكتة. سكوتي ده مش ضعف… ولو فاكر نفسك جامد، فأنا أقدر أوقفك عند حدك كويس أوي… فاهم ولا لأ؟

ابتسم تميم ابتسامة خفيفة… لكنها كانت باردة، ثم أشار بعينيه إلى الكيس في يدها:

— إيه الكيس اللي في إيدك دا؟

شدت سيلا الكيس أكثر وقالت بحدة:

— إنت ودانك فيها مشكلة؟ ولا مش سامعني؟ ولا عايش دور المستعبط؟

اقتربت منه خطوة وقالت:

— اسمع… أنا مش ست خاينة، ومش هسمحلك تشوه سمعتي. أقسم بالله أعملك محضر… ونفوذك اللي فرحان بيها دي ولا حاجة قدام أصلك.

تغيرت ملامح تميم قليلًا، وقال بهدوء بارد:

— تعايريني ليه؟ أنا كنت حرامي؟ ولا مرتشي؟

ثم أكمل وهو يقترب خطوة:

— شغلي كله حلال… وعمري ما مديت إيدي لحاجة مش حقي. كل لقمة باكلها بدفع تمنها… وأنا دفعت فيكي زمان، يا سيلا… مش فلوس بس.

رفع حاجبه قليلًا ونظر إلى الكيس مرة أخرى:

— شكلك بتتعالجي؟

نظرت له بغضب واضح:

— ملكش دعوة… حياتي معاك انتهت من زمان.

اقترب أكثر، وصوته أصبح أخفض وأكثر خطورة:

— ليّا دعوة… خصوصًا لما أشوفك بتموتي على عيل منه.

تجمدت سيلا في مكانها.

أكمل تميم بنبرة ساخرة:

— قلبك ملهوف أوي تخلفي من عمر؟

ثم قلد صوتها قديمًا:

— "تميم… نفسي أول عيل يكون منك. نفسي أجيب منك دستة أطفال، يفضلوا يجروا حوالينا… ولو جبت مليون طفل هسميهم كلهم تميم."

ارتجفت ملامح سيلا… لكن الغضب غلبها:

— كان فيه… وخلص. زيك بالظبط.

ضغط تميم فكه بقوة:

— إنتي بتستفزيني.

رفعت كتفيها بلا مبالاة:

— استفز… ولا يهمني.

مد يده فجأة وأمسك بذراعها:

— إنتي فاكرة إنك هتعيشي حياة هادية كده… وأنا أتفرج عليكي وأضحك؟

سحبت ذراعها بعنف… ثم صفعته بالقلم أمام الناس.

صوت الصفعة كان حادًا:

— سيبني يا حيوان! وإوعى تفكر تلمسني تاني!

اشتعلت عيناها غضبًا:

— أقسم بالله هحسرك عليها، ومش هتعرف لا تاكل ولا تشتغل بيها تاني!

ثم قالت بحدة:

— فوق لنفسك… أنا ست متجوزة، وبحب جوزي. ومش هبعد عنه عشان إنسان زيك.

وتابعت وهي تنظر له مباشرة:

— ويكون في علمك… أول طفل ليا أبوه هيكون عمر… مش إنت يا تميم.

كانت الكلمات كأنها صفعة ثانية.

تراجع تميم خطوة، وعيناه تشتعلان بالغضب:

— امشي.

نظرت إليه لحظة… ثم استدارت ومشت دون أن تنظر خلفها. خطواتها كانت سريعة… لكنها لم تتوقف.

أما تميم فظل واقفًا مكانه يراقبها حتى اختفت في نهاية الشارع. فجأة ضرب بيده سقف السيارة بعنف، فتح الباب ودخل بعصبية، وأغلقه بقوة حتى اهتزت السيارة كلها. جلس خلف المقود، أنفاسه متسارعة، وعيناه مليئتان بالغضب.

تمتم بصوت خافت كأنه يقسم:

— هوريكي يا سيلا…

قبض على المقود بقوة:

— عمر اللي فرحانة بيه ده… لما يشوف الفلوس والنجاح والعز… نشوف ساعتها هيختار نفسه… ولا هيختارك إنتي.

كان عمر جالس جنب سيلا على السرير، يراقبها وهي مستلقية، عيونها معلقة في السقف وكأنها سرحانة في مكان بعيد.

— عينك في السقف كده؟ وشكلك عمالة تعدي راسمين كام نجمة؟ — قال عمر بابتسامة خفيفة.

تنهدت سيلا:

— النوم طاير يا عمر… أووي بجد.

اقترب منها مد ذراعيه:

— تعالى هنا… هتلاقي نفسك نمتي من غير ما تحسي.

ضحكت وتركت نفسها ترتمي في حضنه:

— اي أخبار الشغل؟ — همست بعد لحظة.

تنهد عمر بعيدًا عن نظرها:

— مش عايز أتكلم فيه دلوقتي… إحنا وقت نوم، وخايف نتخانق لو فتحنا الموضوع.

رفعت حاجبها بسخرية خفيفة:

— نتخانق ليه؟

ابتسم لها:

— خلينا نغير الموضوع أحسن… قوليلي، جبتي دواكي؟

أومأت برأسها:

— أيوه… الدكتور طمني وطلب أفضل متابعة تلت شهور ع الأدوية قبل أي خطوة.

ابتسم عمر وقال:

— ربنا يكرمنا يا حبيبتي.

نظرت له بعينين مليئتين بالأمل:

— قريب يا حبيبي… أنا عشمانة أووي.

ضحك عمر:

— وأنا جعان أووي… الشغل لبخني جامد ونسيت أحط أي لقمة في بقي أنا ع لحم بطني من الصبح.

مدت سيلا يدها بابتسامة:

— ومقولتش ليه بس الأكل جاهز وعلى التسخين طول الوقت؟

حاولت تقوم، فمسكها من ذراعها بحنية:

— جعان؟ آه… بس ميرضنيش تقومي دلوقتي… أنا عايز آكلك إنتي.

ضحكت بدلال، اقترب منها أكثر لينعم بقربها، ولكن رن التليفون.

رفع عمر السماعة:

— ألو؟

توقف قليلاً، ثم قال بصوت منخفض:

— إزيك يا تميم بيه…

أول ما قفل معاه، بصت سيلا لعمر بفضول:

— عمر… دا تميم بيه. كان بيسأل عن شوية مستندات كنت بظبطهم الصبح وطلب مني أوديهم لقسم الحسابات.

سيلا كررت بنفور وامتعاض:

— ودا يستدعي إنه يتصل بيك دلوقتي؟ ما كانش يقدر يقوللك الكلام ده بكرة في الشغل وخلاص؟ قليل الذوق صح!

ابتسم عمر بمرح وخفة دم:

— يا بنتي… هو كل ورثك؟

تنهدت سيلا بقرف:

— مش بقبله… ومش قادرة أهضمه بصراحة.

تحمس عمر وقال بحماسة:

— إحنا هنشوف العز… على إيديه.

ردت سيلا بنفور وصرامة:

— يا عمر… مش عايزينه لو هييجي من طرفه.

نظر لها عمر بتصميم وثقة:

— بس أنا بقا عايز.

رفعت سيلا صوتها بحدة ونفور:

— أنا عمالة أنصح فيك عشان أكون خلصت ضميري… من بعد كدا أي خطوة بتاعتك… بس ما ترجعش تقول يارتني.

أعطته ظهرها ونامت، وهمست بصوت ضعيف:

— تصبح على خير.

كشر عمر لأنه كان عايزها، لكنه فضل يبصلها لفترة، وقال وهو يمزح بحدة:

— الليلة باظت ولا إيه… أنا جعان يا عديمة الدم؟

غطت سيلا نفسها وقالت بحدة لكنها دافئة:

— تصبح على خير يا عمر.

رمى المخدة على وشها بعنف طفولي، وضحك قليلاً:

— نامي… نااامي يختي.

استدار، ظهره لها، وغرق في النوم.

ثم همست سيلا لنفسها بغضب:

— منك لله يا تميم…

مكتب تميم، الطابق الخامس، نوافذ كبيرة تطل على المدينة. بعد الظهر، بعد انتهاء الاجتماعات الرسمية.

جلس تميم مبتسمًا، عيناه تلمعان بالذكاء والخبث، وعمر يحاول يمتص كل كلمة:

— تعرف… حرام حد زيك يضيع قدراته… الشباب كتير عندهم إمكانيات، بس عمرهم يروح كده؟… أنا شايف إنك قادر تعمل حاجات أكبر من اللي بتعمله دلوقتي. عشان كده هاقترح عليك فكرة مشروع جديد… وكنت محتار مين الليدر؟ ولما فكرت، لقيت إن أكتر حد مناسب هو أنت. حضورك طاغي وشخصيتك تفرض احترامها على كل الناس حواليك.

ابتسم عمر بحماس:

— والله… فكرة جامدة أوي… بس… يعني ده هيعود عليا بإيه؟

ابتسم تميم ابتسامة شبه سرية، وميل للأمام قليل:

— كوميشن عشر أضعاف المرتب… نسبة من الأرباح ممكن توصل لستين في المية… وكمان عندك الحرية الكاملة في إدارة المشروع… من اختيار التيم لأماكن الاجتماعات ولأصغر التفاصيل… وكل خطوة منك لازم تلاقي دعم مني.

عمر بحماس أكبر:

— يعني أقدر أشتغل من غير أي حد يضغط عليا أو يعدل عليا؟

ابتسم تميم، صوته خافت لكنه مليء بالخبث:

— بالظبط… ومن بكرة هتبدأ تمضي العقد وتستلم كل اللي هتحتاجه… ودي أول دفعة من التمويل…

مد الورقة والفلوس قدام عمر، الدولار يلمع تحت ضوء الشمس.

عمر ما قدرش يمنع ابتسامة عريضة، وأخذ الفلوس على طول:

— ده… جامد جدًا!

تميم بهدوء، لكن مع لمحة مكر:

— وياريت ما يكونش في أي حساسية بينا وتأكد إنك كسبت لنفسك صديق عايزلك دايما الخير.

عمر بعد لحظة صمت، متأثر لكنه متحمس:

— حضرتك بجد شخص معرفتك مكسب.

تميم مد يده لمصافحته:

— يعني… صحاب.

عمر مسح يده بحماس:

— صحاب طبعًا.

ابتسم تميم بمكر، وهمس:

— وبالمناسبة… ممكن تسبلي نفسك النهاردة… عايز أحتفل بيك على طريقتي… بعيد عن دوشة الشغل.

عمر مندهش لكنه سعيد:

— هنروح فين؟

تميم وابتسامته باردة وخفية:

— دي مفاجأة… بس اوعدك هتحبها أووي… بس خليك متفتح معايا… وأنا أضمنلك إنك هتنسى نفسك.

ابتسم عمر بحماس وفضول، لكن قلبه بدأ ينبض بسرعة… حس إنه داخل على حاجة كبيرة… وغامضة. ياتري تميم ناويله إيه؟

سيلا كانت قاعدة تتفرج على برنامج طبخ وتكتب الوصفة في دفترها، غارقة في متابعة البرنامج، يدها ماسكة القلم والدفتَر، تدون المكونات بحماس، وكل شوية ترفع عينيها للتليفزيون.

فجأة، الباب خبط بخفة… لكنها كانت مركزة، فضلت تتجاهل الصوت شوية.

خبط الباب مرة تانية، أقوى شوية. سيلا تنهدت وقامت:

— مين هييجي دلوقت؟

فتحت الباب، قدامها شاب لابس يونيفورم مرتب، ماسك صندوق متوسط الحجم:

— مساء الخير يا آنسة… مع حضرتك محمد، مندوب لمحل… في أكتوبر كان فيه أوردر باسم الأستاذ عمر، وأنا جاي أسلمه ليه.

سيلا اتشدّت، حاجبها اتقوس من الدهشة، عيونها اتسعت:

— أوردر؟ لأستاذ عمر؟

محمد ابتسم برزانة، ومد لها ورقة:

— ممكن توقعي على الاستلام من فضلك؟

سيلا خدّت القلم وهي شايلة الصندوق… ولما فتحت الغطاء، توقفت فجأة، قلبها كاد يوقف. البدلة كانت رائعة، القماش فخم جدًا، والقلم اتزلّ من إيدها شوية من الصدمة أول ما شافت سعر البدلة.

....

في بيت سيلا وعمر، كانت سيلا جالسة على الكنبة، تهز رجليها بعنف، عيونها مشتعلة بالغضب والامتعاض، وكل نظرة حولها تقول إنها غير راضية عن الوضع.

دخل عمر البيت فرحان، الفلوس تتراقص بين أصابعه، ابتسامة واسعة تعكس فرحة بإنجاز اليوم،. لمّا لف وشه، وجد سيلا تحدقه بعينين حادتين، والبدلة في يدها.

— عمر… اعوذ بالله! وشك الحزين دا ليه؟ — قالت بغضب وسخرية مختلطة.

مدّت البدلة قدامه بحركة ساخرة:

— شوفت البدلة دي؟ حلوة أوي

ابتسم عمر بدهشة، وهو يحاول إخفاء دهشته:

— بدلة!!

— قاعدة لا بيا ولا عليا… لاقيت حد بعتلك أوردر بدلة بسعر… والله لو فضلنا شغالين عمرنا كله ما هنقدر نكسبه! جبت حقها منين؟ — قالت سيلا، صوتها مليء بالاحتقار 

عمر بحيرة 

— ممكن يكون تميم بيه اللي بعتها… شوفي الكارت؟ —

— آه صح… — قالت سيلا، وأمسكت الكارت، ورأت اسم تميم.

— رجّعهاله! — قالت بعينين مشتعلتين بالغضب.

— وارجعهاله ليه؟ دا النبي قبل الهدية! — قال عمر بحيرة.

سيلا

— الهدية لو اتقبلت، لازم تترد بالأغلى! —

مد عمر الفلوس قدامها، مبتهج بالقدرة على التحكم:

— هجيبله الأحلى منها… شوفي.

سيلا رفعت عينيها للدولارات، ضاقت بها الحياة لحظة… شعرت بالاشمئزاز: هذا المال، هذه السلطة، لا تعني لها شيئًا

وكاد ان تصرخ لولا عمر وضع يده ع فمها 

— بلاش… هتفضحينا! — قال عمر محاولًا تهدئتها.

— دولارات! سرقت مين ولا تاجرت في إيه؟ — قالت سيلا، صوتها صارم، يختلط بالغضب

— خيالك واسع… دا مرتبي. — قال عمر، فرحته واضحة رغم انزعاجها.

— مرتبك دا إيه؟ إحنا في تاني يوم شغل ليك! — قالت سيلا، وعيناها تلمعان بالدهشة والاستياء

عمر بطمع

— يابنتي… تميم دا كل خطوة في شركته بتاخدي فيها فلوس بالكوم… لو فضلت تصرفي كل شوية فيها، أقسم بالله ما تخلصش! —.

— من إمتى وانت مادي كدا؟ — قالت سيلا، مش قادرة تتقبل الفكرة.

— من دلوقتي… وبعدين ناوي أخرجك النهاردة احتفالًا بأول مرتب ليا… وبكرة هلبسك دهب من هنا ومن هنا وتغني وتقولي… — بدأ يغني فجأة ويقفر

"دا أنا… دا أنا… شوفت معاه الهنا!"

سيلا شعرت بالغضب يتصاعد، لم يعجبها كل هذا التفاخر بالمال والنفوذ. اقتربت منه، وضعت يدها على وجهه:

— الشخص دا… شيطان شوف عمل فيك اي من كام يوم بس واديك لسة عارفه ابعد عنه عشان خاطري ياعمر

— ياريت كل الشياطين تكون زيه! — قال عمر، ضحكته مليئة بالعفوية والفرحة، غير مدرك ان هذا يزداد استيائها.

— اللي انت فيه سذاجة وطمع… — قالت، عيونها تحديه وتحذر.

— كلمة زيادة وهقصلك لسانك اللي بقي مترين! — 

— لو مرجعتش البدلة… أنا هرجعهاله بنفسي! — قالت سيلا بعزم، ونظرتها تقول إنها لن تتنازل عن قناعتها.

تقدمت نحو الباب، رفع عمر صوته صارمًا:

— لو خرجتي برة الباب… هتكوني طالق!

تجمدت في مكانها، الصدمة والقرار يتصارعان بداخلها. رمت البدلة على الأرض، ودخلت الأوضة مغلقة الباب، عيونها مشتعلة بالغضب، والاشمئزاز

...

سيلا كانت جالسة في الصالون، عيونها معلقة بعمر الذي خرج متحمسًا، يلبس البدلة،  نظرت له بدهشة:

— خارج معاه؟

عمر ابتسم بخفة، 

— عازمني على العشا.

سيلا انقبض قلبها، وصوتها خرج بمزيج من الحزن والارتباك:

— صعبان عليا أوي يا عمر.

عمر رفع حاجبه متسائلًا:

— ليه يعني؟

نظرت سيلا له بعينين مليئتين بالجرح والصدق،

— مسألتش نفسك… بيعمل معاك كل ده ليه؟! انت تعرف، لأول مرة جبت سيرة الطلاق بينا بعد خمس سنين عشان كدا لازم احط الحقيقة كلها قدامك واعرفك مين هو تميم بجد؟

عمر ضحك بسخرية خفيفة، محاولًا التقليل من شأن الموضوع:

— أكيد سبب تافه زي عوايدك معايا من ساعة ما عرفنا تميم.

سيلا انفجرت بالصوت، كأن كل مشاعرها المكبوتة خرجت دفعة واحدة:

— تميم! تميم! تميم!

— تميم هيدمرك… عايز يوحشك في عيني عشان أكون ليه… هو عايزني وخلاص! حتى لو التمن يبعدني عن جوزي… انسان ميعرفش لا دين ولا مجتمع ولا عرف… لأنه مليش ملة… انسان معندوش إيمان!

نظرت مباشرة لعمر، عيناها تشتعلان بالغضب والحزن:

— انت تقبلها؟ تقبلها على نفسك تبقى شغال مع واحد بيحب مراتك؟! رد عليا!

عمر، مندهش وغاضب، صرخ:

— بتخرفي صح قولي اه اتّهبلتي ف دماغك يا سيلا!

سيلا رفعت صوتها أكثر، كل كلمة فيها تحدٍ وصدق:

— لا! انت اللي لازم تعرف… تميم عدوك وخصم ليك… وبينافسك على أهل بيتك! لأنه أول حب في حياتي… فهمت بقا يا رجلي؟!

— هااا… هتكمل معاه ياعمر؟ رد عليااااااا!

الصمت ملأ المكان للحظة، وعمر وقف متجمدًا، يتقلب بين الغضب والدهشة والخوف على ما يسمع. سيلا، بعينيها المشتعلتين، شعرت بأنها وضعت كل الأوراق على الطاولة، وكأنها تحدته أن يرى الحقيقة كاملة.

كان الغضب يملأ عيني عمر حتى بدا كأن الغرفة كلها تضيق بأنفاسه. اقترب من سيلا خطوة واحدة، ثم رفع يده فجأة ليصفعها. لكن قبل أن تصل يده إلى وجهها، أمسكت سيلا معصمه بقوة. كانت أنفاسها سريعة، وعيناها تلمعان بالغضب.

— سيلا: "إيه؟ بتتشطر عليا؟ جاي تضربني؟! أنا اللي جيت نورتك بدل ما تفضل على عماك معاه… زغلل عينك في الفلوس وشوية هيجرك للحرام ويحلّيه في عينك لحد ما تروح في حتة ملهاش رجوع!"

حدق فيها عمر بعينين مشتعلتين، ثم قال ببطء كأنه يقذف الكلمة في وجهها:

— عمر: "إنتي… خاينة؟!"

تراجعت سيلا خطوة إلى الخلف، كأن الكلمة صدمتها جسديًا. اتسعت عيناها، وقالت بصوت مرتجف من الغضب:

— سيلا: "بتتهمني في شرفي يا عمر؟ ليه بتقول كده؟ ده جزاتي؟! ده أنا سيلا اللي وقفت جنبك… ووقفت قصاد أبويا عشانك! لما لقيتك راجل ملوي هدومك تقدر تحميني… ومتخليش جنس مخلوق يتكلم عليا!"

لم يهدأ عمر، بل زاد وجهه قسوة.

— عمر: "ما قولتيش من الأول ليه؟! جاية دلوقتي بعد ما خلاص اتثبت في المكان… بعد ما فاضل كام خطوة وأعمل مشروع خاص بيا بالدولارات دي؟!"

رمقته سيلا بنظرة مليئة بالمرارة:

— سيلا: "ده كل همك؟ إنت فاكر هيسمحلك تبعد؟"

اقتربت منه خطوة وهي تقول بحدة:

— سيلا: "العقد اللي هتمضيه ده احتكار… مش شغل! مش هتعرف تبعد عنه غير بإذنه… ولو خرجت عن طوعه… ينزلك لسابع أرض تاني!"

نظر إليها عمر لحظة، ثم قال فجأة:

— عمر: "هو بيحبك؟"

ترددت سيلا لحظة، ثم قالت بصدق:

— سيلا: "مهووس بيا."

صمت عمر لثانية… ثم ابتسم ابتسامة غريبة:

— عمر: "طب… حلو."

قطبت سيلا حاجبيها بصدمة:

— سيلا: "هو إيه اللي حلو؟!"

فجأة أمسكها عمر من ذراعها بعنف وجذبها نحوه وقال بنبرة قاسية:

— عمر: "هنشوف… عشان ياخدك ممكن يدفعلي فيكي قد إيه؟"

ارتجف جسد سيلا:

— سيلا: "عمر… إنت بتبيعني ليه؟"

ضحك بسخرية باردة:

— عمر: "بس بيعة كسبانة… والرك على الشاطر… أنا أصلًا بقيت بقرف منك ومن شكلك… مش عايزك تنامي جنبي تاني… ولا عايز نفسك ييجي قصاد نفسي… جسمي نفَر منك أوي… لأنك خبيتي عليا إن ليكي ماضي مع واحد قادر يمحيني من على وش الدنيا!"

اشتعلت عينا سيلا بالغضب فجأة، وردت عليه بحدة:

— سيلا: "لا… دكر والله! حوش القرون اللي طلعت من راسك!"

في لحظة انفجر غضب عمر، رفع يده وصفعها بقوة. دوّى صوت الصفعة في الغرفة. وقال بعصبية:

— عمر: "لولا إني عايزك… كنت رميتك! بس مش هسيبه يتهنّى بيكي… غير بمزاجي أنا!"

ساد الصمت بعد كلماته، أما سيلا… فكانت واقفة أمامه، عيناها مليئتان بالدموع والغضب، وكأن شيئًا في داخلها انكسر… أو ربما بدأ يتغير.

.....

في أوضة سيلا، جلست على الكرسي، تمسح دموعها بيد مرتجفة، وأنفاسها تتلاحق بسرعة. قلبها ينبض بعنف، وعيناها لم تتوقف عن الغضب والحزن معًا. رفعت الهاتف بتردد، وكأنها تبحث عن ملجأ، عن صوت مألوف يخفف عنها صدمة ما حدث.

— تميم: "ضربك؟"

صوت تميم كان مشحونًا بالقلق، يتخلله غضب خفي، كأنه يريد أن يمتص كل ألمها ويقاوم شعور الغضب الذي يغلي داخله.

صمتت سيلا، دموعها لم تجف بعد.

— تميم: "جوايا مليون عفريت… كلهم عايزين يجوا عندك ويشربوا من دمه!"

ارتجفت سيلا، شعرت بغضب يغلي داخلها، وكلمات تميم كانت كمنارة وسط الظلام:

— سيلا: "جيت ليه يا تميم… حرام عليك! حياتي كانت هادية… عايشة مع جوزي… بيتنا مقفول علينا. أنا حبيتك… آه دلوقتي كل جزء حلو جوه قلبي ليك مات بسبب القرف اللي بتعمله!"

تميم تشنجت عضلاته، قلبه يتقطع وهو يسمعها، يحاول أن يظل هادئًا:

— تميم: "ممكن متعيطيش… أنا مش شيطان، ولا عايز أغير جوزك عليكي زي ما فاكرة… هدفي بس أوريكي وش الشخص اللي عايشة معاه والمخدوعة فيه… وعايزك تعرفي الحقيقة قبل ما تربطي نفسك بعيلة تخلي حتى لو شوفتي منه أي حاجة، تكملي بس عشان ما يطلعش مريض ويكون سوي نفسيًا."

— سيلا: "مش هتجوزك… حتى لو هو طلقني!"

ابتسم تميم بخفة، لكنه كان ابتسامة مليئة بالحزن والدهشة من صلابتها، صوته حازم وحذر:

— تميم: "الغريب إنك مستنية هو اللي يتحرك… الدنيا مش هتقف على حد. لو ضربه ليكي عدي كدا مرور الكرام، هيدوس عليكي بدل مرة عشرة… شاوري، وأنا هعرف أتعامل معاه واربيه ليكي… وافعصه تحت جزمتي… والبني آدم ده مهووس بالفلوس… لو بسبستله هيتجر معايا زي الخروف."

قبضت سيلا على الهاتف بإحكام، وعيناها تلمعان بالغضب والرفض، بينما تميم كان يحاول كبح نفسه عن الانفجار، قلبه يضرب بعنف مع كل كلمة يقولها.

— سيلا: "أنا هحسبن عليك في كل صلاة… بسببي مش هتعرف حتى تنام كويس… عيشتك دي هتبقى كلها سواد."

— تميم: "الدعوة على اد الظلومة… وأنا اللي مظلوم مش انتي."

حينها، دخل عمر الأوضة فجأة، عينيه مليئتان بالغضب، ويده امتدت نحو الهاتف:

— عمر: "اطلعي برة!"

ابتسمت سيلا بسخرية، ممسكة الهاتف، تحاول أن تحافظ على هدوئها:

— سيلا: "خد يا باشا كلم."

وخرجت من الغرفة.

تميم (بابتسامة خفيفة وخبث في عينيه): "خت منها الموبايل ليه؟"

عمر (غاضب، صوته مرتفع): "مراتي… وحر فيها."

تميم (بهدوء): "محدش اعترض."

عمر (صارم، عيناه تلمعان بالغضب): "ولا أي حد ليه حق الاعتراض."

تميم (بابتسامة ساخرة): "المهم تكون مالي عينها."

عمر (بحزم وثبات): "مش شايفة غيري."

تميم (يضحك بخفّة، عيونه تتلألأ باللعب والمكر): "ثقتك حلوة… بس يا ترى هتدوم؟"

عمر (لو سيبتنا ف حالنا)

تميم (ب استفزاز): "هو أنا يبني… جيت جمبكم؟"

عمر ( وهو يحاول الضغط عليه): "سيلا قالتلي كل حاجة."

تميم (يضحك بخبث، كأنه يمازح عمر): "كل حاجة؟ كل حاجة؟"

عمر (بحزم): "بس حابب اسمع منك انت."

تميم (يتمدد قليلاً، مستمتع بالغضب اللي يظهر على عمر): "معنديش"

عمر (صوت أعمق، يقترب قليلاً): "لا عندك كتير."

تميم (ينظر  لصورة سيلا): "لخص… وهات من الآخر."

عمر (مستعد للحركة فورًا): "مش ف التليفون."

تميم (بابتسامة مشاغبة): "نتقابل طيب."

عمر (متوتر لكنه حازم): "فين؟"

تميم (بثقة ومكر): "أنا ف كافيه ف التجمع  لو حابب ابعتلك العنوان بس متتاخرش عشان ورايا مواعيد"

عمر (قلبه ينبض بسرعة): "حالا هكون عندك."

.......

عمر يجهز نفسه للمواجهة، وتميم مستمتع بالموقف والخوف اللي بيظهر على عمر.

بعدها عمر يهم بالخروج، فتقدمت سيلا بخطوات ثابتة لتوقفه، عيناهما تتقابلان، كل واحد مليء بالغضب والإصرار:

— سيلا: "مش هتقابله."

ابتسم عمر ابتسامة جافة:

— عمر: " ع آخر الزمن اخد أوامر منك؟ أنا ماشي بلا كلام فاضي."

— : "لا… هتاخد عشان حياتك مش بتاعتك لوحدك!"

اقترب عمر أكثر:

— عمر: "ابعدي عن وشي… أنا ف حالة ممكن اقتل فيها عادي!"

ا (بعناد): "لا! ولو عايز تقتلي… اتفضل."

— (بصوت أعلى وأكثر قسوة): "هو إيه اللي 'لا'؟ انتي فاكرة نفسك مين؟"

—: "زي ما سمعت… أنا مش بقول كده خوف عليك… لأني مصدومة فيك يمكن أكتر منه! هتروح تساومه عليا… فاكرني هقف أتفرج؟"

ابتسم عمر ابتسامة باردة، صوته يحمل تهديد واستغلال:

—: "انتي تقعدي زيك… زي أي ست شاطرة… خشي المطبخ… اعملينا مسقعة باللحمة… نفسي راحت عليها أوي."

ارتجفت سيلا بغضب ومرارة:

— : "يا خسارة… مش مصدقة عيني… طول السنين دي ف كدبة… عايشة مع واحد ديوث… رايح يساوم على شرف مراته؟! مش حاسس بالعار؟ هتروح تسمعله؟ هتسبب لسانه ينطق اسمي… ويقول تفاصيل من دماغه؟ لو قال… مش إنت تقفله عشان تحافظ على عرضك؟"

ارتعشت يداها، وأشارت بحركة صغيرة كأنها تظهر جزءًا من غضبها المكبوت:

—  "أنا بهاتي معاك ليه م خلاص… تعرف بقيت شايفاك إزاي… شايفاك أد كده!"

ابتسم عمر ابتسامة باردة، صوته يحمل تهديدًا:

—  "يا بت… دموعي هتفر من عيني… دا انتي كنتي مقضيها معاه… من مشوار لمشوار… ويا عالم… إيده اتجرات ع فين من جسمك!"

صرخت سيلا، دموعها تتقاطر:

— : "إنتو كلكم حيوانات… كلكم! هو وأنت… في ستين ألف داهية!"

ثم فجأة، بسط عمر يده بسرعة، أمسك شعرها وسحبها نحو الغرفة، أغلق الباب بالمفتاح، وصار واقفًا خلفها، صوته صار أعمق وأكثر تهديدًا:

— : "انتي اللي اجبرتيني أحبسك… اعقلي وإلا والله هحرمك من الأكل والشرب وهموتك من الجوع!"

صرخت سيلا من شدة الصدمة والغضب:

—: "عمر… افتح يا عمر! أااافتح… عمررررر!"

غادر عمر الغرفة، تاركًا سيلا مع شعور مختلط بين الخوف والغضب، بينما هو خرج ليواجه تميم، مصممًا على استغلال كل معلومة عرفها عن حب تميم لسيلا، وضغطه النفسي عليها، من أجل هدفه الخاص.

...

ف الكافيه

عمر جلس مقابل تميم، ظهره مستقيم، عيونه ثاقبة، ونظراته كانت حادة كالسكاكين. ابتسامته باردة، شبه تهديد خفي، ويده تلعب بعصبية بخد الطاولة. كل حركة محسوبة، كل نبرة في صوته مدروسة.

— عمر (بصوت هادي لكنه ثابت): "شوف يا تميم… في مثل عندنا بيقول: هلا هلا ع الجد."

تميم ابتسم بسخرية، كأنه متوقع كل كلمة:

— "والجد هلا هلا عليه… تمام… خش ف الموضوع."

— عمر:  لما جيت عندنا واتكلمت عن اللي بتحبها، إداني صورة عن علاقتك بسيلا مراتي… وطالما انت دورت عليا، وعملتلي كوبري تعدي منه عشان توصلها، أنا قدامك بقول… هبلعها! رغم إنها مراتي وبحبها… بس بحبك انت أكتر ابسط ياعم."

تميم رفع حاجبه بمكر :

—: مشوفتش ف نخاوتك ابدا

عمر رفع يده برفق على الطاولة، نظر مباشرة في عيون تميم، وصوته أصبح أعمق:

— عمر: "تشكر بس خليني الفت نظرك  تخيل حياتك هتبقي ."

ثم فجأة رفع يده بسرعة، حركة انفجار، كأنها صفعة في الجو:

— "بووووم… احسبها واحد بيحب مراتك، ودخل بيتك، وشغلك معاه عشان يوصلها… هددها وخوفها… وفضل يتعرض لها عشان يوقعها في فتنة كبيرة… دا غلط الصح اي؟ أقولك انا اي؟"

رفع يده وضرب تميم باللكمية، لكن تميم كان متوقعها، اكتفى بالسكوت، متحكم في الموقف.

— عمر (مبتسم ابتسامة باردة، عيناه تلتمعان بالسيطرة): "دي بس قرصة ودن… الحق معايا… وممكن اقتلك، ومخدش فيك ثانية واحدة… البلد فيها قانون، احنا مش ف غابة."

تميم جلس هادي، :

—  "وبعدين؟"

عمر اقترب أكثر، وحركته بطيئة لكنها تهدد:

— "سيلا غالية… عشان كده اللي هتدفعه ليا لازم يكون غالي… أنا ببيعلك شرفي… وبحطه بين إيدك… يبقى المقابل كل نفوذك."

تميم ابتسم ابتسامة بسيطة، مسترخي لكنه مركز،

— : "طب… عايز إيه بالظبط؟"

عمر أخذ نفس عميق، صوته أصبح أعمق ونبرته لعب بين التهديد والسيطرة:

: "عايز الشركة باسمِي… عربية…قصر وكل دا مكتوب ف عقد موثق بيقول إني صاحب الشركة… كل الفلوس والأرباح تحت إيدي… وحساب في البنك ميقلش عن عشرة مليون دولار.":

— تميم بشغف: "وتطلقها؟"

— عمر بطمع: "وقتي"

— تميم بتهديد: "لو رجعت في كلامك… أنا ممكن…"

— عمر (بهدوء حاد، عيناه تلمعان): "عارف… عشان كده هات كل الأوراق وامضيها قصاد. دا هطلقها وبالتلاتة قدام المأذون، "

في زاوية بعيدة، سيلا واقفة… تسمع كل كلمة… قلبها يدق بسرعة، أنفاسها متقطعة، ضغوطها وصلت للذروة… فجأة حسّت بحرارة تصاعدت في رأسها، ضغوطها مركزة على قلبها… واغمي عليها على الأرض.

تميم كان متوقع ده… جمد قلبه للحظة، ثم اتصل بيها على الموبايل، عايزها تسمع جوزها بيبيعها ليه، وهو مستعد يضحي بكل نفوذه في مصر عشان بس ياخدها

..

...

استيقظت سيلا لتجد نفسها في شقة واسعة، فسيحة وأنيقة، ولم تستطع فهم سبب وجودها هنا. اجتاحها الفزع فور أن تذكرت اللحظة التي كادت فيها ان تموت، ومنذ ذلك الحين غابت عن الوعي، ولم تتذكر شيئًا مما حدث بعدها.

ثم جاء الصوت، واضحًا، حنونًا:

— "نورتي بيتك يا قلب… تميم."

.......

قبل حوالي سبع ساعات 

في شقة سيلا، جلست على الكرسي وعيونها تفيض بالدموع، قلبها مثقل بالغضب والحزن معًا. بعد لحظات من الصمت، قررت: لن تبقى في هذا المكان بعد الآن، لن تبقى بين يدي عمر أو تميم. كانت عازمة أن تترك كل شيء خلفها، أن تسافر بعيدًا، وتبدأ حياة جديدة، حياة خالية من الخداع والتلاعب.

تذكرت كل ما حدث، شعرت أن الله له حكمة في كل شيء… ربما لأنه اختار لها عمر رغم أنه ليس الأغنى، حتى تكون حريتها في الاختيار أكثر وضوحًا. لو كان غنيًا، ربما كان سيستعبدها بالمال، وهذا ما حدث 

اقتربت من الباب، تجهز للمغادرة، حتى جاء طرق خفيف على الباب. ارتجفت، فتحت لتجد تميم واقفًا أمامها، يمسك بأوراق الطلاق:

— تميم (بابتسامة ساخرة): "مخدش ف إيدي غلوة… شوفتي بقا حبيبك ناصح ازاي؟ قولي شكرا بقا عشان خلصتك منه."

سيلا التفتت له بنظرة باردة، ثم أغلقت الباب في وجهه بلا تردد.

— تميم (مستمر وهو يلوح بالورق): "الورق طيب."

تنهدت سيلا، فتحت الباب مجددًا، أخذت الورق من يده، ثم أغلقت الباب على وجهه مرة أخرى بإحكام.

— تميم (بتملك وصرامة): "اعملي حسابك… العدة تخلص وهتكوني مراتي… مش هضيع عمري أكتر من كده."

— سيلا (ساخرة، ببرود): "ابقي غطيها يا تميم… شكل أحلامك مأثرة عليك."

— تميم (بوقاحة، مبتسم بسخرية): "هسيبك انتي… تنولي الشرف دا!"

سيلا أغلقت الباب تمامًا، وهي تشعر بقوة غريبة تتسلل إليها… قوة قرارها، وحرية اختيارها، ووعيها أن هذه اللحظة هي البداية الحقيقية لحياتها

....

سيلا كانت تمشي بخطوات متسارعة، كل خطوة تقربها من الحرية التي تنشدها. شنطة السفر في يدها، وقلبها مثقل بالغضب والحزن، وعقلها مصمم على قرار لا رجعة فيه. فجأة توقفت، ورأت تميم واقفًا أمامها، عيناه مركّزتان على شنطة السفر.

— تميم: "بتفكري؟"

التفتت إليه بعينين مليئتين بالاستياء:

— سيلا: "لا… أنا غبية أوي."

ابتسم بخفة، يحاول تخفيف التوتر:

— "متقوليش كدا على نفسك… هزعل منك."

ضحكت سيلا بسخرية:

— "شوف… عندك كام حيطة في الحارة… اخبط راسك فيهم كلهم!"

اقترب تميم بخطوات واثقة، صوته يحمل قليلًا من الحنية:

—  "أنا لو عايز اخبط راسي ف حتة… أول مكان هفكر فيه يكون حضنك وبس."

قهرت خطوة للوراء، عيونها تتلألأ بالغضب:

—  "حضني كله شوك… كل ما هتغرز نفسك فيه… هيعورك ويلوثك أكتر."

ابتسم تميم، عينه تشع شوقًا:

— أنا راضي… طالما منك."

ضغطت سيلا على شنطتها بإحكام، صوتها مرتجف من مرارة الألم:

— "بجد… شابو… انت كسبت… وأنا خسرت. أثبتلي إن اختياري زفت للمرة التانية… عرفتني إني واحدة سهلة اتخدع… وأحب ناس ميستاهلوش… أثبتلي إن حياتي بس عشان أدفع تمن أغلاط معملتهاش."

رفعت رأسها، ودموعها بدأت تنحدر:

—  "أنا هسافر… مش هتشوف وشي تاني. مش عايزة أعيش معاك غصب عني… ارحمني… وارحم وجعي… حياتي باظت… وجوزي استهون بكل لقمة كلناها… كل وجع شاركناه سوا… كل يوم نمنا فيه على فرشة واحدة."

ابتسم تميم، صوته ثابت:

—  "متجلديش… روحك اللي راح عدا… خلينا في اللي جاي."

جمعت سيلا نفسها، تحاول التحكم في نفسها:

—ل "صح… وأنا دلوقتي بحاول أعمل دا."

اقترب أكثر:

— : "معايا."

صرخت وهي تتراجع:

—  "لا… بطولي!"

ضحك بخفة:

— "مش هتعرفي."

شدت سيلا نفسها:

— : "هعرف."

نظر لها بعينين جديتين:

—  "مسافرة فين طيب؟"

رفعت حاجبها، تحديًا:

—: "أكيد مش هقولك."

اقترب أكثر:

— تميم: "طب اوصلك."

— سيلا: "لا."

باندفاع، شدها بقوة، وحطها في العربية، ثم ركب هو بنفسه:

— سيلا: "يا حيوان! نزلني من العربية دي… هكسرهالك!"

ابتسم بخفة، صوته هادئ لكنه مليء بالعاطفة:

—  "فداكي يا روحي… المهم صحتك."

حاولت أن تتراجع، لكنها شاهدت قبضته المشدودة على المقود:

— تميم: "مش هتعصبيني بردو… لاني وعدتك إن حنيتي بس اللي هضلل عليكي بيها."

شدت حزامها وتنفس بعمق:

—  "لو أذيت نفسي… انت السبب."

ضحك بخفة:

— "بتاعة كلام طول عمرك."

نظرت حولها، وابتسمت بدهاء. رفعت شنطتها وأخرجت زجاجة حادة، وبضربة سريعة كسرت زجاج باب العربية.

وبسرعتها، وبحكم أنها رفيعة القوام، قفزت خارج العربية، متفادية السيارات المارة وسط الزحام.

تميم صرخ بفزع:

—  "سيلااااا… لا يا مجنونة!"

ركضت سيلا، قلبها ينبض بعنف، وعينيها مليئتين بالإصرار على حريتها، لكنها لم تتوقع أن الزحمة ستجعلها تتعرض لحادث… فصدمت سيارة من الخلف وأغمى عليها

....

.ف الوقت الحالي

رمقته سيلا بنظرة ضيق بعدما سمعته يضحك، فاشتعل الغضب في عينيها أكثر.

— سيلا: "انت بتضحك على إيه؟"

نظر إليها تميم، والابتسامة ما زالت عالقة على شفتيه، وكأن عنادها يزيد إعجابه بها.

—  "على إني بحب واحدة شرسة أوي."

عقدت سيلا حاجبيها فورًا، وكأن الكلمة نفسها تثير غضبها.

—"متقولش بحبك دي تاني… فاهم ولا لا؟"

رفع تميم كتفيه بلا مبالاة، ثم قال ببرود متعمد:

—  "طب بحبك… بحبك… بحبك."

نظرت إليه باشمئزاز واضح:

— : "أبو غلاستك."

ابتسم تميم بمكر، وكأنه يستمتع بإثارة غضبها، ثم قال بنبرة فيها دلع واستفزاز معًا:

— "كرامتي المفروض تبقى من كرامتك يا سوسو… قولي آسفة يا حبيبي."

ضيّقت سيلا عينيها وهي تنظر إليه باحتقار واضح:

—  "دمك سم."

ظل تميم يبتسم، كأن كلماتها لم تؤذه، بل زادته تعلقًا بها… وكأن كل هذا العناد بينهما لم يكن

....

كان المطبخ هادئًا إلا من صوت السكين وهي ترتطم بلوح التقطيع بخفة. تميم يقف أمام الرخامة، يتحرك بثقة وهدوء وكأنه معتاد على المكان. قدر المكرونة كان على النار، والبخار يتصاعد منه برائحة الصلصة واللحمة التي كانت سيلا تحبها قديمًا.

أخذ الملعقة وتذوّق الصلصة قليلًا، ثم عقد حاجبيه وهو يفكر، قبل أن يمد يده إلى علبة الملح ويضيف رشة صغيرة، يقلبها بعناية وكأنه يوازن طعمًا يعرفه جيدًا.

بعدها انتقل إلى السلطة، يمسك السكين بمهارة واضحة، يقطع الطماطم والخيار بسرعة ونظام، القطع متساوية وكأنها خارجة من يد طاهٍ محترف.

سيلا كانت واقفة عند باب المطبخ، تراقبه بصمت. لم تكن تنوي أن تتكلم، لكن المشهد أمامها أربكها 

تميم… يطبخ.

والمكرونة باللحمة تحديدًا… نفس الأكلة التي كانت تحبها دائمًا.

لم تملك نفسها وقالت ببرود:

— "بتعمل إيه وبعدين وجودك معايا ف نفس المكان غلط انا ليا شهور عدة؟"

لم يرفع رأسه وهو يواصل تقطيع الخيار:

—"واضحة يعني… بطبخ ياسيلا وبعدين متخافيش هناكل سوا وهمشي."

ضيقت عينيها قليلًا:

— انت فاكر هاكل من ايدك اصلا "

رفع نظره إليها أخيرًا، وابتسامة خفيفة ظهرت على شفتيه:

— نا عملت عايزة تاكلي تمام مش عايزة براحتك ثم بلاش تاخديني ف دوكة وعرفيني اي رايك ف الشقة مش بتشبهي عليها: "

عقدت حاجبيها فورًا:

—: شقة كلها كأبة زي صاحبها اللي اشتراها بالظبط

عاد ينظر إلى السلطة وهو يخلطها بهدوء:

—  "."بس انا متاكد انها عجباكي دي كل التفاصيل اللي كنتي بتكلميني فيها زمان وعملتها كلها ع ذوقك 

تجمدت ملامحها لحظة، لكنها سرعان ما استعادت برودها:

— "خليها لواحدة ست تانية غيري وبعدين ريحة الاكل وحشة اوي."

رفع الملعقة مرة أخرى وتذوق الصلصة، ثم هز رأسه برضا:

—: "بجد طب تعالي دوقي كدا؟."

اقتربت خطوة إلى داخل المطبخ رغمًا عنها، والرائحة بدأت تصل إليها بوضوح.

قالت بنبرة عناد:

—  "أنا مش هاكل."

ضحك بخفة وهو يطفئ النار تحت القدر:

— : "هنشوف هتعرفي تصمدي قدام اكتر اكلة بتحبيها ولا لا ؟."

ثم بدأ يسكب المكرونة في الطبق بهدوء، ويرتب السلطة بجانبه بعناية.

رفعت سيلا حاجبها باستغراب:

— "انت بتعمل كل ده ليه؟"

رفع عينيه إليها، نظرة هادئة لكن عميقة:

— "عشانك."

ضحكت بسخرية وهي تهز رأسها:

—: "هاكل لو مش عاجبني هرميه ف وشك."

ابتسم وهو يضع الطبق على الطاولة:

— : "طب اقعدي بدل م انتي عمالة تبصي للاكل وتشمي من غير م دوقي اي دخل دا بعنادك معايا؟ كلي يلا عشان ورايا اجتماع مهم

ظلت واقفة لحظة، تنظر إلى الطبق… ثم إليه.

وقلبها، رغم كل شيء، لم يكن مطمئنًا لفكرة أنها ما زالت تتذكر طعم الأكلة التي صنعها خصيصًا لها.

...

جلسا متقابلين على الطاولة، وكلٌ منهما يحمل شوكته وسط صمتٍ ثقيل. لم يكن الصمت بينهما مريحًا،.

كانت سيلا تأكل ببطء، بينما يراقبها تميم بين الحين والآخر دون أن يعلّق. كأنه يحفظ تفاصيلها الصغيرة… الطريقة التي تمسك بها الشوكة، أو كيف تبتلع الطعام وهي تحاول أن تبدو غير مهتمة.

قطعت سيلا الصمت أخيرًا دون أن تنظر إليه:

— سيلا:

"الأكل حلو… بس متفتكرش إن ده هيغير حاجة بينا."

ابتسم تميم بخفة، وكأنه كان يتوقع ردها

"مش مستني يغير حاجة… أنا بس كنت عايزك تاكلي. الأيام اللي فاتت كانت صعبة عليكي بما فيه الكفاية… جه الوقت تفصلي شوية وتهتمي بنفسك."

رفعت عينيها إليه فجأة وقالت:

"هو عمر فين دلوقت؟"

توقفت يد تميم قليلًا عن الأكل، ثم وضع الشوكة جانبًا ومسح يده بالمنديل، قبل أن يجيب بنبرة حاسمة:

"لآخر مرة تجيبي سيرته قدامي… ولآخر مرة هجاوبك على سؤال يخص المخلوق ده."

ثم أضاف ببرود:

"دلوقت؟… بيستلم تمن وجودنا سوا."

ارتعشت عينا سيلا لحظة، لكنها تماسكت بسرعة وقالت بمرارة:

"آه… أنا سمعت كل حرف قاله. والباشا وافق بسرعة الصاروخ. مخدش باله إنه بيتنازل عن شغله وحياته… وبيخسر شقا عمره عشان واحدة مش حاسة بيه ولا هتحس.

إنت اشتريتني… وأنا مش سلعة يا تميم."

رفع تميم كتفيه ببساطة، ثم قال بصوت هادئ لكنه صادق:

"آه… وافقت."

ثم نظر إليها مباشرة وأضاف:

"وافقت عشان بحبك. بموت فيكي… بعشق التراب اللي بتمشي عليه. أفديكي بروحي… وتاخدي عيني وقلبي… وأدفع ملايين الدنيا عشان بس أنول نظرة حب من عينيكي ليا.

هو اللي غبي… مش عارف قيمتك. لو لف الدنيا كلها عمره ما هيلاقي ضفر منك."

توقفت سيلا عن الأكل تمامًا، ونظرت إليه بحدة:

"إنت مجنون… مش طبيعي!"

رد تميم بهدوء شديد:

"أنا كنت محتاجه يوافق… وكنت بدعي بكده."

قطبت سيلا حاجبيها بغضب:

"ليه؟ ليه يا تميم؟!"

مال تميم قليلًا للأمام وقال بصوت منخفض:

"عشان عمر طماع… والناس الطماعة أسهل ناس تتحكمي فيها."

ثم أكمل بهدوء قاتل:

"هو آه بقى صاحب الشركة… بس الشركة مربوطة بعقود عالمية. مشاريع بالملايين… وهو معندوش الخبرة اللي يديرها.

هيضطر يصرف من الحسابات… وهيكتشف إن الفلوس اللي فاكرها بحر… مش هتكفي."

ضيّقت سيلا عينيها وهي تستمع.

فأكمل تميم بنبرة أكثر برودًا:

"المشاريع دي ممكن توصل لأكتر من خمسمية مليون دولار عشان تتنفذ. لو معرفش يديرها… كل حاجة هتنهار.

والفلوس اللي فاكر نفسه هيعيش بيها عمره كله… هتروح في غمضة عين."

ثم نظر إليها نظرة مظلمة قليلًا وقال:

"هيرجع شحات تاني… بس من غيرك انتي فاكرة هسيب اللي باعك يتهني واكون السبب ف كدا والله هيشوف الموت بعنيه ع كل قهرة منك."

ارتجفت سيلا قليلًا وقالت ب

— سيلا:

"إنت هتعوض ده كله إزاي؟! وبعدين الفلوس دي كلها جبتها منين يا تميم؟ أوعى تكون اشتغلت في الحرام!

وبعدين… عمر كان جوزي… مرضاش ليه الأذية."

نظر إليها تميم مباشرة وقال بثبات:

"أنا مش بتاع حرام."

ثم أضاف بهدوء:

"وبعدين أنا مأذيتوش… هو اللي طلب، وأنا نفذت. هو … معرفش يحسبها صح بسبب طمعه."

صمت لحظة ثم قال:

"أنا مسافر… أبدأ الشغل هناك وأظبط كل حاجة."

تجمدت ملامح سيلا.

"يعني… مش هترجع؟"

أومأ تميم بهدوء:

"هفضل هناك لحد ما تخلصي شهور العِدّة."

ارتبكت نظرتها قليلًا، ثم سألت بصوت أخفض:

"وإيه اللي هيحصل لما أخلصهم؟"

نظر إليها تميم نظرة طويلة… هادئة لكنها مليئة بشيء عميق.

ثم قال ببساطة:

"هرجع."

رفعت حاجبيها وسألته:

"وترجع ليه؟"

ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال:

"عشان ساعتها… مش هيبقى في راجل تاني يقول إنك مراته."

ثم أضاف بنبرة واثقة:

"هتكوني حرة… وساعتها أنا اللي هطلبك."

ساد الصمت بينهما مرة أخرى.

أما سيلا… فظلت تنظر إلى طبقها دون أن تأكل، لأن قلبها كان يدق بسرعة… أسرع مما تريد الاعتراف به.

...

كان الليل هادئًا، يتسلل ضوء القمر عبر النافذة فيرسم خطوطًا فضية على أرضية الشقة. وقف تميم عند الباب ممسكًا بحقيبته الصغيرة، بينما كانت سيلا تقف أمامه، ذراعاها متشابكتان وعيناها ممتلئتان بالرفض والعناد.

قال تميم بصوت هادئ:

"لازم أمشي دلوقتي…"

نظرت إليه سيلا بصمت، 

تنهد تميم قليلًا ثم أكمل:

"كل شهر هيجيلك مبلغ يكفيكي… وفي حد هيعدّي كل أسبوع يجيبلك الأكل اللي تطلبيه. عندك تليفزيون ونت… حاولي تسلي وقتك. أنا عارف إن الحبس مش حلو، بس لازم أضمن إن محدش يقدر يقربلك."

ثم أضاف بعد لحظة:

"عمر ممكن يظهر في أي وقت… عشان كده تحت في طقم حراسة كامل، بورديات ثابتة."

أخرج هاتفًا من جيبه ومدّه لها.

— تميم:

"خدي الموبايل ده… ولو رنيت عليكي، أتمنى تردي. حتى لو تسمعيني صوتك لدقيقة."

ابتسمت سيلا بسخرية خفيفة وقالت:

"أووه… إنت مخطط لكل حاجة! كأني عيلة صغيرة وإنت وليّ أمري."

ضحك تميم بخفة، محاولًا تخفيف حدة الجو.

"والله اللي بعمله ده مش تحكم… ده خوف عليكي."

رفعت سيلا حاجبها وقالت بنبرة أكثر هدوءًا رغم اعتراضها:

"أنا كبيرة كفاية أحمي نفسي… وأعرف أتصرف. وبعدين كونك حابسني هنا ده يتسمى إيه غير إنه انتهاك لحريتي؟"

نظر إليها تميم بثبات وقال:

"انتي مجبورة تعملي كده… فخلّيها برضاكي."

تنهدت سيلا قليلًا وقالت بصوت خافت:

"طب وليه حابسني هنا؟"

اقترب تميم خطوة منها وخفّض صوته:

"أنا مش حابسك… تقدري تخرجي لو حبيتي. بس معاكي حراسة… وعربية توديكي وتجيبك. أظن كده عداني العيب."

اقترب أكثر قليلًا، وكأنه أراد أن يطبع قبلة خفيفة على رأسها، لكنها تراجعت بسرعة وقالت بنفور:

"يأخي بكرهك كره."

فتح تميم الباب ببطء، ثم التفت إليها مرة أخيرة، وابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيه.

— تميم:

"وأنا بحبك."

ثم خرج وأغلق الباب خلفه بهدوء.

....

بعد مرور أربعة شهور، كانت سيلا شبه شبح لنفسها السابقة. كانت الشقة منظمة بشكل مثالي، كل شيء في مكانه، وكل وجبة تصلها جاهزة، لكن قلبها كان خاوي. الجو المحيط بها هادئ جدًا، لدرجة أن كل ضوضاء خارجية كانت تبدو مزعجة، لكنها كانت تشعر بغربة كبيرة عن نفسها وعن الحياة.

عينها تحمل برودًا مشوشة، وعادةً ما كانت تحدق في الفراغ لساعات، تفكر في الأيام اللي راحت، وفي صمتها الطويل عن كل ما كانت تحبه. أحيانًا تشعر بغضب دفين بسبب قيود تميم عليها، وأحيانًا تشعر بالارتباك والخوف من فكرة العودة إلى حياتها الطبيعية بعد كل هذا الوقت.

كانت تتلقى المكالمات والرسائل من تميم، صوته في الهاتف يطمئنها ويطمئنها على كل شيء، لكنها كانت تسمعه بصوت خافت، كأنها تتلقى كلمات حقيقية لكنها بلا تأثير على قلبها المتعب.

رغم كل شيء، مازال في داخلها شعور بالرفض والعناد، لكنها بدأت تدريجيًا أن تصارح نفسها: أنها فقدت جزءًا من حريتها، وأن الوقت الذي مضى جعلها تتساءل عن نفسها وعن من تحب وعن من تستحق فعلاً أن تكون معه. كانت تشعر بالحنين لما كان بينهما، لكنه مختلط بغضب ومرارة، وكأن قلبها يعيش على حافة الانتظار المستمر، بين الرجاء واليأس.

  ....

سيلا كانت جالسة على الكنبة، رجليها مطوية جنبها، عينها تتوه في شاشة التلفزيون بلا تركيز حقيقي. صوت الأخبار كان يتردد في الغرفة، لكنها بالكاد تسمعه. كل شيء هادئ… حتى خبط الباب المفاجئ جعل قلبها يقفز.

رفعت حاجبها، توترها واضح، وأمسكت بحافة الكرسي لتثبت نفسها.

— سيلا (بصوت مرتجف): "مين؟"

رد صوت من وراء الباب، قوي وواضح:

— عمر: "أنا… عمر، يا سيلا… افتحي."

قفز قلبها في صدرها، دموع بدأت تتجمع في عينيها، وصوتها خرج على هيئة صرخة قصيرة:

— سيلا: "عمرررر!"

تراجعت خطوة للخلف، جسدها كله يرتجف،كل مشاعرها المختلطة تتصارع في لحظة واحدة.

صمت قليل، ثم جاء صوت عمر من جديد، أكثر إصرارًا:

— عمر: "افتحي يا سيلا… عايز أتكلم معاك."

سيلا أخذت نفسًا عميقًا، محاولة تهدئة قلبها، لكنها لم تتحرك من مكانها بعد، عيونها ما زالت تراقب الباب، وكأن كل خطوة تتخذها نحو الفتح مكلفة بثمن عاطفي كبير جدً

....

— عمر (بصوت متردد لكنه مصمم): "خباكي… ومع ذلك لفيت الدنيا كعب داير لحد ما ناس ولاد حلال دلوني عليكي."

سيلا شعرت بغضب مختلط بالدهشة، رفعت حاجبها وهي تتذكر الحراس تحت البيت:

— سيلا (ببرود): "عرفت تخبط على باب البيت مع كل الحراس اللي تحت."

ابتسم عمر ابتسامة خفيفة، فيها ألم وندم:

— "أنا مشوفتش أي طقم حراسة من أصله… الجو خالي وقدرت أطلع ومحدش منعني. المهم دلوقتي… محتاجك تسمعيني، قبل ما دا يحصل، مش حابب منك تصدري أي حكم عليا. بعترف بغلطي… بس اتعلمت وعرفت قيمتك."

سيلا ضحكت بسخرية، عيونها مليانة مرارة:

—  "وأنا كمان اتعلمت وعرفت قيمتك."

— عمر (بجدية): "طب تعالي، يلا نرجع المياه لمجاريها."

سيلا شدّت نفسها، عيونها تتوهج بالغضب:

— سيلا: "هتوديني نعيش في القصر اللي خدته من تميم؟"

ابتسم عمر بخفة، لكنه أدار رأسه بعيدًا للحظة، كأنه يتذكر الماضي:

: "لا… مفيش قصر ولا شركة. أنا خسرت كل حاجة… بس فيه مبلغ محترم أقدر أفتح مشروع ونعيش منه."

سيلا ارتجفت، شعور بالخذلان امتزج بالحزن:

—"بس اللي بيقطع صفحة كتاب بينساها… وأنت دورك في حياتي انتهى."

عمر اقترب خطوة، عينيه تحمل مزيج من الألم والتوسل:

— "أنا مستعد أردك من تاني… طلقتك طلقة واحدة بس، مش تلاتة زي ما هو قال… أنا عايز نرجع. أنتي متتصوريش الكام شهر دول عدو من حياتي إزاي؟ اقسملك جاتلي عروض كتير… ستات مش حلوة بس جمال ونسب وعيلة… وكانوا هيرفعوني لفوق ويعوضوا خسارتي… بس كل دا رميته ورا ضهري… قلبي عمره ما دق غير ليكي..

 بدأ عمر يحكي لها عن تميم، صوته أصبح أهدأ، كأنه يسرد سرًا عظيمًا:

— "تميم… انتي عارفة قصته واحد عايش ع  أبسط الحاجات... كان سواق أوبر في مصر، شاب عادي، محدش يعرفه ودخله محدود… الجو كله حواليه كان  اقل من العادي عادي، بس اللي متعرفهوش عنه انه كان بيراقب الأسواق الدولية والعالمية وهو قاعد مكانه… كان بيتعلم من اتقل الناس ف مكانه ولما قرر يسافر

عيني سيلا اتسعت، قلبها بدأ يدق بسرعة.

— عمر"دبي كانت البداية… هناك، بدأ يمشي في طريق غامض… محدش يعرفه كويس. اشتغل أول حاجة في استيراد منتجات صغيرة، يجيبها من أسواق محلية ويصدرها لشركات خارجية… خطوة خطوة، بدأ يفتح شركات جديدة، كلها مسجلة بأسماء مختلفة… شوية شوية، العقود بدأت تتوسع… الدولار، اليورو، الين… كل عقد متخطط له كويس… استثمر في العقارات، خطوط إنتاج للشركات، خدمات مالية… يبيع ويكسب لحد م عمل اسمه وزن."

— عمر (صوته يرتجف من الحماسة والدهشة): "تميم عمل خطة محكمة عشان يعمل لنفسه امبراطورية شايفاه واجهة ونجاحه مع كل صفقة بيدخلها كانها غموض وسحر … عقود ضخمة بالدولار… استثمارات في أوروبا وأمريكا وآسيا…هو عقلية فزة بجد وانسان مش سهل"

سيلا شعرت بمزيج من الإعجاب والخوف، لكنها حاولت تثبيت نفسها على برودها المعتاد.

—  "طالما في السليم… ربنا يفتحها عليه أكتر."

عمر اقترب خطوة، صوته أصبح أكثر حنينًا:

— عمر: "مش ناوية تسامحيني؟"

— سيلا: "أنا مش قادرة أسامح نفسي إنه في يوم وثقت فيك."

— عمر: "بس انتي غلطانة إنك خبتي… كان ممكن أول ما تشوفيه عندنا في البيت تبلغيني وتسيبيني أختار."

سيلا عضّت شفتيها، شعور بالمرارة والخذلان يغمر قلبها:

—: "في الحالتين، قرارك هيكون ورا الفلوس… أنا منكرش إني بكره تميم وحابسني هنا، حتى أمي مش بشوفها… ويا عالم حالتها إيه… ممكن تكون فاكراني ميتة؟ طمن نفسك، مع أول فرصة هجرب أهرب… وهحسره عليا زي ما حسرتك عليا بالملي… شايلة لتميم جميلة كبيرة… إنه عرفني حقيقتك وشوفت وشك الحقيقي… انت بقيت غريب عني… وهتفضل محرم عليا لآخر يوم في عمري."

وزقته الباب بعنف، ووقفت هناك، عيونها تلمع بالدموع والغضب المختلط.

— عمر (بدموع): "آه… الفلوس عمتني على حبك… ونكرت عشرتي معاكي… اللي بيينت عن معدنك وأصلك الطيب… بس أنا والله ندمان… بلاش تخربي بيتنا… احنا المفروض كنا على مشارف نجيب طفل ونبني عيلة."

— سيلا (بحزم شديد): "هي لو هتتبني… هتكون في دماغك وبس… اتحمل نتيجة اختياراتك يا عمر."

........

كان تميم يجلس داخل سيارته المتوقفة في الجهة المقابلة للبناية، مستندًا بكتفه إلى المقعد الجلدي، وعيناه ثابتتان على باب المدخل كصيادٍ يترقب لحظة خروجه فريسته من الجحر.

وفجأة انفتح باب البناية.

خرج عمر بخطوات سريعة مضطربة، ملامحه مشدودة، وأنفاسه متقطعة، وكأن الغضب يخنقه من الداخل. كان واضحًا أنه خرج خالي الوفاض… مهزومًا.

راقبه تميم بصمت.

لم يتحرك…

لم يطرف له جفن.

فقط انفرجت شفتاه ببطء عن ابتسامة خفيفة، ابتسامة ماكرة تشبه انتصارًا صامتًا.

رفع عينيه قليلًا نحو نافذة شقة سيلا في الطابق العلوي، وبريق غريب مرّ في نظراته.

في تلك اللحظة تحديدًا، شعر بيقينٍ بارد يستقر في صدره.

سيلا لم تعد لعمر.

ما رآه في ملامح الرجل الخارج لتوه كان كافيًا ليخبره بكل شي

الهزيمة لا يمكن إخفاؤها.

أخرج هاتفه بهدوء، وضغط على رقمٍ محفوظ.

جاءه صوت أحد الحراس بسرعة:

— "أفندم يا باشا."

قال تميم بصوت منخفض ثابت:

— "ارجعوا أماكنكم."

— "تمام يا باشا."

أغلق تميم الهاتف ببطء، ثم أعاده إلى جيبه.

مرر يده على ذقنه الخفيفة وهو ينظر مرة أخرى إلى باب البناية، وكأن المشهد ما زال يعاد أمام عينيه.

لقد ترك عمر يدخل… عن قصد.

أراد أن يسمع الحقيقة من فم سيلا… أن يرى رد فعلها بلا ضغطٍ ولا خوف.

والآن فقط…

فهم شيئًا واحدًا بوضوحٍ قاطع.

عمر خسر سيلا إلى الأبد.

أما هو…

فقد اقترب خطوة أخرى منها.

...

وقفت سيلا في منتصف الصالة، وعيناها عليه كأنها تحاول أن تتأكد أنه حقيقي وليس مجرد طيفٍ من الغضب الذي يسكن رأسها منذ شهور.

قالت بشرود، وصوتها بالكاد يُسمع:

— "رجعت؟"

أومأ تميم برأسه إيماءة خفيف

— "عمر كان هنا

قطّب تميم حاجبيه، ونظر إليها نظرة حادة.

— "دخل إزاي؟"

رفعت سيلا كتفيها ببرود ساخر.

— "تقصير حراسك… شكلهم مش شايفين شغلهم كويس."

تغيرت ملامح تميم فجأة، اقترب خطوة، وصوته أصبح أكثر خشونة:

— "لا يمكن… إنتِ اللي دخلتيه؟"

نظرت إليه بثبات.

تابع وهو يرمقها بنظرة غاضبة:

— "دخلتيه… وقعدتي تتسايري معاه وتضحكوا… وطبعًا نسيتي كل القرف اللي شوفتيه على إيده."

ثم رفع إصبعه وضربه بخفة قاسية على صدرها، وقال بحدّة:

— "إنتِ واحدة بريالة يا سيلا… بتعودي أي راجل يدخل حياتك إنك أسهل حاجة ممكن يمتلكها."

اتسعت عينا سيلا من الصدمة، ودفعت يده بعيدًا عنها بعنف.

— "م سمحلكش تهيني!"

ثم تابعت بحدة:

— "أنا مش شغالة عندك… وم تخليش عقلك يسوحك وتفكر إني ضعيفة أو مكسورة الجناح."

اقتربت خطوة نحوه، وصوتها أصبح أكثر قسوة:

— "ولا فاكر إن حبسك ليا طول الشهور اللي فاتت كسر عيني قدامك؟"

ابتسمت ابتسامة مرة.

— "أنا سيلا… اللي زمان كنت بتحفي وراها… وأبوها هو اللي رفضك."

ثم أشارت إليه بسخرية:

— "ودلوقت… لسه بتحفي وراها برضه. بس يا حرام… نقبك طلع على شولة."

اشتد فك تميم، لكنه لم يقاطعها.

أكملت وهي تنظر في عينيه مباشرة:

— "ومتقلقش… مش هطلب منك تمن العز ده كله."

— "لأن وجعك من فراقي هو اللي خلاك تبقى الشخصية دي."

توقفت لحظة، ثم قالت بهدوء ثقيل:

— "بس صدقني… النفوذ عمرها م بتدوم."

— "لو كانت بتدوم… كانت دامت لغيرك يا تميم بيه."

ساد الصمت للحظة.

ثم رفعت رأسها قليلًا وقالت:

— "وعلى فكرة… أنا مش بريالة."

— "سيلا اللي كانت بتحبك… واللي ما كانش بيجيلها نوم طول ما إنت زعلان منها… ماتت."

أشارت إلى نفسها.

— "دلوقتي في سيلا جديدة… ومن هنا ورايح مش هيشغلها حد غير نفسها وبس."

ظل تميم صامتًا للحظات، ثم قال ببطء:

— "مجيء عمر هنا معناه إنه جاي وهو ضامنِك."

رفعت حاجبها بسخرية.

— "وحتى لو…"

— " أنا اديته اللي في النصيب… ومشي 

ابتسمت ببرود:

— "وافاه يقمر عيش."

نظر إليها تميم نظرة طويلة هادئة، ثم استدار وكاد ان يغادر.

لكن صوتها أوقفه.

— "أنا عايزة أروح بيتي."

قال دون أن يلتفت:

— "ده بيتك."

هزت رأسها بعنف.

— "لا… مش بيتي."

التفت إليها أخيرًا، وقال ببرود:

— "اتعودي عليه."

اشتعلت عيناها بالغضب.

— "تعرف؟"

— "لو عديت من واحد لتلاتة… وما خرجتنيش من هنا…"

ثم قالت بحدة خطيرة:

— "هقتل نفسي… أو أقتلك وأخلص."

تأملها تميم بهدوء غريب، كأن تهديدها لا يهزه.

ثم قال بنبرة منخفضة:

— "طيب."

اقترب خطوة، ونظر في عينيها مباشرة.

— "مستعد أجيبلك سكينة… وتقتليني."

اتسعت عيناها من الصدمة.

تابع بنفس الهدوء:

— "وأكتبلك جواب بإيدي أقول فيه إني انتحرت."

ثم قال بصوت أخفض:

— "شايفة؟ حتى وأنا بموت… مش هيهون عليا أئذيكي."

سكت لحظة، ثم أضاف:

— "فكري… وأنا معاكي."

ظلت سيلا تحدق فيه مذهولة، ثم نفخت بضيق وذهبت الي غرفتها

تنهد تميم بهدوء، واتجه نحو الباب.

وقبل أن يخرج قال:

— "هبعتلك ميكب أرتيست… تجهزك."

تجمدت في مكانها.

— "عشان كتب كتابنا."

ثم أضاف بنبرة غامضة:

— "ومحضّرلك مفاجأة."

صرخت سيلا بكرهٍ واضح:

— "إن شاء الله تكون خبر موتك!"

وضربت الباب في وجهه بعنف.

وقف تميم في الممر لحظة بعد أن أُغلق الباب، ونظر إليه بصمت.

مرّ حزن خفيف في عينيه.

ثم تنهد ببطء.

كان يعرف جيدًا…

أن الطريق إليها ما زال طويلًا جدًا.

لكنه…

لم يكن من النوع الذي يتراجع.

....

كانت سيلا واقفة في منتصف الصالة، صدرها يعلو ويهبط من الغضب، وعيناها ما تزالان مشتعلة بعد المشادة التي انتهت منذ دقائق.

لم يهدأ شيء بداخلها… بل كان الغضب يتمدد في صدرها كحريقٍ بطيء يلتهم كل ما بقي من صبرها.

وفجأة…

دقّ الباب.

تجمدت لحظة، ثم صاحت بعصبية حادة:

— "مين اللي بيخبط؟! مش عايزة أشوف حد خالص… ابعدو عني بقااا!"

جاءها صوت فتاة من الخارج بتردد:

— "أنا… الميكب أرتيست يا مدام سيلا… أستاذ تميم بعتنا لحضرتك عشان نجهزك لكتب الكتاب."

انعقد حاجبا سيلا بقوة.

— "مش هفتح… ومفيش جوازة هتتم! إنتو جايين الشقة الغلط."

جاءها الرد سريعًا من خلف الباب:

— "يا مدام لو سمحتي… أنا هنا بعمل شغلي، وعندي أمر منه. ومش همشي غير لما أنفذه. ميرضيش ليكي تقطعي عيشي… أنا شقيانة وبجري على لقمة عيشي… وتميم بيه لو شم خبر إني رجعت من غير ما أخلص شغلي هبقى في خبر كان."

ضحكت سيلا ضحكة قصيرة ساخرة، ثم فتحت الباب بعنف.

وقفت أمامها فتاتان تحملان حقائب ضخمة مليئة بأدوات التجميل، وخلفهما فتاة ثالثة تحمل كيسًا كبيرًا بداخله فستان.

تأملتهن سيلا ببرودٍ قاسٍ، ثم أشارت إلى الكيس.

— "ده الفستان صح؟"

تبادلت الفتيات نظرات مرتبكة، ثم قالت إحداهن بابتسامة متوترة:

— "أيوه يا مدام… تميم بيه بنفسه اللي اختاره ليكي. وجابلك أشهر مصممة عالمية."

ثم أضافت بحماس:

— "الفستان متزين بأغلى الألماس… مبروك عليكي. أكيد هيبقى تحفة عليكي، جسم حضرتك ما شاء الله مرسوم… يابخته بيكي، زي القمر."

لمعت عينا سيلا بغضبٍ مفاجئ، وخطفت الكيس من يدها بعنف.

فتحته بسرعة…

وأخرجت الفستان الأبيض.

فردته أمامها لحظة.

نظرت إليه ثانيتين فقط…

ثم قذفته أرضًا بقوة.

— "اطلعوا برّه."

تجمدت الفتيات في أماكنهن.

قالت إحداهن بحرج:

— "بس يا مدام إحنا—"

قاطعتها سيلا بصوت ارتفع فجأة:

— "قلت اطلعوا برّه! بررررة! مش هتجوزه!"

ثم أشارت بعنف نحو الباب.

— "دي مش جوازة… دي جنازة! بتجهزوني ليه؟! كأنكم بترموني في قبري!"

وصاحت بمرارة:

— "القبر أرحم من عيشتي معاه!"

وقبل أن تتحرك أي واحدة منهن…

انفتح الباب ببطء.

ودخل تميم.

توقفت الفتيات فورًا.

كان واقفًا عند الباب، طويلًا بثباته المعتاد، حضوره يملأ المكان بهدوءٍ ثقيل.

عيناه هادئتان على نحوٍ غريب وسط الفوضى.

نظر أولًا إلى الفستان الملقى على الأرض…

ثم رفع عينيه إلى سيلا.

وقال بهدوء عميق:

— "الشو اللي عملتيه ده… أنا قادر أحط له حد."

توقّف لحظة، ثم أضاف بنبرة أخف:

— "بس لحد دلوقتي… مقدّر اللي إنتِ فيه."

ثم قال ببطء:

— "وقلت معلش… هتفوق. ومسيرها تفهم إني عملت الصح."

اتسعت عينا سيلا من الغضب.

— "صح إيه؟! صح إيه يا تميم؟!"

ثم صاحت بانفعال:

— "إنت موهوووم؟! جاي تتجوزني وأنا رافضة حتى أبصلك؟!"

وأشارت إلى الفستان على الأرض.

— "الجوازة دي باطلة… ومش هتطول مني حتى شعرية!"

تقدم تميم ببطء داخل الشقة.

لم ينظر إلى الفتيات… فقط أشار بيده إشارة قصيرة.

— "سيبونا.

...

تحرّكن بسرعة نحو الباب، وخرجن في صمتٍ مرتبك، كأن الهواء نفسه صار ثقيلًا في تلك الشقة.

أُغلق الباب.

وبقي تميم وسيلا وحدهما.

انحنى تميم قليلًا، التقط الفستان من الأرض بهدوء، ونفضه ببطء، ثم وضعه على الأريكة بعناية كأن ما سقط لم يكن مجرد فستان… بل كرامة أُهينت أمامه.

كانت سيلا تنظر إليه بعينين مشتعلتين، كأنها على وشك الانفجار.

قالت بحدّة:

— "مش هلبسه… حتى لو شوفت حَلَمة ودنك يا تميم."

رفع عينيه إليها ببطء، ونظرته ثابتة لا تهتز.

— "تميم… رغباته أوامر. مش طلبات."

ابتسمت بسخرية مريرة.

— "امشي بالكلام ده على العرايس بتوعك… اللي بتحركهم زي العرايس الماريونيت عشان ينفذوا اللي يشبع غرورك."

رد ببساطة، دون أن يرفع صوته:

— "وإنتِ بقى… من العرايس بتاعتي."

انفجرت ضاحكة ضحكة حادة.

— "إنت واخد مقلب كبير في نفسك. إنت مش أقوى مني… والأسلوب الرخيص ده ما ياكلش معايا."

اقترب خطوة.

— "يا سيلا… أنا عايز رضاكي عني."

ثم أضاف بنبرة هادئة ثقيلة:

— "أسلوبك هو اللي بيخليني أبقى وحش."

اشتعلت عيناها.

— "أنا مش أمك عشان تنول مني الرضا!"

ثم أضافت ببرود قاسٍ:

— "وبعدين… إنت وحش بالفعل."

لم يرفع صوته، بل قال بهدوء بارد:

— "طيب… هنقبح؟"

ثم تابع كأنه يحسم أمرًا عاديًا:

— "كتب الكتاب بعد ساعة. خلصي… وعدّي ليلتك معايا."

اتسعت عيناها من الغضب.

— "لا… مش هتعدي!"

ثم أشارت بيدها بعصبية:

— "وخليها حتى لو بعد دقيقة… ممكن متلاقنيش! أهرب بقى… أطير… أموت… أختفي! مش شغلك."

نظر إليها تميم لحظة طويلة، ثم أشار إلى الفستان على الأريكة.

— "الفستان قدامك."

ثم قال بهدوء ثابت:

— "عايزة تبقي عروسة؟ تمام."

وأكمل ببرود:

— "مش عايزة… هتبقي مراتي برضه. حتى وإنتِ باللبس ده."

حدّقت فيه بعناد، ثم قالت ببطء متعمّد:

— "طب عارف أنا هعمل إيه؟"

لم يرد.

تابعت وهي تبتسم ابتسامة مستفزة:

— "هتصل بعمر… حالًا."

ارتسم شدّ خفيف على فكّه.

لكنها أكملت ببرود جارح:

— "وأقوله ييجي ياخدني."

ثم اقتربت خطوة وهي تحدّق في عينيه.

— "وهو مش هيصدق… هيجري عليّا زي الغريق اللي لقى طوق نجاة."

توقفت لحظة ثم أضافت ببطء:

— "هو مستني مني خطوة بس."

ثم قالت بحدّة:

— "في الآخر… كان جوزي. وأحق واحد بيا."

في تلك اللحظة…

اشتد فك تميم بقوة، ومرّ برق غضب في عينيه كاد يحرق المكان.

كان على وشك أن يصفعها.

لكنّه تماسك.

شدّ نفسًا عميقًا… كأنّه يقيّد غضبه داخل صدره بالقوة.

ثم تقدّم فجأة، وأمسك يدها بعنف.

شهقت سيلا:

— "سيب إيدي!"

لكن قبضته اشتدت أكثر.

اقترب منها، وصوته انخفض حتى صار خطيرًا:

— "تعالي معايا."

حاولت أن تفلت يدها.

— "سيبني يا تميم!"

لكنه لم يتركها.

سحبها خطوة نحوه.

— "قلت تعالي."

صرخت بغضب:

— "رايح بيا فين؟!"

نظر في عينيها مباشرة… وقال ببرود ثقيل:

— "هوريكي حاجة."

ثم أضاف ببطء:

— "يمكن بعدها… تبطلي تقولي إن عمر أحق بيكي."

.....

لقراءة باقي الفصول اضغط هنا

    

تعليقات



<>