
ظلمة شديدة.. همسات تقترب من سمعي.. الآلام تسحق جسدي...رأسي يدور في حلقات مفرغة ... كما لو كان يركل بالأقدام ...أحاول أن أفتح عيني..جفوني ثقيلة للغاية...جسدي لا يستجيب لي...ماذا حدث؟، هل صعدت روحي للسماء؟؛.
صوت قادم من بعيد يحثني على الاستيقاظ، يد تتحرك بحرية على ساقيّ وذراعيّ، تعبث بوجهي، وبعيني، أخيرًا أبصرت ضوءًا أبيض قوي، بدأ يتسرب إلى حدقتي تدريجيا، أدركت بصعوبة ما حولي، غرفة ناصعة البياض، وأشخاص بملابس بيضاء، ماذا حدث؟؛ أين أنا؟، وأين الباقين؟.
بالكاد استطعت أن أفتح فمي، ارتفعت وتيرة دقات قلبي الغير منتظمة، واضطرب تنفسى وأنا أقول بالإيطالية: ماذا حدث؟.
*********
نظر لها الطبيب نظرة دافئة وأجاب بنبرة هادئة ولكن بها لمحة لم تطمئن لها : لا تقلقي، أنتِ بخير ..حادث سيارة ولكنك نجوتي بأعجوبة.
ارتجفت شفتاها وقالت بخوف شديد : تيرا..هل ..هل هي بخير؟.
أجاب الطبيب: تقصدين الطفلة؟!!
أومأت بعينيها، فأجاب: نعم بعض الكدمات والجروح البسيطة، ولكنها بخير، حزام المقعد استطاع أن يخفف عليها وطأة الارتطام.
صمتت قليلاً ..ترددت في السؤال الذي تشعر بالخوف من إجابته وقالت: وماذا عن ..
لم تستطع إكمال جملتها، فوجه الطبيب أجاب بوضوح ثم أنهى النزاع بكلماته: لقد قضت نحبها في مكان الحادث، أعتذر لكي، لم نستطع فعل شيء.
انهمرت الدموع من عينيها، صديقتها الوحيدة، كل ما تملك في الحياة قد رحلت، هي المذنبة، لقد قتلتها بيديها، حرمتها الحياة بعنادها، لقد ماتت وتركتها وابنتها وحيدتين، لم تتمكن من السيطرة على حزنها، ارتفع صوت نحيبها، علا بلا توقف، احترق قلبها بنيران الفقد واكتوى بإحساس الذنب.
حاول الطبيب أن يهديء من روعها، ظل يربت على كتفها وهو يقول العبارات التقليدية بدفء شديد، وأخيرًا حاول أن ينتقل إلى حوار آخر فقال: لقد علمت إسم الطفلة، لكن إلى الآن لم أعلم ما إسمك؟.
هدأ نحيبها تدريجياً، وصمتت قليلاً قبل أن تجيب بصوت متهدج : إيڤا.
_إذن إيڤا، أنا بحاجة لأن تهدئي قليلاً حتى أتمكن من شرح حالتك جيداً، قبل أن أسمح للضيف بالخارج أن يدخل إليكِ، فهل ستساعدينني على هذا؟.
حركت رأسها باستسلام...حاولت التماسك وهي تستمع إليه يقول:
حالتك كانت تحتاج للعديد من العمليات أغلبها في الوجه، قد تشعرين ببعض الاختلاف في ملامحك، وهذا بسبب عمليات ترميم الوجه التي قمنا بها، جسدك لم يتأذى كثيرا بعض الجروح وكسر في القدم، وبعض المضاعفات التي جعلتنا نضعك في غيبوبة مؤقته.
إصابة وجهك كانت شديدة، ناتجة عن ارتطام رأسك بزجاج السيارة الأمامي وتهشم الزجاج مما أصاب وجهك بالكثير من الشظايا، ولكنك كنتي محظوظة بعدم تحرك جسدك من المقعد، أنتِ هنا منذ عشرة أيام، اعلم أن الصدمة كبيرة، وأنكِ ستحتاجين بعض الوقت لتقبل الأمر، ولكن يجب أن تتماسكي من أجل الطفلة، حتى لا توضع في دور الرعاية.
_ أين هي؟.. تسائلت بلهفة وخوف شديدين.
أجابها الطبيب بابتسامة: لا تقلقي، هي في قسم الأطفال بالمشفى، وسأرسل في طلبها ولكن بعد أن تنتهي زيارة ضيفك الذي ينتظر بالخارج.
ارتجف جسدها ثانية وهمهمت بكلمات غير واضحة ثم قالت: من هو؟
أجاب الطبيب بابتسامة: سترين ...ثم غادر الغرفة.
تحسست وجهها الذي تكسوه الضمادات، ترتعد من الخوف، لا تعلم من القادم؟، ولا تعلم ماذا سيحدث بعد؟،... دقائق قليلة وسمعت صوت طرقات مهذبة على الباب، تلاه رأس رجل يطل من فتحة صغيرة وهو يقول: إيڤا.. ممكن أدخل.
تفرست في وجهه، إنه آخر شخص تتوقع أن تراه الآن، ما هذه الصدفة الغريبة؟، ما الذي جمعها به الآن؟...
تقدم آدم خطوات واسعة إلى داخل الغرفة، واقترب نحوها حتى أصبح أمامها، ثم جلس بجوارها وقال بلطف: عاملة إيه دلوقتي؟.
حدقت به ترمقه بنظرات صامتة، دمعت عيناها وهمست بصوت متهدج: زي ما انت شايف.
بدت له أكثر هشاشةً وضعفًا من أي مرة قد رآها بها، أكثر نعومة وسكون، رأف بحالها وما قاسته فقال بصوت دافيء به سحر : شايفك زي القمر ...صمت قليلاً ثم استطرد : إيڤا أنا مقدر الصدمة والكارثة اللي حصلت، بس ده نصيب، والمهم انك بخير وبنتك بخير، أي حاجة تانية مش مهم.
التفتت نحوه وأجابت بنبرة خافتة ممزوجة بغموض وألم : واللي ماتت دي مش مهمة، عادي إنها تموت بسببي، حياتها مالهاش قيمة خالص؟!.
زفر بقوة قبل أن يشيح بوجهه عنها وينظر إلى الفراغ قائلاً: اللي حصل حصل، مفيش حاجة هاترجعه، عمرها كده، واحنا دلوقتي في الحاضر .. والحاضر بيقول إن في بينا اتفاق لازم يتم.
اتسعت عيناها بمزيج من الصدمة والغضب ثم صرخت به بصوت يختنق من الدموع: إنت اتجننت، إتفاق إيه!!، إنت أكيد إنسان مش طبيعي، إزاى تيجي في وقت زي ده والوضع اللي أنا فيه وتكلمني في اتفاقك السخيف ده.
حدق بها والضيق يفيض من ملامحه وأجاب بصوت بارد يخلو من المشاعر: الشغل شغل، وبعدين لسه قدامنا وقت، أنا بس حبيت اقولك إني مش هارجع في كلامي، زي ما كان لازم انبهك إنك ماينفعش ترجعي في وعدك ليَّ... زفر بقوة وأردف:
أنا سألت وعرفت ان حالتك محتاجة عشرين يوم كمان وترجعي لطبيعتك .. يعني مفيش مشكلة ..حلو أوي كده، هايكون لسه قدامي شهر قبل ما الفرصة تضيع، هاستناكي لحد ما تتحسني، وماتقلقيش، كل تكاليف علاجك انا اتكفلت بيها، وبمجرد خروجك هانروح نتجوز على طول، واخدك على بيت الباشا ... وأقدم له زوجتي المصونة، ويبقى يوريني هايعمل إيه وقتها.
أطرقت رأسها تبتلع غصة مرارتها وقالت بوهن: plz, forget everything we have said before, just leave me , go away
(لو سمحت انسى كل ما قلناه سابقا، وابتعد عني، إرحل ).
نهض من مكانه ووقف بمحاذاتها، ثم انحنى نحوها ببطء شديد أذاب قوتها وجعل جسدها يرتجف من الذعر، اقترب من أذنها وهمس بصوت كالفحيح: آدم المغازي مافيش مخلوق يجرؤ يقوله لأ، وأكيد مش واحدة زيك، اتفاقنا هيتم غصب عنك، أو هاتشوفي مني وش ماتحبيش تشوفيه، ومش بعيد تلاقي نفسك مرمية في السجن، وبنتك ساعتها تتحط في الملجأ، متلعبيش معايا اللعبة دي، لأنك مش قدها.
الآن أدركت معنى كلمة اللهو بالنيران، حينما شعرت بها تلتهمها حتى النخاع، حتى شرارة الغضب في عينيه لم ترحمها بل كانت كفيلة بأن يتملكها الرعب وتؤمئ برأسها مستسلمة لرغباته دون اعتراض.
ابتسم لها بغرور وتحدث بسخريته السوداء قائلاً: برافو عليكي، خليكي كده مطيعة عشان الفترة اللي تقعديها معايا ابسطك فيها.
انتفض قلبها في صدرها وقالت بصوت يكسوه الخوف والتردد: أنا موافقة.. بس.. بشرط واحد.
ضيق عينيه بنظرة تحمل تحذير وقال: شرط!!، إنتي اتجننتي.
أضافت بتوتر : طلب.
تنهد بضيق وقال : قولي.
تلعثمت كلماتها وارتفعت وتيرة كلماتها حتى نطقت عبارتها: جوازنا هايكون على الورق بس، قدام الناس، لكن بيني وبينك مافيش أي حاجة تجمعنا، ولا حتى ...زاد تلعثمها وارتباكها وهي تستطرد قائلة: ولا حتى أوضة النوم.
علا صوت ضحكاته على ارتباكها الذي يغلفه حديثها وقال بسخرية: وعندك استعداد تتنازلي عن المبلغ الإضافي اللي طلبتيه لو كان جواز كامل.
أجابت بتحدي: أيوه، ياريت تحترم حزني على صاحبتي، أنا هانفذ وعدي، بس مش عايزة أي حاجة غير إنك تسيبني أعيش في هدوء الفترة دي، ووقت الانفصال يتم باحترام، وقبل كل ده المبلغ اللي اتفقنا عليه يكون موجود في حسابي في البنك.
إحتد صوته وهو يجيب: مش آدم بن المغازية اللي يهرب من اتفاقه، فلوسك هاتاخديها قبل ما تمضي العقد، بس أوعى تفكري تلعبي معايا، هاضيعك.
تنهدت بحسرة وقالت: إنت وضحت النقطة دي كويس، وهددتني بما فيه الكفاية، مش محتاج تقولها تاني.
تحرك نحو باب الغرفة وهو يتحدث: بفكرك بس ..سلام يا قطة، معادنا بعد عشرين يوم، استعدي يا عروستي الحلوة.
***********************
بعد شهر من الحادثة:
وقفت أمام قبر صديقتها وهي تحمل طفلتها الصغيرة بين يديها، عينيها مكسوتين بدموع متحجرة، تحفر بداخل قلبها تلك الكلمات القليلة التي نقشت على ضريحها:
( عاشت تعيسة وماتت قبل أن تتذوق السعادة، ذكراها لن تمحى، وقلبها النقي لن ينسى).
وقفت في صمت تتذكر ما حدث ثم قالت لها: سامحيني ..وأوعدك هانفذ اللي كان نفسك فيه.
علا صوت بوق السيارة يخبرها بأن وقت حريتها قد نفذ، وأنها يجب أن تستعد لحياتها القادمة، حياة العبودية في قصر وجيه المغازي وولده.
انطلقت عائدة تجر أذيال خيبتها مع ذيل ثوب عرسها الطويل الذي فاجئها به زوجها المستقبلي وهو ذاهب لإصطحابها، حمله أمامها وقال بسخرية: لازم نكمل المسرحية للاخر، ولو اني عارف اني مش أول واحد في حياتك بس مش مهم، لازم تبقي عروسة حتى ولو بالكذب.
لن تنسى ما مرت به وهي ترتدي ثوب زفافها للمرة الأولى، شعرت أنها توضع في ثوب كفنها لا عرسها، ولكن ليكن، يجب أن تستمر في دورها حتى النهاية.
استقلت السيارة بجواره، وهي تحمل الفتاة الصغيرة المشاكسة التي ظلت تلهو بتاج رأسها، وانطلقا سويا نحو مكتب الزواج المدني لإبرام العقد، وبمجرد الانتهاء من الإجراءات، بدأت رحلتهما إلى قصر العائلة، التي لا تعلم كيف سيكون ردة فعلهم على ما قام به ولدهم البكري!!.
*****************
إتجهت السيارة إلى حي فلامينو بروما، منطقة سكنيّة فخمة وآمنة للغاية، يقطنها الأثرياء، تتميز بوجود الفنادق الأنيقة بإطلالاتها المميزة على حديقة بورغيزي من فئة 5 نجوم.
توقف السائق في باحة القصر، وهبط الجميع وتأبط آدم ذراع زوجته بتملك شديد، كانت ساقيها بالكاد تحملانها وهي تسير بجواره، والفتاة الصغيرة يحملها السائق خلفهم، انحنى آدم نحو أذن زوجته وقال بخفوت: نسيت أقولك إن موضوع أوضة النوم دي مش هاينفع على الأقل في الأول، بس ماتخافيش كل واحد هاينام لوحده، بس بنتك النهارده هاتنام في أوضة ليها لوحدها، ملحق للجناح بتاعنا، والمربية هاتنام معاها.
تشنج جسدها بين يده وتصلبت في مكانها وقالت: بس ده مش إتفاقنا، أنا قلتلك إن...
لم يترك لها المجال للحديث، جذب ذراعها وسار معها وهو يقول: إتفاقنا إني ما اقربش منك، غير كده براحتى.
دلف معها داخل القصر، وتوجه بها إلى غرفة الطعام حيث الجميع مجتمعين على العشاء، تقدم بمفرده أولاً ووقف على مدخل الغرفة قائلاً: Hello
رد الجميع التحية، كان والده ووالدته يجلسان ومعهما أخته وزوجها، وابن عمه، وصديق والده وابنته.
فأردف قائلاً: حلو أوي الكل موجود، فرصة جميلة عشان أعرفكم بشخص مهم أوى.
وأشار بيده إليها، فاقتربت ووقفت بجواره وأعين الجالسين تحدق بهما ثم قالها مدوية: أعرفكم إيڤا مراتي ...اتجوزنا من نص ساعة.
جحظت العيون، وفغرت الأفواه، وبدأ صوت الهمهمات يرتفع، حتى انتفض أباه من مقعده وقال: انت بتقول إيه يا ولد.
اقترب آدم بخطى ثابتة وقال: زي ما بقولك مراتي، لسه متجوزها حالا، مش ده طلبك.
هتف به أبيه بغضب: إنت ازاي تتجرأ وتعمل كده ..انت ...انت ...أااا ...ثم سقط أرضاً.