رواية أيڤا ( بقايا روح ) الفصل الخامس عشر15 بقلم مروه نصار

رواية أيڤا ( بقايا روح ) الفصل الخامس عشر15 بقلم مروه نصار
مدينة Monte Isola _  ضفاف بحيرة Expo

مقهى المأكولات البحرية الإيطالية  L'isola dei Sapori

وقفت روح أمام البناية القابع بها المقهى، مبني قديم على الطراز الإيطالي مكون من ثلاثة طوابق، 
الطابق الأول به المقهى، 
والطابقان الآخران يقطن بهما المالك، وبعض الموظفين، وبه مخزن أيضا للمواد الغذائية. 

واجهة خضراء كبيرة مدون عليها إسم المقهى والمطعم الذي يشتهر على بحيرة Expo بوصفاته المحلية.
تقدمت بخطى مترنحة إلى الداخل، لا تعلم ماذا ينتظرها، وهل ما تفعله هو الصواب أم لا؟.
ولكن ما البديل؟.

دخلت من الباب الرئيسي فوجدت أمامها مبرد كبير تعرض به الأسماك البحرية الطازجة وبجواره عدة أرفف موضوع بها أنواع عديدة من الصلصات، والزيوت المختلفة، والمربى، كلها من صنع المقهى. 
مرت من أمام كل هذا وتوجهت إلى الداخل وهنا تقدم منها المضيف لاستقبالها واختيار مائدة لها. 
أوقفته بإشارة من يدها وقالت على الفور:
    - أشكرك ولكنني لا أريد مائدة، أنا على موعد مع المالك، فهل ترشدني إليه ؟....  

أؤما الرجل برأسه بكل تهذيب وقال:
    - على الرحب سيدتي ..

وتقدم أمامها إلى آخر القاعة ثم أزاح الستار عن ردهة خلفية يوجد بها المطبخ ومكتب المالك..طرق الباب ثم أبلغ الرجل بوصول السيدة صاحبة الموعد وغادر.
دخلت روح إلى الغرفة، غرفة متوسطة الحجم ذات طراز قديم، الحوائط مكتظة بعدة شهادات خاصة بجودة المكان، والأرفف بها العديد من الصور الواضح أنها للزائرين المميزين مع طاقم المقهى.
يتوسط الغرفة مكتب خشبي كبير يجلس عليه رجل أربعيني تبدو عليه الملامح الأوروبية، البشرة البرونزية يشوبها بعض الحمرة الخفيفة، والعيون الزرقاء، والشعر الأشقر المموج الذي يصل إلى أعلى الكتف. 

تقدمت نحوه في خجل ومدت يدها بتردد وهي تقول: 
   - مساء الخير سيد جيوفاني.

نهض الرجل من مقعده ومد يده قائلا :
    - مساء الخير سيدة مغازي .

فغرت روح فاهها عندما حياها بهذا اللقب ولكنها تماسكت وقررت ألا تخسر كل شيء، فلو هو على علم بهويتها، لن يجديها الغباء شيئا، بل سيزيد الطين بلة. أجابت بهدوء مصطنع :
   - افضل لو تدعوني روح.

أشار الرجل لها بالجلوس وقال :                 - اسمك له وقع غريب، لم أسمع اسم مشابه له من قبل. 

ابتسمت وقالت : 
   - إسمي بالإيطالية يعني Spirito أو soul .
إسم ليس شائع ولكنه يمثلني. 

_ اممممم، إسم جذاب بالفعل، إذن سبيريتو وهكذا سألقبك، سيكون أسهل لي...ثم صمت لوهلة وقال: 
   - لماذا أنتِ هنا؟. 

 ازداد توترها ولكنها قررت المواجهة، دوما كانت الطريقة المثلى لكسب المواقف، فأجابت بنبرة هادئة مغلفة بالقوة:
  - لا أنكر أنني لم أكن أود أن يعلم أحد لقبي، كنت أفضل أن أكون بالنسبة للجميع هنا روح العادلي، امرأة مصرية تتقن الإيطالية وتعمل في المقهى فقط. 

رمقها الرجل بنظرات تحمل الكثير من التساؤلات ثم قال :    - هل تعلمين شيء عن هذا المكان؟، هل حاولتي أن تبحثي عن المقهى ومالكيه في مواقع البحث قبل مجيئك؟.

أجابته بخجل : لا ..
فقال بسخرية :
  - برغم القوة التي تحاولين ادعائها ولكنك ساذجة، تظنين أن العالم كبير، وأن مجرد انتقالك من مدينة لأخرى سيحل كل مشاكلك، ولن يستطيع أحد الوصول إليكِ أو اكتشاف هويتك.

رفعت رأسها بكبرياء وابتسامة بدت شديدة التكلف وقالت: 
   - اغفر لي حماقتي، لقد ظننت أنه عندما ترشحني لويزنا لك، لن تحتاج للاستعلام عني.

_الدرس الأول، لا تفترضي شيء في أحد لا تعرفيه، لو والدي أحضر لي صديقا له سأبحث عنه جيدا، أنا هنا لست أدير مقهى صغير على جانب الطريق، بل نحن مؤسسة عريقة وقديمة، عمل أنشأه جدي ثم تلاه أبي وأنا أكمل المسيرة، إننا مؤسسة كبيرة، لسنا مجرد مطعم يقدم المأكولات، بل إنها صناعة كبيرة، تبدأ من صيد الأسماك وصناعة كل المواد الغذائية التي نقدمها للزبائن أو التي تستخدمها في طهي الوجبات التي نقدمها هنا، لدينا العديد من الموظفين والطهاة والصناع والصائدين، ورغم العدد الكبير فكل شخص فيهم قدم لي كل الأوراق الخاصة به وأماكن عمله السابقة وسيرة ذاتية عن حياته، أنا لا أجلب للمكان هنا شخص قد تدخل المشاكل معه من الباب.

نهضت روح من مكانها وقالت بصوت منفعل :
   - كان يمكنك أن تخبر لويزنا كل هذا عوضا عن أن أسافر كل تلك المسافة لتخبرني برفضك للوظيفة في وجهي، لم تكن بحاجة لهذا.

ألقت بكلماتها في غضب واستدارت تغادر المكان، ولكن صوته استوقفها وهو يقول:
  - أنا لم أخبرك برفضي ولم أسمح لكِ بالرحيل.
الدرس الثاني، تعلمي الصبر وعدم الاندفاع، فالتهور هو سمة الخاسرين. 

التفتت في غضب ثم قالت :
   - هل هناك دورسا أخرى؟، أم انتهيت!!.

_ لا أعلم، على حسب سرعة استيعابك ..أجابها بنبرة ساخرة.

تقدمت روح في غضب ثم وقفت أمامه وزفرت بقوة قائلة :
   - لا أعلم ما الذي استفز  شخصيتك الساخرة وجعلها تظهر على السطح؟، ولا أجد أي منطق في أسلوبك معي وأنتِ ترينني لأول مرة في حياتك، كل الأمر عرض وطلب، موافقة أو رفض، أما التهكم والسخرية، والدروس التي تحاول أن تعلمني إياها كما لو كنت ناظر المدرسة فلا أجد لها أي داعي، بل أجد امامي شخص يحاول التباهي بأنه استطاع أن يعرف معلومات لم تستغرق منه أكثر من بضع دقائق على الانترنت.
 وأجل أدرك أنني كنت متفائلة أكثر من اللازم أنه ربما لن يعرفني أحد هنا، والذي رأيته أنت غباء مني، ولم تكلف نفسك دقيقة لتفكر أنها ربما قلة حيلة، وأنني لم اجد خيارًا آخر .

_ هل انتهيتِ؟ ... تحدث بهدوء شديد. 

رمقته بنظرة غاضبة وقالت :
  - نعم انتهيت، والآن هل لديك شيء آخر تريد أن تضيفه قبل رحيلي؟ 

نهض من جلسته وقال لها :
  - لنسير سويا. 

نظرت له بدهشة ثم تبعته في صمت، حتى خرج إلى الخارج  وعبر الطريق نحو البحيرة وبدأ يسير بجوارها ببطء وأخيراً قال:      - عندما أخبرتني لويزنا عنك تذكرت أنني قرأت اسمك من قبل، وخاصة أنه ليس إسم نعتاد عليه هنا، وعندما قالت أنكِ مصرية زاد الشك أن تكوني أنتِ التي تملأ صورها المجلات، ولكنني انتظرت حتى أتأكد من ظنوني، وها أنتِ نفس الفتاة التي رآها الجميع الشهور الفائتة في كل وسائل الإعلام ...
كيف تتوقعين أن لا أحد سيكتشف هويتك وأنتِ تعملين في مقهى عام ومشهور؟..
كوني متأكدة أن بعد عملك بساعات سيكتظ المكان بالصحفيين والمصورين ....وسيكتشف مكانك كل من تحاولين الهروب منهم ..

كانا يسيران على ضفاف البحيرة وعندما انتهى من حديثه توقف أمامها وأضاف: 
   - حينها ماذا ستفعلين ؟ ...

صمتت آيڤا وشعرت بغبائها المعتاد، كيف لم تفكر في كل هذه الأمور؟، كيف غفلت شهرة زوجها؟، وشهرتها التي اكتسبتها الشهور الماضية؟....ماذا ستفعل الآن ؟ ...
أصابتها الحيرة والغثيان معا، كثرة الضغوط والمشاكل تزيد من توترها وتجعل معدتها ثائرة دائما ..
رفعت وجهها إليه تواجه نظراته الثابتة ثم قالت أخيرا :
   - معك كل الحق، أعلم أنني لم أدرس الأمر جيدا، ربما بسبب كل ما أمر به حاليا...ثم التقطت نفسا عميقا وقالت :
   - أشكرك على تلك النصائح سيد جيوفاني، وأعتذر لإضاعة وقتك، وسأحاول أن أفكر في أمرٍ آخر حتى لو غادرت البلاد.

ابتسم الرجل وقال : 
   - في باديء الأمر اسمي فاليريو، ولا أنصحك بتلك الفكرة، إذا حاولتي مغادرة البلاد بالتأكيد ستفشلين، عائلة المغازي لها أعين في كل مكان وبمجرد وصولك إلى المطار سيتم اكتشافك واحتجازك هناك ...

استمعت له وهي تشعر أنها في كابوس حقيقي، كيف تفعل هذا؟، لقد هربت من  مصر لتلقي بنفسها في كارثة أكبر، أي حياة تنتظرها الآن، لقد أصبحت مطاردة، وحيدة، خائفة ...شعور بالتيه والعجز بات يحاصرها، والأسوأ منهما الألم الذي لازال يعتصر قلبها.
وقفت في حيرة، عينيها شارده، لا تدري كيف ستخرج من هذا المأزق؟...

إلى أن جاءها صوته وهو يقول: لا يمكنك العمل في المقهى، ولكن لا زال بإمكانك العمل عندي ..

رفعت حاجبها بدهشة وقالت :
   - كيف؟ .

صمت لحظات ثم أضاف : 
   - في بيتي   ...

قطبت جبينها وقالت :
  - وما الوظيفة التي تتطلب مني التواجد في بيتك؟ ... 

_ تعتني بوالدتي ...لقد توفى والدي منذ عام تقريبا، وطوال هذا الوقت وهي حزينة، لا تغادر المنزل، تدهورت حالتها الصحية كثيرا، حاولت كثيرا إلهائها ولكن عملي لا يتيح لي الوقت الكافي ..وإلى الآن لم أجد مرافق مناسب لها يهتم بها ...دوما كانت ترفض أي ممرضة تحضر من أجلها أو حتى مرافقة لكبار السن ...لم تدم أي امرأة في البيت أكثر من شهر تقريبا وكانت ترحل بسبب رفض والدتي لها ...

تجهم وجهها وتسائلت :
   - وما الذي يجعلك تعتقد أنني سأنجح فيما فشل به الآخرون؟

ابتسم بسخرية وقال :
  - انا لا أعتقد، بل أنا على يقين أنك ستفشلين، ولكن لن تضير التجربة، أنتي بحاجة لبيت، وأنا بحاجة لشخص يرعى أمي، لذا هي صفقة تبادلية، كلا منا له مصلحة بها ...
أنت ستتوارين عن الأنظار وأنا سأستطيع أن أعمل بلا مشاكل ...

عقدت حاجبيها وهي تفكر في صمت ثم هاجمها هاجس قوي فقالت : 
   - وماذا عن زوجتك ؟

لمح في عينيها مغزى السؤال فأجاب:
  - أنا لست متزوجًا، أنا أعزب...
صمت وهو يتفحص وجهها المضطرب فأضاف رأفة بها :
  - لا داعي للذعر، أنا أغلب الوقت أبيت في الشقة التي تعلو المقهي، أما والدتي فهي في بيت آخر علي ضفاف البحيرة ولكن على أطراف المدينة، مكان منعزل نوعا ما، سيناسبك تماما. 

شعرت بالخجل الشديد، هذا الرجل لم تراه من قبل وها هو يقدم لها يد العون، بالرغم من المشاكل التي قد يقع بها لو علم أحد ... زفرت الهواء من صدرها ببطء وقالت : 
   - أعتذر لك على كل هذا الاضطراب، وأرجو أن تتيقن أنني لن أنسى لك هذا الصنيع ... 
أعلم أنه يجب علي أن أخبرك بالسبب الحقيقي لهروبي حتى لا يعتريك القلق من تلك الغريبة الهاربة التي تقطن في بيتك ولكن ...

رفع فاليريو يده امام وجهها وقال :
   - لست بحاجة لشيء، هذا شأنك أنتِ، ولا أريد معرفة ما سبب هروبك؟، كل ما أحتاج إليه هو أن تهتمي بأمي جيدًا، غير هذا لا أبالي.

نظرت له روح بامتنان وهي تدرك أنه قد يكون مدعي اللامبالاة والقسوة، ولكن الحقيقة أنه أراد أن يحفظ لها ماء الوجه ...مدت يدها إليه وقالت:
   - يشرفني أن أعتني بوالدتك وأرجو أن أنجح فيما فشل فيه من سبقوني. 

صافحها فاليريو وقال: 
   - سنرى...والآن هيا إلى العمل ...سأصطحبك إليها على الفور. 

*********************

ارتدى صخر وجه الشاب الرومانسي ذو المشاعر المرهفة قبل أن يطرق باب منزل مالكة العقار، رسم ملامح وجهه بعناية كما اعتاد دوما، إنها العلامة الفارقة به عن آدم يستطيع أن يتلون مع كل امرأة على حسب طبيعتها، ولكن ابن عمه دوما يلعب دور الرجل صعب المنال ...

وقف أمام الباب يصلح هندامه، وينثر عطره الخاص على ملابسه ثم رفع يده وطرق الباب ثلاث طرقات متتالية ....

دقائق وجاء صوت امرأة من الداخل...وبعد دقائق قليلة أخرى كان يجلس معها في شرفة المنزل.. حيث كانت تجلس تحتسي قهوتها المعتادة ..

جلس قبالتها يتفحصها جيدًا، لم ينتبه لها المرة الماضية، ولكنه يحمد الله أنها امرأة في الثلاثينات وليست عجوز شمطاء وإلا سيصبح الأمر بالغ الصعوبة ..

مرر عيناه على وجهها ..امرأة إيطالية جميلة، يبدو من عينيها أنها ليست من النساء التي تدعي البراءة بل هي سيدة عملية، واضحة، ملابسها الأنيقة والمتحفظة نوعا ما، رغم الأزرار العلوية التي لم تغلقها لتعلن عن أنها أنثى تميل إلى المغازلة، حذائها ذو الكعب المرتفع الذي ترتديه بالمنزل وهذا يدل على أنها تهوى السير أمام الرجال لتظهر سيطرتها وأنوثتها، لون أحمر الشفاه الذي يصبغ شفتيها، لا يعبر عن امرأة حالمة أو بلا تجارب، بل إنها من النوع الذي يعرف ما يريد؟  
ذكية، قوية، ولكن ليست صعبة المنال . ...لديه مفتاح قلعتها ...

ابتسم لها صخر بعذوبة وبادرها قائلا: 
   - يجب في البداية أن أطلب منك الغفران على ما اقترفته.

قطبت حاجبها في دهشة وقالت:    - لا أتذكر أن حدث منك ما يتطلب المسامحة أو الغفران.

_ بل على العكس، لقد اقترفت ذنبا كبيرًا المرة الماضية، عندما رأيتك ولم أثني على جمالك الأخاذ. 

ابتسمت في خجل على كلماته، وأخفضت بصرها، ف أدرك هنا أنه أصاب الوتر الذي سيبدأ باللعب عليه ...
فاضاف : 
   - عادة عيناي لا تمرر مثل هذا الجمال ولكن نظرا للحالة الذي مررنا بها قد يمكنك مسامحتي.

رفعت عينيها ونظرت إليه بثقة وقالت:
   - لا داعي للمسامحة، العذر مقبول، والآن لم تخبرني إلى الآن بسبب الزيارة.

همهم صخر وقال:
  - لا أعلم، ربما لأنني أشعر أن هناك ما تخفيه، أو ربما لأني لا أستطيع رؤية أخي حزين هكذا وأنا أقف مكتوف الأيدي...بالفعل لا أعلم ولكن .. .ثم نهض من مكانه وتقدم نحوها ومال بجذعه تجاهها وهمس بأذنها :
  - ولكن أشعر أن حل اللغز سيكون لديكِ، امرأة مثلك بالتأكيد لا تخفي فقط جمالها تحت هذة الملابس المتحفظة بل تخفي أيضا قلب يستطيع أن يفرق بين الحقيقة والزيف، والحب والأشياء الأخرى.

شعرت بارتباك عندما اقترب منها، وخاصة بعدما استنشقت عطره المثير، لا تنكر أنه يثيرها منذ الوهلة الأولى التي رأته فيها، رجل شديد الوسامة والجاذبية، وفاحش الثراء.
أطلقت تنهيدة طويلة ولمست جبينها بأصابع يدها ثم قالت وهي تنهض من مكانها وتبتعد عنه بضعة خطوات :
  - أنا أخبرتك أنت وقريبك من قبل أنها رحلت من هنا ولا أعلم عنها شيء منذ تلك اللحظة. 

تقدم نحوها ببطء شديد حتى أصبح خلفها مباشرة ثم مال بوجهه ناحية أذنها اليسري وحينها همس بصوت ناعم : امممم، Prada Tendr، عطر يناسب امرأة مثيرة مثلك.
مرر يده ببطء على كتفها وهو يدور حولها حتى أصبح أمامها ولكنه لم يزح يده، بل تجرأ ولامس بشرة عنقها بنعومة وهو يضيف: 
  - بل أخطأت إنه عطر لا يوفيكي حقك. 

أغمضت عينيها تستمتع بهذا الخدر اللذيذ لمشاعرها التي كانت في شوق لهذه الكلمات، لقد مر وقت طويل على آخر علاقة قامت بها مع رجل حقيقي، أجل هي امرأة لا تهوى التقيد أو الارتباط بشخص واحد مدى الحياة، دوما كانت تراودها مشاعر الملل، لذا غالبا كانت علاقاتها تنتهي سريعا، فقط شهور قليلة تشعر فيها أنها أنثى ثم تعود مرة أخرى إلى حياتها المستقلة، ولكن لم يتمكن أيا منهم أن يثير تلك المشاعر بداخلها من قبل، فقط هو من استطاع أن يجعل الزمام ينزلق من يدها، كلماته تسيطر عليها، ووسامته تجذبها نحوه بقوة، كالمغناطيس، تريد أن تتخلى عن تمنعها وتتدلل عليه ربما تتمكن منه، ولكنها تخشى أن يراها رخيصة، فرغم كل شيء هي تهتم دائما بصورتها أمام الجميع، لا تريد أن تكون مجرد رقم عند الرجال ..

في خضم مشاعرها الجارفة، وصراعاتها الداخلية، كان صخر قد أدرك أنه قد أحكم الوثاق عليها جيدا، وإذا انتظر أكثر ربما تتراجع، لذا اقترب منها وهمس أمام شفاهها قائلا:
  - أعتذر ولكنني لا أستطيع مقاومة تلك الشفاه .......

بعد ساعة وقف يرتدي ملابسه وهي تشاهده بخجل، هل بالفعل كان بجوارها منذ قليل؟، أم أنها تتوهم؟....إنها المرة الأولى التي تستسلم لرجل في لقائهم الأول ولكنه ليس شخصا عاديا، ما قام به معها لم تختبره من قبل، لمساته وكلماته التي أغرقها بها، عناقه، وقبلاته، كل ما فيه مثير، جذاب ، ومهلك لقلبها العنيد. 

انتهى من ارتداء ثيابه ثم اقترب منها وجلس على حافة الفراش، وطبع قبلة على وجنتها قائلا :
   - لقد تخطيتِ كل توقعاتي، إنكِ امرأة مثيرة بالفعل عزيزتي، وشهية جدا، حتى أنني لم اكتفي منك، ولكن يجب أن أرحل، لا أستطيع ترك آدم يبحث عن حبيبته وحيدا، إنه محطم بالفعل وأخشى أن يفعل شيئا أحمق ...سأفتقدك كثيرا.

نهض صخر وتحرك نحو باب الغرفة ولكنها أوقفته قائلة :
  - صخر ...قد أملك بعض المعلومات التي قد تفيدك. 

التفت صخر إليها ورسم على وجهه الدهشة قائلا : حقا !!
أجابت بابتسامة : نعم ..ولكن ..
هتف صخر قائلا : ولكن ماذا حلوتي؟!
فأجابت بغنج : 
 - ولكن ماهي مكافأتي؟ 
ابتسم لها صخر واقترب نحوها قائلا : سترين.

***************************

ترجلت روح من السيارة بعد أن اجتاز فاليريو بوابة خشبية كبيرة، وتوقف في فناء البيت، لمحت المنزل من الخارج، كبير نوعا ما، مكون من طابقين، بالحجر الأحمر، به عدة نوافذ كبيرة، وشرفة بالأعلى 
وفي الخارج باحة متوسطة، حجرية، يوجد في منتصفها نافورة صغيرة، بها أسماك صغيرة ملونة، وعلى الأطراف بعض النباتات والأزهار المهملة، وعدة أشجار للفاكهة، ولكن يبدو أنه لا يوجد من يعتني بها.

تقدم فاليريو إلى الداخل وهي تتبعه حتى أصبحت في منتصف الردهة.
قاعة كبيرة بها أثاث قديم، ولكنه جميل، يحمل الطابع الإيطالي القديم، المكان مظلم قليلا، ولكنه مريح.

صعدت الدرجات إلى الطابق الثاني حيث غرفة  المرأة العجوز، ولكنه دخل غرفة أخرى ووقف في منتصفها وقال :
  - هذة هي غرفتك، أتمنى أن تجديها مريحة، كما أنها قريبة من غرفة والدتي حتى تتمكني من سماع صوتها.

خطت روح إلى الداخل وتأملت المكان، ليست بالطبع كغرفتها في بيت زوجها ولكنها بالفعل جميلة وبسيطة، ابتسمت له وقالت:
  - إنها جميلة، شكرا لك. 

تحرك نحو الباب قائلا  : 
  - سأتركك قليلا إذا أردتي تغيير ملابسك، الغرفة أيضا بها حمام خاص، معك نصف ساعة، سأكون بانتظارك في الخارج.

وقفت في منتصف الغرفة تنقل عينيها في المكان، إحساس بالغربة والضعف تملكها، لقد ضاعت تماما في هذا العالم، لم تكن تتخيل أنها ستمر بكل هذا بعد موت والديها، الحياة أصبحت موحشة قاسية، تسدد لها الصفعات واحدة تلو الأخرى، حتى أنها باتت فاقدة لكل شيء حتى توازنها ...
عبرت الغرفة للحمام الداخلي، وألقت بالمياه الباردة على وجهها ورقبتها، ثم جففتهما جيدا، وعادت ثانية تبحث عن ثوب مناسب للقاء المرأة العجوز .

أخرجت فستان أزرق فاتح بحزام جلدي عريض باللون الأبيض ...وارتدت حذاءًا أسود، ثم صففت شعرها لأعلى ووضعت ملمع لشفاهها ...ثم وقفت تنظر لنفسها في المرأة وأخيراً قالت: 
  - يارب، أنا بجد تعبت، ومش طالبة كتير، محتاجة أرتاح، شوية راحة بس، نفسي أعيش مطمنة، مابقتش قادرة افضل عايشة حياتي كلها هربانة،  يارب ساعدني.

خرجت روح من غرفتها في الموعد وبالفعل وجدته ينتظرها أمام باب الغرفة المجاورة، ألقى نظرة خاطفة عليها وابتسم قائلا : 
  - هل أنتِ مستعدة؟

_ نعم ...أجابته بهدوء. 

طرق الباب ودخل إلى الغرفة وهي خلفه، غرفة كبيرة بها فراش كبير يتوسطها، وخزانة من الخشب وبعض الأثاث ومقعدان كبيران بجوار النافذة، يبدو أنهما كانا لها هي وزوجها.
ولكنها الآن تجلس على أحدهما بمفردها، 
امرأة كبيرة في السن نال الشيب من رأسها ف كسا اللون الأبيض شعرها القصير، ملامحها الحزينة، وتجاعيدها المتعددة تروي الآلاف القصص عن حياتها التي عاشتها. 

تقدم فاليريو إلى والدته وقبلها في رأسها وقال : 
  - حبيبتي لقد أحضرت لكِ اليوم مفاجأة اتمنى أن تحظى على إعجابك.

التفتت المرأة نحوه ووقع بصرها على روح التي تقف خلف ابنها، أشاحت بصرها مرة أخرى إلى النافذة وقالت : لا أريد أحد، أريد أن أبقى وحدي.

_ حبيبتي لقد تناقشنا من قبل في هذا الأمر، وطلبك هذا مستحيل، وخاصة مع انشغالي الدائم في المقهي ...أجابها ولدها 

_ أعلم أنك لا ترغب بي، وأنني أصبحت حملًا ثقيلًا لا تريد حمله، لذلك تريد أن تتخلص من هذا العبء ...ولكنني لا أريد أحدًا..اتركني هنا أموت وحدي ..لا تهتم ..

_ أمي لا داعي لهذا الحديث، أنتي تعلمين أنني لا أستطيع العيش بدونك، فلا تلقي علي بهذه الاتهامات ...أجابها بتحفز شديد. 

هنا اقتربت روح بهدوء وقالت :
  - أعتذر لتدخلي ولكن هناك خطأ ما، لقد أخبرك السيد جيوفاني الأمر بالطريقة الخاطئة، أنا لست مرافقة لكِ أو أعمل في المنزل، أنا مجرد صديقة مقربة لأصدقاء السيد فاليريو، وللأسف الشديد أمر بضائقة مرهقة تجعلني أحتاج إلى الابتعاد عن حياتي التي اعتدتها قليلا، لذا طلبت صديقتي المساعدة من فاليريو، وهو بسبب خلقه الطيب وقلبه الكبير قبل أن أكون ضيفة في منزلكم الجميل، هذا إذا قبلتِ بالطبع استضافتي بعض الوقت. 

تأملتها المرأة جيدًا ثم قالت : أهلا بكِ في بيتي، بالطبع تستطيعين المكوث هنا حتى تتمكنين من العودة ثانية، ولا تكترثي بي أنا لا أتحرك كثيرًا من غرفتي. 

اقتربت روح أكثر وهبطت على قدميها بجوارها وقالت :
  - أنا أيضا أصبحت مؤخرًا لا أرغب في شيء سوى الهدوء والعزلة، ربما نجلس سويا معا قد أجد معكِ الراحة أو حتى المشورة الجيدة إذا لم تمانعي ذلك، فأنا بحاجة ماسة لكِ في حياتي الآن.

ابتسمت المرأة بلطف وقالت : إنها المرة الأولى منذ وفاة زوجي يشعرني بها أحد أن وجودي له اهمية، وأن هناك من يحتاج إلي وليس العكس ... أهلا بكِ بنيتي أتمنى أن تجدي السكينة هنا معي.

_شكرا لكِ كثيرا على تقبلك لوجودي في بيتك...إبتسمت روح بامتنان وهي تتحدث معها.

أما فاليريو فأدرك أن اختياره كان في محله. 

***********************

_ آدم ... إيڤا برا المدينة ...هتف بها صخر بعد أن اقتحم المكتب عليه.

قفز آدم من مكانه وقال : ازاي؟ عرفت منين ؟ ..

جلس صخر يلتقط أنفاسه ثم تحدث قائلا : 
  - من صاحبة البيت...هي اللي قالتلي بس ماتعرفش أي مدينة. 

_ كذابة أكيد عارفة وبتخبي...صرخ آدم عاليا.

أجابه صخر بهدوء:
  - لا ...اقعد واهدى، خليني أحكي...
جلس وهو يكاد لا يحتمل مقعده يستمع إلى ابن عمه الذي قال :
  - زي ما قلتلك رحت لها، وكالعادة عرفت سكتها وفي نص ساعة كانت معايا، محاولتش اسألها وعملت نفسي إني معاها وبس، وأنا ماشي قالت على كل حاجة، روح كانت موجودة في الشقة لحد النهارده الصبح، بس طلبت منها أنها ماتقولش حاجة، وبلغتها إنها رايحة مدينة تانية تشتغل فيها، وطلبت منها تبيع الفرش كله اللي في الشقة وتبعت ثمنه على حسابها، وانها لما تستقر هاتتصل بيها ...يعني من الاخر مافيش قدامنا غير حاجتين، أفضل معاها الفترة دي لحد ما روح تكلمها، وانت تراقب الحساب وأكيد هاتستخدمه، وقتها نقدر على الأقل نحدد مكانها.

استمع آدم إلى الحديث بأكمله ثم طرق يديه بقوة على سطح المكتب قائلا :
  - أنا هافضل مستني، ده ممكن الموضوع يطول ويقعد شهور ..

_ مافيش عندنا حل تاني مع المخبرين اللي بيدوروا عليها، من الآخر يا آدم ركز وفوق عشان شغلك والأهم بنتك، وخليك متأكد أن اكيد هنوصل لها ...كله بأوانه.

ما الذي ينتظر روح وآدم ؟، وهل لظهور شخصية فاليريو تحول في الرواية ؟

تعليقات



<>