رواية الماسة المكسورة الجزء الثاني2(عناق الدم) الفصل التاسع والعشرون29 بقلم ليله عادل

رواية الماسة المكسورة الجزء الثاني2(عناق الدم) الفصل التاسع والعشرون29 بقلم ليله عادل

             [بعنوان: حروب لا تُرى] 

القلج،2ظهرا.

دخل رشدي بملامح متجهمة: إيه بقى الصداع اللي أنتِ عاملاه ده؟ بتتصلي على تليفوني؟ أنتِ اتجننتي؟

رحمة بتهكم: اهدى شوية على نفسك وابلع ريقك لتشرق، مالك داخل علينا بزعابيبك كدة ليه؟

قطب جبينه بضجر: اتكلمي عدل يا رحمة.

رحمه باستهجان: عايزيني اتكلم أزاى، وأنت داخل تزعق كده؟ بقولك جنة تعبانة ولازم تعمل عملية، وعماله تعيط وكل اللي على لسانها عايزه رشدي.

أشار بيده بضيق: تقومي متصلة بيا على رقمي.

هزت كتفيها بلا مبالاة: والله لو كنت بترد على الأرقام التانية، مكنتش اضطريت أتصل بيك.

جز على اسنانه قائلا: ماشي يا رحمة، ليكي روقه.

قال كلماته وتحرك نحو غرفة جنة.

دخل الغرفة بابتسامة مشرقة، فوجدها جالسة على الفراش ووجهها متجهم من البكاء.

جلس بجوارها قائلا: إيه يا جنة كل العياط ده؟ أمال فين بقى إحنا جامدين، وعاملين زي الأشباح ومبنخافش؟

ضمت شفتيها بطفولية ونظرت إليه بعتاب: أنا زعلانة منك؛ علشان مش بترد عليا.

ربت على رأسها بلطف: معلش كنت مشغول، وبعدين لازم تعملي العملية، إحنا مش جامدين وأقوياء؟

إسعاد تحمسها: كمان هناكل ايس كريم كتير اوي.

اضاف رشدى بحماس أكبر: اه وكمان هوديكي الملاهي والمطعم إللي بيلف، بس لازم تخفي الأول، وعلشان تخفي لازم تعملي العملية.

اخرجت شفتيها بحزن: طب أنا عايزة بابا وماما يبقوا معايا، كل العيال كان معاهم مامهتهم إلا أنا.

أجابها بمهاوده: بابا وماما قربوا يجوا خلاص..

وقبل أن ترد، دوى طرق شديد على الباب.

رفع رأسه باستغراب وهو يعقد حاجبيه!

وفي الخارج؛ كانت رحمة قد فتحت الباب بالفعل واتسعت عيناها بدهشه من وجود مي أمامها، فهي تعرفها جيدا، ورأت صور زفافهم على الفيسبوك.

لكن مي لم تنتظر، دفعت الباب ودخلت بغضب: هو فين؟

خرج رشدي ليري مايحدث، وحينما رأها اتسعت عيناه بصدمة !

اقتربت منه وهي تصيح بغضب: هو ده بقى الشغل المهم اللى عايز امضتك؟ ودي رحمة مديرة أعمال سليم يا كداب.

ظل واقفا مذهولا، لم تكن صدمته وخوفه لأنها كشفته فحسب، بل لأنها جاءت إلى هذا المكان تحديدا، فإذا علم أحد بهذا الأمر ستكون كارثة.

اقترب منها وأمسك ذراعها بعصبية: أنتِ جيتي هنا أزاي؟! انطقي!

سحبت يدها بعنف: ده اللي فارق معاك يا كداب، يا خاين.

ثم أكملت بمرارة: ديل الكلب عمره مايتعدل، أنا اللي غلطانة إني وثقت في واحد زيك.

وقفت رحمة في الخلف تضم ذراعيها إلى صدرها، وتراقب المشهد بابتسامة شامتة.

وفجأة...

خرجت جنة من الغرفة تتحرك ببطء، وحينما رأت مي قالت ببراءة ممزوجه بالسعادة: ماما !! أنتِ جيتي من السفر.

جمدت مي في مكانها وهي تنظر نحوها باستغراب، بينما ركضت جنة نحوها واحتضنت ساقها وهي تقول ببراءة وفرحه من بين دموعها: وحشتيني اوي، انتِ جيتي علشان تتطمنى عليا؟!

نظرت مي إليه بعدم فهم: أنا مش فاهمة حاجة...

ثم رفعت حاجبيها باتهام لاذع: مين دي كمان؟! إيه بنتك؟!

لم يعرف ماذا يقول، فالأمر كان صعبا عليه؛ جنه من ناحية، ومي من ناحية أخرى، لكن الأهم الآن أن يصحح لجنة سوء التفاهم أولا.

فاستنشق نفسا عميقا، وجلس أمامها على ركبتيه قائلا: جنة دي مش مامي، دي مي مراتي...

أضاف مصححا: مامي لسه مجتش من السفر.

رفعت جنة رأسها إلى مي، ثم عادت بعينيها إليه بحزن، وعينين تلمع بالدموع: فتكرتها ماما، أنت لسه قايلي إنها جايه.

مسح على خدها بحنان يزيل دمعاتها: أنا قولتلك هتيجي قريب، بس ده مش معناه إنها تيجي حالا.

عبث وجهها بحزن طفولي، فجذبها إلي احضانه، ثم وضع قبلة على رأسها: معلش يا حبيبتي روحي على أوضتك مع رحمة، وأنا هجيبلك انا ومي نقعد معاكي.

اومأت برأسها، وتحركت مع رحمة بحزن.

وقف يراقبها حتى دخلت، ثم نظر إلي مي متسائلا بحدة منخفضة: كلمة واحدة، أزاي جيتي هنا؟! الموضوع ده مش لعبة.

رفعت حاجبها بتحدي: لا أنت اللي تفهمني، مين دول؟ ومين البنت الصغيرة دي؟!

تابعت بحدة: بنتك ولا إيه؟

ثم سألت بسخرية: ومين مامتها اللي جاية من السفر دي كمان، مراتك ولا عشيقتك؟

ثم أضافت وهي تضحك بتهكم: وإيه جو المفتش كرومبو اللي كنت عامله ده؟ فندق، وتغير هدومك، وتاكسي، وعربية...

ثم نظرت إليه، وقالت بأمر منفعل: فهمنى ايه الحكاية.

رشدي باستهجان: ده أنتِ متابعاني من بدري بقى.

ردت بسخرية: من أول ماخرجت من القصر، أصلي سمعت المكالمة اللي كانت بينك وبين رحمة، مديرة أعمال سليم.

ثم مالت نحوه وتابعت: مع إن اسمها نور، يا كداب؟ 

وأشارت بإصبعها: ومتحاولش تكدب انا اتصلت بمكتب سليم واتأكدت.

ساد صمت ثقيل بينهما، أدرك رشدي أنه في مأذق حقيقي هذه المرة؛ فمي تعرف أكثر مما ينبغي، بحث في عقله سريعا عن إجابه، أو بالأحري كذبة أخري تنقذه من هذا المأذق.

رمش بعينيه وتمتم: يا ستي رحمة والحاجة إسعاد دول ناس أنا بساعدهم...

صمت لحظة ونظر بعيدا قبل أن يكمل بحزن مصطنع: من كام سنة طلع عليا عصابه وضربوا عليا نار، والسواق بتاعي مات وهو بيدافع عني...

ثم أشار نحو الغرفة بنبرة متأثرة: جنة دي بنته، كانت لسه يدوب عندها شهور لما مات، اقصد اتقتل..

اخفض رأسه بأسي مصطنع: واللي خلاني أحس بالمسؤولية أكتر ناحيتها، إني عرفت إن مامتا ماتت وهي بتولدها، وإنها ملهاش حد غير جدتها بس.

اتسعت عينا مي بتأثر: يا حبيبتي.

أكمل مفسرا: ورحمة جارتهم، بتساعد جدتها في تربيه جنة، يعني تعمل اكل تنظف، وأنا بديها فلوس كل أول شهر، خدامه يعني بس أنا مش بحب احسسها بكدة.

في الداخل كانت رحمة واقفه خلف الباب تسترق السمع، فتمتمت بغيظ: خدامة! يا ابن الل... يخرب بيت التمثيل.

نظرت إليها إسعاد الجالسه على الفراش: في إيه يا رحمه؟ واقفه كده ليه؟ ومين اللي جه برا؟

أجابتها: مرات رشدي، معرفش إيه اللي جابها.

اتسعت عينا اسعاد، ثم قالت معاتبه: طب تعالي هنا، عيب تتصنتي عليهم.

زفرت رحمه: عيب ايه، والنبي استني يا خالتي، ده ابن الكدابه عامل عليها فيلم هندي برا. 

في الخارج 

ابتلع ريقه، وتابع بتأثر مصتنع: البنت فاكرة إن باباها ومامتها مسافرين، مش عارف أقولها إنهم ماتوا، هي فاكراني صاحب باباها، ورحمة كانت بتكلمني علشان البنت محتاجة تعمل عملية اللوز، علشان كده جيت.

نظرت إليه متأثرة، ثم عاتبته: طب كدبت لية وقولتلي إن رحمه مديره اعمال سليم؟ ليه كل السرية دي؟ لو كنت قولتلي أنا عمري ما كنت همنعك.

أخفض رأسه قائلا: أول مرة جيت هنا وساعدتهم العيلة كلها فضلوا يتريقوا عليا، وإن رشدي بتاع البنات الفاشل يعمل خير؟ كعادتهم يعني..

تنهد بالم وهو يضيف: علشان كده بقيت بعمل كل حاجة من وراهم، أروح الفندق وأغير هدومي وأجي هنا.

نظر داخل عينيها واسترسل: ومرضيتش أقولك؛ علشان عارف إن الخير لما بيتقال ثوابه بيقل.

تبسمت ومسحت دمعه كادت أن تسقط من عينيها، وقالت بلوم خافت: برضو يا رشدي، أنا مراتك، كان لازم تقولي، ولو كل الناس اتريقوا عليك، أنا مستحيل أعمل كده، شوفت أنت حطيتني في موقف عامل أزاي؟

رد موضحا: ما أنا فهمتك القصة بقي.

هزت رأسها بابتسامة بريئه: وعلي فكرة مش معنى إنك حكيتلي يبقى كده هتضيع الثواب يا حبيبي، بالعكس أنت كده هتخليني أنا كمان آخد ثواب زيك.

امسك يدها، ونظر في عينها بجدية: أنا كل اللي بطلبه منك إنك توعديني إن الموضوع ده ميخرجش بره، ومحدش في القصر يعرف بيه، مهما كان مين...

وهمس بنبرة أخفض: حتى بينك وبين نفسك مينفعش تتكلمي.

أومأت برأسها مؤكده: متقلقش، هو أنا عبيطة؟ والله ما هقول لحد.

أطلق زفرة ارتياح أخيرا، إذ كان يخشي انكشاف ذلك السر أكثر من خشيته أن تكتشف خيانته لها.

ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، وربت على يدها بارتياح: طب تعالي بقى ندخل لجنة.

جذبت يده نحوها، واوقفته قائلة بتردد: أنا مش عايزاك تزعل مني علشان شكيت فيك، بس امبارح كنت بكلم لوجين عادي، ووسط الكلام عرفت إن الاسيست بتاع سليم اسمها نور.

خفضت نظرها وتابعت: حاولت مركزش وألتمسلك حسن النية، بس النهارده لما سمعت المكالمة اتجننت ومحستش بنفسي غير وأنا راكبه العربية وماشية وراك.

نظر لها بلوم تمثيلي: كده يا مي تشكي في رشروش حبيبك؟! اخص عليكي، وكمان تعملي كل اللي عملتيه ده..

ثم رفع حاجبه وتساءل: وبعدين أصلا أنت مشيتي ورايا كل دى أزاى من غير ما أخد بالي؟

ابتسمت بشقاوة موضحه: كنت ماشيه بعيد اوي، يدوب مخلياك على آخر مرمي نظري علشان متوهش مني، هو أنا عبيطه يعني علشان امشي لازقه فيك بالعربية اللى لسه جايبهالي الصبح؟! كنت هتقفش وش.

رمقها بنظرة ساخرة: ماشاء الله، ده إيه النباهه دى كلها، اسمي الله عليكي بتلقطي اسرع من البلوتوث.

هز رأسه بحسره وتابع: لحقتي لقطتي كل دى امتي، دي أنت مكملتيش يومين حتي ومتعاملتيش مع حد فيهم، أومال لما تتعاملي معاهم بقي هتعملي فيا ايه؟!

رمشت عدة مرات باستغراب: مش فاهمة لقطت ايه، واتعامل مع مين؟!

هز رأسه: ولا حاجة، متشغليش بالك.

ثم تابع بجدية: بس بعد كده قوليلي كل حاجة، وأنا أوعدك مش هخبي عنك أي حاجة تاني، علشان منتحطش في الموقف ده مرة تانية.

ابتسمت وهزت رأسها: اتفقنا.

تحركا معا نحو الداخل، كانت رحمة تقف عند الباب، ذراعاها معقودان أمام صدرها، تنظر لهما بابتسامة جانبية يفهمها جيدا لكنه تجاهلها تماما، وتقدم نحو الفراش معرفا: مي مراتي.

إسعاد بترحيب: أهلا وسهلا يا بنتي، تشربي ايه؟

هزت رأسها برفض: تسلمي مش عايزه حاجه.

إسعاد باصرار: لا والله لازم تشربي حاجه، دي أول مره تيجي عندنا.

ثم نظرت إلي رحمه: هاتيلهم حاجه ساقعه يا رحمه. 

اومأت رحمه، وخرجت تجلب المشروبات، بينما اقتربت مي من جنه بابتسامه لطيفه: عاملة إيه يا جنة، تعرفي إنك جميلة اوي، وعينيكي حلوين خالص، لونهم إيه؟

رفعت جنه عيناها، وقالت بثقة: لون السما.

ضحكت مي برقة، وأمسكت يدها الصغيرة تقبلها: فعلا زي السما بالظبط، ما شاء الله عليكي.

نظرت جنة إليها وقالت ببساطة طفولية: على فكرة، أنتِ حلوة اوي.

مي بابتسامه لطيفه: أنتِ أحلى.

جنة بثقة طفولية: آه أنا عارفة إني أحلى.

جلس رشدي على طرف الفراش، وهز رأسه مبتسما: لا متخشيش معاها في حوار دي لمضة، حتى وهي عيانة لسانها طويل.

ثم مال قليلا نحوها، وربت على يدها بلطف: جنه إحنا اتفقنا إننا هنعمل العملية علشان نخف ونرجع نلعب، صح؟

عضت شفتيها بتردد: بس أنا شوفتهم كانوا بيعيطوا كتير وبعد شوية مشيوا ومرجعوش.

وضع قبلة على رأسها، وقال مطمئنا: لا ما أنا هوديكي مكان تانى حلو مفيهوش حد بيعيط.

ثم قال بتشجيع: وبعدين أحنا اتفقنا نكون أقوياء وجامدين، صح؟

تمتمت بخوف: بس أنا خايفة.

نظر لها متأثرا: متخافيش، أنا هكون معاكي، مفيش حاجه هتوجعك والله، ولو وجعتك هضربلك الدكتور، اتفقنا؟

ضحكت جنه بخفة: اتفقنا، هنضربه أنا وأنت.

تساءلت مي باستغراب: هما مين اللي كانوا بيعيطوا يا رشدي؟ أنا مش فاهمة حاجة.

أجابتها رحمه، وهي تضع المشروبات امامهم: العيال اللي كانوا معاها في القسم، بعد ما عملوا العملية فاقوا من البنج يعيطوا، فهي خافت منهم.

عقدت حاجبيها بتعجب: هو أصلا أزاي يكونوا مع بعض في نفس المكان؟ مش المفروض كل طفل ليه أوضة؟

تنحنح رشدي موضحا: ما هم كانوا مودينها مستوصف.

التفتت إليه باستغراب: يعني إيه مستوصف؟

أجابها بفهلوه: حاجة رخيصه زى مستشفيات الحكومة، بس إن شاء الله بكرة هنوديها مستشفى كويسة.

ثم ابتسم وهو يربت على كف جنة: وبعدها نجيبلك آيس كريم مانجا.

مي بابتسامه: آه، وأنا ورشدي كمان هنكون معاكي طول اليوم.

نظرت جنة بينهما بقلق: يعني بابا وماما مش هيجوا؟

مسح رشدي على شعرها: ما إحنا لازم نعمل العملية ونخف قبل ما بابا وماما يرجعوا من السفر، علشان لما يجوا نقدر نخرج معاهم ونلعب، مش هنفضل قاعدين كده، صح؟

فكرت جنة قليلا، ثم قالت ببطء: ماشي، بس إنتوا تبقوا معايا، ومتسيبونيش؛ علشان مزعلش منكم إنتوا كمان.

ابتسم رشدي وربت على يدها الصغيرة مطمئنا: لا أوعدك إحنا هنكون موجودين.

إسعاد لمي بابتسامه دافئة: أنتِ نورتينا يا بنتي والله.

وامسكت الكوب تقدمه لها: اتفضلي يا بنتي.

ابتسمت مي بخجل، واخذت الكوب منها: شكرا، ربنا يخليكي.

اخذ رشدي كوبه هو الآخر، ارتشف منه، ثم التفت إلى جنة: وري مي يا جنة إنك بتعرفي ترسمي، وريها رسوماتك.

لمعت عيناها بحماس، ونهضت بسرعة: ماشي!

ركضت نحو الطاولة، وأخرجت من الدرج بعض الأوراق الملونة، عادت بها مسرعة وجلست بجوار مي، ثم بدأت تقلبها واحدة تلو الأخرى.

جنة بفخر: بصي دي رسمت فيها السما والنجوم، وبصي دي قطة.

انحنت مي تتأمل الرسومات بابتسامة صادقة: ما شاء الله جميلة جدا يا جنة، أنتِ شاطرة اووي في الرسم.

اتسعت ابتسامتها أكثر وهي تريها رسمة أخرى: ودي أنا و... (توقفت لحظة) ده بابا ودي ماما.

مسحت مي على شعرها بلطف: حلوة اوي.

مر الوقت وهما يتحدثان ويضحكان حتى هدأت جنة واختفى الخوف من عينيها، ولم تعد تبكي كما كانت، وبعد فترة، هم رشدي ومي للمغادرة.

انحني رشدي يضع قبلة على رأس جنة: خلاص بقى بكرة نعمل العملية علشان نخف بسرعه؟

هزت رأسها موافقة بثقة طفولية: وأنت هتكون معايا، أنت وعدتني، ولو طلعت بتكذب هخاصمك يوم ويوم ويوم.

ابتسم وقال بنبرة مرحه: لا، أنا مقدرش على خصامك، بكرة هاجي ومعايا مي كمان.

ثم قبلها من رأسها وضمها لحظة بين ذراعيه.

اقتربت مي أيضا وقبلت خدها: باي يا جنة.

لوحت بيدها الصغيرة: باي يا مي.

وبالفعل غادرا المكان، بينما كانت جنة أكثر هدوءا واطمئنانا وقد اقتنعت أخيرا أن تجري العملية؛ لأنها اطمأنت أن رشدي سيكون بجوارها.

عند الباب، توقف رشدي أمامهم قائلا بجدية: أنا هعمل اتصالاتي، وإن شاء الله بكره نعملها العملية في مكان محترم.

ثم نظر إلى رحمة بحزم: ابعتيلي رقم الدكتور اللي كانت بتابع معاه، محتاج أفهم منه كل حاجة، علشان أبعت للدكتور التاني.

انتقلت عيناه إلى إسعاد، وأضاف بصرامة: وبعد كده أي حاجة تحصل لجنة تروحو بيها للدكتور فورا، وأحسن دكتور كمان، أنا مش ببعتلك فلوس علشان تحوشيها أنا ببعتها علشان تاخدي بالك منها، متحرموهاش من حاجة، مفهوم؟

هزت إسعاد رأسها بسرعة: حاضر يا ابني، وبعدين الدكتور ده شاطر، وعمل عمليات لكل العيال المنطقة.

تدخلت مي بهدوء: عادي يا رشدي مش علشان المكان بسيط يبقى وحش، وعملية اللوز أصلا عملية عادية يعني.

أشارت رحمة بيدها: قوليله والنبي! لحسن من ساعة ما جه وهو طايح فينا.

لوح بيده منهيا للنقاش: ولا تقولي ولا أقولها، أنا قولت كلامي.

ثم استدار نحو الباب: يلا يا مي.

تحركوا إلى الخارج، أما رحمة فظلت واقفة تتابع خروجهما وقلدته بصوت ساخر وهي تهز رأسها: ده أنت عيل كذاب!

ثم هزت رأسها وهي تبتسم بسخرية: بس لعبتك دي مش هتفضل ماشية كتير يا رشدي.

أغلقت الباب ثم عادت إلى الداخل.

أمام السيارة.

رشدي: أنتِ هتركبي عربيتك، وأنا هركب عربيتي، تفضلي ورايا لحد أقرب طريق تعرفي تروحي منه القصر، وأنا هغير العربيه واروح الفندق أظبط الدنيا وأرجعلك تاني.

اومأت موافقه، وبالفعل صعد كل منهم إلي سيارته، وانطلقت السيارات في هدوء.

إحدى شركات الاتصالات، 2ظهرا.

جلس عمار خلف مكتبه، يضع سماعة على أذنيه، منهمكا في مكالمة مع أحد العملاء.

اقترب منه أحد زملاؤه: عمار، في حد مستنيك برا.

رفع السماعة من على أذنه، وتساءل: مين؟

هز كتفيه: معرفش.

تنهد وخلع السماعة، ثم نهض وتحرك إلى الخارج.

وبمجرد أن خرج توقف فجأة حين وقعت عيناه على سليم.

نظر له نظرة جامدة، وكاد أن يستدير ويعود من حيث أتى، لكن سليم وقف أمامه قائلا: عمار اظن اننا كبار كفاية على اللي بتعمله ده؟ 

عمار بجمود: أنا مش عايز أتكلم معاك.

سليم بعقلانية: ماشي، أنا فاهم إنك واخد موقف مني وزعلان وده حقك، بس أختك وعلاقتك بيها ملهاش دعوة بأي حاجة بينا.

شد عمار فكه وقال بحدة: أختي اختارتك ومختارتنيش يبقي خلاص.

هز رأسه مفسرا: هي أه اختارتني، بس بعد مافضلت سنتين مختاركم وعرفت إني كنت مظلوم.

هز رأسه وتابع بصدق: أنا مش جاي أعيد نفس الكلام يا عمار، بس أنا كان من حقي آخد رد الفعل اللي أخدته، واللي حصل مني كان بالطريقة اللي اتربيت عليها..

نظر بثبات في عينيه: انت نفسك، لو اتحطيت مكاني صدقني هتعمل زيي وأكتر، يمكن مش نفس السلوك بالظبط علشان دي مش تربيتك، بس أكيد كنت هتزعل وتثور، ويمكن تضرب وممكن كمان ترفض تطلق وتقول هسيبها كده متعلقه.

أشار بيده كأنه يشرح حقيقة واضحة: كل واحد بيتعامل على حسب اللي اتربى عليه، وعلى حسب قدراته وسلطته، وحدوده، ولأسف كل ماحدودك بتكبر وسلطتك بتعلى، كل ما رد فعلك بيبقى أعنف، خصوصا لو في خلل جواك...

نظر له بثبات: زي ماقولتك أنا مش هنا علشان أبرر، أنا هنا علشان أقولك حاجة واحدة بس؛ البعد اللي انت عامله بينك وبين أختك وأهلك غلط، انت متصور أنك كدة بتعاقبهم مثلا؟

هز رأسه بإبتسامة آسفه: احبك اقولك انك غلطان، انت كده بتعاقب نفسك، هم اختاروا يسامحوا ويصلحوا، وانت اخترت متسامحش وده حقك.

رفع يده بإشارة خفيفة: بس مش حقك تعاقبهم على اختيارهم...

صمت لحظه، وتابع بصدق: حس بقيمة أهلك يا عمار، أهلك ناس كويسة وميستحقوش منك كده، غيرك يتمنى أهل زيهم...

لانت نبرته بابتسامه باهته فيها وجع حقيقي: عارف، رغم كل اللي عندي كنت أتمنى أهلي يبقوا زي أهلك؛ يحبوني ويخافوا عليا لنفسي مش لمصلحه، أهل احس معاهم بالأمان مش الخذلان.

صمت لحظة يحاول السيطره على إحساسه، ثم أكمل: وصدقني أنا وماسة دلوقتي محتاجينك أكتر من أي وقت فات خصوصا ماسة، العيلة هي السند والضهر والأمان، الإنسان لو شلت منه عيلته هيبقى هش يتكسر بسهولة، بس عيلة حقيقه مش شكل اجتماعي.

تراجع خطوة للخلف، قائلا: أنا مش مستني منك رد دلوقتي..

نظر له نظرة طويلة: بس فكر في كلامي كويس.

ثم استدار وغادر بخطوات هادئة، بينما ظل عمار واقفا في مكانه ينظر إلي أثره بشرود، فكلمات سليم الصادقة لمست شيئا عميقا بداخله.

أحد الكافيهات، 2ظهرا.

جلست سلوى تتأمل صور مكي علي الهاتف بابتسامة حالمة، وشعور بالأسى والندم يعتصرها على كل لحظة فاتتهم.

بعد قليل، وقف طارق أمامها، يحدق بها بنظرة تحمل العتاب والجمود: حمد لله على السلامة، لسه فاكرة رقم تليفوني؟

أغلقت الهاتف، وقالت بهدوء: اقعد يا طارق.

جلس على المقعد المقابل باقتضاب: افندم؟!

ردت بنبرة تحمل في طياتها حدة، كأنها تقنع نفسها أنها صاحبه الحق: أنا عايز أعرف انت زعلان وبتعمل اللي بتعمله ده ليه؟ عايز تبين إنك الشخص الغلبان في العلاقة دي، وأنا الشخص السيء؟

ابتسم بحزن، وقال بسخرية ممزوجة بالعتاب: لا يا سلوى أنتِ مش الشخص السيء ولا حتى الغلبان، انتِ مكنتيش موجودة من الاساس، وأنا كمان مكنتش بكلمك ولا بتصل لأني مش لاقيكي، مش هبادر مع حد مش عايزني، فهي كانت معامله متبادلة..

ثم أضاف بثقل: أنت محبتنيش يا سلوى ولا حاولتي، لسه عايشة في وهم الماضي ومعرفتيش تخرجي منه، نصيحة مني ليكي مادام لسه بتحبيه أوي كده ارجعيله، هو كمان شكله لسه بيحبك، اللي شوفته بيأكد ده حتى لو قال العكس..

عضت شفتيها بارتباك: صدقني أنا حاولت، بس أنت مخلتنيش أعرف أحبك أو أتقبل حتي فكرة إننا نتجوز.

تنهد وتمسك بالكلمات كأنه يعتذر لنفسه قبلها: صدقيني حتى لو كنت قيدتلك صوابع شمع مكنتش هتشوفيني برضو، أنا كنت بالنسبه لك مرحلة أو بوابة بتحاولي تهربي بيها من حبك لخطيبك السابق، بس انتي فضلتي موجودة جوه الحياة دي..

اخرج أنفاسه وهو يضيف بأسى: بس الغلط مش عندك، الغلط عندي أنا لأني قبلت إن إحنا ندخل في العلاقة دي وأنا عارف إن مشاعرك لسه مع شخص تاني، وصدقيني أنا مش زعلان منك، انتِ كنتي صادقة، مجيتيش قولتيلي بحبك ولا وعدتيني بحاجة وبعدين خليتي بيها.

نظرت له باعتذار وخجل: انا اسفه يا طارق.

توقف وهو يزم شفتيه: ولا حتى تعتذري..

خلعت الدبلة وأعطتها له: متهيألي لازم تاخدها.

ارتسمت نصف إبتسامة على شفتيه: خليها ذكرى.

رفع كفه في وجهها: أنا قلعت بتاعتي من زمان علي فكرة، أتمني لك السعادة عموما.

قال كلماته وتحرك مبتعدا، بينما تنهدت سلوى بارتياح؛ لأنها تخلصت من تلك العقبة الكبيرة، وحاولت الاتصال بمكى لكن لم يرد، نظرت امامها وفكرت بشيء ما ثم تبسمت، ودفعت الحساب وتحركت مبتعده.

فيلا مصطفى، 3عصرا.

جلس مصطفي في غرفته ممسكا هاتفه، وصوته يخرج مطمئنا: يا ماما أنا كويس والله متقلقيش عليا، والله الدنيا تمام هنا، الحمد لله موفرلي كل حاجة.

جاءه صوت نبيلة، يحمل دعاء وحنانا: ربنا يباركلك يا ابني ويحفظك، خد أخوك عايز يكلمك.

ابتسم: هاتي

ايهاب: صاصا وحشتيني.

أجابه: انت كمان يا هوبا، عامل إيه؟ في حد بيضايقكم؟ الواد اللي اسمه محمود ده جه تاني؟

طمأنه بهدوء: لا يا حبيبي كل الأمور هنا تمام، ومحمود ده محدش شافه أصلاا.

تساءل مصطفى: طب انتم محتاجين فلوس أو حاجه؟

رد مطمئنا: لا لا، إحنا تمام، خد شوشو عايزه تكلمك.

جاء صوتها مشتاقا: ألو؟

ابتسم تلقائيا بشوق: إزيك يا شوشو وحشاني، و ولحشني كوباية الشاي بتاعتك.

ضحكت بخفوت: أنت كمان وحشتني اوي يا حبيبي، عامل إيه؟ طمني عليك، هترجع إمتى بقى؟

تنهد وهو يمرر يده في شعره: والله ما عارف بس يعني شوية كده، أنا مبقاليش كام يوم هنا.

قالت بصدق: أقسم بالله فاتوا كأنهم شهور.

تساءل باهتمام: المهم قوليلي عملتي إيه مع محمد؟

تغير صوتها قليلا: خلاص الموضوع انتهى، أنا ومحمد فركشنا.

رد بضيق: أزاي يا شوشو؟ بطلي جنان، محمد راجل محترم وبيحبك، آه غلط وأنا زعلان منه بس بجد هيصونك.

جاء ردها حاسما هذه المرة: مصطفى أنا مش عايزة أتكلم في الموضوع ده، ده قراري ومش هرجع فيه.

ثم غيرت الحديث: آلاء عاملة إيه؟

تنهد بعدم رضا: الحمد لله كويسة.

علي اتجاه آخر

رن الجرس الباب، فتحت الخادمة لتفاجأ بسليم أمامها.

سليم بوقار: مساء الخير.

اجابت باحترام: مساء النور يا بيه، اتفضل.

تسأل باهتمام وهو يتقدم: إيه الأخبار؟ ناقصكم حاجة؟

هزت رأسها مسرعه: لا يا بيه، كله تمام.

أومأ برأسه: طيب دكتور مصطفى فين؟

أشارت بيدها: ثانية واحدة أناديه، اتفضل، تحب تشرب ايه؟

أجابها بهدوء: قهوة مظبوطه.

تحركت مبتعده بينما تقدم سليم حتى وصل إلى الردهة، حيث كانت أنهار تجلس بهدوء تقرأ القرآن. 

سليم بتهذب: مساء الخير يا هانم.

رفعت نظرها وابتسمت: مساء النور يا حبيبي، عامل إيه؟

جلس بجانبها: الحمد لله أنتِ أخبارك إيه؟ محتاجين حاجة؟

تبسمت: لا يا حبيبي، تسلم.

ثم نظرت له بتردد: متعرفش حاجة عن محمود ابني؟

أجابها بهدوء: لا مفيش أي أخبار عنه، مظهرش خالص، أنتِ عايزة تطمني عليه؟

هزت رأسها برفض: لا، أهم حاجة إنه يكون بعيد عن الجماعة.

أجابها مطمئنا: اطمني، مش ظاهر نهائي.

صمتت قليلا، ثم تسألت: طب وأحنا هنفضل مستخبيين هنا كتير؟

تنهد قائلا: إن شاء الله لأ...

تابع بخجل: أنا عارف إنكم زهقتوا، ومش سهل تفضلوا محبوسين كده، بس والله غصب عني، أنا عملت كده علشان احميكم.

ربتت على يده بحنان: ربنا يعينك يا ابني على اللي أنت فيه.

عند مصطفى.

كان مصطفى يتابع حديثه: المهم ابقوا أدوا الرقم ده لمحمد علشان اكلمه، وفهموه الدنيا، لحد يوقعه بالكلام ويبوظ كل حاجة. 

قاطعه طرق الباب ودخول الخادمة: دكتور مصطفى، سليم بيه بره.

أومأ لها، ثم قال: طب أنا هقفل دلوقتي علشان سليم هنا، هبقى أكلمكم تاني، سلام.

أغلق الهاتف، وتحرك للأسفل، ليجد سليم جالسا مع أنهار.

مصطفى بابتسامة: وأنا أقول الفيلا منورة ليه؟

وقف سليم بابتسامه: أزيك يا مصطفي، عامل إيه؟

اومأ برأسه: الحمد لله.

سليم بتهذب: ممكن نتكلم شوية؟

ابتسمت أنهار وهي تهم بالوقوف: طب أسيبكم براحتكم.

اشار لها سليم سريعا باحترام: لا يا هانم خليكي، أنا هاخده ونطلع بره.

تحركوا معا إلي الحديقه، وجلسا متقابلين، والهدوء يحيط بهما.

تنحنح سليم: إيه الأخبار يا دكتور؟ كله تمام؟

أومأ براسه: آه تمام، في حاجه ولا ايه؟

تنهد سليم وهو يهز رأسه: لا عادي جاي اطمن عليكم، واشوف لو ناقصكم حاجه، وكمان أشكرك.

نظر له بخجل: أنا عارف إني حبستك هنا حاجه سخيفه، شغلك وقف ودنيتك اتعطلت وانت مش مضطر تقبل بده، فكان لازم اشكرك واقولك إن شاء الله الموضوع ده يخلص قريب.

ثم تابع بطريقته معتادة: وكمان قررت أرجعك المستشفى وكلمت الإدارة يصرفولك مرتبك عادي.

رفع مصطفى حاجبيه بدهشة وكاد أن يتعترض، لكن سليم اوقفه بنبرة حازمه: مفيش اعتراض، وزي ما قولتلك الموضوع دى إن شاء الله مش هيطول، قريب هنخلص من كل القرف ده وترجع لحياتك تاني.

واضاف بنبرة صادقة: وشكرا كمان على مساعدتك، الفيديوهات والتسجيلات اللي بتبعتها فادتني جدا، حتى إيهاب بصراحة شاطر، جابلي الصور من موبايل رشدي بسرعه.

ابتسم مصطفى بهدوء وهو يوميء برأسه: متشكرنيش يا سليم، أنا مبسوطه إني بساعدك، وانك وثقت فيا، بعدين أنا بعمل ده علشان ماسة؛ انت متعرفش هي بالنسبة لي ايه؟! انا بعتبرها زي عائشة، فبلاش شكر والكلام ده.

ابتسم سليم: برضو لازم أشكرك، وأطمن لو محتاجين اي حاجة.

مصطفي بتردد: هو في حاجة واحدة بس متردد أطلبها منك في الظروف دي.

هز سليم رأسه: متقولش كده، اطلب اي حاجة، لو عايز قنبلة نووية هجيبهالك.

ضحك مصطفى: لا يا عم مش للدرجة دي!

ثم اعتدل وقال: بس آلاء أنت عارف إنها بتدرس، البنت مجتهدة، وكان نفسها تبقى معيدة، والامتحانات قربت.

أومأ سليم باهتمام، فأكمل مصطفى: كنت عايزك تجيبلها المحاضرات وأنا هذاكرلها هنا، وتروح على الامتحانات، بس محتاجين المواد.

ابتسم سليم بثقة: بس كده؟ سهلة إديني بياناتها ومن بكره كل اللى محتاجاه هيبقي عندها.

في تلك اللحظة، دخلت الخادمة تحمل صنية القهوة، وضعتها بهدوء على الطاولة، فنظر لها مصطفي قائلا: ممكن لو سمحتي تنادي لآلاء.

اجابت: حاضر يا بيه.

غادرت، بينما التفت مصطفى إليه، وقد عادت الجدية إلى ملامحه: بقولك إيه، محمود مفيش أي أخبار عنه؟

هز رأسه نافيا: لا مظهرش خالص.

ثم أضاف بثقة مطمئنة: وبعدين ده عيل عبيط، أنا حاطط حراسة قدام العمارة، متقلقش.

لم يكد يتم جملته، حتى اقتربت آلاء بخطوات هادئة:
مساء الخير.

نظرت لسليم بابتسامة مهذبة: أزيك يا سليم بيه؟

بادلها الابتسامة بلطف: الحمد لله، قوليلي سليم بس.

نظر مصطفى إليها: انا قولت لسليم يجيبلك كل المواد اللي محتاجاها، وتذاكري هنا.

وقبل أن ترد، تدخل سليم بنبرة مازحة: ولو عايزة تبقي معيدة من غير حتى ما تدخلي الامتحانات أنا عندي استعداد!

ابتسمت آلاء، وأخفضت رأسها بخجل: لا متشكرة، أنا عايزة أنجح بمجهودي.

ضحك سليم وهو يهز رأسه: انتِ كمان؟! ماسة كده برضو، أقولها نسهلك الدنيا، واشتريلك الشهاده، تقولي لا! عايزة اذاكر وانجح بمجهودي..

زفر مازحا: إيه يا جماعة بتحبوا وجع القلب ليه؟

ابتسمت آلاء، وقالت بهدوء يحمل إصرارا: مش وجع قلب، بس إحنا عايزين ننجح بمجهودنا ونفهم، خصوصا دراستى مفيهاش هزار، دي أرواح ناس.

كان مصطفى يتأملها بابتسامة هادئة، تعكس إعجابه بخجلها وبإصرارها الصادق لإعتماد على ذاتها، دون الرغبة في اللجوء إلي طريق مختصر.

بينما ابتسم سليم باحترام: ربنا معاكي..

وأضاف بنبرة دافئة: ولو عوزتي أي حاجة قوليلي متتكسفيش، اعتبريني زي أخوكي بالظبط، اكتبيلي بس بياناتك وكل اللي محتاجاه، وخلال يومين كل حاجة هتكون عندك.

أومأت باحترام: شكرا.

ثم تحركت إلى الداخل، أحضرت ورقة ودونت فيها بياناتها وكل ما تحتاجه، وعادت إليه مره أخري: اتفضل.

أخذها وقال بثقة: تمام يومين وكل حاجة هتبقى عندك.

اعتدل واقفا: أنا همشي بقي.

مصطفى: ماتخليك قاعد شوية؟

هز رأسه بابتسامة خفيفة: لا معلش علشان متأخرش على ماسة، هي كمان محبوسة زيكم، ومبحبش أتأخر عليها.

أومأ له مصطفى: ماشي، سلملي عليها.

سليم بوقار: الله يسلمك، بعد إذنكم.

تحرك للخارج، تاركا خلفه هدوءا خفيفا.

نظرت آلاء تجاه الباب الذي خرج منه، وقالت بإعجاب: محترم أوي.

ابتسم مصطفى ابتسامة جانبية: ممم، بس مجنون.

ثم أكمل بخفة: الحمد لله ربنا هداه.

تنهدت آلاء: المهم إنه اتغير وفهم.

نظر إليها مطولا، ثم تساءل: ليه مخليتيش سليم يعينك علطول؟ على فكرة يقدر يعمل ده بجد مش كلام وخلاص.

خفضت نظرها بخجل، وقالت بهدوء: أنا عارفة إن الناس اللي زي سليم يقدروا يعملوا أكتر من كده بكتير، ده ممكن يعيني في وزارة الصحة كمان.

صمتت لحظة، ثم أكملت بنبرة أقوى: بس أنا عايزة أنجح بمجهودي؛ علشان أحس بالإنجاز، مش بعد كل السنين دي أروح أنجح بواسطة.

رفعت رأسها، وتابعت بثقة: أنا واثقة في نفسي وعارفة إني أقدر أوصل لوحدي، كل اللي عايزاه أعدي الترم ده بس، مش معقول بعد التعب ده الموضوع ينتهي بسهولة كده، وبعدين يا دكتور أحنا بنتعامل مع بني آدمين، معلومة واحدة غلط ممكن تنهي حياة إنسان، وأنا مقدرش أتحمل ذنب زي ده.

تنهدت بخفة، وابتسمت ابتسامة حالمه: وطعم النجاح بعد التعب بيبقى مختلف خالص عن الحاجة اللي بتيجي بسهولة.

ظل يستمع إليها بإعجاب واضح فقد أدهشه عدم استغلالها للفرصة، ووقوفها بهذا القدر من القوة والثبات، رغم ما تمر به من أزمة.

كانت قناعتها بذاتها وإيمانها بنفسها شيئا نادرا يستحق التقدير.

قال بابتسامة صادقة: بصراحة إعجابي بيكي بيزيد كل يوم يا آلاء، اللي زيك بقوا قليلين، وأنا واثق إنك هتنجحي، وهتحققي حلمك وتبقي دكتورة كبيرة.

ابتسمت بخجل، وخفضت نظرها مرة أخرى، أما هو فظل يتأملها بابتسامة تحمل معنى أعمق، وكأنه يرى أمامه شخصية مختلفة؛ فتاة جميلة، طموحة، قوية لا تشبه كثيرات في هذا الزمن.

منزل مكي، 3عصرا.

جلست ليلى أمام التلفاز تطوي الملابس بهدوء، وفجأة دوى جرس الباب.

نهضت تفتح الباب، ما إن فتحته حتى تجمدت ملامحها حين رأت سلوي أمامها.

عقدت حاجبيها بدهشة، فتنحنحت سلوي بابتسامه متوترة: مساء الخير يا طنط، أنا عارفة إنك متفاجئة بالزيارة الغريبة دي، بس كنت حابة أتكلم مع حضرتك شوية.

ظلت تنظر لها لثوان، تحاول استيعاب وجودها، ثم تنهدت وافسحت لها: اتفضلي.

دخلت سلوى بخطوات مترددة، حتى جلست في الريسبشن.

سألتها ليلي: تشربي إيه؟

هزت رأسها سريعا: ولا أي حاجة، شكرا.

جلست أمامها، وساد صمت قصير

كانت ليلى تنظر إليها نظرة مليئة بالأسئلة.

أما سلوى، فبدت مرتبكة، أصابعها تتشابك ببعضها، وعيناها تهربان، وكأنها لا تعرف من أين تبدأ.

أخذت نفسا عميقا، وقالت: أنا عارفة إن وجودي هنا عامل تساؤلات كتير، بس أنا حاولت أفكر في حل ومش لاقية، حسيت إن حضرتك الشخص الوحيد اللي ممكن يساعدني.

عقدت ليلي حاجباها بعدم فهم: أساعدك في إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة!

رفعت سلوى عينيها أخيرا، وقالت مباشرة: أنا عايزة أرجع لمكي.

ساد الصمت.

نظرت ليلى لها بصدمة واضحة، كأن الكلمات لم تصلها بشكل صحيح.

لكن سلوى أكملت بسرعة: أنا عارفة إنك مستغربة، بس والله العظيم في حاجات حصلت كانت غصب عني خلتني أعمل اللي عملته.

اعتدلت ليلى في جلستها، وملامحها أصبحت أكثر صرامة: مفيش حاجة في الدنيا تخليكي تعملي اللي عملتيه وتكسري ابني بالشكل ده.

رفعت سلوى صوتها قليلا، بعينين ممتلئتين بالدموع: لا في!

ليلى بحدة: لا، مفيش.

ردت بإصرار اكبر:لا في بس مش هقدر أقولك الأسباب، مكي عارف كل حاجة، وعارف والله إن اللي حصل كان غصب عني، حتى سليم فهم.

أضافت برجاء صادق: أنا بس كل اللي محتاجاه منك إنك تكلميه يديني فرصة.

انخفض صوتها أكثر، وانكسرت ملامحها: أنا بجد راجعة ندمانة وزعلانة من نفسي أكتر ما أي حد زعلان مني.

اقتربت منها، وأمسكت بيديها بقوة، كأنها تتشبث بآخر أمل، وتابعت ببكاء مكتوم: أرجوكي يا طنط ساعديني وكلميه، هو لو عايز يقولك السبب يبقي يقول هو، لكن أنا مش هقدر أقول.

ابتلعت ريقها، وأكملت بصدق: بس قسما بالله العظيم كان في سبب، وسبب كبير اوي خلاني أعمل كده، أنا عارفة إني غلطت، بس والله كان عندي سبب.

نظرت ليلي إليها لحظات، تتأملت دموعها، وارتجاف صوتها، وصدق انكسارها، فشعرت بشيء من الحيرة يتسلل إليها.

تنهدت ببطء، ثم هزت رأسها بحزم ممزوج بشيء من اللين: أنا هسأله وأفهم منه الأول، ولو اقتنعت بأسبابك ساعتها بس هساعدك.

توقفت لحظة، ثم أضافت بنبرة جادة: غير كده، متزعليش مني، أنا محبش ابني يرجع لحد وجعه وجرحه بالشكل ده.

هزت سلوي رأسها بلهفة: ماشي اسأليه واسمعي منه، وأنا متأكده إنك هتعذريني وتساعديني.

تبادل النظرات للحظات في صمت.

قصر الراوي، 3عصرا.

عادت مي إلي القصر وجلست تنتظر رشدي وهى تتصفح هاتفها.

بعد قليل، دخل رشدي وأغلق الباب خلفه قائلا بسخرية: مساء الخير على البطلة الهمامة، واضح إني قريب هقدملك في البوليس السري، تشتغلي في المهمات الصعبة.

اقتربت منه بابتسامة مشاكسة: وأنا كمان هشغلك معايا في البوليس السري يا رشروشي.

أضافت بغرور: بس على فكرة، أنا اللي هبقى الريسة.

نظر إليها بحدة: بطلي هزار اللي انتِ عملتيه ده أنا مش هعديه.

رفعت حاجبيها بغضب: مين فينا اللي المفروض ميعديش؟ أنا ولا أنت؟!

اقترب خطوة، قائلا بحده: أزاي تخرجي من غير ماتقوليلي وتعملي اللي عملتيه ده؟

أشارت بأصبعها قائلة: أنت السبب! لو كنت قولتلي من الأول، مكانش حصل ده كله، وبعدين أنا اعتذرت!

زفر بضيق: ماشي يا مي، بس بلاش التهور ده تاني، أنا بخاف عليكي..

اومأت له، وأمسكت بيده فجأة، وشدته وهي تقول بفضول: طب تعالى بقى احكيلي أكتر عن جنة.

اقترب منها خطوة حتى كادت المسافة بينهما تختفي وقال بنظرة ذات معني: لا أنتِ وحشتيني، امبارح نمت وسبتك، وأول امبارح كنتي بعيد عني وبنات افكاري زاروني فمينفعش تسيبيهم...

ثم فجأة جذبها إليه، وحاول تقبلها..

ابتسمت بخجل، وحاولت التملص: رشدي، بس!

رفع حاجبه بمكر: بس إيه؟ يعني رشروش موحشكيش؟

خفضت عينيها وهي تبتسم: وحشتني، بس خلينا نتكلم الأول.

مال برأسه وهمس بنبرة ذات معنى: ما إحنا هنتكلم بس في موضوع أهم.

وتابع بنظرة ماكرة: صح أنا لمحت حاجة في الدولاب.

نظرت له باستغراب: حاجة إيه؟

اجاب وهو يبتعد: لحظة.

تحرك مبتعدا، وتركها تنتظر بترقب وبعد ثواني، عاد وهو يحمل بين يديه بدلة رقص.

رفعها أمامها بإعجاب واضح: إيه الحلويات المستخبية دي يا ميوشة؟! أنا اتفاجئت بصراحة...

قالت بسرعة وهي تحاول تبرير الموقف: ده ده لوجين اللي أصرت..

قاطعها بابتسامة: صاحبة واجب طول عمرها القطة الشيرازي.

ثم أشار لها بها: يلا بقى البسيها وارقصيلي.

اتسعت عيناها: لا مش هينفع.

ضحك بخفة: إيه اللى قل نفعه، يعني جيباها نحطيها في الدولاب؟

هزت رأسها برفض: يا رشدي مبعرفش أرقص ما انت عارف..

اقترب منها خطوة، وقال بخفة: مش مهم ارقصي أي حاجة، حتى لو رقصة الكرنبة! أنا موافق.

ضحكت رغما عنها، وهي تردد باستغراب: رقصة الكرنبة؟!

اومأ لها وبدأ يتمايل بطريقة مضحكة، وهو يقلد حركة عشوائية: أه كده.

انفجرت ضاحكة: يخرب عقلك، إيه ده!؟ ده وقته يعني؟

سحبها نحوه بلطف: أيوه وقته إننا نفك شوية، كفاية جد بقى..

تابع بمزاح: بدل ما اروح انحرف، واشوفلي واحده ترقصلي.

نظرت له بشراسه: والله كنت دبحتك. 

ابتسم بمداعبه: طب ما طالما شرسين وبنغير كده، ماترقصيلي أنتِ علشان منحرفش.

ثم قال بحزم وهو يرفع حاجبه: أنا بجادل معاكي ليه أصلا؟ أنا هعد لحد تلاتة، لو مروحتيش لبستيها أنا هلبسهالك بنفسي.

اتسعت عيناها: نعم؟!

بد العد دون تمهل: واحد... اتنين.... تلا

وقبل أن يكمل، حاول أن يمسك الفستان الذي ترتديه، لكنها دفعته سريعا، وركضت ضاحكة، وصوته يلاحقها بخفة: طب والله ما هسيبك! 

وبالفعل، انطلق يركض خلفها، بينما كانت تضحك وتصرخ وهي تهرب منه في أرجاء المكان: والله العظيم يا رشدي لو ما بطلت هزعل منك!

رد وهو يضحك: أنتِ اللي بدأتي!

وقبل أن يمسكها، اندفعت سريعا إلى الحمام وأغلقت الباب خلفها.

وقف أمام الباب وهو يلهث بخفة: افتحي.

اجابت من الداخل بصراخ: مش هفتح يا رشدي.

رشدي بضجر وهو يحاول فتح الباب: بلاش بواخه بقي يا مي، هو أنا هشوف حاجة مشوفتهاش قبل كده يعني؟

جاء صوتها بحدة: احترم نفسك يا رشدي!

ابتسم بمكر: حاضر، بس افتحي خدي البدله.

فتحت الباب فتحة صغيرة، ومدت يدها لتأخذ البدلة، لكنه حاول التسلل بوجهه: طب ما تسيبيني أدخل أساعدك، أربط حاجة، أظبطلك-

دفعت وجهه بيدها سريعا: لأ! برا!

ضحك وهو يتراجع: ماشي.

ابتعد يبدل ملابسه باسترخاء، واكتفى بشورت مريح، ورش عطره، ثم سرح شعره أمام المرآة وكأنه يستعد لعرض خاص.

بعد دقائق...

فتح الباب ببطء، وخرجت مي بخطوات مترددة، والخجل يكسو ملامحها.

التفت لها فورا، واتسعت ابتسامته، وفتح ذراعيه بإعجاب: الله الله، إيه الجمال ده!

نظرت له بتعجب ضاحكه: إيه اللى أنت عامله في نفسك دى؟

رد بحماسه وجنونه المعتاد: سبيني أقعد براحتي يا ستي متبوظليش المود، كفاية إن مفيش شيشة!

اقتربت منها وقال بوقاحه: بس مش مشكله، من بكرة نجيب شيشة ونبدأ في الدورس، اما دلوقت..

صرخ وهو يضغط على زرار الكاسيت: نولعهاااا.

ارتفع صوت الموسيقي، فجذبها نحوه بلطف، وبدأ يتحرك معها على النغمات.

كانت مي متوترة في البداية وحركاتها بسيطة، لكنه كان يضحك ويقلدها، ويعلمها بطريقة مرحة: لأ لأ كده... بصي... أهو! اعملي كدة.

ضحكت رغما عنها، وبدأت تتحرر من خجلها وتتحرك معه بعفوية.

وبعد دقائق، وضعت يدها على قلبها وهي تلهث: أنا تعبت، محدش قالك إني فيفي عبده!

قربها إليه قائلا: والله أنتِ أحلى من مية فيفي عبده!

ثم أضاف بحماس: بكرة نروح ناخد دروس بقى، ونبقى جامدين ونرقص سوا براحتنا.

هزت رأسها وهي تضحك: والله أنت مجنون!

رفع حاجبه: دي مش حاجة جديدة.

ثم نظر لها بنظرة مختلفة قليلا: بس دلوقتي دخلنا في المرحلة التانية وبدأ الحماس اللي بجد.

وقبل أن تستوعب، رفعها بخفة واتجه بها نحو الفراش.

ضحكت وهي تحاول الاعتراض: استنى! خليني آخد نفسي!

وضعها على الفراش قائلا بوقاحه: هديكي نفس، بس بطريقة أحلى.

وذاب المشهد بين خفة اللحظة ودفء القرب.

جناح صافي وعماد.

كانت لا تزال جالسة تنتظر عوته، وعلى الطاولة عدة أعقاب سجائر متراكمة داخل الطفايه، وقد بدا الضجر واضحا عليها وهي تهز قدمها بعصبية.

بعد قليل، دخل عماد، قال بهدوء وهو يخلع جاكيته: مساء الخير.

نهضت ووقفت أمامه مباشرة: كنت فين؟

أجابها وهو يضع مفاتيحه على الطاولة: في الشركة.

همهمت بخفة وهي تمد وجهها الامام: أممم...

ثم تسألت بنبرة ذات معنى: قولي يا عماد، لما الست تعرف إن جوزها بيخونها المفروض تعمل فيه إيه؟

توقف عن الحركة، ورفع عينيه إليها متفاجئا: في إيه؟ مالك؟

أمسكت هاتفها بعصبية وفتحته، ثم مدته نحوه: اتفضل شوف بنفسك.

تابعت بشدة: بقى تخوني أنا؟ ومع مين؟ صاحبتي!

نظر إلى الهاتف للحظة، وجز على أسنانه يسب رشدي بداخله، فهو اعتقد أن رشدي هو من أرسل تلك الصور إليها، فهي نفسها الصور التي هدده بها.

ابتلع ريقه وتذكر حديث سارة، فرفع عينيه بثبات وقال: أخونك ايه أنتِ اتهبلتي؟! دي سارة!

صافيناز بحدة: ما أنا عارفة إنها سارة! أنا عايزه تفسير للي قدامي دى؟

تنهد ببطء، ثم جلس على الأريكة بهدوء غريب: هو مش طبيعي لما أقابل سارة أسلم عليها؟ هي مش صاحبتي زيك؟ اعقلي يا صافيناز، متخليش شوية صورة هبلة زي دي تهد اللي بينا.

ثم أضاف وهو ينظر إليها بجدية: سارة دي صاحبتي من قبل ما أعرفك، وهي السبب في اننا نتعرف.

وتابع بعتاب خبيث: آخر حاجة كنت أتوقعها إنك تشكي فيا.

رمقته بملامح متوترة بين الغضب والشك: طب والرسائل اللي تحت الصور؟!

تنهد بضيق، وقال وهو يشير إلى هاتفه: ماتمسكي تليفوني وتدوري، ما أنتِ معاكي الباسورد، وكل الإيميلات الخاصة بيا، شوفي بنفسك، ده حتى الارقام التانيه اللي محدش يعرفها معاكي..

ثم أضاف وهو يمرر يده في شعره بتوتر: سارة في مصر فعلا، قابلتها صدفة وسلمت عليها، وكنت هقوللك بس نسيت بسبب الحوارات اللي حصلت اليومين اللي فاتوا..

لوح بيده نحو الهاتف وقال باستياء: بقى شوية رسايل هبلة زي دي، تخليكي تعملي كده؟ يعني بسهولة كده أي حد يوقع بينا ويكسر كل اللي بينا يا صافيناز؟

ضيقت عينيها وسألته: مين ممكن يعمل كده؟

أجابها وهو يجز على أسنانه: رشدي.

نظرت إليه باستغراب واضح: رشدي! ورشدي هيعمل كده ليه؟

قال موضحا: بعد اللي حصل مع ماسة جه وهددني، بس أنا مركزتش معاه وقولت عيل اهبل وشكله متقل في الشرب، متوقعتش إنه ينفذ تهديده فعلا.

ثم أشار إليها بحدة مكتومة: وباللي أنتِ بتعمليه ده هتحسسيه إنه صح، وإنه قدر يحط أيدي تحت ضرسه.

وتوقف لحظة قبل أن يضيف بلهجة جادة: على فكرة، اللي أنتِ عملتيه ده أنا مش هعديه.

ضيقت عينيها متسائله بشك: وأنا إيه اللي يخليني أصدقك يا عماد؟

نظر لها بصمت وقرر قلب الطاوله، فقال بنبرة مريرة: اية يخليكي تصدقيني؟! هو الموضوع وصل بينا لكده..

زفر ببطء: تمام يا ستي شكرا، وعموما أنا معنديش حاجة ممكن تخليكي تصدقي غير كلامي..

ثم تابع بمرارة مصتنعه: بس اللي أقدر أقوله إنك فعلا خليتي رشدي ينجح في اللي هو عايزه، إنه يبوظ علاقتنا في أكتر وقت إحنا محتاجين فيه لبعض.

صافيناز بحدة: يعني عايز صور زي دي توصلي، والمفروض أبقى عادي؟ لو الموضوع العكس، مش هتتعصب؟

هز رأسه: لا طبعا، هبقى واثق فيكي، وعارفة هعمل إيه كمان؟ هاجي أقولك إن في صور جاتلي، وإن في حد بيلعب بينا، لأني عارف مين هي صافيناز.

ثم نظر إليها بعمق وأضاف: لكن أنتِ أكدتيلي إنك متعرفينيش، يا خساره يا صافي.

ترددت قليلا، ونظرت إليه بشك، لكنه بدا واثقا لدرجة جعلتها تتراجع خطوة.

ثم قالت بعد لحظة: طب وسارة... ليه مقالتليش إنها في مصر؟

رفع كتفيه بلا مبالاة: معرفش، هي مش صاحبتك؟! كلميها واسأليها.

ثم التقط ملابسه وتحرك نحو الحمام وقال بإرهاق: بعد إذنك محتاج أخد حمام، تعبان من الشغل اللي بشتغلهولك.

وقبل أن يغلق الباب نظر لها قائلا: بس خدي بالك اللي إنتِ عملتيه ده أنا مش هعديه، شكك فيا ده مينفعش اعديه.

أغلق الباب، تاركا صافيناز واقفة مكانها، تحدق في الهاتف بين يديها، وعلامات الحيرة لا تزال تملأ وجهها.

عند رشدي ومي.

استلقت على صدره، رأسها فوق قلبه، تستمع إلى نبضاته الهادئة التي بدأت تعود لطبيعتها، خصلات شعرها مبعثرة، ووجنتاها محمرتان بخجل، بينما كان العرق الخفيف يلمع على جبينه وكتفيه.

أحاطها بذراعيه في صمت، وكأنه لا يريد أن يتركها تبتعد ولو لثانية.

رفعت عينيها إليه بخجل، وابتسمت ابتسامة دافئة: عارف يا رشدي أكتر حاجة بحبها فيك ايه؟

نظر لها باهتمام، فترددت لحظة، ثم قالت بخفوت: إنك بعد اللحظات دي مبتبعدش وتدينى ظهرك، ولا بتقوم تسيبني وتمشي..

ثم أكملت وهي تنظر في عينيه: بتاخدني في حضنك، وبتتعامل معايا بحنية مش كأني ماكنه atm..

مررها يده برفق على شعرها: عارف إن في رجالة كتير بتفكر في نفسها، بس أنا مش عايز كده، أنا عايزك تبقي مبسوطة علشان أنا كمان أبقى مبسوط..

نظر لها بعمق وأضاف: لو فكرت في نفسي بس، يمكن النهارده يبقى عادي وتتقبلي، لكن بكرة هتزعلي، وتبدأي تديني ده وانت مش قابله، مجرد واجب، وأنا مبحبش كده.

طبعت قبلة خفيفة على خده، وقالت بخجل ممتزج بصدق: أنا بحبك أوي يا رشدي..

وتابعت وهي تنظر في عينيه: ساعات بقعد أبص لنفسي وأبصلك، وأقول أزاي؟ أنا عمري ماتوقعت إني أحب واحد زيك..

تنهدت بخفة تسترجع ما كانت تظنه يوما: أحلامي وطموحاتي والراجل اللي كنت بتمناه، كانوا بعيد خالص عنك..

ثم ابتسمت له بحنان: بس بص إحنا فين دلوقتي، أنا معاك، ومقتنعة بيك، وبحبك..

خفضت عينيها لحظة، ثم رفعتهم من جديد: يمكن لو حد قالي زمان إني هتجوز واحد زيك وأحبه كده، كنت هضحك ومصدقش...

ثم أضافت بهدوء عميق: بس الحياة بتخبيلنا حاجات، مبنتوقعهاش، وتبقى أحلى بكتير من اللي كنا بنتمناه...

نظرت له بعينين يملؤهما الامتنان: خصوصا لما رجعتني علطول من شهر العسل من غير ما تضايق لما بابا تعب، أي واحد غيرك كان ممكن يزعل أو يتعصب...

ابتسمت بخجل وتابعت: كمان بعد كل اللحظات اللي بينا بحس إن الراجل اللي زيك مش اي ست تملا عينه، وممكن تكون له متطلبات واحتياجات معينه وانا لسه بتكسف وانت يعني صابر وتمام مش بتضايق..

ابتسمت له ابتسامة صادقة: كل الحاجات دي تخليني مش بس أحبك يا رشدي...

توقفت لحظة، ثم همست: تخليني اعشقك...

هزت رأسها وتابعت: أنا متأكدة لو كنت اتجوزت الشخص اللي رسمته في خيالي، مكنتش هبقى مبسوطة وسعيدة كده، وبجد أنا مبسوطة إنك عنيد وفضلت ورايا لحد ما أقنعتني أديك فرصة.

ثم ضحكت بخفة: مش عارفة بصراحة لو كنت رفضتك، كان هيحصل إيه؟

رد عليها بطريقته المعتادة، وهو يرفع حاجبه بغرور: كنتي هتخسري رشروشك.

ضحكت وضربته على كتفه بدلال: بطل بقى!

ابتسم وهو ينظر لها بصمت، يحاول استيعاب كلماتها، فلأول مرة يسمع هذا القدر من الحب الصريح، ولأول مرة يشعر أن هناك من يراه ويقدره.

تنهد، وقال بصوت هادئ: أنا كمان مستحيل كنت أتخيل إني أتجوز واحدة زيك، أو اتجوز من الأساس...

ثم ابتسم بخفة، ونظر في عينها بصدق: بس هو كده زي مبيقولوا، الحب أعمى لما بيدخل القلب مبيسيبش مكان لأي مواصفات.

صمت لحظة، وقال بصراحة أعمق: ساعات بحس إني ما استحقكيش.

ثم هز رأسه يرفض الفكرة: وساعات تانية بقول يمكن الدنيا بعتتك ليا بعد كل السنين دي علشان تعوضيني عن كل الوجع اللي عديت بيه.

رمش بعينيه، ولمعت فيهما دمعة خفيفة، وقال بصوت متردد وصادق: ساعات بخاف أخسرك، بخاف أي حاجة تخلينا نبعد، بخاف الدنيا تاخدك مني بعد ما صالحتني بيكي... 

خفض نظره يواجه حقيقة داخله: عارف إن لحد دلوقتي لسه متغيرتش للشكل اللي يليق بيكي!

ثم رفع عينيه لها بسرعة: بس أنا والله بحاول، وهفضل أحاول علشان بحبك..

اقترب منها قليلا، وصوته أصبح أهدأ: بحب الإحساس اللي أنا فيه معاكي وببقى مبسوط، أنتِ الوحيدة اللي حبيتي رشدي بجد وسمعتيه وقدرته.

صمت لحظة، ثم ضحك بمرارة خفيفة: عمر ماحد عمل معايا كده حتى أمي وأبويا، هما أصلا مش شايفيني، ناسيين إن عندهم ابن اسمه رشدي...

ثم أضاف ساخرا: بيفتكروني بس في المصايب، لو المطر نزل في أغسطس، يقولوا رشدي السبب!

ضحكت رغما عنها، فنظر لها باستغراب: بتضحكي ليه؟ ده حقيقي!

ثم أكمل بشرود ووجع: من فترة طلبت منهم مساعدة في حاجة قالولي بعدين عندنا شغل أهم..

تنهد: ساعتها كنت بقول يمكن بقى يشفوني مرة، ويحسوا إني محتاجهم.

ثم هز رأسه: ونسيت إن اسمها "يمكن".

رفع عينيه لها من جديد، وابتسم ابتسامة صغيرة: بس أنتِ معايا وده أهم.

نظرت له بحنان، ورفعت يدها تمسح على خده برفق: أنا هفضل دايما معاك مستحيل ابعد عنك، وهفضل معاك لحد ما تحقق كل حاجة نفسك فيها، انت متعرفش انا شيفاك ازاي، انا شيفاك احسن واحلى راجل في المجره..

ثم فجأة غيرت نبرتها بخفة، محاولة تلطيف الجو: بس قولي بقى اشمعنى الكرنبة؟ مفيش رقصة اسمها كرنبة يا رشدي؟

ضحك قائلا: أيوه ما أنا عارف إن مفيش حاجة اسمها كده!

ثم قال بمكر: بس أنا بحب الكرنب علشان طري ومقلبظ كده!

اتسعت عيناها وضربته على كتفه: تقصد إني تخينة؟!

رفع يديه يدافع عن نفسه: يا بنتي ما أنا بقول ده اللي عجبني فيكي!

ثم قرصها من خدها بمداعبه: ده اللي خلاني أحبك أصلا، أنا راجل بحب الست تبقى مليانة كده ومتغذيه..

انفجرت ضاحكة: يا نهار أبيض! يا ابني انت متربي فين؟ متأكد إنك متربي في قصر الراوي مش في الحواري!

ضحك وهو يهز رأسه: ما هو مفيش أحلى من البلدي!
بقولك ايه ما تجيبي بوسه...

ثم غمز لها بخفة، ومال نحوها، وطبع قبلة خفيفة على شفتيها، اخذ يتبادلان القبله بعشق ثم تحولت تلك القبله لقبله حاره عميقه ووو
♥️________________بقلمي_ليلةعادل 

فيلا عائلة ماسة، 4عصرا.

اجتمع أفراد العائلة في الردهة، يتبادلون الحديث في أجواء يغلب عليها الهدوء والاستقرار.

وفجأة فتح الباب، ودخل عمار بخطوات مترددة، وقال بصوت يحمل قدرا واضحا من الخجل: مساء الخير...

ارتفعت جميع الأنظار نحوه في لحظة واحدة، مزيج من الدهشة والترقب. 

ظلوا ينظرون إليه، فابتلع ريقه وقال بصراحة: أنا آسف.

سعدية معاتبه: أخص عليك يا ابني كل ده غيبه.

اقترب منهم قائلا: حقكم عليا، بس لازم تفهموا إن اللي عملته مكانش جحود ولا نكران لجميل سليم..

تنهد وأكمل: أنا بس كنت زعلان، على اللي حصل مع أختي ومعانا، انا مستحيل انكر فضل سليم علينا وإن هو السبب في كل ده ولولاه كان زماننا لسه خدامين..

رفع عينيه إليهم: بس كان لازم يعرف إن اللي عمله كبير والمسامحه فيه مش بسهولة.

أشار له مجاهد: اقعد يا عمار وفهمنا إيه اللي حصل وغير رأيك؟

جلس قائلا بتوضيح: سليم جالي واتكلم معايا، فكرت في كلامه، وبعد اللي فهمته وعرفته، اكتشفت إنه عنده حق، وان مش معنى إن اختي سامحته وانتم اخترتوا تسامحوه يبقى انا امشي وازعل منكم وازعل منها..

نظر لهم بصدق: والله كل الحكاية اني كنت زعلان علينا ومش عايز حد يقل من كرامتنا، حتى لو ليه فضل علينا.

هزت سعدية رأسها بتفهم: يا ابني إننا نسامح ونقبل الاعتذار ده مش قلة كرامة ده قلب كبير.

ثم أضافت بخشوع: ربنا بيسامح ويغفر لعباده إحنا مين علشان منسامحش؟

تنهد مجاهد براحة: الحمد لله يا ابني إن ربنا رجعك لعقلك ولينا بالسلامة.

تدخلت سلوى وهي تعقد ذراعيها: طب إيه بقى؟ أنت كده فهمت كل حاجة؟ ولا لسه في حاجة فيتاك؟

نظر لها عمار باستغراب: هو سليم اعتذرلي واتكلمنا عادي مقالش أي حاجه تانية، هو في جديد حصل ولا ايه؟

ضحك يوسف بخفة: ده في جديد وجديد كمان!

جلست سلوى بجانبه بحماس: يا حبيبي أنت فايتك فيلم أكشن محترم!

ثم أضافت بنبرة مشوقة: إحنا داخلين على مسلسل تقيل، ولازم تبقى بطل من أبطاله.

رفعت حاجبها: ومش عارفة إمتى هناخد الأدوار بس شكلها قربت.

رمش عمار بعدم فهم: أنا مش فاهم حاجة.

ابتسمت وربتت على كتفه: ركز بس كده وأنا هحكيلك كل حاجة من الأول.

وبالفعل، أخذت تسرد له كل ما حدث في غيابه، كان عمار يستمع إليها مذهولا، ملامحه تتبدل بين الدهشة والغضب وعدم التصديق وما إن انتهت...

قال بصدمة وغضب: هما عملوا في أختي كده؟! يا ولاد الكلب!

ثم تغيرت نبرته وظهر القلق واضحا: طب وماسة عامله ايه دلوقتي؟

ابتسمت سلوى بثقة: لا متخافش، أختك دلوقتي بقت ولا أجدعها ممثلة! فشر سعاد حسني في زمانها.

تنهد بحنين واضح: طب أنا كده مش هعرف أشوفها؟ وحشتني أوي وعايز اصالحها.

هزت كتفيها: مش عارفة بصراحة، بس أنت ممكن تكلمها دلوقتي! استنى هجيبلك الرقم اللي بنكلمها منه.

نهضت مسرعة وصعدت إلى الأعلى.

نظر مجاهد إليه وتساءل: كنت قاعد فين بقى؟

عمار ببساطة: في فندق.

تدخلت سعدية: رغم إني متضايقة منك بس خلاص، أهم حاجة تصفي مع أختك.

وقبل أن يرد، عادت سلوى تحمل الهاتف، مدته له قائلة: خد كلمها من هنا، إحنا مبنكلمهاش غير من التليفون ده.

أخذ الهاتف بيد متوترة، وضعه على أذنه ينتظر إجابتها وقلبه يسبقه إليها.

عند ماسة.

كانت جالسة في الشرفة تستمتع بالغروب، شعورها بالهدوء يملأ المكان، حتى رن هاتفها السري فجأة.

رفعت الهاتف، وعندما رأت اسم العائلة، اتسعت عيناها بسعادة واجابت بسرعة: ألو..

جاءها صوت عمار بحنين: ميسو، وحشتيني!

اتسعت عيناها بصدمه: عمار!

أجابها بحنان: أيوة عمار وحشتيني أوي، طمنيني عليكي

اهتز قلبها وغمرت الدموع عينيها وهي تتوقف: انت عمار بجد! انا مش مصدقه!

تبسم ورد بعينين تلمع بدموع ندم: أنا آسف يا ماسة حقك عليا، مكنش قصدي كل اللي حصل، بس صدقيني ده كله بسبب حبي وخوفي عليكي، ممكن تسامحي اخوكي الغبي.

هبطت دموعها واجابته مسرعه: مسامحاك يا عمار متعتذرش، أنا اللي آسفة، أنا السبب في كل اللي حصلكم.

مسحت دموعها وأكملت بابتسامه: انا مش مصدقه بجد، حاسه اني بحلم، انت وحشتيني اوي، ووالله العظيم اختياري لسليم وقتها مش معناه إنك قليل عندى، أنت أخويا وسندي وافديك بروحي. 

أجابها بهدوء: بلاش نتكلم في الموضوع ده، انا خلاص فهمت كل حاجة، المهم إننا رجعنا تاني غير كدة مش مهم.

هزت رأسها بفرحه: عندك حق أهم حاجه إننا اتصالحنا، ومستحيل نفترق تاني مهما حصل، احكيلي بقي ايه اللي حصل؟

واخذ يتبادلون الاحاديث بسعاده ودفئ، إلي أن استمعت لفتح باب، شعرت بتوتر، وقالت مسرعه: معلش يا عمار مضطره اقفل دلوقتي، هبقي اكلمك تانى.

اغلقت الهاتف بسرعه وأخفته خلف ظهرها، في نفس اللحظة دخل سليم فتنفست بارتياح: خضتني يا سليم، افتكرتك حد تاني! على فكرة لازم نتفق تخبط 3خبطات قبل ماتدخل.

اقترب منها وقبل خدها: ماشي، عملتي شقاوة ايه النهارده؟

هزت رأسها بسرعة: لا خالص! قاعده من الصبح زهقانة.

ثم اقتربت منه بدلال: هو أنت هتفضل حابسني كده؟ حتى أخرج أقعد في الجنينه شوية، زهقت.

مرر يده في شعره بتفكير: المشكلة إني كنت معتمد على فريدة تنزلك بس خلعت، وبعدين ما انا بجيلك بدري اقعد معاكي واعوضك اهو..

تنهد وتساءل: قوليلي صح رشدي جالك تاني؟!

هزت رأسها: لا مشفتوش خالص النهارده، ولا شوفت أي حد، فيه هدوء غريب.

ثم جلست على طرف الفراش بملل: قعدت شوية اتفرج عليه هو ومي، مملين جدا! مبيقولوش أي حاجة مفيدة، زهقت يا شيخ!

تجمد للحظة، وتساءل بدهشه: هو أنتِ بتقعدي تسمعي مي ورشدي طول ما هما مع بعض؟!

أجابت ببساطه: آه طبعا! مش أنت قولتلي محدش هيسمعهم غيري؟ فبقعد اسمع لحسن يفوتني حاجة! بس قالها ترقصله وكان في نظرات مريبة منه، حسيت اللي جاي مش مؤدب، فقفلت.

تنهد يمرر يده على وجهه بإرهاق، ثم جلس أمامها: يا ماسة يا حبيبتي الله يهديكي متسمعيش غير الكلام المهم، لو في حاجة تخصنا بس..

أضاف بجدية: أنا كده كده متأكد إن مي مستحيل تكون عارفة حاجة، بس علشان بطلت اثق في حد مخليكي تسمعيها هي كمان لاحسن تفاجئنا..

هزت رأسها بطاعة، وقالت بتذكر: صحيح كنت هنسي، مش أختك حد بعتلها صور لعماد ودبت معاه خناقه، بس الواد عماد يا نهار! أقسم بالله ممثل عالمي ده انا اللي عارفه أنه بيخونها اقتنعت، قلب الترابيزه عليها.

نظر لها بابتسامه واثقه: عارف! ما أنا اللى بعتلها الصور.

اتسعت عيناها بدهشه: أنت! أزاى!!

أجابها مفسرا ببساطه: مفيش، رشدي عمل فيا جميله وهدده بالصور دي، فخليت إيهاب يهكر فون رشدي ويجيبهم منه وبعتهم لصافي علشان اوقعهم في بعض، وكل واحد يجيب اللى عنده. 

نظرت له بدهشه، ثم اقتربت تقرص خده بطفوله: يخلاااثو يا سلوملوم بقيت خبيث أوي.

صمتت لحظه، ثم تساءلت بابتسامه ماكرة: وبمناسبة الخبث، مش عايز تقولي حاجة؟

نهض يخلع جاكيت بدلته: حاجة إيه؟

ابتسمت بمكر: حاجة كده عملتها.

نظر لها بعدم فهم: حاجه زى ايه مش فاهم!

وقفت أمامه، ووضعت يدها حول رقبته بدلال: زى إنك روحت لعمار وكلمته.

اتسعت عيناه، ورفع حاجبه بدهشه: طب كويس والله انه كلمك بالسرعه دي، متوقعتش انه يتأثر بسرعه، احكيلي إيه اللي حصل؟

نظرت له بعيون تلمع بالسعاده: اعتذرلي! وقال إنه عايز يشوفني، وكمان راح لبابا وماما واعتذرلهم.

ثم تساءلت بفضول: وبعدين أنت قولتله إيه، دى أنت ولا اللي سحر له.

ابتسم بهدوء، وهز كتفيه ببساطة: مقولتش حاجه غريبه يعني؟! بس يمكن خليته يشوف الصورة من زاوية تانية، خليته يحس بالنعمة اللي عنده، غيره يتمني يبقي عنده عيله بتحبه بجد مش مجرد صوره قصاد المجتمع.

نظرت له بتأثر، واحتضنته بقوة، دافنة وجهها في صدره: ما أنا معاك أهو، مش أنا كل عيلتك؟

ضمها إليه، ومرر يده على شعرها برفق، وهمس بصوت دافئ: أنتِ كل الدنيا، مش بس عيلتي يا ماسة.

رفعت عيناها بعتاب خفيف: طب انت ليه مقولتليش إنك هتروحله؟! 

أجابها ببساطه: واقولك ليه؟ علشان استعرض؟ بعدين انا اصلا مكنتش عارف كلامي هياثر فيه ولا لا، كانت محاوله والحمد لله نجحت. 

ضمته مره اخرى بشوق وحب: انا بحبك اوي يا سليم.

بادلها العناق، قائلا بعاطفه: وسليم بيعشق التراب اللى بتمشي عليه يا قطعة السكر..

ابتعد عنها قليلا، وأمسك وجهها بين يديه، وازاح خصلاتها للخلف، وقال بعشق وهو يركز النظر في عينيها: أزاي ممكن أعرف إن فيه حاجه مضيقاكي واسكت؟ أنا كنت مقرر اروحله بعد الاجتماع قبل مانيجي القصر حتي لو هيضايقني بالكلام بس مش مهم، أهم حاجة يصالحك ومشوفكيش زعلانه كده ابدا.

تنهد بثقل، وتابع: بس لأسف بقي حصل اللى حصل يومها وانشغلت معاكي بعدها... 

أظلمت عيناها بحزن حينما تذكرت ما حدث لها، فقال بنبرة مرحه محاولا تشتيها حتي لا تتذكر وتحزن ثانية: بقولك ايه أنا ميت من الجوع، تيجي نطلب أكل من بره، واقولهم إني بجوعك وباكل قدامك علشان أعذبك.

ضحكت رغما عنها، وضربت كفها بكفه بمرمح: أيوه بقي يا سلوملوم، هو ده. 

ثم اندفعت تحتضنه مره أخري، كأنها وجدت فيه ملاذها.

فى الحديقة

كان عماد يلتفت حوله يتأكد أن لا أحد يسمعه وهو يتحدث في الهاتف بصوت منخفض: يعني هي طلبت منك تراقبني؟

جاءه الرد: أيوه يا باشا لسه قافله معايا وطلبت تقرير يومي بكل تحركاتك، وأنا قولت ابلغك.

عماد: تمام يا فتحي، أنا هبقي اقولك تقولها ايه، وحسابك هيوصلك وزياده شويه علشان ولائك ده.

فتحي بفرحه: أنا تحت أمرك يا عماد باشا.

أغلق معه، وتمتم بغضب: ماشي يا رشدي الكلب، أنت اللى بدأت، أتحمل بقي.

ثم أرسل رسالة إلى سارة: الفترة دي مش هينفع نتقابل، رشدي باعنا لصافيناز وبعتلها الصور.

ثم مسح الرسالة وأعاد ترتيب هاتفه، وفي هذه الأثناء، لمح عثمان يتحرك بين الحراس، فاقترب منه: أنت جيت، كنت مستنيك.

عثمان بارتباك: انت اتجننت! جاي تقف معايا؟

ابتسم عماد بمكر: أنا بمسي عليك عادي.

ثم تساءل: رجعت إمتى؟

رد عثمان باختصار: النهارده.

ابتسم عماد: كويس الفترة الجاية محتاجلك

أومأ عثمان بارتباك وتحرك مبتعدا، بينما وقف عماد مكانه يفكر بشرود في كيفية الانتقام من رشدي.

في صباح اليوم التالي، 10صباحا.

استيقظ رشدي ونهض بهدوء، أخذ حماما سريعا وبالطبع لم ينس جرعته.

خرج بعدها وبدأ في تبديل ملابسه، وفي تلك اللحظة بدأت مي تستيقظ ببطء.

نظر إليها عبر المرآة: صباح الخير.

فركت عينيها بنعاس وهي تعتدل في جلستها: صباح النور، هو إحنا هنروح لجنة دلوقتي؟

هز رأسه بنفي: لا الدكتور قال بكره، وأنا بلغتهم.

تساءلت: يعني مش هتروحلها النهاردة؟

هز رأسه نافيا: لا مشغول.

فكرت لحظة، ثم قالت وهي تنهض: طب إيه رأيك أروحلها أنا علشان متزعلش، وكمان اجيبلها شويه لعب وكده.

أضافت بتأثر، وهي تزم شفتيها: بصراحة، البنت دي صعبانة عليا، أنا أكتر واحدة حاسة بيها، حاسة إنها مفتقدة أمها وباباها، فحابة أكون جنبها..

هز رأسه موافقا: ماشي روحي، بس هتعرفي تروحي لوحدك؟

ابتسمت بإحراج خفيف: بصراحة لا، بس ممكن اركب تاكسي.

رفع حاجبه بسخرية: وأنا جايبلك العربية علشان تركبي تاكسي؟ فين الشجاعة بتاعت امبارح؟

ضحكت بخفه: كانت شجاعة مؤقتة، وغيرتي عليك هي اللي قوتني.

وتابعت تحاول إقناعه: وبعدين هكلمك لو توهت.

هز رأسه وهو يلتقط ساعته: خلاص البسي وهاخدك في طريقي لأقرب نقطه وبعدين اركبي تاكسي، بس بسرعة علشان عندي اجتماع ومينفعش أتأخر.

هزت رأسها بحماس: ماشي.

وبالفعل، أسرعت تبدل ملابسها، وهبطا معا إلى الأسفل، كان وقت الإفطار قد مر، ولم يتبق في القصر أحد، إذ كان الجميع قد توجهوا إلى المجموعة.

تحرك رشدي بسيارته، وأوصل مي إلى مكان قريب، ثم هبطت واستقلت سيارة أجرة، بينما اتجه هو إلى المخزن حيث تحتجز منى، لأعطاها الحقنه المخدرة بيدة، فهو يشعر بنوع مظلم من الرضا عندما يقوم بذلك، وكأن ذلك انتقامه الخاص، أن يدفعها لتذوق ما ذاقه يوما.

مجموعة الراوي،10صباحا.

جلست صافيناز خلف مكتبها شاردة الذهن، لا تزال تفكر في أمر تلك الصور والرسالة التي وصلت إليها.

ورغم أن حديث عماد هدأها قليلا، إلا أن الشك بدأ يتسلل إلى داخلها، كأول مسمار يدق في نعش علاقتهما.

قاطع شرودها دخول فايزة: صافيناز محتاجة أتكلم معاكي شوية.

رفعت عينيها نحوها: اتفضلي يا مامي.

جلست على المقعد امامها: أنا بفكر نهرب ماسة ليلة الحفلة، الزحمة هتكون في صالحنا، الباشا هيجهز باسبورتات بأسماء مزورة، والموضوع هيتم بسلاسة.

أومأت صافيناز ببطء: فكرة كويسة، الحفلة هيبقى فيها حركة كتير ومفيش تركيز.

زمت فايزة شفتيها: بس موضوع موتهم لازم يبقى مقنع، الباشا مش هيغامر بسفينه علشان ماسة وأهلها، دول بالنسبة له ولا حاجة.

هزت صافيناز رأسها: عنده حق.

اومات فايزة: خلاص نقعد مع عماد ونتفق على كل حاجة، بتعجبنى افكاره الشيطانية.

تسألت صافيناز: ورشدي؟

لوحت بيدها بإهمال: انسيه خالص، رشدي دلوقتي مش مضمون.

أومأت صافيناز بملل: تمام يا مامي، شوفي هتعملي إيه وأنا هكلم عماد.

دققت فايزة النظر في ملامحها وتساءلت بشك: في ايه مالك؟

تنهدت ومدت يدها بالهاتف: امبارح جاتلي رسايل مش لطيفة خالص، صور لعماد مع سارة.

أخذت الهاتف، وبدأت تتصفح الصور بهدوء، ثم ابتسمت بسخرية: الصور مفيهاش حاجة يا صافي!

صافيناز بتوتر: عارفة... بس أنا-

قاطعتها بعقلانية: تبقي غبية لو شوية صور ورسايل تافهة زي دول يخلوكي بالشكل ده! أنتِ صافيناز الراوي فاهمة يعني إيه؟

نظرت لها بوجع: مامي أنتِ عارفة يعني إيه عماد يخوني مع صاحبتي؟

رفعت حاجبها ببرود: مفيش راجل مبيخونش ياصافي، ده طبيعتهم، خصوصا بعد سنين جواز، المهم قدام الناس هو متجوز مين.
شدت صافيناز على أسنانها: مامي أنا غيرك، مقدرش اعمل كدة؟! واغمض عيني، أنا عايزة أتأكد.

هزت فايزة رأسها: في حاجات لما بنتأكد منها بتوجعنا، بعدين هتستفيدي إيه؟

صافيناز بحدة: لو طلع بجد هقتلهم بإيدي.

ابتسمت فايزة بسخرية: لو قتلتيها هي مفيش مشكلة ..

ثم أضافت ببرود ماكر: انما عماد؟ لا، عماد مش راجل عادي نرميه، إحنا دلوقتي محتاجينه يبقى في الصورة؛ لأن يوم ما كل حاجة تنكشف هو اللي هيبقى الكبش اللي نضحي بيه علشان ننقذ نفسنا.

رمشت صافيناز بعينيها، وصوتها خرج مهتزا: أنا بحبه يا مامي، عماد كل حياتي، أنا عملت كل حاجة عشانه، ومستعدة أحرق الدنيا كلها عشانه، أزاي بعد ده كله يخوني؟

نظرت لها نظرة ثابتة، وقالت بهدوء عملي: أنا قولتلك يا صافي بلاش تحبيه بالشكل ده، وخليه هو اللي يحبك، علشان اللحظات دي! شايفة نفسك عاملة أزاي دلوقتي؟ ضعيفة.

ثم أضافت بصرامة: مينفعش تبقي بالضعف ده، أنتِ من عيلة الراوي، اللي يخلينا نضعف نتخلص منه.

صمتت لحظة، تراقب ملامح ابنتها التي اغرورقت عيناها بالدموع، ثم تنهدت وقالت: طب هو قالك إيه؟

مسحت صافيناز دمعة خانتها، وقالت: قال إنه شافها صدفة وسلم عليها، وأن ممكن يكون رشدي هو اللي بيعمل كده علشان يوقع بينا.

عقدت حاجبيها باستغراب: ورشدي هيستفيد ايه لما يعمل كده؟

أجابت بضيق: يمكن علشان اللي عملناه مع ماسة..

ثم زفرت باختناق: أنا مش عارفة يا مامي، انا مخنوقة ومش قادرة أفكر.

اجابتها بحسم: حطيه تحت الميكروسكوب هو والبنت دي، علشان نتأكد فعلا صدفة ولا في حاجة.

هزت صافيناز رأسها: أنا فعلا عملت كده وكلفت حد يراقبه.

فايزة بفخر: برافو يا صافي، تصرف سليم وعقلاني، كده أنتِ بنتي صح.

وتابعت بوعيد: ولو اتأكدنا إنه بيخونك، وقتها سيبيلي أنا الموضوع.

أومأت صافيناز ببطء، أكملت فايزة: المهم خلونا نركز دلوقتي في موضوع ماسة أهم، بالليل نجتمع ونظبط كل حاجه.

ردت باختناق: حاضر يا مامي.

ثم فتحت درج مكتبها بعصبية، وأخرجت علبة صغيرة، أخذت منها حبتين، ثم التقطت كوب الماء وابتلعتهما دفعة واحدة.

حدقت فيها فايزه بنظرة مستغربة، وقالت باعتراض: الدوا اللي بتاخديه ده إيه نظامه؟ مش شايفة إنك زودتيها الفترة دي؟ أنا مش ناقصة يبقى عندي اتنين مدمنين.

صافيناز بضجر: مدمنين ايه يا مامي! ده مهدئ، أعصابي تعبانة، هو أنتِ مش شايفة اللي بيحصل حوالينا؟

مالت نحوها تدقق في ملامحها بجدية: أنتِ اللي مش شايفة نفسك، بصيتي في المراية آخر مره امتى؟ الهالات اللي تحت عينك اللي بتغطيها بالمكياج، وعصبيتك، وإيدك اللي بترتعش، والمهدىء اللي مبقتيش تقدري تستغني عنه؟! شايفه ان كل ده طبيعي؟! 

ضحكت صافيناز بسخرية مريرة، وهي تفرد ذراعيها:
حضرتك شايفة إننا عايشين في جو طبيعي؟! إحنا في كارثة! حاجة واحدة بس لو اتكشفت هتوقع كل حاجة وراها!

تنهدت فايزة بضيق: عموما اللي أنتِ فيه ده مش طبيعي، بس خلينا نخلص من ماسة الأول ونهربها، ونقفل الملف بشهادة وفاتها، وبعدها نشوف موضوع الحبوب دي لأني مش هقبل يبقى عندي اتنين مدمنين.

نهضت من مكانها، وتوجهت نحو الباب، ثم التفتت لها: وحوار عماد حتي لو حقيقي ميستهلش توصلي نفسك لكده بسببه.

خرجت وأغلقت الباب خلفها، بينما ظلت صافيناز تحدق في الفراغ، وأفكارها تتصارع داخل رأسها.

القلج،11ظهرا

هبطت مي من السيارة الأجرة، تحمل عدة أكياس، طرقت الباب، ففتحت لها إسعاد بابتسامة: أهلا وسهلا يا بنتي اتفضلي.

دخلت مي قالت بلطف: صباح الخير، رشدي قالكم إن العملية اتأجلت؟

هزت رأسها: آه، كلم رحمه قبل ماتروح شغلها اصلها كانت هتاخد أجازة النهارده، بس قالت تروح شغلها مادام اتأجلت، وهتاخدها بكرة إن شاء الله.

تنهدت مي: ربنا معاها، هي فين جنة؟

أشارت إسعاد: في اوضتها، اتفضلي ياحبيبتي.

تحركت نحو الغرفة، فوجدت جنة مستلقية على بطنها على الأرض ترسم، ويبدو أنها أصبحت أفضل قليلا.

ابتسمت مي بحنان: إيه الجمال ده؟! ده إحنا النهارده بقينا حلوين خالص!

رفعت جنة عينيها، ونهضت بسرعة: ميييي!

إسعاد بتنبيه: اسمها طنط مي ياجنة عيب كده.

هزت رأسها بعناد طفولي: لا! هقولها مي، هي هتبقى صاحبتي زى رشدي!

رمقتها إسعاد بحزم: عيب يا جنة، اسمعي الكلام.

لكن مي انحنت تقبل خدها: سيبيها براحتها، تقول اللي هي عايزاه.

ثم نظرت لجنة بعينين دافئتين: وأنا موافقة نكون صحاب بس بشرط.

سألت جنة بحماس: إيه هو؟

مي بخفة: تسمعي الكلام، وتاكلي كويس.

ضحكت جنة، ووافقت فورا، ثم نظرت حولها وتساءلت: هو فين رشدي؟

ابتسمت مي وهي تضع الأكياس: لا رشدي مجاش، عنده شغل كتير النهارده، بس قالي لو خلص هييجيلك، وبعتلك معايا شوية حاجات بصي.

اتسعت عينا جنة بسعادة، وأخذت الأكياس تفتحها بحماس: الله! حلوين خالص!

ثم أمسكت بالألعاب وقالت بفرحة: تعالي العبي معايا بيهم!

ضحكت مي: يلا بينا.

إسعاد: تشربي إيه يا بنتي؟

مي بابتسامة: ولا أي حاجة يا طنط، متتعبيش نفسك.

ردت باصرار: لا والله أبدا، أنا كنت هعمل فطار أصلا علشان جنة، تفطري معانا بقى يمكن تاكل.

مي وهي تداعب شعر جنه: لا طالما علشان جنه يبقي ناكل سوا.

وبالفعل، ذهبت إسعاد لتحضير الفطور، بينما جلست مي تلعب مع جنة، تحاول أن تدخل البهجة إلى قلبها الصغير، تتعامل معها بحنان واهتمام، وكأنها تعوضها عن شيء تعرفه جيدا.

اجتمعوا بعدها على مائدة الفطور، وتناولوا الطعام معا، وسط ضحكات جنة المتدللة عندما تفتعل مي قصة طائرة جديدة بين كل لقمه والأخرى لإطعامها. 

مر الوقت سريعا بين لعب وحديث خفيف، ودفء نادر في بيت بسيط.

وبعد عدة ساعات، نهضت مي تنوي الذهاب لوالدها: أنا مضطره امشي بقي، خدي ده رقمي يا طنط، لو حصل أي حاجة، أو رشدي كان مشغول ومردش كلميني علطول.

ابتسمت إسعاد بامتنان: ربنا يخليكي يا بنتي.

لوحت لجنه: باي يا جنة.

لوحت جنة هي الأخري: باي يا مي.

غادرت بابتسامة هادئة، وقلبها ممتلئ بالرضا، سعيدة لأنها استطاعت أن تدخل الفرحة إلى قلب جنة، وتشعرها ببعض الحنان ولو لوقت قصير.

مجموعة الراوي3مساء

جلس سليم خلف مكتبه، بينما كان مكي يجلس امامه يحتسى قهوة

سليم بعملية: المهم، أنا عايزك تخلصلي حوار آلاء ده، وهات لماسة محاضرتها هي كمان، اهي تلاقي حاجه تشغلها بدل ما هي قاعدة لوحدها.

هز مكي رأسه: حاضر، بكره باذن الله هتكون كل حاجه عندك.

اومأ سليم بصمت.

دقق مكي النظر في ملامحه، كان يبدو عليه الضيق فسأله: مالك يا سليم؟ شكلك مش عاجبني؟!

زفر بضيق: رجوع رشدي دى خانقني، حاسس في مره هفقد أعصابي عليه ومش هقدر اسيطر على نفسي.

أشار مكي بيده مهدئا: لا والنبي يا سليم اهدى بلاش جنان، متبوظش كل اللى عملته.

ضغط على أسنانه بضجر: غصب عني يا مكي، كل ماشوفه عايش حياته عادى، وافتكر اللي عمله في ماسة، ببقي نفسى افضي رصاص مسدسي في قلبه، لا وكمان بيمثل عليا دور الملاك وقال ايه جاي يصالحني علي ماسة!

مرر يده في شعره بعصبية: نفسي أفهم اللي في دماغه، أنا متأكد إن في فكرة وس،خة في دماغه، اكيد رشدي مبقاش محترم وضميره صحي فجأة كده، دي لو إبليس نفسه تاب، رشدي ميتوبش...

زفر باختناق وهو يضيف: مش عارف أعمل إيه؟! أنا مخطط وعارف هنتقم من كل واحد أزاى، إنما هو مش ماسك عليه حاجه، ولو روحت قولت لمراته مش عارف هتصدق ولا لا، ومش عايز العب علي المكشوف دلوقتي..

نظر لمكي وقال بصوت يختنق بالألم: قولي اعمل ايه يا مكي؟ اكسره ازاى زى ماكسر مراتي وهي بيتي وفي اوضة نومي؟

تبسم مكي ببساطه: رشدي مش صعب يتلعب عليه، هو مبيكرهش حد قدك، اقنع الباشا يرجعه طيشه تاني، او اعمل كام موقف جدعنه قدام مي وخليها تشكر فيك قدامه وتنبهر بيك، ده انت ممكن وقتها تخليه ينتحر.

صمت سليم يحدق في الفراغ بتفكير: ممكن هفكر...

قاطع حديثهم طرق على الباب، ثم دخلت نور تحمل ملفا في يدها، قدمته باحترام: سليم بيه، ده التقرير اللي حضرتك طلبته عن إنشـاءات مشروع الكباري.

أخذ الملف وبدأ يتصفحه سريعا: هو كده المفروض كام كوبري اشتغل؟

أجابته: أعتقد3، كل حاجة مكتوبة عند حضرتك يا فندم.

أغلق الملف بهدوء: تمام يا نور، اتفضلي.

تحركت إلى الخارج، بينما عاد سليم ينظر أمامه، وعقله لا يزال غارقا في أفكاره المعقدة، وفجأة ارتسمت ابتسامة غريبة على وجهه: لقيتها !

نظر له مكي باستغراب، فاعتدل في جلسته وتابع: أنا عرفت هجننهم وألففهم حولين نفسهم أزاي.

ضيق مكي عينيه بتوجس: هتعمل إيه؟

سليم بهدوء مخيف: أنت اللي هتعمل، هتروح مشوار صغير لكوبري من الكباري..و

اتسعت عينا مكي: لا يا سليم مينفعش دي أرواح ناس.

رد سريعا: اسمعني بس.

مكي برفض قاطع: قولت لا يا سليم، فكر في أي حاجه تانيه إنما أرواح الناس لأ.

مال للأمام، ونظر له بثبات: ومين قالك إني هقتل ناس ملهاش ذنب علشانه؟ نشوف كوبري لسه مشتغلش بس يكون مهم، ونوقعه..

توقف لحظة، ثم أكمل بشيطانيه: وباقي الكباري اللي اشتغلت، نضرب تقاريرها، ولحد ما لجنة الفحص تيجي، وتثبت إن التقارير دي مش حقيقيه، يكون حصل بلبلة..

نظر له مكي بصدمة، بينما واصل سليم بفحيح: وساعتها المشروع هيتسحب مش من رشدي بس! من المجموعة كلها، يعني ضربتين في ضربة واحدة...

ارتسمت ابتسامة باردة على وجهه: نخسر عزت ملايين، ونهد سمعة العيلة في أهم وقت، وقت افتتاح مصنع البترول، فالبورصة تقع، والمستثمرين يسحبوا اسهمهم، ووقتها عزت مش هيلاقي غير رشدي يفش غله فيه، وبكدة ابقي رذلت على الاثنين، لحد ماضرب الضربه القاضيه يوم الحفله.

صفر مكي بإعجاب: يخرب بيت دماغك، الله يعين اللي يقع تحت إيدك.

سليم ببرود: هم اللي بدأوا والبادي أظلم.

مال للأمام وقال بنبرة خطره: المهم ركز معايا، واسمع اللى هقولك عليه...

علي اتجاه آخر، عند مكتب عزت

وقف عمار أمام السكرتيرة وتساءل: عزت باشا موجود؟ 

اومأت له: أيوه يا فندم، اقوله مين؟

قاطعها وهو يتحرك: لا أنا اللي هبلغه.

تقدم نحو الباب، بينما لحقت به السكرتيرة: يا فندم كده مينفعش!

في الداخل، كان عزت يجلس مع فايزة وبعض المديرين يتناقشون في العمل، قبل أن يقطعهم دخول عمار وهو يصيح ساخر: أهلا وسهلا بالناس المحترمة! اللي بتكون قدام الناس ملايكة، وفي الحقيقة الشيطان يخجل منهم. 

وقفت فايزة بحدة: انت بتقول ايه يا امعه انت، مين دخل الحشرة دي هنا؟!

نظر لها عمار باشمئزاز: أنا مش حشرة يا فايزة هانم أنتوا اللي حشرات..

اتسعت عيناها بصدمه: انت اتجنيت، بتكلم اسيادك كده؟! نسيت نفسك يا خدام يا فلاح، فعلا اوباش.

نظر له عزت نظره قاتمه: عايز ايه يا ولد، عامل دوشه كده ليه؟!

صرخ بهم: انا عايز اختي اللي ابنكم خاطفها ومانعنا عنها سنين، لازم تعرفوا اني مش هسكت وهفضحكم في كل حتة.

فايزة باحتقار: ده ولد قليل الأدب ولازم يتربى! ارموا بره.

حاوله المديرين المتواجدين ان يسحبوه للخارج بعد ان قامت السكرتيرة بالاتصال بالأمن.

اشتد صوت عمار: اتربى؟! طب ربوا ولادكم الأول!
أنا مش هسيبكم لو هدفع عمري كله.

تقدم عزت نحوه بغضب: اللي بتعمله ده مش هيعدي بالساهل يا عمار، وهتدفع تمنه غالي! 

رد، وعيناه تشتعلان: هتعملوا إيه أكتر من اللي عملتوه في أهلي وفي ماسة؟!

صرخت فايزة للمديرين الذين يمسكون به: فين الأمن يرموا الحشرة ده بره.

قاومهم وهو يصرخ: مش همشي غير لما أقابل سليم! سليم يا سليم ..

اخذو يدفعوه للخارج بشده في الممر وهو مازال يصرخ.

في الأسفل

كان عشري يقف يحتسي كوبا من القهوة، انتبه إلى حركة غير طبيعية من رجال الأمن، يندفعون إلى الداخل بسرعة، فامسك بذراع أحدهم متسائلا: في حاجة جوه ولا إيه؟

أجابه الرجل بسرعة: بيقولوا أخو مدام ماسة عامل خناقة مع الباشا والهانم!

اتسعت عينا عشري، وألقى بالكوب من يده، ثم ركض مسرعا.

في ممر 

كان عمار ما يزال يصرخ بعنف، بينما بعض المديرين يدفعون به للخارج: فين سليم؟! خلوه يطلعلي! ويقابلني رجال لراجل.

في تلك اللحظة، اندفع الحراس إلى الداخل.

صرخت فايزة: خدوه! ارموه بره! وربوه خلوه يعرف ازاي يكلم اسياده.

اخذ الامن يدفعون به وهو يقاوم ويحاول ابعادهم!

عند سليم 

كان لايزال منهمكا مع مكي في التخطيط لما يريدون فعله، وقطع تركيزهم أصوات ضوضاء قادمه من الخارج.

عقد سليم حاجبيه: إيه الدوشه اللى برا دى؟ 

هز مكي رأسه: مش عارف، ماتشوف في الكاميرات علي الاب عندك. 

وفجأة اقتحم عشري المكتب وهو يقول بأنفاس متسارعة: سليم! الحق عمار هنا وعامل مشكلة!

تبادل سليم نظرة سريعة مع مكي، ثم اندفع خارج المكتب مسرعا، وخلفه مكي وعشري، ليجد الحراس يسحبون عمار بعنف.

صرخ بصوت جهوري: إيه اللي بيحصل هنا؟! نزل ايدك انت وهو، سبوه.

عمار بسخرية لاذعة: أهلا بالمحترم، اللي عامل فيها ابن ناس! وهو في الاصل عارف نفسه..

نظر له سليم للحظة، وعلامات الحيرة ترتسم على وجهه، لم يفهم سبب مجيئه، فالأمور قد انتهت بالفعل، وتصالح مع شقيقتة، ومن المفترض أنه استوعب كل ماحدث.

أدار بصره سريعا حوله، فوجد نظرات عزت وفايزة مثبته عليه ينتظرون رد فعله.

بحث في عقله عن حل سريع لهذا الموقف، فهو لا يريد الصراخ عليه فيكفي ماحدث بينهم من قبل، ولكنه مضطر للحفاظ علي ما بدأه.

أشاح نظره وقال بحده متوترة: امشي ياعمار باحترامك، بدل ما المره دى الرصاص تبقى في نص دماغه مش في الهوا. 

رمق مكي بنظرة ذات معنى قائلا: خده من هنا يا مكي، ولو عتب هنا تاني اكسرله رجله. 

فاندفع مكي يمسك بعمار محاولا إنهاء ذلك المشهد سريعا قبل أن يتفاقم الأمر، بينما صاح عمار بنبرة متحدية وهو يغادر مع مكي: مش هسيبك يا سليم، وهتشوف يا أنا يا أنت!

سحبه مكي للخارج، بينما ظل سليم واقفا مكانه، ملامحه متصلبة، وعقله يضج بالتساؤلات، لم يكن يريد أن يصل الأمر لهذا الحد لكنه مضطر أن يفعل ذلك أمامهم.

اقتربت منه فايزة، وقالت بضيق: لازم تخلصنا من القرف ده، شوفت الفضيحة؟ علشان تروح تناسب شوية رعاع!

عزت بنظر شرسة: سليم انا مش هسمح إن التطاول دي يتكرر تاني.

التفت له ببرود قاتل: متقلقش يا باشا أنا هعرف كويس أعلمه الأدب وحالا.

ثم تحرك مبتعدا بخطوات سريعة.

في الأسفل.

كان مكي يدفع عمار بعصبية وهو يتمتم: إيه اللي انت عملته ده يا بني؟! كنت هتبوظ كل حاجة

أخذ يدفعه بقوة محسوبة؛ لم تكن عنيفة، لكنها بدت كذلك لمن يراها، استمر في دفعه حتى خارج المجموعة.

لحق بهم سليم، توقف امامه وقال بحده مفتعله: أنت أزاى تيجي لحد هنا وتعمل اللي عملته ده؟! هتدفع تمن اللي عملته دى غالي!

ثم دفعه بقوة وفتح باب السيارة بعنف وأدخله فيها، وصاح في مكي: اطلع يا مكي.

صعد مكي وبدأ يقود، وعمار في الخلف كان هادئ بشكل غريب.

ساد الصمت لثواني داخل السيارة، قبل أن يقطعه سليم بنبرة منخفضة: إيه اللي أنت عملته ده يا عمار؟ هو أنا مش جيتلك امبارح وخلاص صالحت اختك؟ أنا بجد مش فاهمك!

نظر له عمار بحده: بتسألني أنا؟ اسأل نفسك، هتفضل طول عمرك زى ما أنت، عمرك ماهتتغير.

سليم بتبرير متوتر: أنا كنت مضطر أعمل كده قدامهم، هو محدش فهمك اللى حصل؟

عمار بهدوء: فهمت كل حاجة...

وارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة فجأة: وجيت العب معاك، هما كانوا محتاجين حد فينا يعمل كده، يظهر كأنه عايز يشوف ماسة ويتخانق معاك لانك رافض. 

اتسعت عينا سليم، ثم ضحك: يخرب بيت دماغك، ده أنا صدقتك!

غمز عمار بمكر: علشان تعرف إن تمثيلي عالي برضو، وممكن اخد دور في المسلسل ده.

نظر مكي إلى عمار معاتبا: طب يا عم كنت ابعتله رسالة ونبهه بدل مانشفت دمنا!

عمار بتبرير: ما أنا معيش أرقام أقدر أوصله منها، وبصراحة الفكرة جتلي فجأة.

ابتسم سليم بهدوء: المهم إنك تكون سامحتني ومش زعلان مني بجد.

تنهد عمار، وهز رأسه: اممم، سامحتك..

ثم أضاف برجاء: بس أوعدني إنك متزعلش ماسة تاني، ولا تخلي حد يأذيها، ودفعهم ثمن اللي حصل زمان واللي حصل دلوقتي. 

أومأ سليم بثبات: متقلقش كل اللي أذاها، هيبكي بدل الدموع دم.

أومأ عمار وهو يقول بنبرة موضحه بثقل: صدقني يا سليم، أنا معملتش كده عشان أنا وحش، بس كنت موجوع على أختي، اللي حصل منك مكانش سهل وأنا مكنتش هشوف نفسي راجل لو قبلت الإهانة وعديت بسهوله.

مد سليم يده وربت على كتفه: فاهمك، أهم حاجة عندي دلوقتي علاقتك بماسة تتحسن.

عمار بتساؤل: طب انا مش هعرف اشوف ماسة خالص؟

هز سليم رأسه: لا طبعا هتشوفها، بس استني شويه..

تابع بتنبيه: وتاني مره متعملش اي حاجة من غير اتفاق، وهبقي ابعتلك الارقام اللى تقدر تتواصل معايا عليها.
❤️____________بقلمي_ليلة عادل

قصر الراوي، 5مساء

دخلت مي القصر، فاستقبلها أحد الخدم: حمد الله على السلامة يا هانم.

ابتسمت بخفوت: الله يسلمك، في حد موجود؟

اجابتها: لا يا هانم، مفيش غير الست ماسة في أوضتها.

زفرت بضيق، وأشارت لها: ماشي، اتفضلي أنتِ.

تحركت نحو الدرج، ودخلت غرفتها بملل بدلت ملابسها وارتدت ترنج بيتي مريح، وتوجهت إلى جناح ماسة.

عند ماسة

كانت جالسة تشاهد التلفاز وتتناول بعض المكسرات.

طرق الباب، فاتسعت عيناها بقلق وسارعت تخفي الطبق أسفل الأريكة وتغلق التلفاز، قبل أن تقول: ادخل.

دخلت مي مبتسمة باستحياء: مساء الخير، قولت أجي أقعد معاكي شوية، من وقت مارجعت متقابلناش.

أومأت ماسة برأسها: طبعا اتفضلي.

دخلت مي لكنها توقفت فجأة، عندما رفعت عيناها علي وجهها وتساءلت بقلق: إيه اللي في وشك ده؟

تجنبت النظر إليها، وقالت بارتباك: عادي، متشغليش بالك.

اقتربت مي أكثر، وأمسكت بذقنها وعيناها تتسعان بصدمة: عادي إيه بس، مين اللي عمل فيكي كده؟! مش معقول سليم؟!

أبعدت ماسة وجهها، وقد بدا عليها التردد فهي لا تحبذ ان تكذب عليها لاكنها مضطرة: لا سليم.

اتسعت عينا مي، ورفعت يدها إلى فمها بذهول: الحيوان ده ضربك ليه كدة، وازاي تسكتيله؟!

تنهدت وهي تقول بهدوء متعب: الموضوع كبير يا مي، وعلي فكرة أنتِ مش هينفع تفضلي هنا معايا.

مي بأحراج: أنا أسفه إني بفرض نفسي عليكي بس انا قولت نكون اصحاب؟

نظرت لها ماسة بصدق: تفرضي نفسك ايه بس متقوليش كده يا حبيبتي، والله نفسي تقعدي معايا ونتكلم، انا اصلا نفسي أخرج من الأوضة دي، بس أنا خايفة عليكي، لو حد شافك معايا، ممكن تحصل مشكلة كبيرة، وسليم ممكن يضربني تاني علشان دخلتك.

اشتعل الغضب في عيني مي: إيه الهمجية دي؟! يضربك ليه؟! أنتِ عايزة تقولي إنه حابسك هنا غصب عنك؟!

أومأت ببطء: أيوه، ومانع إن حد يكلمني.

شهقت مي بذهول، وأمسكت بيدها: لا، كده كتير! تعالي ننزل الجنينة، وتحكيلي كل حاجة.

سحبت ماسة يدها، وعيناها امتلأتا بالخوف: بلاش والنبي يا مي، سليم هيضربني.

احتضنتها بحنان: متخافيش أنا معاكي، ولو فكر يعملك حاجه هخلي رشدي يقف له! مفيش اي حاجة تبرر إنه يضربك ويحبسك كده! أحنا مش في سجن!

تنهدت ماسة، وهي تشيح بوجهها: خلاص بقى يا مي مش مهم، خلينا قاعدين هنا وشويه وامشي قبل ماييجي.

هزت رأسها بعناد: لا والله أبدا! هتنزلي معايا ولو عمل حاجة أنا اللي هقفله! في إيه؟ اسكتي بقى، منظرك ده مخليني متعصبة بجد!

ثم توقفت وسحبتها بلطف: يلا تعالي معايا.

ترددت ماسة، وعضت على شفتيها بقلق: بس أنا خايفة...

ربتت على يدها بحنان: متخافيش، مش هييجي دلوقتي، وبعدين مفيش حد هنا أصلا، تعالي بس.

تنهدت ماسة أخيرا باستسلام: طب استني، ألبس حاجة تنفع أنزل بيها.

ابدلت ملابسها بسرعة، وارتدت فستانا بسيطا، ثم خرجت حيث كانت مي تنتظرها، وهبطا سويا إلى الحديقة.

كان الخدم يراقبون المشهد بدهشة وخوف، يتهامسون فيما بينهم، غير مصدقين أن ماسة خرجت أخيرا من عزلتها.

جلسوا على المقاعد، وطلبت مي عصير، بينما أغمضت ماسة عينيها، تسحب نفسا عميقا كأنها تتذوق الحياة لأول مرة: يااااه، من ساعة ماجيت هنا مشوفتش الشمش، شكرا يا مي..

تأثرت مي: يا حبيبتي للدرجة دي؟

نظرت في عينيها بجدية وتساءلت: هو بيعمل معاكي كده ليه؟ سليم شكله حد رقي جدا، ورشدي قالي انكم متجوزين عن قصه حب كبيرة.

تنهدت بعمق، وخفضت عيناها بألم: الموضوع كبير أوي، مختصره إن الحب لوحده مش كفاية لنجاح العلاقه.

على بعد خطوات قليلة، كانت هبة تتجول في المكان بهدوء، ممسكة بيد نالا، لمحتهم يجلسون، فمالت نحو ابنتها وقالت: نونو، إيه رأيك نروح نسلم على طنط ماسة؟ فاكرها؟

أومأت الطفلة بحماس: آه لعبت معايا فى فرح انكل رشدي.

ابتسمت هبة، وتحركت في اتجاههما...

كانت مي لا تزال تنظر إلى ماسة، تحاول فهم ماحدث: طب إيه المشكلة إنك تحكيلي وتفضفضي؟ يمكن أعرف أساعدك أو اخلي رشدي يتكلم معاه، والموضوع يتحل.

رفعت عينيها نحوها وكادت أن ترد، ولكن صوتا قاطعها: مساء الخير؟

التفتت الاثنتان، لتجدا هبة تقترب منهما بابتسامة خفيفة، تمسك بيد طفلتها.

توقفت ماسة، وقالت بهدوء: أزيك يا هبة.

ثم بادرت بالتعريف: دي هبة طليقت ياسين .. مي مرات رشدي.

ابتسمت هبة وهي تهز رأسها: أنا حضرت الفرح وسلمت عليها بس أكيد مش فاكراني.

وقعت عينا ماسة على الطفلة، فانحنت إلي مستواها، وقالت بحنان: عاملة إيه يا نالا؟ وحشتيني أوي، عرفاني؟

هزت الطفلة رأسها: آه انتِ طنط ماسة مرات انكل سليم، كنتي بتلعبي معايا في فرح أنكل رشدي! وبابي قالي إنك كنتي بتاخدي بالك مني وأنا نونو.

ضحكت بخفة، وقبلت خدها: شاطرة، كنت بحبك خالص.

تساءلت نالا بطفوله: أنتِ عندك واوا في وشك؟!

نظرت ماسة بارتباك: اها وقعت.

ردت بطفوله تربت على كتفها: معلش.

نظرت هبه تتفحص وجه ماسة: إيه صحيح اللي في وشك ده؟! 

اجابتها باختصار: وقعت من على السلم.

زمت هبه شفتيها بعدم تصدق: اممم ماشى، انتِ جيتى امتى؟!

جلست ماسة: من حولي 4 ايام، وانتِ ازاي هنا.

جلست هبة، وقالت بضجر: أوامر، إني لازم أعيش في الاستراحة مادم عايزة بنتي، ما انتِ فاهمه اللى فيها..

تنهدت وهي تتابع: اليومين اللي فاتوا كنت عند ماما علشان عيد ميلاد هنا اختي.

نظرت لها، وتسألت بشك: ماسة قولي الحق اللي في وشك ده مش وقعه ده ضرب صح؟!

اشاحت بوجهها، فتابعت هبه بضيق: ضربك تاني؟! ياما قولتك لازم تاخدي موقف حاسم معاه بس انتِ مفيش فايدة..

مي بصدمة واضحة: هو سليم طول عمره كده؟!

أجابت هبة ببرود: من ساعة ماتجوزها تقريبا، ده مره ادها علقه موت..

مي بصدمه: أنا مصدومة فيه، سليم بحسه ارقي واحد في اخواته.

ارتسمت على ملامح هبه نصف إبتسامة ساخرة: لا ماهو سليم كده يبان محترم وهو في الاصل حاجة ملهاش وصف، وياسين كمان، كلهم كدة، ماعدا رشدي وقح ومعترف مش بيتلون زيهم، سورى يعنى يا مي.

تدخلت ماسة بسرعة: يا جماعه مينفعش الكلام ده قدام البنت.

أشارت هبة لأحدى الخادمات: خدي نالا ووديها عند الألعاب، خليها تلعب شوية.

ثم انحنت للطفلة بابتسامة: روحي يا حبيبتي، العبي في المرجيحة.

تحركت الطفلة مع الخادمة...

وعلي اتجاه آخر، كان سليم قد وصل، صعد مباشرة إلى الغرفة، فتح الباب، ثم توقف فجأة، وعيناه تجولان في المكان الفارغ.

عقد حاجبيه باستغراب، ودخل يبحث عنها فلم يجدها، توجهه نحو الشرفة فوجدها تجلس هناك، فكر لحظه هل يتركها لتفسح عن نفسها، ام يذهب ويتصنع المشاجرة؟ لكنه شعر انه لابد ان يهبط لجلبها خصوصا، أن فايزة رأته وهو يصعد، وبعد ما حدث مع عمار لابد أن يكون غاضبا الآن، فاستدار وهبط بخطوات متسارعة.

صرخ في إحدى الخادمات: ماسة فين؟!

ارتبكت الخادمة، وأجابت بخوف واضح: فـ... في الجنينه يا فندم مع مي هانم.

جز على أسنانه، وقال بنبرة غاضبة: هو أنا مش قولت ممنوع تنزل؟! كلكم هتتحاسبوا!

لم ينتظر ردا...بل تحرك فورا نحو الحديقة.

عند ماسة 

نظرت لها هبة بجدية: ايه اللي حصل خلاه يعمل فيكي كدة؟

تنهدت وأشاحت بوجهها: أنا مش عايزة أتكلم في الموضوع ده...

اقتربت مي منها، وقالت بلطف: يا بنتي احكي يمكن نقدر نساعدك.

صمت لحظة، ومررت يدها على وجهها بتوتر، تبحث عن الكلمات لكن قبل أن تنطق، جاءها صوت سليم الجهوري يهز أرجاء المكان: ماسة!

فقط سماع صوته كان كافيا لجعلها ترتعش، و ارتبك الجميع للحظة.

اقترب منها بخطوات حادة، وعيناه تشتعلان غضبا: أنتِ أزاي تخرجي من باب الأوضة؟! فاكرة علشان رشدي فكك خلاص؟!

تراجعت خطوة للخلف، وتلعثمت بصوت مهزوز: أ-أصل... أصل...

صرخ في وجهها: أصل إيه؟!

وفجأة، اندفع نحوها وأمسكها من شعرها بعنف: أنا هعرف أزاي أحاسبك على اللي عملتيه ده!

تقدمت مي بسرعة، ووقفت أمامه، تدفعه بعيدا عنها: سبها! أنا اللي خرجتها!

نظرة إليها بحدة، وقال ببرود قاسي: وأنتِ تخرجيها على أساس إيه يا مدام مي؟!

ردت بغضب: على أساس إن اللى بتعمله ده ميصحش.

نظر لها ببرود: ملكيش دعوة!

رفعت ذقنها بعناد، وعيناها تمتلئان بالغضب: لا، ليا!

وأشارت نحو ماسة، التي كانت تمسك شعرها بألم: أزاي تفضل حابسها كده؟! دي مش عمايل ولاد ناس؟!

ابتسم بسخرية باردة: شكلك بتحبي تسمعي ملكيش دعوه كتير.

تدخلت هبة بسرعة، وهي تنظر له بقلق: سليم! في إيه لكل ده؟ مينفعش كده، ده مش أسلوب حوار.

صرخ دون أن يلتفت إليها: قولت محدش له دعوة!

ثم عاد ينظر إلى ماسة، وعيناه تشتعلان، وانحنى فجأة وسحبها من شعرها بعنف: أما إنتِ حسابك معايا عسير!.

صرخت ماسة بألم، بينما حاولت مي وهبة أن يبعداه عنها: سيبها! حرام عليك!

لكن سليم دفعهما بعنف، وأخذ يسحبها من شعرها نحو الداخل...

كانت صرخاتها تمزق المكان، ويديها تحاول التمسك بأي شيء، بينما خطواته لم تتوقف.

حاولت الفتاتان اللحاق به، لكنه كان أقوى، فدفعهما بعيدا دون تردد، وصعد بها الدرج وسط صرخاتها المستغيثة...

في تلك اللحظة، كانت فايزة تقف في الردهة، تتابع المشهد ببرود.

قالت بهدوء حاد: هبة مي، تعالوا هنا.

التفتت مي إليها بصدمة وغضب واضح: أزاي حضرتك سيباه يعمل فيها كده؟!

أجابتها ببرود قاسي: واحد ومراته مينفعش حد يدخل بينهم.

مي بتعجب: أزاي يعني؟!

نظرت لها فايزة نظرة حادة، وقالت بنبرة قاطعة: شكلك مبتسمعيش كويس يا مي، اللي يدخل نفسه في حياة غيره يبقى إنسان مش متربي كفاية.

ثم التفتت إلى هبة: وأنتِ أزاي تدخلي القصر من غير إذن؟ انتِ نسيتى حدودك.

هزت هبة رأسها بضيق: لا فاكرها، عن اذنكم، اشوفك وقت تاني يا مي.

تحركت لتغادر، لكن فايزة أمسكت يدها لتوقفها: كنتي فين اليومين اللي فاتوا؟

ردت بجمود: استأذنت من ياسين اروح عيد ميلاد أختي، وخدت البنت معايا، حاجة تاني؟

نظرت لها فايزه بنظرة ذات معنى ثم تركت يدها، فتحركت هبة بعد أن ألقت عليها نظرة من أعلى لأسفل بضيق، ثم غادرت في صمت.

بينما ظلت مي واقفة مكانها، تنظر إلى فايزة باستغراب وعدم استيعاب...

التقطت فايزة تلك النظرة، فابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت بهدوء محسوب: بصي يا مي، أنتِ لسه متعرفيناش كويس، ولا تعرفي إيه اللي حصل بين ماسة وسليم...

فتحت ذراعيها، وتابعت: وأنا طبعا مش في موقف يخليني أشرح...

ثم نظرت لها مباشرة، وأضافت بنبرة أوضح: بس حابة أوضحلك علشان أنتِ خلاص بقيتي من العيلة، وكمان علشان متشوفيش ابني في صورة الراجل العنيف اللي بيعنف مراته، ماسة غلطت غلطة كبيرة لا تغتفر...

ومالت قليلا للأمام، تهمس وكأنها تلقي حكما نهائيا: غلطة تمنها الموت، فبلاش تحكمي قبل ماتعرفي.

هزت مي رأسها برفض، وعيناها تمتلئان بالغضب: مهما كانت غلطتها، مينفعش يضربها كده! حضرتك عندك بنات-

رفعت فايزة يدها، تقاطعها بحدة: أوعي تقارني بناتي بالحشرة دي!

ثم أضافت باحتقار: ماسة دى كانت خدامة، وأهلها صعاليق، لكن أنا بناتي أنضف منها بكتير، أنتِ متعرفيش حاجة..

نظرت لها من أعلى لأسفل، ثم قطبت حاجبيها: وبعدين إيه اللي أنتِ لابساه ده؟

نظرت مي إلى نفسها باستغراب: في إيه؟ ماله الترينج؟!

قاطعتها، بنبرة هادئة تحمل في طياتها استعلاء واضح: بصي يا مي البيجامات والتريننجات واللبس ده مكانه أوضة النوم...

رفعت حاجبها قليلا، وأكملت: إنما أول ماتخرجي منها، لازم تلبسي لبس يليق بالمكان اللي أنتِ بقيتي فيه...

تابعت، وعيناها تضيقان بتركيز: أنا عارفة إن رشدي مش هيقولك الكلام ده؛ لأنه دايما ماشي عكس التيار، وبيتبع سلوكيات متليقش بينا، بس أتمنى إنك تكوني فاهمة كويس المكانه اللي بقيتي فيها وتحاولي تغيري ده...

ابتسمت ابتسامة خفيفة، وأضافت: أنا مبسوطة منك إنك غيرتي في رشدي كتير وياريت كمان تغيري السلوكيات السوقية اللي هو متعود عليها..

ثم ربتت على خدها بخفة مصطنعة: ماشي يا مي.

تحركت خطوتين، لكنها توقفت فجأة، والتفتت لها مرة أخرى بنظرة حادة: وآه بلاش تدخلي نفسك في حاجة متخصكيش تاني، مفهوم؟.

ثم تحركت مبتعدة، بينما ظلت مي تنظر إليها بضيق، ثم رفعت عينيها إلى الأعلى، وتمتمت بعناد: لا مستحيل أسيبها تتضرب كده.

واندفعت مسرعة نحو الأعلى

عند سليم وماسة.

وقفت في منتصف الغرفة تتحسس شعرها، وتتمتم بضيق: على فكرة، أنت مسكتني من شعري جامد، وأنا زهقت من القعدة هنا، كنت سبنى شويه.

حاول تهدئتها: يا ماسة أنا فاهم ومقدر بس مينفعش، فايزة شافتني وأنا طالع فكان لازم اعمل كده، وبعدين أن متأكد إن مي هتيجي تاني، اصبري ووقتها هستغل الفرصه و

وقبل أن يكمل، دوى طرق على الباب.

سليم بابتسامه: أهي جت..

تغيرت نظراته فجاه، ففهمت ماسة ورفعت يدها تلقائيا تحمي وجهها، وفي لحظة صفعة قوية صرخت، ففتحت مي الباب، واندفعت تهتف: ابعد عنها! حرام عليك!

نظر لها بحدة: قولتلك ملكيش دعوة! اطلعي بره.

في نفس التوقيت، كان رشدي يصعد الدرج وهو يدنن اغنية، لكنه توقف عند الصوت، ثم أسرع بخطواته.

داخل الغرفة

وقفت مي أمام ماسة تحميها، بينما رمقها سليم بغضب: مي بعد أذنك اطلعي بره، انا بحاول احافظ على حدود الأدب لحد دلوقت.

هزت رأسها بعناد: مستحيل اسيبها! هي علشان ملهاش حد يعني تعمل فيها كده؟! على فكرة دي مش رجولة!

وفي تلك اللحظة، اقتحم رشدي الغرفة: في إيه؟!

أشارت مي بسرعة: الحق يا رشدي! سليم بيضرب ماسة!

تصلب وجه سليم، وقال بأمر: خد مراتك واطلع بره يا رشدي، أنا لحد دلوقتي بحاول ألتزم بالأدب معاها.

مي بحدة: طب التزم الادب مع مراتك افضل، وبعدين هتعمل إيه يعني؟ واصلا اللي أنت بتعمله ده يأكد أنك ولا تعرف حاجه عن الأدب ولا الرجوله. 

ابتسم سليم بسخرية قاتمة: اسألي جوزك أنا بعرف أعمل إيه كويس، صدقيني لو واحده غيرك قالت اللي قولتيه دى كنت حاسبتها على كلامها.

تدخل رشدي بنبرة حازمة: سليم متكلمش مراتي كده.

اشتعلت عينا سليم واشار بيده: طب علشان مكلمهاش كده؟ خدها واطلع بره! وفهمها إنها ملهاش دعوة! دي مراتي أعمل فيها اللي أنا عايزه!

رشدي بحدة: لا طبعا مينفعش تحبسها وتضربها كده، اللى أنت بتعمله ده مينفعش.

سليم بعند: لا هضربها وهحبسها وهتفضل قاعده هنا زي الكلبه.

اشتعلت مي، وردت بعناد: لا، هتنزل! هي مش في سجن!

تدخل رشدي سريعا، بنبرة حازمة: بس يا مي أنا بتكلم.

ثم نظر إلى سليم: سليم، تعالى معايا.

لكن سليم لم يتراجع، وقال ببرود: أنا قولت خد مراتك واطلع بره.

ثم نظر لماسة وقال: اما انتِ تعالي هنا.

كاد ان يسحب ماسه من ذراعها، لكن في اللحظة، نفسها دون تفكير، دفعه رشدي بقوة من صدره: بس بقى!

أسرعت مي واحتضنت ماسة، بينما نظر سليم بحدة:
أنت بتزقني يا رشدي؟

دفعه مرة أخرى للخارج، بينما تحرك سليم متعمدا أن يبدو الأمر وكأنه صراع حقيقي، حتى خرجا من الغرفة.

توقف أمام الباب، وقال رشدي بصوت غاضب: أيوه بزقك، كفاية اللي بتعمله ده! إحنا اتفقنا إنك هتدور، ولو لقيت حاجة اعمل اللي أنت عايزه.

سليم بحدة: أنت مش فاهم ولا حاسس بيا! لو كنت مكاني، كنت دفنتها حية هي وأهلها.

تنهد رشدي بضيق، وقال بإصرار: دى لو كانت عملت كده بجد، إنما أنا متأكد إن ماسة مظلومة! أنت كنت عاقل يا سليم، مالك؟

صمت لحظة، ثم أضاف: دور ورا الموضوع، وأنا متأكد هتعرف توصل للحقيقة..

ضيق سليم عينه وقال وكأنه يعطيه فرصه أخيرة: أنا مش فاهم ايه اصرارك إن هي مظلومه؟! هو أنت عارف حاجه ومخبي عليا يا رشدي؟! 

ارتبك للحظه، ثم رمش بعينيه وابتلع ريقه، وقال بمراوغة ونبرة متقطعة: أنا أعرف حاجة؟ حاجة ايه؟ وهعرف منين؟ أنا كنت مسافر، وبعدين أنت أصلا كنت خافيها بقالك سنة ونص ولا سنتين؟

توقف لحظة يجمع كلماته، ثم قال بجدية: أنا بتكلم بس علشان ماسة يوم مادخلت القصر كانت يدوب 16سنة، اتربت هنا، وعارفين أخلاقها كويس..

اقترب خطوة، ونظر له مباشرة: وأنت جوزها، ومش عارفها؟

نظر له سليم نظرة مظلمة: ولو مطلعتش مظلومة؟

هز رشدي رأسه بثبات: ساعتها هبقي معاك في اي قرار تاخده، ولحد ماتتأكد سيبها تعيش شوية، علي الأقل تاكل وتشرب وتنزل من الأوضه، دي بني آدمة برضو.

صمت سليم لحظة، فها هي تلك الفرصة التي كان يريدها كي يستطيع إخراجها من ذلك السجن التمثيلي ولابد أن يستغلها.

تنهد وقال أخيرا: ماشي يا رشدي، هخليها تنزل، بس لو مطلعتش مظلومة، هحاسبك معاها.

هز رشدي رأسه: وأنا هدور معاك.

أشار سليم بيده: طب خد مراتك وامشي.

رشدي بتردد: سليم...

رد عليه بجدية: قولتلك خلاص مش هعملها حاجة، وعد.

تردد رشدي لحظة، ثم نادى: مي، يلا.

تشبثت بها ماسة، وهي تبكي بخوف مصطنع: لا والنبي يا مي متسبنيش هيضربني..

نظرت لها مي بتأثر، ثم التفت إلي رشدي بقلق: يا رشدي...

قاطعها بثقه وهو ينظر نحو سليم: يلا يا مي، سليم مبيرجعش في وعودة، ومادام وعد يبقي مش هيعمل حاجه.

ترددت للحظه، ثم ربتت على شعرها بحنان: متخافيش أنا جمبك، لو حصل أي حاجه هجيلك علطول.

ثم انسحبت وغادرت مع رشدي.

وقف سليم لحظات يتأكد من مغادرتهم، ثم أغلق الباب، واستدار نحوها بابتسامة واسعة: خلاص يا ستي إفراج، تقدري تنزلي براحتك من غير ماحد يشك فينا...

وضع يده على خدها برفق، وعيناه تحملان صدقا مختلفا: مش قادر اوصفلك حوار حبستك ده كان مضايقني أزاى، وكنت شايل همك وبحاول أخلص شغلي بسرعه علشان اجي أقعد معاكي ومتحسيش إنك لوحدك، بس خلاص يا ماستي الحلوه افراج ..

نظرت له بحنان، وضعت يدها فوق يده: يا حبيبي أنا مش زعلانة، انا فاهمه..

صمتت لحظة، ثم قالت بتأثر: بس زعلانة إن مي شيفاك بالشكل ده، دي بنت طيبة خالص.

أومأ برأسه: عارف، بس لازم نمشي في اللعبة دي للآخر.

فجأة احاط خصرها بذراعيه حتى التصقت به، وهمس بنبرة خافتة تحمل مزيجا من المداعبة وشوق: وبعدين سيبك منهم، يعني واحد زيي استغل الموقف وخلاكي تخرجي من الحبس الانفرادي، ملوش مكافئة؟

ارتسمت على شفتيها ابتسامه فقد فهمت مايريد، تراجعت للخلف تتمايل بدلال: لا مفيش...

لم يمهلها فرصة، جذبها إليه مرة أخرى، وعيناه تلمعان: لا، أنا مش بسيب حقي.

ابتسمت، ورفعت يدها تتلاعب بأزرار قميصه بخفة: وحشتك يا كراميل؟

اقترب أكثر، وصوته يهبط إلى همس دافئ: في كل لحظه بتوحشينى؟

ضحكت بخفة، حملها بين ذراعيه فجأة، لتتشبث بعنقه وهي تضحك، وتقول بدلال: سليم استنى طيب!

اتجه بها نحو الفراش، ثم وضعها برفق، وعيناه لا تفارقانها... اقتربا اكثر ثم أكثر وووووو

عند رشدي ومي.

دخلت مي تتمتم بانزعاج وهي تخلع حجابها: بصراحة أنا متعصبه جدا من اللي بيحصل مع ماسة ده.

اغلق رشدي الباب، التفتت له بغضب واضافت: أخوك ده طلع مريض نفسي، أزاي يعمل اللي عمله ده؟ مهما كان ذنبها، أزاي يعاملها كده؟ وحتى والدتك شايفة ده طبيعي! مين اللي قاله إن الرجولة في المهانة؟ ده قذارة مش رجولة!

تنهد رشدي موضحا: الموضوع مش زي ما أنتِ فاهمة.

نظرت له بدهشة: أزاي يا رشدي؟ انت مش شايف وشها؟

أجابها بثقل: شايف، بس سليم للأسف اتلعب عليه، حد ابن حرام بعتله صور ليها وقاله إنها خانته.

اتسعت عينيها من الصدمة: أيه؟!

اكمل رشدي: أممم، للأسف، والمشكلة أنه حكمها صح وخلاه يصدق.

تمالكت نفسها وقالت بحزم: لو بيحبها مفروض ميصدقش.

أومأ براسه: أيوه بس هو غصب عنه، الشخص اللي صوروه معاها، ماسة عشان تضايق سليم قالته انها بتحبه..

نظرت له بعدم فهم: أنا مش فاهمة حاجة!

اجابها وهو يزفر بضيق: الموضوع كبير يا مي، بس الاتنين مظلومين صدقيني.

ردت بطيبه: طب انت هتسيبهم كده؟

أجابها بحزم: هساعدهم أكيد.

وأضاف بمزاح: بس انتِ طلعتي قلبك جامد ووقفتي قصاد سليم.

تنهدت وقالت: واقف قصاد الجن، أنا بكره الرجالة اللي بيضربوا ستاتهم، مهما حصل.

ابتسم وقال باهتمام: المهم، انتِ كويسة؟

أجابته بإبتسامة: الحمد لله، متأخرتش عليا.

أجابها وهو يفتح أزرار قميصه: ما أنا خلصت شغل علطول وجيتلك، عملتي ايه عند جنه؟

ابتسمت بحب: سألت عليك، وفرحت اوى بالحاجات اللى جبتهالها، أنا حبتها أوي.

ابتسم بخفة وهو يتجه ناحية الحمام: ولسه هتحبيها أكتر لما تعرفيها، أنا هدخل آخد شاور.

تحرك مبتعدا، بينما جلست مي على الأريكة، تعبث في هاتفها، لكن عقلها لم يكن حاضرا ظلت تسترجع ماحدث..

صرخات ماسة، نظرات سليم، وبرود فايزة، شعرت بانقباض في صدرها، وكأن شيئا ثقيلا بدأ يتشكل داخلها، إحساس بأن مايحدث في هذا البيت أكبر وأخطر مما تتخيل.

بعد وقت...

كان رشدي قد أنهى حمامه، وجلس بجانبها، يعبث بهاتفه للحظات، ثم رفع عينيه نحو الساعة وقال: مشمش، تحبي ننزل نتعشى تحت معاهم، ولا ناكل هنا؟

هزت رأسها بحماس: لا ننزل، أنا بقالي كام يوم هنا ومتعشتش معاهم ولا مرة مينفعش كده، وكمان عايزة أروح أجيب ماسة، حرام تفضل محبوسة، تنزل تقعد معانا شوية في الجنينة.

ابتسم: ماشي زي ماتحبي.

ردت بحماس: طب أنا هقوم أكلمها تجهز نفسها.

وبالفعل، نهضت مسرعة، لفت حجابها، واتجهت نحو غرفة ماسة...

عند سليم وماسة.

كانت مستلقيه داخل أحضانه، يحيطها بذراعيه، وصوتهما منخفض.

قال بشوق وهو يمرر يده في شعرها: كنتي وحشاني اووي يا قطعة السكر.

ابتسمت بخفه: وأنت كمان يا كراميل، بس بجد ضحكتيني على عمار.

ضحك بخفة: طلع مجنون زيك، شكلها جينات!

ردت بخفه: أيوه طبعا، أحنا جامدين في التمثيل! مش زيك!

ضحك معلقا باعتراض: بس يا ماما، أنتِ كنتي أوفر قدام مي أصلا! 

اعترضت بحده: أوفر إيه يا فاشل؟! ده اسمه تنوع، مرة أعيط، مرة أبجح، مرة أزعق! إنما أنت، تمثيلك كله عصبية! لازم تطور نفسك!

قرب وجهه منها وهمس أمام شفتيها: طب ماتكسبي فيا ثواب وتعلميني...

ضحكا معا، وكاد أن يغرقا في قبلة عاشقة، وفجأة دق الباب.

تجمد الاثنان، واتسعت أعينهما.

نهضت بسرعة، التقطت روبها وارتدته مسرعه، وهي تقول: مين؟

جاءها صوت مي من الخارج: أنا يا ماسة افتحي.

اجابتها بلهفه: سليم قافل عليا بالمفتاح.

زفرت مي بغضب: طب أنا هخلي رشدي يفتحلك، المهم جهزي نفسك علشان تنزلي تتعشي معانا.

ناولت سليم ملابسه، وأجابتها بحزن مصطنع: بلاش يا مي أحسن سليم يضربني تاني، وبعدين أصلا محدش بيحبني هنا.

مي مطمئنة: متخافيش أنا ورشدي معاكي.

تنهدت ماسة: خلاص ماشي، بصراحة أنا جعانة مكلتش من الصبح.

مي بهدوء: ماشي ياحبيبتي، هروح أقول لرشدي يفتحلك.

ابتسم سليم بخفه وهو يغلق أزرار قميصه: أنا هروح أوضتي من السور وإنتِ انزلي معاهم، ونتقابل تحت ياقطعة السكر.

اقترب، وطبع قبلة خفيفة على خدها: متنسيش تظبطي مكياج الضرب علشان ساح معانا.

غمز لها بشقاوة، فابتسمت واتجهت إلي التسريحه تضبط مكياجها، بينما خرج هو من الشرفة.

عند مي.

كان رشدي في انتظارها، وعندما رأها تساءل: إيه؟ هتنزل؟

هزت رأسها بضيق: أيوه، بس انزل هات مفتاح اوضتها علشان اخوك قافل عليها.

وتابعت وهي تتجه لغرفة تغير الملابس: وأنا هدخل أغير لبسي بسرعه على ماتيجي، مامتك الصبح قالتلي مينفعش انزل تحت كده.

عقد حاجبيه باستغراب: ليه ماله لبسك؟ ما أنتِ زى القمر أهو والترينج أوفر سايز وجميل.

رفعت كتفيها موضحه ببساطه: مش عارفه، هي قالتلى إن هنا في بروتوكول وكده فهغير.

امسك بيدها يوقفها برفض: لأ البروتكول دى تنفذه على نفسها، إنما أنتِ تلبسي اللي أنتِ عايزاه، محدش له دعوة.

ابتسمت بهدوء: يا رشدي مش عيب حد يوجهنا للصح، كلامها كان حلو وانا مقتنعه بيه.

قال بضيق خفيف: بقولك ايه مش عايز هري كتير هتنزلي كده يعني هتنزلي كده، ومتزوديش يامي بدل ماتجنن وانزل اقعدلهم بالبكسر تحت! الحاجات تعملها مع اي حد تاني، أنتِ لا.

ضحكت رغما عنها: طب أهدى أحنا مش في خناقه.

قال باصرار: أنا قولت كلمه واحده، لبسك مفيهوش حاجه وزي القمر، يبقي هتنزلي كده.

حاولت الاعتراض، لكنه شدها بخفة: يلا اسبقيني على أوضة ماسة على ما أجيب المفتاح واجيلك.

عند عماد وصافيناز.

وقف عماد أمام المرآة، يرش عطره ببرود، بينما كانت صافيناز بجانبه تضع إكسسواراتها. 

كانا يستعدان للنزول، لكن التوتر كان يملأ الأجواء، عيناها كانت تلاحقه بين الحين والآخر، في حين تعمد هو تجاهلها تماما.

التفت إليها أخيرا، وهو يهم بالمغادرة: أنا هستناكي تحت.

قطبت حاجبيها، وقالت بحدة: أنا عايزة أفهم مين إللي المفروض يزعل؟! يعني انت كمان اللي زعلان وامبارح نمت على الكنبه وسبتني. 

التفت اليها، وعيناه تحملان مزيجا من الغضب والخذلان: أكيد طبعا لازم أكون أنا اللي زعلان، مش بتشكي فيا وسيبتي واحد فاشل وشمام زي رشدي يلعب في دماغك؟

هز رأسه بلوم: خسارة يا صافيناز كنت فاكرك أذكى من كده..

تنفست بحدة، وحاولت التماسك: سارة كل مرة بتنزل مصر بتقولي، اشمعني المرة دي مقالتليش، وحتى لما اتصلت بيها مردتش...

قاطعها بنفاد صبر: وأنا مالي؟! إيه دخلي في كل ده؟ أنا مش قادر أصدق لحد دلوقتي إنك تشكي فيا بعد كل اللي عملته عشانك.

ثم أشار بيده بعصبية: أنا حياتي لو غفلت عنها ثانية، هدفع التمن، وأنتِ عارفة ده كويس، يوم ما كل الحوار ده ينكشف أنا اللي هتسلم، إنتوا كلكوا إخوات في بعض عيلة واحدة! 

اجابته بنبرة متوسلة: عماد، متقولش كده أنت عارف كويس إن أنا بح..

قاطعها بمرارة: كنت عارف بس طلع لا، عن إذنك.

استدار وغادر الغرفة دون أن ينظر خلفه بإبتسامة رجل بدأ يسترجع اللعبه بين يديه. 

ظلت واقفة مكانها، تنظر في أثره، قبل أن تجز على أسنانها بغيظ، وعيناها تلمعان بالغضب. 

رفعت هاتفها بسرعة، واتصلت: قولي عملت إيه؟ وصلت لصاحب الرقم؟

صمتت لحظة، ثم اشتد صوتها: يعني إيه بتاع حد مش موجود؟! انت لازم تعرفلي مين اللي بعت الرسايل دي فاهم؟!

أغلقت الهاتف بعنف، ثم صرخت بغضب وامسكت الدواء الذي على السطح واخذت منه حبايه وهي تاخذ انفسها بصعوبه ويديها تهتز قليلا.
♥️_______________بقلمي_ليلةعادل 

في أحد الأماكن المجهولة،7مساء

مظهر عام لاحد الكباري على وشك الانتهاء، والجو مظلم يخيمه الهدوء.

جلس بعض العمال، الذين يبدو أنهم الحراس، يراقبون المكان.

قال أحدهم مبتسما: الجو سقعه اوى النهارده، ما تيجوا نولع اولحتين برا يدفونا، ونعمل عليهم شويه شاي.

وبالفعل تحركوا من مكانهم وقام احدهم بتولع الأولح، بينما توجه ذلك الرجل إلى مكان الشاي وبدأ في عمله، أخرج من جيبه قطرة ووضعها في البراد، ثم صب الشاي في الأكواب ووزع على العمال.

بعد وقت قصير، بدأ الجميع يشعر بالنعاس وناموا جميعا. 

ابتسم الرجل بهدوء، ورفع هاتفه ليجري مكالمة: تمام يا بيه، خلاص الدنيا تمام.

ما إن اغلق الهاتف حتى ظهرت ثلاث سيارات: أحدهم جيب واثنتان نصف نقل. 

خرج من الجيب رجل يضع مسك أسود يخفي وجهه، وكانت عينه الوحيدة الظاهرة تكشف أنه مكي.

أشار بيديه: يلا بسرعة، نفذوا اللي اتفقنا عليه.

تحرك الجميع نحو الكوبري، حاملين بعض الأدوات والمواد الخاصة بالعملية، بينما بقي مكي متوقفا أمام سيارته.

بعد وقت، جاء أحدهم وقال: تمام يا باشا، كلها ساعتين وهتسمع أحلى خبر.

أومأ مكي براسه: تمام، وباقي حسابكم عرفان هيبقي يديهولكم، يلا اتحركوا بسرعه. 

ثم صعد إلى السيارة وتحرك الجميع.

أما الكوبري، فكان أحد أعمدته مضطربا، حيث بدأت مادة معينة تآكل في البناء، مهددة بسلامته.

قصر الرواي7مساء

التف الجميع حول طاولة الطعام، وبعد دقائق هبط رشدي ومي وبرفقتهم ماسة.

ساد الصمت لوهلة، وارتسمت الدهشة على الوجوه؛ فلم يتوقع أحد وجودها بينهم.

لكن فايزة لم تترك الأمر يمر، وقالت بحدة: مين اللي جاب الحشرة دي هنا؟!

كادت ماسة ترد، لكن مي سبقتها، وقالت بثبات: إيه المشكلة لما تقعد تاكل معانا؟

نظرت لها فايزة بحدة: هو أنا مش قولتلك يا مي إن عيب نتدخل في حياة حد!

تدخل رشدي بنبرة حاسمة: أنا اللي نزلتها، وهتقعد تاكل معانا.

رفعت فايزة حاجبها، وقالت بسخرية: وسليم بقى هيوافق على الكلام ده؟

في تلك اللحظة، اقترب سليم، ولم تترك له فايزة فرصة، وقالت مباشرة: أنت موافق إن البتاعة دي تقعد معانا على العشا؟

نظر إليها سليم للحظة، ثم قال ببرود: إيه اللي جابك هنا؟ اطلعي فوق.

نظر له رشدي: سليم إحنا اتفقنا..

تبادل النظرات بين رشدي وماسة لحظه، ثم قال بنبرة حادة ظاهرية: ماشي، اترزعي اطفحي، وبعدين اطلعي على أوضتك، مش عايز اشوف خلقتك...

اتسعت عينا فايزه، بينما سحب سليم المقعد وجلس دون أن ينظر لها: سيبيها يا هانم، إما نشوف أخرتها.

تدخلت مي بهدوء ورجاء: بعد إذنك يا سليم أنا وماسة هنقعد شوية في الجنينه العلوية بعد العشا.

نظر إليها لحظة، بنظرة طويلة تحمل شيئا من الضجر، كان في داخله يرغب أن يمنحها مساحة للتتنفس قليلا، لكنه في الوقت ذاته أدرك أن الموافقة بسهولة قد تثير الشكوك حوله، لذلك وجب عليه أن يبدو حذرا في قراره.

تريث لثوان، وكأنه يزن الأمور بدقة، ثم قال: نبقى نشوف الكلام ده بعدين.

جلست فايزة بملامح متحفظة، وتسألت بتوتر مبطن تخشى ان يكون السليم قد سامحها: يعني إيه أسيبها؟ أنت غيرت رأيك ولا إيه؟ في جديد حصل؟

تنهد وقال بنبرة جامدة: مفيش جديد، بس هسمع كلام رشدي، وهحاول أصدق اللي هي قالته وهدور ولو طلعت صادقة، هعتذرلها قدامكم، وهجيب اللي عمل كده، وهحرقه في وسط الهول...

ثم توقف لحظة، ونظر نحوها بعينين قاسيتين، وأكمل: بس لو طلعت كدابة هحرقها هي وأهلها، وحتى رشدي اللي بيدافع عنها هيتحاسب حساب عسير.

نظر رشدي إليه بثبات، وقال بثقة: صدقني أنت اللي هتعتذرلها، وهتطلب منها السماح على اللي عملته.

رمقته فايزه بضيق، بينما لوح سليم بيده بملل: أنا مش عايز أتكلم في الموضوع ده.

تدخل عزت بضيق واضح: بس أنا مش حابب واحده بالاخلاق دي تقعد على سفرتي.

رد سليم ببرود وهو ينظر نحو مي: علشان خاطر مي النهارده هعديها.

ثم حول نظراته إلي رشدي: وعلشان خاطر رشدي، هستنى لحد ماتأكد، يلا خلينا ناكل ...

نظرت فايزة لعزت بتوتر، بينما رمق الجميع رشدي بضيق واضح، ثم اشارت فايزة للخدم ليضعوا الطعام.

نظرت مي نحو ماسة التي كانت تجلس بجوارها وقالت: متخافيش انا جنبك ومصدقاكي. 

ابتسمت ماسة بامتنان: شكرا يا مي.

بدأ الجميع في تناول الطعام، غير أن التوتر كان يسري في قلوبهم، رغم محاولاتهم إخفاءه. 

لم تفارق نظرات القلق أعينهم، وكان صمت ثقيلا يخيم على الأجواء.

فالتغير المفاجئ في تصرفات سليم يثير في داخلهم خوفا حقيقيا؛ فمجرد اقتناعه بكلام رشدي، وتفكيره في البحث عن الحقيقة يعني كارثة بالنسبة لهم، لذا أدركوا أنه لا بد من الإسراع في إنهاء الأمر والتخلص من ماسة قبل أن ينكشف كل شيء.

التفتت فايزة نحو مي، ونظرت لها من أعلى لأسفل بضيق، وقالت بحدة: هو أنا مش قولتلك يا مي مينفعش تنزلي باللبس ده هنا؟!

كادت أن ترد، لكن رشدي رفع عينيه نحو فايزة، وقال بطريقته المعتاده: والله مراتي تلبس اللي هي عايزاه براحتها، محدش له كلمه عليها غيري.

ثم أضاف بابتسامة خفيفة: هي بتتبع سلوكيات جوزها عادي، إحنا بنحب نقعد مرحرحين محدش له دعوة.

نظرت له فايزة بضجر واضح: هتفضل طول عمرك سوقي!

تناول رشدي الشوكة بهدوء، وبدأ يأكل وهو يقول دون أن ينظر لها: كلي من طبقك بس يا حاجة...

ثم رفع عينيه إليها بثبات: مش إحنا اتفقنا كل واحد يخليه في حاله؟ ببقي خلاص أنا ومراتي أحرار.

حاول عزت كسر حدة التوتر، فغير مجرى الحديث إلى موضوع آخر، في محاولة إعادة الأجواء إلى طبيعتها...

ابتسم وقال بخفة: ده أول مرة تحضري العشاء معانا من وقت ماجيتي يا مي.

ردت بخجل: اه كنت بتعشى أنا ورشدي فوق.

سألها عزت: وانتِ مبسوطة هنا؟

تناولت لقمة، وقالت بنبرة خافتة: اممم، بس القصر الصبح بيكون فاضي خالص وبزهق.

عزت بهدوء: ما احنا بنكون في المجموعة علشان عندنا شغل مهم الفترة دي.

ابتسم طه وسألها بلطف: والدك عامل إيه دلوقتي؟ أحسن؟

ابتسمت ابتسامة لطيفة: الحمد لله بخير، أحسن كتير.

فايزة بنبرة استقراطية: أنا بعتله بوكيه ورد، المفروض يحصل زيارة بس الفترة دي مشغولين في افتتاح المصنع الجديد.

مي بتفهم: آه طبعا فاهمة رشدي قالي، علشان كده أغلب الوقت مش موجودين في القصر، ربنا يعينكم.

وفجأة رفع رشدي شوكته تجاه فم مي قائلا: حبيبتي افتحي بوقك، وخدى مني دي!

نظرت له مي بخجل وتردد، لكنه أصر بابتسامه استفزازية، فهو يعرف جيدا كم تنزعج فايزه من هذه الأمور: يلا افتحي بوقك، مكسوفة ليه؟ يلا يا حبيبتي...

تناولت من يده على استحياء، بينما تابعت فايزه طعامها وهي ترمقهم بضيق، ولكنها آثرت الصمت، فهي تعرف أن رشدي سليط اللسان.

ضحك عماد علي الموقف رغما عنه، ثم تنحنح، ونظر إلي مي بابتسامه خبيثة قائلا: منورة السفرة والله يا مدام مي، إن شاء الله الفترة الجاية نقعد كلنا مع بعض، ونتعرف عليكي أكتر.

رفع رشدي عينه، وقال بطريقته المعتادة: وهي مش عايزه تتعرف على حد.

رفعت مي عينيها نحوه باحراج، وكأنها تقول: عيب كده!

لكن رشدي ابتسم، ورد علي نظرتها بسخرية: لا ده ثعلوب، إحنا واخدين على كده مع بعض ودي طريقتنا.

ثم نظر لعماد: صح يا عمده.

اومأ عماد بضحة سمجه: اه طبعا يا رش رش.. 

ثم تابع بخبث، وهو يلتقط مافي شوكته: طب بالله عليكي يا مدام مي احضرينا، مش من حقي يبقي عندى فضول أعرف أكتر عن البنت اللي خلت رشدي يتغير كل التغيرات دي؟

أومأ طه برأسه بتأييد: فعلا، محدش كان يتوقع خالص إن رشدي يتغير بالسرعة دي، حقيقي انتِ عملتي المستحيل.

أكمل عماد حديثه بشيطانية متعمدة: كفاية حوار إدمانه بس، أحنا حاولنا نقنعه كتير يبطل وكان بيرفض، فكنت عايز أفهم أزاي أقنعتيه يبطل من غير مايروح مصحة؟!

اتسعت عينا رشدي بشكل صادم، حتى كادتا تخرجان من محجريهما، وتسارعت دقات قلبه بعنف، بينما توقفت اللقمة في فمه، عاجزا عن بلعها أو حتى النطق، فهو لم يتوقع ان يفعل عماد ذلك وبتلك الطريقة.

ساد صمت ثقيل على الطاولة، ونظر الجميع نحو مي، بنظرات مثقلة بالتوتر والترقب، بينما كانت هي تنظر لعماد بتعجب، وكأنها لم تستوعب بعد ما قيل!!

لكن عماد لم يتوقف، بل استرسل بنبرة أخبث، بدت وكأنها عفوية، لكنها كانت مقصودة، تحمل انتقاما واضحا: أصل عندي صاحب زيه مش عايز يدخل مصحة، والهيروين من أكتر الحاجات اللي لازم المريض يدخل مصحة، فأزاي خليتي رشدي يبطل؟

ثم أضاف بابتسامة رجل يعلم أنه أصاب هدفه بدقة:
ده طبعا غير التغييرات التانية بقى بتاعت البنات والسهر والشرب وكده، لا بجد احكيلي عملتيها أزاي؟

قال كلماته الأخيرة وهو يتناول ما في شوكته ببرود، وكأنه أنهى ما أراد قوله، وجلس ينتظر النتيجة مستمتعا بالاضطراب الذي أشعله حوله.

حدق فيه رشدي بصدمة، وعيناه تتلألآن ببريق مختلط بين الخوف والغضب؛ فقد وضعه في موقف لا يحسد عليه، تاهت أفكاره، ولم يعد يدري ماذا يفعل، أو كيف يخرج نفسه من هذا المأزق الذي وضع فيه فجأة.

أما سليم، فقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، تحمل قدرا من الشماتة الخفية فلم يتوقع أن يرد عماد بتلك السرعه وبتلك الطريقة الخبيثة.

أما ماسة فكان لها شعور آخر تماما، نظرت إلى مي بحزن عميق، بعينين تحملان فهما موجعا لما تمر به، كانت تعرف جيدا معنى أن تطعن في من تحب وتنخدع فيه، إحساس يكسر شيء بداخلك يصعب ترميمه، لكن هذه المرة مختلفة؛ هذه ليست كذبة يمكن أن تكتشف، ولا وهما قد تستيقظ منه، هذه حقيقة، وحقيقة الخذلان أكثر قسوة.

أما مي فكانت لاتزال مصدومه مما سمعته، وتحاول استيعابه.

تنحنحت وتحدثت أخيرا، وهي تتساءل بارتباك متلعثم، والكلمات تخرج منها بصعوبة: هيروين إيه، أنا مش فاهمه حاجه؟!

كانت عينا رشدي تتركز على عماد بغضب جز على أسنانه وقبض على كفيه، صامتا، مدركا حجم الموقف.

بينما مي من جانبها، بقيت مصدومة، تردد بصوت مهتز: انا مش فاهمه هو رشدي مدمن هروين؟ انت بتقول إيه؟!

وضع عماد يديه على فمه وقال بنبرة متوترة كأنه يحاول تصليح الموقف: شكلي لخبطت في الكلام ولا ايه، لا لا متاخديش في بالك، ده أنا بهزر معاكي..

تدخلت فايزة بسرعه، وهي تنظر لعماد نظره قاتلة: معلش يا مي عماد هزاره سخيف شوية، مفيش الكلام ده.

لكن مي لم تقتنع، نظرت إليهم بعينيها الحادتين: لا مش بيهزر، كان بيتكلم بجد، ولما لقيتوني مش عارفه بتحاولوا تغيروا الموضوع وتقولوا هزار.

حولت نظراتها نحو رشدي وقالت بنبرة شديد اللهجه: إيه موضوع الهيروين ده؟ أنت مدمن يا رشدي؟!

ابتلع ريقه، وبدأت ضربات قلبه تتسارع، قبل أن يقول بنبرة منخفضه بتوتر: أنا هفهك..

اتسعت عينيها بصدمه: تفهمني؟! يعني كلامه صح؟! 

هبطت دموعها وركضت لأعلي، فنظر لعماد الذي ارتسمت على وجهه ابتسامه خبيثه بغل: وحياة أمي لأعرفك يا عماد...

ثم هرول خلفها مسرعا: مي... مي... اصبري!

بينما التفت طه إلي عماد معلقا: إيه اللي أنت عملته ده!!

عماد بتصنع البراءه: أنا معرفش، كنت فاكر إنه قالها...

رمقته فايزه بنظره يفهمها جيدا: الأسلوب اللي اتبعته ده مش محترم خالص! وميليقش بواحد زيك يا عماد، اللي انت عملته ده اقل ما يسمى بيه انه أسلوب سوقي ميطلعش من واحد جنتل مان زيك.

نظر نحوها وقال تصنع: اسلوب ايه يا هانم انا مش فاهم قصدك؟!

ارتسمت على شفتيها نصف ابتسامه ونظرت داخل عينه، وقالت بنبرة هادئه لكنها مهيمنه: أنت فاهم كويس انا اقصد ايه؟!

تدخل سليم بهدوء: رشدي غلطان برضو، كان لازم يقولها، لأنها كده كده كانت هتعرف في يوم من الايام.

عزت معارضا: بس الأفضل مكانتش تعرف بالطريقة دي...

هز رأسه قائلا: دي نتيجة أفعاله، أنا قولتله كتير يعرفها ومسمعش كلامي.

تنهد عزت بملل: خلاص اللي حصل حصل، خلينا في المهم عندنا حاجات اهم من رشدي ومي..

ثم نظر نحو سليم، وأضاف بجديه: خد بالك، يوم الأحد مش عايز غلطه في افتتاح المصنع.

ارتسمت على شفتيه ابتسامه تحمل في طياتها الكثير: متقلقش يا باشا، دى هيبقي يوم عالمي!

وعاد الجميع لتناول الطعام مره أخري، وكأن شيئا لم يحدث.

أما عند رشدي ومي

دخلت مي غرفتها وأغلقت الباب خلفها بالمفتاح ثم عادت بظهرها للخلف، والدموع تتساقط بغزارة على وجهها.

حاول رشدي فتح الباب ومنحها فرصة للاستماع إليه، لكن قلبها كان مثقل بالصدمة؛ لم تستوعب ما عرفته للتو، رغم أنها كانت على دراية ببعض مظاهر ماضيه المظلم، شرب الخمور، معاشرة النساء، وربما أشياء أكبر، لكن إدمانه للهيروين كان صدمة حقيقية، كانت تبكي بحرقة، والوجع يقتحم قلبها.

فيما وقف رشدي خلف الباب، قلبه مثقل بالندم، والدموع تلمع في عينيه... نعم، ذلك القلب الأسود الحاقد، الذي اعتاد ألا يهمه شيء، عيناه الآن ممتلئا بالدموع، ويده ترتجف من ثقل الوجع داخل قلبه، يترجى مي أن تفتح الباب، وتستمع له لعله يستطيع أن يجعلها تسامحه.

رشدي بنبرة متوسلة: مي علشان خاطري افتحي... اديني بس فرصة أشرحلك، والله العظيم كنت عايز أقولك من أول لحظة بس خوفت تمشي وتسبيني. 

التقط انفاسه وأكمل بلهفه يحاول إقناعها: والله حاولت أبطل علشانك يا مي، ونجحت وقللت الجرعة، بس معرفتش أبطل خالص.

صمت لحظه، وتابع بتوسل وندم: أنا عارف إنه كان لازم تعرفي وإني خيبت أملك، بس أنا عايزك تسمعيني مرة واحدة وبعدها اعملي اللي أنتِ عايزاه...

كانت تستمع له بدموع، ويديها على فمها تحاول كتم الصرخة، بينما وجع قلبها يفتك بأعماقها ويعصف بها. 

جلست على الأرض، تضم قدميها، ودموعها تنهال بصمت، لكنها بدأت تعلو رغما عنها، كأن الحزن يريد أن يخرج كله دفعة واحدة.

بينما استرسل رشدي دون توقف برجاء وآسف: أنا آسف يا مي، عمري ماعتذرت لحد، وأنتِ الوحيدة اللي أقدر أعتذرلها، لو سمحتي افتحي...

صمت للحظه يجمع شجاعته، ثم استمر بصوت مكسور: صدقيني، اللي حصل تحت مكانش صدفة، هو كان قاصد يضايقني، علشان يبعدك عني، وموضوع الإدمان والله العظيم حصل غصب عني، اتحطيت فيه غصب عني، واحده كانت بتحطلي مخدرات في الحاجات اللي بشربها وأنا مش واخد بالي، الموضوع كبير اوي.

كان صوته ينهار أحيانا، لكن عزيمته على طلب السماح كانت تتألق في كل كلمة: افتحي يا مي، دقيقة واحدة بس، اديني فرصة أشرحلك، وبعدها اعملي أي اللي أنتِ عايزاه، بس افهميني.

لكنها لم ترد، ولم تغفر، وصل إلى أذنه أنينها، فاشتعل وجهه بالغضب والوجع، واسودت عيناه من شدة الانفعال. 

لم يستطع كبح شعوره بالكراهية تجاه عماد، ذلك الوغد الذي فضحه أمامها بتلك الطريقة الحقيرة، اجتاحه شعور واحد: سيقتل عماد ويتخلص من سمومه وشره.

ضرب الباب بغضب، ثم اندفع مسرعا إلى الأسفل، قلبه مثقل بالغضب والخذلان، وعيناه تلمعان بوميض الانتقام والألم.

علي السفرة.

كان الجميع لا يزالون يتناولون الطعام، كأن شيئا لم يكن، وفجأة اقتحم رشدي المكان، صائحا بنبرة رجولية جهورة: عماااااااد!

فجأة قفز عليه كما يقفز الفهد على فريسته، ووجه له لكمه صارخا: هقتلك يا ابن الكلب! مش هسيبك دقيقة واحدة عايش!

ركض عزت وطه بسرعة محاولين الامساك به لكنهم لم يستطيعان فغضب رشدي قد اكسبه قوة غيريبة، فاقت كل من حوله. 

أما سليم وماسة فوقفا متفرجين، يتبادلان نظرات مبطنة بابتسامة خبيثة. 

تدخلت صافيناز محاولة إبعاد رشدي: ابعد إيدك عنه!

لكن رشدي دفعها بقوة إلى الخلف، وواصل توجيه لكماته لعماد الذي حاول الدفاع عن نفسه، فبادله بعض اللكلمات هو الآخر.

دفعه عماد بعيدا فسقط رشدي على السفرة ووقع على الأطباق، فأمسك طبقا وضربه على رأس عماد، فجرح ونزفت رأسه.

صرخت فايزة وصافيناز من الرعب عندما رأوا الدماء تتدفق على وجه عماد.

صرخت فايزه: الحقهم يا سليم هيموتوا بعض.

صرخ عزت وهو يدفعه: كفايه جنان بقي.

في تلك اللحظه ركض سليم نحوهما، امسك رشدي من ظهره ودفعه بعيدا قائلا بغضب تمثيلي: ايه اللي أنت بتعمله ده يا رشدي؟ أنت اتجننت! امسكه يا باشا! ده اتجنن.

حاول طه وعزت تثبيت رشدي، بكل قوتهم.

وقفت فايزة عاجزة عن السيطرة على الوضع، فيما اكتفت ماسة بالمشاهدة، بينما اندفعت صافيناز نحو عماد تحاول إيقاف نزيفه.

صرخ رشدي بغضب وهو يحاول التملص منهم: سيبوني اموته! الحيوان الخبيث ده، اللي بيعمل كل مصيبة من تحت لتحت.

أضاف بوعيد: بقي أنا تعمل معايا كده؟ وحياة أمي ما هسيبك!

نظر سليم لعماد وقال بخبث قاصدا إشعال الأمر أكثر: الصراحه يا عماد عنده حق، مكانش ينفع تقول لمراته إنه مدمن، ما إحنا عارفين إنه مقلهاش، كان لازم تاخد بالك.

حاول رشدي التملص وهو يصيح: أنت بتكلم مين يا سليم، دى وسخ، وكان قاصد كل كلمه قالها، والله لأقتله.

دفعه سليم قائلا: بطل جنان تقتل مين؟ أكيد عماد مكانش يقصد، ولا أنت كنت تقصد يا عماد؟

نظر له عماد باستهجان: هو اللى بدأ الأول، أنا برد على وساخته معايا.

نظر إليهما بخبث أكبر: هو انتوا أصلا بينكم حوار؟! طب بتنكشه ليه يا رشدي، ما أنت عارف عماد مبيسكتش...

ثم أضاف بمكر ولؤم: بس برضو يا عماد الحركه اللي انت عملتها وحشه اوي، متطلعش من حد جنتل مان زيك مهما حصل. 

كانت ماسة تضع يديها على فمها تحاول كتم ضحكتها بصعوبة، مدركة أن سليم يشعل نيران الغضب بينهما أكثر.

تابع سليم بهدوء خبيث: عموما رشدي بدأ وعماد رد، نقفل بقى الموضوع على كده، احنا عيلة، والمسامح كريم. 

رشدي بوعيد: والله هقتلك يا عماد وهتشوف!

سليم بحزم: يا ابني بطل بقي، ايه يا باشا انت هتفضل واقف متفرج كده.

ثم وقعت عينه على السكاكين، فأشار بيده: وبعدين شيلوا يا جماعة السكاكين دي من هنا، رشدي متهور ومنقدرش نتوقع رد فعله، كفاية فتح دماغه...

في تلك اللحظة، لم تستطع ماسة كتم ضحكتها فانفجرت ضاحكة بصوت عالي؛ فهي تعلم في داخلها أن سليم يفعل ذلك عمدا ليشعل غضب رشدي أكثر، ودفعه للتهور والإمساك بالسكين وقتل عماد.

التفت فايزة على صوت ضحكتها، وصاحت بنظرة حادة: بتضحكي على إيه؟

ضحكت ماسة بسخرية: أصلكم عيلة مناخوليا بصراحة، فطبيعي أضحك على اللي بيحصل ده.

فايزة بحدة: ماسة، متنسيش نفسك.

ردت ماسة بابتسامة جانبيه شامته: يا ستي منسيتش، بس والله المشهد يضحك، سبحان الله حقي بيجيلي من غير تعب، بصي هو اللهم لا شماتة..

ثم ضحكت وأضافت: بس أنا بصراحه شمتانة!

عزت بضيق: سليم شوف مراتك، مش ناقصينها!

التفتت لها سليم وأعطاهم ظهره، ثم غمز لها بخفة وقال بخشونة متصنعه: هو أنتِ مش طفحتي؟ يلا على أوضتك، بتشتمي في أخويا اللي بيدافع عنك يا واطية؟ غوري من هنا، يلا!

رفعت حاجبها ببرود: حاضر، طالعة.

وقبل أن تبتعد، مدت يدها وأخذت تفاحة من على الطاولة، وبدأت تأكلها وهي تتحرك بخطوات هادئة، وتدندن بسخرية لاستفزازهم: قولوا للي أكل الحرام يخاف، بكرة اللي كله يفسده، يا با الغني بالحرام لو شاف ابن الحلال يحسده، ناس بتعبي في شكاير، مآسي ومعاصي وخساير، مين باع ضميره ده ماله، مهما يستف في ماله... مصيره مستقصده

ثم ابتسمت بخبث: يا رب يجعلكم نصيب من نهاية المسلسل.. يابعده

وأثناء ذلك، استغل رشدي انشغالهم مع ماسة، ودفع عزت وطه بقوة، وذهب ينقد على عماد من جديد، وفي نفس اللحظة، اندفع شوقي إلى الداخل وهو يلهث: الحقنا يا رشدي بيه مصيبه!
الدنيا اتقلبت فجأه على رشدي، تفتكروا هيقدر يقف ضد كل ده؟  
تعليقات



<>