رواية الماسة المكسورة الجزء الثاني2(عناق الدم) الفصل السابع والعشرون27 بقلم ليله عادل
[بعنوان: الوجه الاخر]
في تلك اللحظة... ظهر وجه سليم، بابتسامة واسعة ترتسم على ملامحه... ابتسامة تحمل لذة الانتقام بأيدي، له طعم آخر، نظر إلي المصنع بابتسامه شامته وعاد بذاكرته لما حدث..
فلاش باك
فيلا سليم وماسة.
مكتب سليم 7:00مساء
كان يجلس خلف مكتبه، هادئا كعادته، بينما جلس مكي وعرفان أمامه، وتوقف قابلتهم شاب بثبات متوتر.
تساءل سليم ببرود محسوب، وهو ينظر للشاب: متأكد إن المواد دي مش هتظهر أثناء التصنيع؟ أنا مش هقبل بأي غلط.
رد الشاب بسرعة: برقبتي يا باشا لو حصل غير اللي أمرت بيه.
ارتفعت زاوية فم سليم بسخرية باردة: رقبتك مش هتكفيني وقتها يا حمادة.
تدخل عرفان: أنا ضامنه يا سليم بيه، جربته في حاجات مشابهة.
سليم بعد لحظة تفكير: تمام، عايزك تحضرلي كميات كبيرة في أسرع وقت.
اومأ الشاب بطاعه: أوامرك يا باشا.
تبادل مكي وعرفان النظرات، قبل أن يسأل مكي بقلق واضح: طب الخلطة دي، لما تتحلل هتبقى إيه بالظبط؟
الشاب بثقة محسوبة: مواد مسرطنة، بس معمولة بطريقة معينة على أعلى مستوى، ملهاش لون ولا ريحة، ومش بتظهر في التحاليل العادية بسهولة، يعني لو عندهم قسم تحليل داخلي، بيحللوا فيه المواد قبل التصنيع عمرهم ماهيكتشفوها.
صمت قليلا وتابع بابتسامه خبيثه: لكن لو الموضوع وصل للطب الشرعي، وطلبوا تحليل متخصص، ساعتها طبعا هتظهر، لأن الأجهزة هناك أقوى ومختلفة.
اقترب قليلا وأكمل: ساعتها النيابة هتقدر تثبت إن صافيناز هانم بتستخدم مكونات فاسدة وخطرة، ويتوجه لها تهمة فساد وغش تجاري، وبيع منتجات غير صالحة للإستخدام الآدمي.
رفع مكي حاجبه بإعجاب وهو ينظر لسليم معقبا كأنه فهم ما يدور في عقله فحاول توضيح نتيجه: وبكده هتفهم، إن اللى عمل كده حد تقيل، مش لعب عيال، وبما إن أنت هتبان قدامهم مصدق اللى عملوه، هتبقي آخر واحد يتوقعوا إن الضربه جت منه، صح؟!
ابتسم سليم ببطء وهو يعود بظهره على المقعد: صح.
ثم وجه صوته للشاب، قائلا: استنى بره.
أومأ الشاب بطاعه، وخرج وأغلق الباب خلفه، فالتفت سليم إلى عرفان، وتساءل بعينان حادتان: أنت ضامن الدكتور ده يا عرفان؟ أنا مش عايز غلطه.
أجاب عرفان دون تردد: أيوه متقلقش، اشتغلت معاه كتير... وعارف حدوده.
ثم سأل سليم بنبرة مختلفة: عملت إيه في موضوع الستات الي طلبتهم والشقة؟
أجابه عرفان موضحا: الستات خلاص مستنين أومرك، بس الشقة لسه.
قطب سليم حاجبيه بنبرة غليظه: ليه لسه؟ لو مش عارف تشوف شغلك، قولي اجيب حد مكانك..
عرفان بدافع عن نفسه: يا باشا أنا بس مش لاقي وقت، حضرتك طلبت حاجات كتير، بعدين ...
قاطعه سليم بشدة: بعدين ايه؟ لازم كل حاجة تخلص في أسرع وقت علشان الخطة تمشي صح في المعاد المحدد، أنا مش هعرف اجتمع بيكم كتير.. ايه اللى معطلك؟!
عرفان موضحا: علشان سارة مش بتسيب الشقة كتير، ولما بتخرج بتكون الخدامة موجودة، بس لو مستعجل ممكن ادخل واخدر الخدامه.
سليم بحزم: لا، مش عايز حد يحس بحاجة ولا يشك، تدخل نظيف، كأنك شبح، عارف يعني ايه شبح؟!
تنهد عرفان: طب خلاص استنى بس يومين، الشغالة بتخرج الخميس أجازة وترجع الجمعة بالليل، هحاول أخرج سارة بطريقة متخليهاش تشك.
قال مكي: خلاص يا سليم، مش هتفرق من يومين.
أومأ سليم برأسه على مضض، فنهض عرفان قائلا: طب همشي أنا بقي، تؤمر بحاجه تاني يا سليم بيه؟!
هز سليم رأسه نافيا، فتحرك عرفان للخارج.
نظر مكي إلى سليم بتوجس: ليه مصر على موضوع سارة دى؟ إيه اللي في دماغك؟
ابتسم سليم ابتسامة غامضة: هتعرف، بس في وقته.
عودة للحاضر...
كانت الابتسامة مازالت ترتسم على وجهه سليم..
خلع الرجلان الآخران أقنعتهما، لم يكونا من رجاله المباشرين... بل من رجال عرفان.
في تلك اللحظه فتح عرفان باب القيادة ودخل قائلا: ايه رأيك يا سليم بيه؟!
نظر اليه سليم برضا: زى الفل.
ثم أعاد بصره للطريق، وعيناه تلمعان بغضب متجمد، الحرب بدأت...لكن الضربة الأولى كانت صامتة.
عاد سليم إلى الفيلا قبل الفجر، كان الهدوء يلف المكان.
ترجل من السيارة بعد أن فتح له مكي الباب، وهو يتساءل بصوت منخفض: عملت إيه؟ طمني.
ابتسم سليم: كله تمام، المهم... ماسة عاملة إيه؟
مكي مطمئنا: متقلقش، سلوى معاها، ونايمة، لسه مكلمها.
ثم اقترب منه خطوة، متسائلا باستفسار: طب كده خطوتك الجاية إيه؟ وبعدين مش خايف حد يتأذي من الناس، لما المنتجات دى تتباع؟
مال سليم برأسه نحوه، وقال بهدوء حاد: تفتكر إني ممكن أعمل كده؟ الحاجات دي علشان تتصنع وتدخل إنتاج بتاخد وقت... شهر على الأقل، وأنا كل اللي محتاجه الاسبوع الجاي... يوم الحفلة.
عقد مكي حاجبيه: اشمعنى الحفلة؟
تغيرت ملامح سليم، وصوته أصبح أكثر برودة: علشان اوجع فايزة، فايزة مش هتتوجع غير بفضيحة على الملأ، لما تشوف بنتها والبوليس جاي يقبض عليها وسط الناس والصحافه والوزره، والحفله مذاعه..
صمت لحظة، ثم أكمل: هوجع كل واحد فيهم من الحته اللى يتوجعه، وأنا عارف كويس كل واحد بيتوجع منين؟!
مكي بتردد: بس كده الباشا...
قاطعه سليم بنبرة حادة: مش مهم، لازم يبقى في ضحايا، هو لازم يدفع ثمن اختيارة لفايزة وتربيته..
ساد صمت ثقيل، ثم أضاف سليم وهو يثبت عينيه عليه: وبعدين مين قالك إنه بره دايرة الشك؟
تساءل مكي مسرعا بقلق: جابوا سيرته...
رد سليم ببرود: لا، بس أنا بطلت أثق في حد.
اومأ مكي بإيجاب، ثم سأله بنبرة تحمل الف معنى:
المهم تكون ارتحت لما نفذت بأيدك؟!
نظر اليه سليم بصمت للحظة، وكأن شيئا داخله اهتز، ثم أجابه بصوت أخفض، لكنه أكثر قسوة: مش هنكر إني انبسطت.
توقف لحظة، وابتسامة باردة عادت إلى وجهه: بس اللذة الحقيقية، لما أشوفها في الحبس، واشوف فضيحتهم قدام الناس، زي ما كانوا عايزين يفضحوا مراتي.
قال كلماته الأخيرة ببطء متعمد، ثم استدار وتحرك مبتعدا، وخلفه، ظل الصمت معلقا في الهواء، أثقل من أي تهديد.
وأثناء صعوده الدرج، أخرج هاتفه واتصل بسلوي، لينبها لقدومه، انتظر لحظة، حتي جاءه صوتها من الجهة الأخرى، وهي تهمس بصوت خافت وتنهض مبتعدة عن ماسة قليلا: ألو، إيه يا سليم؟ اتأخرت كده ليه؟ أنا خايفة ماسة تصحى.
رد بهدوء: أنا على الباب خلاص، افتحي.
وبالفعل فتحت الباب بهدوء، وجدته أمامها وهو يقول: ها، ايه الأخبار؟
أجابته بخفوت: لسه نايمه، مصحيتش خالص.
تنفس براحة: طب الحمد لله، كنت خايف تصحى.
نظرت اليه سلوي للحظه، ثم تساءلت: طب أنت عملت إيه؟
ابتسم بثقة: كله تمام.
نظرت إليه بجدية: بس لازم تكلم دكتور، أصل مش طبيعي كل ما تحب تعمل حاجة تستنى لما تنام.
أومأ برأسه: أكيد هكلمه، شكرا يا سوسكا.
ابتسمت بخفة: بتشكرني على إيه؟ دي أختي! يلا، تصبح على خير.
رد بلطف: وأنتِ من أهله.
غادرت سلوي لغرفتها، فدخل سليم الغرفة، وأغلق الباب خلفه بهدوء، واقترب من الفراش حيث كانت ماسة ما تزال غارقة في نوم عميق، خلع ساعته ببطء، وعيناه لا تفارقان وجهها المطمئن، ثم نزع سترته ووضعها على الفوتيه القريب، وتقدم نحوها.
جلس إلى جوارها حتى لامس كتفه كتفها، وأحاطها بذراعه برفق، بينما مرر يده الأخرى على شعرها في حنان.
ظل يتأمل ملامحها الهادئة، التي بدت كأنها ملاك نائم، همس بصوت خفيض: إحنا مشينا في الطريق خلاص يا ماسة، وبدأنا أول خطوة، اللي عملته النهارده ولا حاجة، وميساويش دمعة من دموعك، بس اعتبريها مجرد بداية...
توقف لحظة، ثم أضاف بصوت يحمل وعدا صادقا: صدقيني مش هيرتاحلي بال، ولا ههدي، غير لما أجيبلك حقك قصاد عينك، وبنفس الطريقه، دى وعد.
وضع قبلة طويلة على جبينها، ثم أسند رأسه إلى رأسها في سكون دافئ، وبعد قليل نهض، غير ملابسه، وأدى صلاته، ثم عاد إليها، ضمها بين ذراعيه واستلقى بجوارها لكن تلك الليلة كانت مختلفة، نام وقلبه أكثر سكونا؛ لأنه شعر أنه دق أول مسمار في نعشهم.
**********
خلال أيام قليلة.
سافر رشدي ومي إلى ميامي في الولايات المتحدة، بعدما شعرت مي بأن هدوء المالديف لا يناسبها، لم يكن المكان سيئا، لكنه كان ساكنا أكثر مما تحتمل.
كانت ميامي مختلفة تماما؛ مدينة صاخبة، نابضة بالحياة، تجمع بين سحر الطبيعة وجنون المدن الكبيرة؛ حيث كانا في الصباح يذهبان إلى البحر، يركضان على الرمال، يركبان الدراجات على الكورنيش، أو يخوضان مغامرات الـبيتش باجي، وفي المساء، يخرجان لاستكشاف المدينة، يزوران معالمها، يدخلان الملاهي، يضحكان بصوت عالي، ويعيشان اللحظة دون قيود.
حتى رشدي بدا مختلفا، كان أكثر حماسا، وحيوية، واندماجا، فالجميع يعلم أن شخصية رشدي لا تناسبها الأماكن الهادئة الرتيبة، فهو يعشق الحركة، والضجيج، والتجديد المستمر، الأماكن التي تشبهه هي التي تخرج أفضل ما فيه، تجعله متوهجا، وهنا فقط شعرت مي أن هذا هو شهر العسل الحقيقي.
وحاول رشدي طوال تلك الأيام تعويضها عن الأيام السابقة، ومحو أي شعور عكر صفوهما، وأضاف لذكرياتهما معا صفحة أنقى وأجمل.
استقرا في كوخ مطل على البحر، على التراث المكسيكي، واللافت أن الفندق الذي نزلا به هو نفسه الفندق الذي كان يقيم فيه سليم وماسة سابقا، فهو أحد الفنادق التي يملكها سليم، وكأن الخيوط، مهما ابتعدت، تظل متشابكة بطريقة ما.
وبالطبع، اجلب رشدي المخدر وخبأه في مكان آخر، لكن تلك المرة كان منتبها، كما علمت مي من شقيقها أن والدها أصيب بالبرد، وهذا أقلقها، فهي تحب والدها كثيرا وتحزن عند إصابته بأي مكروه، ومع ذلك، استطاع رشدي أن يهدئها ويهون عليها.
أما ياسين ولوجين، فكانا يعيشان أيامهما في هدوء، مستمتعين بوقتهما، غير مدركين لما يحدث في مصر، ولم يعكر صفو أيامهم سوى التغير المفاجئ في تصرفات نالا تجاه لوجين، ورفضها الحديث معها، لسبب لم يتمكنا من معرفته حتى الآن؟!
أما عند عماد وصافيناز وفايزة، فظل الوضع كما هو عليه بين خوف وحيرة، ولكنهم اطمأنوا قليلا، حينما تأكدوا من إختفاء مصطفي في تلك الأيام.
أما سلوى، فحاولت بكل ما تملك أن تخرج ماسة من دائرة الخوف، وبقيت معها طوال تلك الأيام، تجلس إلى جوارها، تتحدث معها، وتهدئها وتحتويها، كما حاولت مرارا التحدث مع مكي، لكنه كلما رأها تقترب منه كان يبتعد متظاهرا بالانشغال في الحديث مع أي أحد، كي يغلق أي مجال للحوار بينهم.
أما ماسة، فقد خضعت لجلسات علاجية مكثفة، في محاولة لانتشالها من حالة الخوف التي ابتلعتها بالكامل، فلم يكن الخوف مجرد نوبة عابرة، بل ظلا مقيما في عينيها، يرتجف مع كل حركة وكل صوت.
ومع تتابع الجلسات، بدأت حالتها تتحسن قليلا، وسمحت لأول مرة بابتعاد سليم عنها، كإشارة على تراجع الخوف، وظهور مساحة من الطمأنينة.
♥️______________بقلمي_ليلةعادل
في صباح يوم جديد بفيلا سليم وماسة 10:00 صباحا.
كان سليم يجلس في الصالون مع مكي ومصطفى، يتناقشون فيما ينوي فعله خلال الأيام القادمة، الجو كان مشحونا، وكل كلمة تقال تحمل حسابات دقيقة.
مصطفى وهو يميل بجسده للأمام: يعني بكرة هروح الفيلا التانية؟
أجابه سليم بثبات: أيوه، خلينا نبدأ اتاخرنا كتير، وكلم أهلك ينزلوا القاهره، ومتقلقش عليهم، مفيش حد هيقرب منهم، هحطلهم حراسه على البيت من غير ما حد يحس.
هز مصطفى رأسه، وتساءل بقلق: طب مش خايف يكون حد مهكر تلفوناتهم ويسمع المكالمه؟!
هز سليم رأسه بثقه: لا متقلقش، أنا متابعهم وعارف أنهم مش مهكريين أي أرقام ليهم، واطمنوا لما لقوك مختفي اليومين اللى فاتوا، وأنا هطمنهم بكره أكتر، واقولهم إني قتلتك.
تدخل مكي بنظرة فاحصة، موجها حديثه لسليم: طب أنت قررت إيه؟ خلاص هتغير موضوع إنك تروح أنت وماسة القصر؟
تنهد سليم بعمق: أيوه، خايف عليها، أنا اللي هروح وأكمل اللي بدأته، مش محتاج ماسة.
اومأ مكي بهدوء: تمام، اللي تشوفه.
نهض سليم وهو يشير برأسه: هطلع لماسة بقى علشان أعرفها إني لازم بكرة أكون في القصر، دلوقتي الحمد لله بدأت تتحسن وتتقبل فكره إني أبعد عنها.
أومأ مكي موافقا، فتحرك سليم وصعد إلى الأعلى، لكن الغرفة كانت فارغة!!
توقف في مكانه للحظة، ونظرة استغراب عبرت عينيه، ثم استدار وهبط إلى الأسفل مسرعا.
كان مكي ومصطفى لا يزالان جالسان في الصالون، نظر لهم وتساءل بحده خفيفه: حد فيكم شاف ماسة؟
أجابه مكي: لا.
تساءل سليم بترقب: طب سلوى؟
رفع مكي يده مهدئا: اهدى يا سليم، هتكون فين يعني؟ أكيد في أي مكان جوه الفيلا.
في تلك اللحظة، دخلت سلوى من جهة الحديقة، التفت إليها سليم بسرعة: سلوى، ماسة فين؟
تجمدت سلوى قليلا قبل أن تجيب: معرفش!! كانت جنبي في الجنينه، وقومت أدخل الحمام، ولما رجعت ملقيتهاش، قولت أكيد طلعت أوضتها.
قال سليم بنبرة قلق واضح: ماسة مش في أوضتها يا سلوي!!
اقترب مصطفى محاولا تهدئتة: أكيد في أي مكان، هتروح فين يعني؟
مكي بحسم: خلاص، خلينا نتوزع وندور عليها، واللى يلاقيها يكلم الباقي.
وبالفعل، بدأ الجميع بالتحرك داخل أرجاء الفيلا، غرفة تلو الأخرى حتى دخل سليم مكتبه...
توقف فجأة.
وجد ماسة واقفة هناك، أمام السبورة المعلقة على الحائط، تحدق فيها بتركيز غريب، وتمرر عينيها على الصور المعلقة والأسهم والخطوط التي تتفرع منها، وكأنها تحاول فك لغزا أكبر من قدرتها.
تنفس براحه، والتفت برأسه، ورفع صوته بنبرة رجولية هادئة: خلاص يا جماعة، أنا لقيتها في المكتب.
أغلق الباب خلفه وتحرك نحوها، لكن ماسة لم تلتفت له، وظلت كما هي.
وعندما توقف بجوارها، تساءلت دون أن تنظر إليه، وعيناها معلقتان بالصور: مين فيهم؟!
نظر إليها بعدم فهم: مين ايه؟!
التفتت إليه فجأة، بنظرات حادة، متوترة: مين فيهم اللي عملها؟ ولا كلهم؟ أنا سمعت صوت عماد لما كنا في القسم، أنا عارفة صوته..
صمتت لحظة، ثم رفعت يدها وكأنها تتوسل: قولي يا سليم، مين اللي عملها؟
تردد، وقال بمراوغة واضحة: معرفش لسه...
لم يكن كذبه إلا وسيلة لحمايتها مما قد يحدث، لم يكن يريد أن ينطق بما قد يضايقها أو يثير غضبها.
يحاول بكل ما يملك أن يبعدها عن أي مشاكل، ويقيها من كل عاصفة محتملة، خوفا عليها من ألم لا يحتمل.
لكنها بنظرة حادة وفطرة لا تخطئ، كانت متأكدة أنه يكذب، عرفت أن الحقيقة مخبأة في عينيه، وأن صمته أكثر من مجرد تجاهل، كان يحمل شيئا يريد أن يخفيه عنها، لكنها شعرت به يقيدها، ويقيد حقها في معرفة ما يجب أن تعرفه.
نظرت في عينيه مباشرة، رفعت حاجبها وقالت بنبرة قاطعة: أنا متأكدة إنك عارف يا سليم، ليه بتحاميلهم؟
ردت بنبرة حاده بضجر: إيه بحاميلهم دي؟؟ إيه العبط ده؟ خلاص سيبيني أنا أتصرف، وهجيبلك حقك.
أعادت السؤال بإصرار وكأنها لم تسمع له: مين فيهم؟
أدرك أنه لابد أن يخبرها ويضعها في الصورة، لن يكرر غلطته مره أخري حينما خبأ عنها أمر الصور التي كانت ترسل اليه وهي برفقة مصطفي، فتنهد قائلا: كلهم فايزة، وعماد، وصافيناز، ولسه مش متأكد إذا الباشا ورشدي ليهم إيد ولا لأ، بس قلبي حاسس إن الباشا معاهم؛ لأن محدش كان بيرد عليا من الناس اللي كلمتهم يومها، وده يأكد إن في حاجة.
جزت ماسة على أسنانها: طب إحنا إمتى هنروح القصر؟
هز رأسه معارضا، وقال بوضوح لا يقبل النقاش: لا، أنا غيرت رأيي، أنتِ هتفضلي هنا مع سلوى، وأنا هروح بكرة لوحدي.
نظرت إليه بثبات، وصححت كلماته بهدوء حاد: أسمها هنروح بكرة، مش هتروح لوحدك.
ثبتت عيناها في عينيه، لم يكن في نبرتها سؤال، بل قرارا يفرض، لا يناقش.
رد بحزم: لا يا ماسة، خلاص، أنا هعرف أتصرف لوحدي.
اقتربت خطوة، وصوتها ارتفع: حتى لو هتعرف تتصرف لوحدك، أنا عايزة أجيب حقي بإيدي، عايزة أشفي غليلي بإيدي...
نظرت له متسائلة بضجر أضافت: خايف عليا من إيه؟ لبسني إسورة تتبع، وأي حاجة تحصل هتبقى سامعها وشايفها، بعد ما ركبت كاميرات ومايكات.
نظر لها سليم من أعلى لاسفل بقلق واضح: ماسة، اللي إنتِ فيه ده مش طبيعي، انتِ كنتي لسه من كام يوم خايفة ومرعوبة تخرجي من أوضتك، ومش عايزة تسيبيني، وفجأة تتحولي كده؟ النظرة اللي في عينك دي تخوف.
هزت رأسها بسرعة، وتنهدت بعمق: سليم، أنا كويسة، إحنا كنا متفقين، آه تعبت شوية، بس دلوقتي خفيت بوجودك، وبتشجيعك، وجلسات الدكتور، خلاص بقى خلينا نكمل اللى كنا ناويين نعمله.
نظر إليها سليم طويلا لم تعجبه تغيراتها النفسية السريعة، ولا حدة تقلباتها، وكان القلق يتسلل إلى صدره دون إذن.
شعرت بتردده، وبالرفض المختبئ في عينيه، فاقتربت منه، وأمسكت يده، وارتسمت على شفتيها ابتسامة تحاول اقناعه: يلا بقى يا سالوملوم، علشان نعمل الدويتو الجامد..
تساءلت بحماس: أنت مش كنت ناوي تروح بكرة؟! تعالى نتكلم ونشوف هنعمل إيه، وأتفقت مع مصطفى على ايه؟ وإيه اللي حصل؟
أبعدت نظرها قليلا، وقالت بنبرة مبحوحة كأن غصة علقت في صدرها: حاسة إن الكام يوم اللي فاتوا دول غاب عني فيهم حاجات كتير، أنا مش عايزة أضيع يوم تاني في حزن، ولا وجع، ولا ظلمة، دكتور ياسر كان عنده حق، وأنت كمان كان عندك حق..
عادت تنظر إليه بثبات: مش هدخل تاني جوه الصندوق، لازم أطلع، وأبقى قوية، وأحارب بشجاعة، ومخليش أي حد يدخلني الصندوق ده تاني مهما حصل.
تعلقت نظرتها به، وكأنها تطلب منه سندا أخيرا: وأنت هتساعدني على ده مش كده؟مش إحنا اتفقنا إن أي حاجة بعد كده هنعملها سوا؟ ونحط إيدينا في إيد بعض؟
تنهد سليم وقال بهدوء ممزوج بقلق: أيوه يا ماسة وأنا قد وعدي، أي حاجة تحصل هقولك عليها، بس خليكي بعيدة عن الخطر.
اقتربت أكثر وهمست برجاء: أرجوك يا سليم، متحرمنيش آخد من اني اخد حقي بإيدي.
أدرك أن ماسة متشبثه برأيها، ومن المستحيل تغير رأيها، فكر أن وجودها إلى جواره أهون من تركها تقاتل وحدها، فتنهد مستسلما: ماشي يا ماسة...
ثم نظر إليها بجدية: أنتِ عايزة تعرفي إيه؟!
ابتسمت بخفة: كل حاجة.
أجابها موضحا: هودي مصطفى الفيلا الجديدة يقعد فيها، عشان ناوي لما نرجع، أقول إني خلصت عليه، في تفاصيل تانية هعملها، بس كل حاجة هتعرفيها في وقتها.
تسألت باستغراب: اشمعنا؟!
أجابها بهدوء: لأن كل خيط هيودي للخيط اللي وراه.
سألته: طب وأهل مصطفى؟
اجابها موضحا: هيجوا يقعدوا في القاهرة، إحنا طمناهم، ولما يجوا مصطفي هيفهمهم كل حاجه، وهيعرفهم إنه بيساعدك.
تسألت: طب ومراته اللي اتجوزها دي؟
ابتسم ابتسامة جانبية: ممكن أوديها تعيش معاه، بدل ما يبقى لوحده ويكلم الحيطان.
ضحكت بخفة، فأكمل سليم: أنا هنادي مكي ومصطفى، ونقعد نتفق، هنحكيلك كل حاجة، بس ركزي يا ماسة الموضوع كله محتاج منك تمثلي متقن، إنك بتكرهيني ومش طايقاني، وتشتمي فيا.
رفعت حاجبها بثقة: اطمن، أنا عارفة أعمل ده كويس،
أنا قعدت شهور أمثل عليك، وأقنعك إن كل المشاكل بسبب قفلك عليا والسجن، تفتكر مش هعرف أمثل عليهم؟
نظر إليها بجدية مفاجئة وخرجت كلماته بمرارة: نصيحة بلاش تثقي في نفسك أوي، أنا لما وثقت في نفسي وصلت للي إحنا فيه ده.
ابتسمت وقالت بثبات: أنا مش واثقه في نفسي، أنا واثقه فيك، إنك مش هتسمح بحاجه تمسني تاني!
نظر إليها بصمت للحظه، ثم اومأ برأسه مؤيدا: أكيد.
تشبثت بذراعه وقالت بحماس: يبقي يلا نادى مكي ومصطفى، وخلينا نشوف هنعمل ايه، متقلقش.
وبالفعل، نادى سليم على مصطفى ومكي، واجتمع الجميع في المكتب، حتى سلوى حضرت وجلست معهم.
ساد المكان تركيز شديد، وكأن كل واحد منهم يدرك أن ما يقال الآن سيغير مجرى الأيام القادمة.
بدأ سليم يشرح خطته بهدوء ودقة، والجميع يتابع، يقاطعونه أحيانا، ويضيفوا ملاحظاتهم في أحيان أخري، في نقاش متبادل لا يخلو من التوتر.
قال مصطفى بعد لحظة تفكير: على فكرة، أنا ممكن أراقبلكم حوار المكالمات والحاجات اللي في التسجيلات وكل يوم اديك تقرير مفصل باللي اتقال، ما أنا هبقى هناك في الفيلا، ومش هيبقى عندي حاجة أعملها، إيه رأيكم؟
نظر سليم إلى مكي للحظات، ثم قال: ماشي، تمام، وأي حاجة تحصل هتكلمني طبعا بالرقم اللي هجيبهولك.
ثم أكمل بجدية: هنتفق على (سين) لما تقول لي: «أخبار الجو عندك يا سليم إيه؟» لو قولتلك: «تمام»، يبقى نتكلم براحتنا والدنيا ماشية، لو حسيت إن الوقت مش مناسب، هقولك: "دوشه" ، ولو حصل حاجة مهمة ومش عارف أكلمك، اتكلم مع مكي، أوعى تكلم أهلك غير لما تقولي.
تدخلت ماسة بقلق: طب والعيلة؟ يعني لما يلاقوا أهل مصطفى بعد شوية محدش بيسأل، ومفيش حاجة مش هيشكوا؟
ابتسم سليم ابتسامة جانبية: مش هيبقوا فاضيين أصلا هيبقوا ملهيين في فضايحهم اللى هنزلها ترف فوق دماغهم كل فضيحه أكبر من التانية، إحنا محتاجين كام يوم بس، لحد يوم الحفلة، وساعتها نبدأ اللعب اللي بجد.
هز مصطفى رأسه موافقا: تمام، ولو احتجنا أي تهكير أو شغل تقني، إيهاب ممكن يساعدنا.
اومأ سليم سريعا: تمام..
ثم وجه نظراته لمصطفي وسأله بهدوء: تحب أجيب آلاء ووالدتها يقعدوا معاك؟
تردد مصطفى قليلا: مش عارف، خليني أروح الأول وأشوف، لو أمي فضلت قافشة، ممكن أجيبها.
قاطعتهم ماسة بحزم: سليم فكك منه، هاتها تقعد معاه على الأقل تونسه، أنت هتتجنن هناك لو فضلت لوحدك.
نظر سليم إلى مصطفى الذي ابتسم من طريق ماسة، وتساءل سليم: وموضوع محمود دى حابب تعمل فيه ايه؟! اسمع كلامي وسبني أظبطهولك، هو كده كده مش هيقدر يجي ويتعرض لأهلك تانى في الشقه زى ما عمل في اسكندرية، بس برضو سبنى المهولك.
هز مصطفي رأسه نافيا: لا سيبك منه، هو مش هيعمل حاجه، الحوار اللى عمله في اسكندريه كان تهويش علشان يضغط عليا واسلمه آلاء، لكن طول مامعموله محضر مش هيعمل حاجه، هيخاف.
هز سليم رأسه بضيق، من عناده: براحتك زى ماتحب.
رفعت سلوى يدها نصف رفعة، وقالت بابتسامة: وأنا؟ مليش دور في المسلسل ده؟!
نظر لها سليم بجدية مصطنعة: لا، ليكي، هتيجي تزوريها، وأنا هطردك، وهنتخانق سوا، وأنتِ طبعا هتشتميني.
ضحكت سلوى: ماشي، طب أمي وأبويا هيعرفوا؟
سليم موضحا: أيوه بس مش كل التفاصيل، علشان هما كمان لازم يمثلوا، بس بلاش أي تصرف إلا لما أنا أقول.
نظر إليهم جميعا وقال بحزم: لازم تعرفوا إن تمثيلنا قدامهم هو النقطة اللي هنشتغل عليها، واي حاجة تحصل، لازم نبلغ بعض بيها، محدش يفكر يعمل خطوة من دماغه، ولا يضيف التاتش بتاعه، لازم كلنا نبقي أيد واحده ونتحرك كوحدة واحده..
توقف لحظة، ثم نظر إلى ماسة تحديدا: أحنا هنمشي جوه دايرة، مينفعش نخرج بره الدائرة دي، خصوصا أنتِ يا ماسة.
رفعت حاجبها وقالت بابتسامة واثقة: أنت عمال تبصلي كل شوية وتقولي خدي بالك..!
تابعت بتهكم وثقة: على فكرة، أنا أكتر واحدة فيهم هبهرك بتمثيلي.
ثم التفتت إلى مكي وضحكت بخفة: أنا هربت تلات مرات من رجالتك، ومن ضمنهم مكي، سوري يعني يا مكي..
أضافت بتفاخر: بس ده كله كان بسبب تفكيري وتمثيلي، فأوعى تقلق مني تاني.
ابتسم مكي ابتسامة قصيرة، بينما عقد سليم حاجبيه: أخدك للموضوع بالهزار ده مقلقني.
مالت ماسة للامام وقالت بثبات: متقلقش، ثق فيا.
تبادلا النظرات لوهله بصمت قبل أن يتنهد سليم ويقول: أنا هجيب سحر دلوقتي، علشان افهمها مهمتها، لأن هي كمان هتكون معانا.
هز الجميع رؤوسهم بصمت، بينما رفع سليم هاتفه، وقام بمهاتفه سحر، وطلب منها الحضور للمكتبه فورا، وبعد قليل تعالي طرق الباب، ودخلت بخطوات مترددة، وهي تنظر لاجتماعهم سويا بارتباك، وهي تقول: أفندم يا سليم بيه.
رفع سليم نظره إليها، ثم قال: أقعدي يا سحر، عايز أتكلم معاكي.
جلست على الأريكه بجانب سلوي، وظهر على وجهها بعض القلق، وهي تتساءل: خير يا بيه؟
مال سليم إلى الأمام، وأسند مرفقيه على المكتب: بصي يا سحر، الفترة دي فيه مشكلة، وأنا محتاجك تكوني معانا فيها، أنا عارف إنك بتحبي ماسة وبتعتبريها زي بنتك، مش كده؟
وضعت يدها على صدرها بسرعة، وقالت بصدق وهب تنظر نحو ماسة: والله يا بيه ربنا وحده يعلم غلاوتك وغلاوتها عندى عامله أزاى.
هز رأسه: عارف يا سحر.
ثم نظر إليها بثبات وتساءل: المهم قوليلي الأول لما روحتي القصر قبل كده وسهلتي دخول مكي، قولتيلهم إيه؟
أجابت وهي تسترجع التفاصيل: مكي باشا كان معرفني المطلوب مني، وقايلي إن مفيش حد هناك غير الخدامين، وأنه عايزيني أشتتهم على مايخلص اللى عايز يعمله، فروحت وقولتلهم إني كنت معديه من جمبهم فقولت أعدي أسلم عليهم وأقعد معاهم شوية، وإني سمعت حضرتك بتقول في التليفون إن كلهم هيبقوا في المجموعه في اجتماع مهم فنقدر نقعد براحتنا، وهما صدقوا.
أومأ برأسه وكأنه يعد خطة: تمام، عايزك بكرة تروحي القصر متضايقة، وتقولي إني اتخانقت معاكي، وزعقتلك، وطردتك قدام الخدم اشتمي فيا براحتك، وقولي إني بقيت عصبي وبضرب ماسة، المهم كل إللي في القصر يعرف.
اتسعت عيناها قليلا: حاضر يا بيه.
أشار بيده نحو مصطفى، ثم قال بنبرة حازمة: شايفة الراجل إللي قاعد قدامك ده؟
التفتت سحر إلى مصطفى، تحدق فيه بتدقيق واضح، كأنها تحفظ ملامحه.
تابع سليم وهو يراقبها: أحفظي شكل دكتور مصطفى كويس أوي، وعايزك قدامهم تحاولي تخلي الكلام يتقال كده كإنه صدفة... ويبقى حد معدي من إللي في القصر ويسمع، صافيناز، عماد، فايزة هانم... أي حد...
ثم مال قليلا للأمام، وصوته انخفض بخطورة: قولي إنك شوفتي واحد في الفيلا... ومكي كان بيجره وراه بحبل، وكان شكله مضروب، وبعدين اختفى، بس متعرفيش عنه حاجة تاني، مفهوم؟
هزت رأسها ببطء: مفهوم يا بيه.
أكمل وهو يضغط على كل كلمة: حاولي توصفيه، قولي شكله مسبسب، أبيضاني، شعره كذا، عينه كذا، ولو الهانم سألتك أو أي حد، عايز وصف قريب جدا من دكتور مصطفى.
نظر إلى مصطفى لحظة، ثم عاد بعينيه إليها: لو تعرفي توصفيه بالتفصيل يبقى أحسن، عايز إللي يسمعك يفتكر الشكل في دماغه كويس.
ابتلعت ريقها بتوتر: حاضر، هركز.
شدد سليم بنبرة لا تحتمل الخطأ: ركزي أوي يا سحر، الموضوع ده أهم مما تتخيلي.
أومأت براسها بثقة: متقلقش يا بيه
أخرج سليم هاتفا صغيرا من درج مكتبه، ومده إليها: التليفون ده رقم سري بيني وبينك وبين مكي وماسة، أي حاجة تحصل تبلغيني فورا، وخبيه كويس.
أخذته بحذر: حاضر.
اقترب بجسده للأمام، وصوته انخفض: مفيش مجال للغلط يا سحر، أي غلطة هتبوظ كل حاجة.
تبسمت وهي تيشير بيدها: متقلقش يا بيه، أنا فاهمة.
اعتدل في جلسته استرسل: روحي يلا حضري حاجتك، علشان تروحي بكره بدري، وتعملي اللى قولتلك عليه.
اومأت براسها وهي تهم بالتوقف: حاضر، بعد إذنك.
خرجت سحر، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
التفت مصطفى إلى سليم: طب وأنا؟ هروح الفيلا التانية أمتى؟
أجابه دون تردد: قوم كلم أهلك دلوقتي، وبلغهم ينزلوا بكره القاهره، هتروحلهم بس بشكل متنكر، وتفهمهم كل حاجه وبعدها تطلع على الفيلا الجديدة، ومكي هيكون معاك.
اومأ مصطفي برأسه، ونهض قائلا: تمام هقوم اقولهم دلوقتي، علشان يلحقوا يجهزوا نفسهم، ويسافروا.
هز سليم رأسه إيجابا، فغادر مصطفي، بينما نظر سليم لسلوى وماسة قائلا: معلش يا ماسة اطلعي أنتِ مع سلوي دلوقتي، وسبوني أنا ومكي لوحدنا.
رفعت ماسه حاجبها باستنكار: لوحدكم ليه؟!، هتقول ايه يعني، ماتقول قدامنا.
شدد سليم على كلماته: ماسة مش وقت عند، أنا قولت أطلعوا وسبونا لوحدنا، يلا.
نظرت إليه بغضب للحظه، ثم نهضت وغادرت مع سلوى لأعلي، وما أن أغلقت سلوي الباب خلفها، حتى التفت سليم لمكي، متسائلا: جبتلي عثمان؟
أومأ مكي بابتسامة ساخرة: أه، وحطيته في أوضة الفيران
سليم بنظر تحمل معنى: طب اتصل بالرجالة وخليهم يجهزوا.
ثم فتح درج المكتب وأخرج علبة، فتحها، فوجد بداخلها أسورة فضية، أمعن النظر فيها بإبتسامة غامضة، ثم وضع إصبعه عليها فانفتحت، أعاد وضعها مرة أخرى، وأعطاها لمكي: خليها معاك.
أخذها مكي وأجاب: تمام.
ثم أخرج هاتفه وبدأ بالاتصال، ثم قال بنبرة حازمه: اجهزوا يا رجالة.
ثم أغلق الخط، ونظر إلي سليم، فابتسم سليم وهو يضرب على المكتب بأصابعه، وهم بالوقوف، ثم قال: خلينا نروحله.
وبالفعل غادروا إلى الخارج وتوجوا إلى إحدى الغرف المعزولة في الحديقة.
كان هناك حارسان على الباب، فتح أحدهما باب الغرفة حين اقترب سليم ومعه مكي.
فدخلا معا، وكانت الغرفة فارغة تماما، بلا أثاث، فقط بلاط رطب، ونور خافت، وجردل، كأنها زنزانة منفردة، كان عثمان يجلس في الركن، يحتضن نفسه بجسد مرتجف، ومع ذلك بدت ملامحه أفضل، فقد تحسنت ندبات وجهه بعض الشيء.
عند رؤية سليم، توقف مهرولا نحوه، وهو يقول بصوت متلهف: سليم بيه، أرحمني...
لكن مكي دفعه بقوة إلى الخلف بعينين مستوحشة: خليك مكانك.
نظر عثمان إلى سليم بتوسل، محاولا تبرير خيانته: سليم بيه، أنت أكتر واحد المفروض تقدر وجعي، أنت نفسك حبيت، وعارف...
قاطعه سليم بنبرة غليظة، وعيناه حادتان: حتى لو حببت ودوقت طعم الحب، مش هخون زيك، مش هعمل إللي عملته، وأدفع ناس ملهمش ذنب التمن..
تنهد بعمق، وقال بشدة تعكس قوى شخصيته وهيمنته: أسمع أنت هتمشي من هنا بكرة، وهتفتح تليفونك إللي بتكلم بيه عماد، وهتقوله كل اللي هقولهولك بالحرف. حرف زيادة أو ناقص مش مقبول.. ولو فكرت تلعب؟!
فجأة، ضرب أصابعه ببعضها، وعيناه تحدقان في عثمان بنظرة تخنق النفس، وتجعل قلبه يتوقف عن الخفقان من رهبتها.
فهم مكي إشارة سليم، فأخرج هاتفه وفتحه، ووضع الشاشة أمام عثمان.
على الشاشة، ظهرت عائلة عثمان وكان هناك حراس مسلحون يوجهون أسلحتهم مباشرة نحو رؤوسهم، لتتضاعف اللحظة رعبا وإحساسا بالتهديد.
فتسارعت نبضات قلب عثمان، وتوجهت عيناه إلى سليم بفزع وتوسل، وهو يصرخ: سليم بيه...
أمسك يده، وحاول أن يقبلها، لكن سليم نزعها بعيدا بعنف، واصل عثمان بصوت مرتجف: أبوس إيدك، بلاش عيالي ومراتي.
أجاب سليم بحزم جاف: خلاص يبقي تسمع الكلام، وتنفذ إللي هقولهولك.
أومأ عثمان برأسه عدة مرات كالمجنون: حاضر، هعمل كل إللي أنت عايزه، بس أرحمهم.
نظر له سليم مطولا لوهلة، ثم قال: مكي إديله تليفونه.
أعطاه مكي الهاتف، فتابع سليم موضحا: هتلاقي عماد باعتلك رسائل، ورانن عليك كتير..
استرسل بنبرة مخطط بدهاء: هتكلمه وتقوله الفترة إللي فاتت سليم كان مشدد علينا أوي، وأنا كنت قافل التليفون وخافيه، ولما الدنيا هديت وبدأت تروق، كلمتك
استمر بنبرة ماكرة: هيسألك عن ماسة، هتقوله في شوية مشاكل، وبسمع صريخها، بعدين قوله، إنك شوفت الدكتور بتاع إسكندرية في الفيلا، ومكي كان مجرجره بالحبل، وشكله مضروب علقة موت، وأخدوه على أوضة في الفيلا، وبعدها متعرفش إيه اللي حصل بالضبط، بس سمعت صوت الرصاص بعد شوية.
رد عثمان وهو يلهث من الخوف: ماشي، حاضر، هقول كل إللي أنت عايزه.
اتصل عثمان بعماد، لم يرد في المكالمة الأولى، لكنه رد في الثانية بنبرة غليظة: أنت فين يا بني آدم؟ بقالي كام يوم بحاول اكلمك، قافل الزفت ليه!
عثمان وهو يحافظ على نبرة صوته: الدنيا كانت بايظة خالص عندي، فقفلت تليفوني وخفيته.
عماد بتوتر: بايظة عندك أزاي؟ يعني إيه إللي حصل؟
في تلك اللحظة، وجه سليم نظره إلى عثمان، وبدأت شفتاه تتحركان بالكلام هامسا، كما لو كان يلقنه ما عليه قوله: قوله من يوم الحد، والدنيا مقلوبة..
كان صوته منخفضا، لكن النظرة في عينيه حملت ثقلا يملأ الغرفة، جعل قلب عثمان يرفرف بين الخوف والطاعة، مدركا أن كل كلمة ستحدد مصيره.
اومأ عثمان برأسه عدد مرات، وتابع: مش عارف، بس من يوم الحد، والدنيا مقلوبة، سليم متعصب وبيفتش في كل الحراس، ومتخانق مع ماسة وضاربها، كنت عايز أتصل بيك وأقولك، وكمان شوفته جايب الدكتور إللي كانت ماسة هربانة عنده مضروب، ومكي مجرجره بالحبل، وكأنه ساحب بهيمة، وبعدين خدوه على أوضة، معرفش عملوا فيه ايه، معرفتش أخش، بس سمعت صوت رصاص، وبعد شوية شوفت سليم طالع، وأنا استخبيت ولقيتهم مطلعين حد ملفوف ببطانية ودفنوه في الفيلا من ورا، أنا قولت أكيد ده الدكتور.
عماد بصدمة: عايز تفهمني، إن سليم قتل مصطفى؟
رد عثمان: أكيد، وإلا إيه إللي هيبقى في اللفة؟
سأل عماد بشك: متأكد إن سليم متخانق مع ماسة؟
أجاب عثمان: أنا مبخشش جوه، بس بسمع صوت صريخ جامد
عماد بهدوء: تمام، أي حاجة تحصل بين ماسة وسليم، لازم تقولي فورا، سواء اتصالحوا أو الدنيا بايظة.
فقال عثمان وهو ينظر لسليم بارتباك: حاضر يا عماد باشا.
ثم أغلق الخط، واقترب من سليم ومكي، وهو يتساءل بتوجس: ها كل حاجة مظبوطة كده؟!
ابتسم سليم ابتسامه باردة، وهو يؤمأ برأسه: مظبوط يا عثمان، وبكده هتخرج بكرة، علشان لازم تظهر.
فجأة تغير صوته وهو ينظر له: مكي، ركبله الأسورة.
ابتسم مكي ابتسامة لها معنى، واقترب من عثمان، وشد يديه بعنف، وركب له سوارا
سأل عثمان بدهشة: إيه دي؟
أجاب سليم بنبرة هادئة ساخرة لكنها تحمل رهبة: دي آخر صايحة في المراقبة، ومش أي مراقبة، دى بتتعمل مخصوص للناس الغالية اللي زيك، هتعرفني كل مكان بتتحرك فيه، وهتسمعني، وتوريني كل إللي بتعمله، أصل مزروع فيها مايك وكاميرا، علشان لو عقلك وزك، وفكرت تتذاكى وتلعب بديلك هعرف، وعلى فكرة متتعبش نفسك وتحاول تشيلها، أصلها مش بتفتح غير ببصمة أيدى.
صمت لحظه، ثم تابع بفحيح خطر: ولو فرضنا إنك حبيت تشغل دماغك عليا، وتجيب هكر يفكهالك، عارف إيه إللي هاطيحصل يا عثمان؟!
ابتسم ابتسامة جانبية فيها سخرية، وشيطانية، وضغط على هاتفه، وما هي إلا ثواني، وصدح صوت غريب من الإسورة مثل عداد قنبلة
عثمان بدهشة و توتر: إيه ده؟
رد سليم بابتسامه باردة: عد ٣٠ ثانيه وبعدين
فتح ايده، ونفخ فمه، وعمل حركة القنبلة، وهو يتابع:
بوم! هتنفجر.
اقترب منه ونظر داخل عينه بنظره غامت بالسواد الخطر بجمود: هفجرك يا عثمان، ما أنا أكيد مش هخليك تخرج من هنا وتمشي على رجليك، غير وأنا مأمن نفسي منك كويس..
اشار بيديه في وجهه بتحذير: وخد بالك ولادك ومراتك لابسين نفس الأسورة، لو اتهورت، بضغطة زار في موبايلي، وهيحصل فيهم زيك بالظبط، بس أنا مش مخليهالهم ٣٠ ثانية، توء.
صمت لحظه، وأشار بيده: هما ثانيتين، علشان تتفرج على إللي هيحصلهم، وتشوف نتيجة اختيارك.
رد عثمان بسرعة وتوتر: أنا مش هعمل كده، أنا مش هخونك تاني يا سليم بيه.
أوضح سليم بثقه وقوة: ده مش خيار، ده إللي هتنفذه.
قلب وجهه باشمئزاز وهو يتابع: وحاول تهتم بنفسك، ريحتك صعبة، استحمى ها..
هم سليم بالخروج، نظر لمكي قال: زودوله كمية الأكل.
اومأ مكي برأسه إيجابا، ثم تحرك هو وسليم إلى الخارج، وهو يتمتم: مش كان لسة بدري على خروجه!
رد سليم موضحا: بالعكس إحنا اتأخرنا، عثمان لازم يظهر، هو ده إللي هيبقى همزة الوصل ما بينا وبين عماد، ويخلينا نشكل تفكيرهم على مزاجنا، ومع تطابق كلامه مع كلام سحر، هيأكدلهم إن فعلا فيه مشاكل بيني وبين ماسة.
هز مكي رأسه موافقا، باعجاب: عندك حق، وبكده أي حاجه هتعملها، من رابع المستحيلات يشكوا إن أنت اللى وراها، ضرب تحت الحزام يعني!
غمز له سليم بمرح: اهو كده ابتديت تفهمني.
وغادروا معا، بخطوات ثابته، خطوات لاعبون دخلوا اللعبة، وهم يدركون جيدا أن الرجوع منها لن يكون سهلا، وأن الخروج من الدائرة التي دخلوا إليها قد يكون مستحيلا..
على اتجاه اخر ، في الحديقة.
كان مصطفى يتحرك وهو ممسك بهاتفه، يحاول الاتصال بعائلته، توقف على ضفاف نهر النيل، وأخذ يتأمل الماء لحظة قبل أن يرن الهاتف، فسمع صوت إيهاب من الطرف الآخر.
مصطفى بهدوء: الو، إيهاب؟
اجابه بلهفه: عامل إيه يا مصطفى؟
أجاب مبتسما: الحمد لله، إيه الأخبار؟
رد بهدوء: الحمد لله، أنت رجعت؟!
أجابه بنبرة حاسمه يملؤها الهدوء: آه، وعايزكم بكره تنزلوا القاهرة.
إيهاب باستغراب: ننزل القاهرة ليه؟
أجابه مصطفي بحسم: علشان هنرجع نعيش في القاهرة خلاص.
ثم تسأل: أمك جنبك؟
رد بسرعة: لا، أنا فالأوضة دلوقتي...
مصطفى: طب اطلع وافتح المايك.
نهض إيهاب من غرفته متجها للخارج، بينما كانت نبيلة جالسة تشاهد التلفاز وتقمع الباميه.
قال إيهاب بصوت منخفض: أمي، مصطفى عايزك.
دق قلب نبيلة بالسعادة فور استمعت لاسمه، ومسحت يدها بمنديل، واخذت الهاتف وقالت بلهفه: حبيبي، عامل إيه؟
ابتسم مصطفى: الحمد لله يا أمي، بصي أنا عايزكم بكره تنزلوا القاهرة، وتروحوا على الشقة عندى.
سألته باستغراب: ليه يا ابني؟
رد متعجبا: إيه اللي ليه؟ ده كان اتفقنا !
نبيلة متعجبه: بس مش نظبط نفسنا الأول؟
رد متعجبا باستهجان: تظبطي إيه يا أمي؟ ما تلات تربع حاجتكم ودتها الشقة، يدوب إيهاب يأجر عربية بكره وتعالو فيها.
سألت نبيلة بنبرة لازعه: طب والمحروسه واللي فوق؟
اجاب بهدوء: هتجيبوها معاكم طبعا.
ردت بضجر متهكم: هتقعدها معايا.
أجابها موضحا بهدوء: لا مش هتقعد معاكي... بكرة نتكلم.
ردت بابتسامة واسعه: ايه هطلقها خلاص؟!
تنهد مصطفى بعمق: بكرة يا أمي... بس تكونوا فالقاهرة، وبعدها يحلها حلال.
ردت باستسلام: طيب يا ابني.
أغلقت نبيلة الهاتف، ونظرت إلى إيهاب وقالت: أنت فاهم حاجة؟
رد ببساطه: لا، بس عادي، كدة كدة كنا هننزل القاهرة الأسبوع الجاي، مش فارقة.
قالت بحزم وهي تحمل طبق الباميه: ماشي، أنا هقوم بقى أحضر الحاجات، تعالي معايا.
ثم صاحت تنادي: شوشو! يا شوشو!
جاءت عائشة من غرفتها: نعم يا ماما؟
قالت مفسرة: يلا ايدك معنا، خلينا نخلص لم حاجتنا عشان بكرة هنرجع القاهرة.
تساءلت عائشة بدهشة: اشمعنا بكرة؟
أجاب إيهاب: مصطفى اتصل... ولسه قافل، وقال ننزل بكرة.
هم الجميع للعمل، ولم يكونوا يعرفون أن تلك الرحلة الصغيرة لم تكن عادية كما تبدو، بل بدأت تكشف عن أشياء لم يكونوا على علم بها.
على اتجاه اخر عند آلاء
كانت أنهار جالسة على مقعد بالشرفه، تنظر إلى البحر، مستمتعة بالأجواء الباردة التي تصاحب بداية فصل الشتاء.
دخلت آلاء وهي تتحدث في هاتفها: حاضر ماشي اللي تشوفه، وهسلملك عليها، حاضر سلام.
رفعت أنهار رأسها نحوها وسألت: بتكلمي مين؟
جلست آلاء على المقعد المقابل لها وقالت: دكتور مصطفى...
تسألت بفرحه: رجع من سفره.
تنهدت آلاء وقالت: آه الحمد لله، وعايزنا بكرة ننزل القاهرة.
نظرت لها انهار باستغراب: ليه؟
أجابت آلاء: معرفش والله، كلنا هننزل حتى أمه وإخواته، وهنقعد في شقته اللي روحناها قبل كدة وحصل فيها المشكلة
أنهار بطيبه: يمكن يابنتى، هو عايزك تدخلي العمارة مع أهله علشان يحط صباعه في عين اتخن تخين اتكلم عليكي أنتِ وهو بالوحش.
مدت آلاء وجهها بعدم معرفه: والله معرفش، هو قالي حضري نفسك علشان بكره هنسافر.
أنهار وهي تهم بتوقف: طب هقومي نلم حاجتنا.
أشارت لها الاء برفض: خليكي أنتِ، أنا هلمهم.
ردت أنهار حنان: علشان دراعك!
ابتسمت الاء بغلب: يا ماما متحسينيش إننا معانا حاجه؟ دول كام طقم؟ هكلم بس عائشة علشان تقولي نلبس امتى وكده.
نظرت أنهار نحو البحر وقالت: طيب، مع ان الجو هنا حلو.
نظر الاء نحو البحر : آه والله بس هنعمل ايه بقي، مينفعش نقول لا.
أنهار بتنهيده: ربنا يعدلها يابنتي
❤____________بقلمي_ليلةعادل
القاهرة
في أحد المستوصفات بالقلج،11:00مساء
عيادة الباطنة.
كانت جنة ممددة على الفراش، يبدو عليها الإرهاق الشديد، وقد ازداد عليها المرض حتى بدا واضحا في شحوب وجهها وضعف حركتها، وقفت رحمة إلى جوارها، بينما استندت الحاجة إسعاد على عكازها بالقرب منهما، تتابع بقلق بالغ.
كان الطبيب يفحص جنة بعناية؛ قاس حرارتها، واستمع إلى دقات قلبها، ثم طلب منها أن تفتح فمها ليتفحص حلقها، وبعد أن انتهى، خلع سماعته ونظر إليهما بجدية، وقال بعملية: اللوز متضخمة جدا، ولازم تعمل عملية في أسرع وقت ممكن... ياريت خلال الأسبوع ده.
سألت رحمة بقلق: طب العملية هتتكلف كام يا دكتور؟
أجاب الطبيب: بالتحاليل والمستلزمات وكل حاجة، حوالي تلات تلاف جنيه.
تدخلت الحاجة إسعاد: مش كتير كده يا دكتور؟
هز الطبيب رأسه: لا خالص، دي الأسعار دلوقتي.
قالت إسعاد برجاء: طب معلش والنبي يا ابني، نزلها شوية.
تنهد الطبيب: ممكن أنزلكم خمسمية جنيه، لكن أكتر من كده مش هقدر؛ لأن العملية مش هتتعمل هنا، هتتعمل في الدمرداش.
قالت رحمة بسرعة: خلاص ماشي، شكر لحضرتك يا دكتور، ياريت بس حضرتك تكتبلنا التحاليل اللي المفروض نعملها، وإن شاء الله أعملها بكرة، ونجمع الفلوس وأكلم حضرتك علطول.
أومأ الطبيب: تمام، ولحد مانعمل العملية، نمشي على العلاج والكمادات، وتهتموا بأكلها كويس.
إسعاد بطاعه: حاضر.
اقترب الطبيب من جنة، ومسح على شعرها برفق:
يلا يا حبيبتي، ألف سلامة عليكي.
نظرت إليه بعينين متسعتين وسألته بخوف طفولي: هو أنت هتعملي واوا في زوري؟
ابتسم الطبيب مطمئنا: لا يا ستي، متخافيش إحنا بس هنشيل الحاجة اللي بتوجعك ومخلياكي تعبانة ومش عارفة تلعبي.
قالت بتردد: يعني مش هتوجعني؟
مسح على شعرها مشوقا لها: لا خالص، وعارفة كمان؟ هتاكلي آيس كريم كتير أوي.
اتسعت عيناها: بجد؟
ضحك: آه بجد.
قالت إسعاد: يلا بقى يا جنة، خلينا نمشي.
اومأت برأسها: حاضر يا تيته.
ساعدتها رحمة على النهوض، وعدلت ملابسها، ثم أمسكت بيدها وخرجن من العيادة، بينما تبعتهما إسعاد بخطواتها البطيئة المتكئة على عكازها، سرن في الشوارع والأزقة الضيقة حتى وصلن إلى المنزل.
فتحت رحمة الباب بالمفتاح، ودخلن وجلسن في الصالة.
قالت إسعاد بقلق: هنعمل إيه يا رحمة؟
أجابت رحمة بثبات تحاول اصطناعه: بكرة إن شاء الله نعملها التحاليل هو مش رشدي سايبلك فلوس؟
هزت رأسها بإيجاب: أيوه، معايا فلوس، ويكفوا الحمد لله، ويمكن يزيدوا كمان.
تنهدت رحمة: يا ريت كنا كشفنا عليها بدري، مكناش وصلنا لكده، قولتك نكشف عليها.
إسعاد بغلب: يا بنتي كل سنة بيجيلها التعب ده، بعملها كوباية ليسون مع دوا الكحة والسخونية، وبتبقى زي الفل.
رحمة بحسم: الينسون مش دوا، يلا خلاص اللى حصل حصل، الحمد لله على كل حال، بكرة هعملها التحاليل وأحجزلها اقرب معاد علشان تعمل العملية، بس أنتِ شوفي الفلوس اللي معاكي قد إيه
هزت رأسها بإيجاب: حاضر يا بنتي.
تحركت رحمة نحو المطبخ وهي تقول: هعمل لها ينسون دلوقتي، وأجهزلها شوية شوربة.
اقتربت جنة من إسعاد، عيناها متعلقتان بها بقلق طفولي: تيتا، هو رشدي مش كلمني؟
نظرت إليها إسعاد، ثم هزت رأسها بإيماءة كاذبة، وقالت بنبرة خرجت مضطرة: آه يا حبيبتي، كلمك وأنتِ نايمة.
ذمت شفتيها بتزمر طفولي: ليه مش قولتلي؟!
اسعاد بابتسامة: كنتي نايمه.
قطبت جنة حاجبيها قليلا، ثم التفتت فجأة تصرخ: يا رحمة! يا رحمة!
خرجت رحمة من الداخل تمسح يديها في طرف ثوبها: ايه يا جنة؟ فيه ايه؟
قالت بشدة تليق على براءتها: اتصلي برشدي.
تدخلت إسعاد بهدوء مصطنع: اشربي الينسون الأول وكلميه بعدين.
هزت رأسها بعند قاطع وهى تضم ذراعيها أمام صدرها: لا، دلوقتي.
رحمه بحزم حنون: اسمعي الكلام.
نظرت اليها إسعاد، وسألتها: انتِ عايزة إيه من رشدي؟
أجابت جنة وهي تعقد ذراعيها بعناد طفولي: عايزاه يكلم بابا وماما، أنا زعلانة منهم جامد، وهو كمان وحشني..
تنهدت رحمة بحنان: حاضر يا حبيبتي، هكلمه.
اقتربت منها وامسكت يدها برجاء: دلوقتي بقى، يلا وحياتي.
ابتسمت رحمة رغم قلقها: طيب يا عفريتة.
رفعت الهاتف واتصلت به، كان الجرس يرن.
في الجهة الأخرى...
كان رشدي يغوص في حمام السباحة، بينما تجلس مي على المقعد، تتأمل المكان، وتمرر أناملها على هاتفها بشرود.
رن هاتفه، فنظرت إليه باستغراب حين رأت اسم "رحمة" يضيء الشاشة.
توقفت لحظة، ثم رفعت عينيها نحو رشدي، ونادت عليه: رشدي يا رشدي.
خرج من الماء، يزيح خصلات شعره المبللة عن وجهه، واقترب منها: إيه؟ غيرتي رأيك وهتنزلي؟
اومأت برأسها موضحه: لا، بس تليفونك بيرن، واحده اسمها رحمه
توقف للحظة، وظهر توتر عابر في عينيه، لكنه أخفاه سريعا.
نظرت إليه مي وتسألت بغيرة: مين رحمة دى؟
أجاب بسرعة، وثبات مصطنعة: مديرة مكتب سليم!
مي ببراءه: طب رد يمكن حاجة مهمه.
رشدي بعدم اهتمام: فكك.
مي بتعجب: افكني ازاي؟!
أخذ الهاتف من يدها نظر نحو شاشه، ووضع رحمه على وضع الحظر، ثم وضعه على الطاولة بإهمال وقال: قولتلك فكك.
ثم فجأة، حملها بين ذراعيه بمرح مصطنع، وهي تصرخ ضاحكة: رشدي! لأ!
وقفز بها إلى داخل المسبح.
عند جنه...
كانت تقف بجوار رحمة، عيناها معلقتان بالهاتف، وملامحها متعبة من الانتظار، بينما كانت تحاول رحمه الإتصال به، لكن عندما حاولت الاتصال للمرة الثالثة تفاجئت بوضعها على قائمه الحظر، جزت على أسنانها وشعرت بالضيق والغضب،
لكن جاءها صوت جنه هي تمد شفتيها لاسفل: مش بيرد؟
نظرت لها رحمه، وحاولت أن لا تظهر ضجرها فأومات بأسف: لأ.
جنه بحزن: اتصلي تاني.
رحمه موضحه: كلمته مرتين خلاص يا جنة...
خفضت الصغيرة رأسها، ومسحت رحمة على وجهها بحنان: طب يلا... ادخلي ارتاحي شوية، لحد ما أعملك الأكل.
دخلت جنة الغرفة بخطوات بطيئة، جلست على الفراش، ثم فتحت درج مكتبها الصغير، وأخرجت رسمتين؛ الأولى رجل وامرأة برسم طفولي، يمسكان يد بعضهما: الثانية رجل فقط، يقف وحيدا.
حدقت فيهما بعينين دامعتين، ثم همست بصوت مكسور: أنا زعلانة منكوا أوي... علشان مش بتكلموني.
نظرت للرجل الوحيد يبدو أنه رشدي: وأنت كمان زعلانة منك، بتصل ومش بترد زيهم، شكلك خلاص سافرت المكان اللي هما فيه... ومش هشوفكم تاني أبدا
أخذت تبكي بحزن صامت، حتى انكمش جسدها الصغير على نفسه في وضع الجنين، وارتجفت كتفاها ببكاء حارق مكتوم، وهي تضم الورقتين إلي صدرها كأنهما آخر ما تبقي لها في هذه الحياه.
بعد قليل، دخلت رحمة وهي تقول بعفوية معتادة: عملتلك الشوربة...
لكن كلماتها توقفت فجأة، واتسعت عيناها حين رأت الصغيرة تبكي بتلك الطريقة، أسرعت نحوها، ووضعت الطبق على الكومودينو، ثم جلست بجوارها: مالك يا جنة؟ بتعيطي ليه كده؟
نهضت جنة فجأة، عيناها حمراوان، وأنفها يرتجف: علشان رشدي مش بيرد!
مسحت رحمة دموعها بإبهامها برفق: تقومي تعيطي كده؟
شهقت الصغيرة وهي تهز رأسها بعنف: آه! علشان هو كمان مشي وسبني زي بابا وماما، هما ليه مش بيحبوني؟ مش بيحبوا يقعدوا معايا؟
تابعت بحزن أكبر: والله ما هعمل شقاوة تاني، بس يردوا عليا...
ارتجف قلب رحمة، واشتد الألم في صدرها، شعرت بغضب مكتوم من رشدي، لكن حبها لجنة كان أكبر من أي غضب.
ضمتها إلى صدرها بقوة، وربتت على ظهرها الصغير: يا حبيبتي، متقوليش كده... هو بس مشغول شوية.
رفعت جنة رأسها تنظر إليها بعينين مليئتين بالشك: مشغول بإيه؟
ترددت رحمة لحظة، ثم قالت بهدوء مصطنع: مع عروسته.
اتسعت عينا جنة أكثر: بتكدبي عليا!
هزت راسها عدد مرات بنفي: لا والله، متأكدة أول ما يرجع هيكلمك ويجيلك معاه هدية حلوة كمان.
ثم مسحت دموعها مرة أخرى، وقالت بحنان حازم: يلا بقى... متعيطيش علشان متسخنيش تاني.
خفضت جنة رأسها، وتمسكت بثوب رحمة كأنها تخشى أن تختفي هي الأخرى: حاضر...
ضمتها رحمة بين ذراعيها بقوة، ودفنت وجهها في شعر الصغيرة، بينما هدأت أنفاس جنة تدريجيا، وظلتا هكذا لبعض اللحظات، في صمت مليء بالحب والاحتواء.
فيلا سليم وماسة.
حديقة الفيلا 1:00مساء
كانت سلوى تتحدث في هاتفها وهي تتحرك في الحديقة: تمام، إن شاء الله من بكرة هنتظم في الشغل، تمام لالا متقلقش، سلام.
اكملت تحركها، واثناء ذلك وقعت عيناها فجأة على مكي، الذي يتوقف بمفرده، منشغلا بهاتفه...
ترددت لوهلة، هل تذهب إليه؟ هل تحاول مرة أخرى بعد كل المحاولات التي لم تعد ولا تحصى؟ ثم حسمت قرارها، وتوجهت نحوه وهي تدعو الله أن تستطيع التحدث معه هذه المره؛ فكل مره كانت تحاول فيها قبل، كان يرحل متحججا بأشياء ليس لها معنى، او يتصنع انه لم يستمع الى صوتها عندما تقوم بالنداء عليه
وقفت خلفه وقالت بصوت منخفض: هتفضل تتهرب مني؟
غص قلبه للحظة من كل تلك المحاولات، نعم في بعض الأحيان يستطيع أن يجمد قلبه ويعطيها ظهره ويتحاشاها؛ كي لا يجرحها، ولكن في أوقات أخري تضطره الظروف للرد بطريقة قد تؤذيها، أخذ نفسا عميقا، والتفت إليها بنبرة جامدة: أنا هتهرب ليه؟
ردت بحزن انعكس على نبرتها وعينيها: قول لنفسك...
نظر لها، ولوهله دق قلبه، فاخذ نفسا عميقا، واشاح بوجهه في الاتجاه الآخر قائلا: عايزة إيه يا سلوى؟
ابتسمت ابتسامة حزينة: انت عارف...
أجابها بهدوء متوتر، وهو ما زال لا ينظر اليها: أنا جاوبتك قبل كده، وقولتلك مبقاش ينفع.
خرجت نظراتها مريره: هو أنا مستاهلش المسامحة؟
سقطت الكلمه على قلبه كسم بارد بطيء المفعول، وفي تلك اللحظه نظر لها، وسؤال واحدا خرج من بين انفاسه المتعبه: طب ما أنا كمان وقتها مكنتش أستاهل، مش هقولك مسامحة، بس على الأقل افهم، اعرف، تسمعيني.
وأضاف بجمود، رغم أن قلبه يقول عكس كلامه: سلوى، اللي بينا بقي في مسافة كبيرة أوي وسعت، وصدقيني صعب نتخطاها، بعدين انا خدت على وجع بعدك خلاص، فمترجعيش تفتحي في الجرح من تانى.
ثم تابع بنبرة واجمه: وبعد إذنك عندي شغل كتير.
قال كلماتها وتحرك مبتعدا، خطاه خفيفة، بلا ضجيج، لكنه لم يذق المرارة، ولم يشعر بالغضب، لم يصرخ، ولم يبكِ... كان يشعر أن قراره، إلى حد ما، صائب
لكن محاولاتها ووقوفها هناك، تنظر إلى أثره، كانت تقوض صموده شيئا فشيئا، تشد قلبه إليها رغما عنه.
أما هي، فظلت متوقفة، تحدق في المكان الذي كان فيه، وتهمس في نفسها: صح المسافة بقت كبيرة، وأنا وجعتك، بس أنا مش هبطل احاول يا مكي!
❤️______________بقلمي_ليلةعادل
علي اتجاه آخر في غرفة سليم وماسة.
وقفت ماسة في الشرفة، عيناها تلمعان وهي تحدق في مياه النيل الداكنة، تفكر في الغد؛ في القصر، وفي الدور الذي ستلعبه.
هذه المرة، لم يكن الأمر مجرد تمثيل، بل خطة محكمة، وكل خطوة محسوبة، بقلب يحمل كرها مختلف عن ذي قبل.
اقترب منها سليم بخطوات هادئة متسائلا: خايفة؟
أجابته بابتسامة خفيفة، مليئة بالعزم: بالعكس، متحمسة جدا.
اشار بأصابعه: وهو ده المطلوب.
امسكت يده بحماس: تيجي ندرب على اللي هيحصل بكرة؟ تقولي بالظبط هنعمل إيه من أول ما نزل من العربية.
أومأ براسه: ماشي، يلا بينا
وبدأ الاثنان يتدربان على التمثيل، حركة بعد حركة، كلمة بعد كلمة... لكن هذه المرة، كان التدريب أكثر جدية وقوة، كل تفاصيله محسوبة بدقة.
وفي الوقت نفسه، كان الباقون يضبطون كل ما يخصهم، ويجهزون كل التفاصيل، لضمان أن تسير الأمور غدا كما خططوا لها...
أمريكا تحديدا ميامي
في أحد الأماكن الصاخبة. 12صباحا.
جلس رشدي ومي على أحد الطاولات، أمامهما مكسرات وعصائر، كان المكان يعج بالرقص والجنون، وبعض الناس يغنون الكاريوكي، وأرادت مي أن تخوض التجربة هي الأخري، فصعدت علي المسرح بخطوات مترددة ثم بثقة بدأت تغني، تلاها رشدي بابتسامة وهو يهز رأسه مع الموسيقى، ثم عاد الاثنان إلى طاولتهما بعد الانتهاء.
ضحكت مي وهي تلوح بيدها: لا بجد المكان تحفة! ياريتني كنت قولتلك نيجي هنا من أول يوم، انبسطت بجد.
ابتسم رشدي وهو يمسك كوب العصير: قولتلك، وأنتِ اللي قولتيلي نفسي أروح المالديف.
قالت وهي تميل للأمام بحماس: تيجي بكره نركب الأمواج؟ جربت الموضوع ده قبل كده.
مد وجهه، ومال بكتفه قليلا: لا، بس نجرب يا ميوشي؟
توقفت وقالت: ماشي، هروح الباد روم.
اومأ برأسه: أوكيه.
تحركت مبتعدة، بينما استمر رشدي بالجلوس يتمتع بالمكان، يستمع للأغاني ويتناول المكسرات، وهو يهز رأسه مع إيقاع الموسيقى. كانت الجرسونات تتحرك حول المكان، حاملين صواني عليها مشروبات صغيرة، يبدو أنها خمر.
نظر إليهم رشدي بعينين متقدتين بشوق، لكن مع إستمرار تحرك الجرسونات من حوله وشرب الجميع اصبح لا يستطيع مقاومه، مد يده وأخذ زجاجه صغيرة واحتسها دفعة واحدة، ثم مسح فمه مبتسما.
تبسم وهو يهمس لنفسه: ياه ده، الواحد اشتاقلك اوي.
اخذ واحده آخرى وقال: اريد صواد.
اعطاه الجرسون الصودا، فوضع الصودا في الكوب لتخفيف المشروب واحتسي جزء منها، بينما اقتربت مي من الطاولة وهي تقول بملل: بقولك إيه، ما تيجي نمشي؟
اومأ موافقا: ماشي بس استني شوية، نسمع التراك ده.
أومأت برأسها إيجابا، وجلست تستمع معه إلي الموسيقي، وفجأة قامت بضم ذراعيها على صدرها وهي تنظر إلى الأرض: أنا قلقانه على بابا.
مال عليها وهو يضع يده على كتفها مطمئنا: إيه يا بنتي، دول شوية برد بلاش وسوسه.
ذمت مي شفتيها بقلق: شوية برد هيخلوه مش قادر يكلمني، وكل مره يتحججوا بحجه!؟ حاسه إنهم مابين حاجه عليا.
ابتسم يطمئنها: لا متقلقيش، أنتِ اللى واهمه نفسك.
احتسى رشدي ما تبقي في الكوب الذي بين يديه، وهو يتمايل على أنغام الموسيقى، بينما لم مي تلاحظت مي أنه شرب خمرأ أو نوعا من المشروبات الكحولية.
بعد وقت في الكوخ
كان يعكس الجو المكسيكي بشكل أكبر، وهو ما يليق بأجواء ميامي الساحرة.
بدأ رشدي يخلع ملابسه ببطء، مي أيضا بدأت بخلع بعض من ملابسها، لكنها توقفت للحظة ونظرت إلى الساعة وقالت وهي تمسح جبينها بيدها: هي الساعة كام في مصر دلوقتي؟
رفع كتفه وابتسم بخفة: الساعة 6:00 الفجر...
زمت شفتيها بأسف: كدة مش هقدراتكلم معاهم دلوقتي، على الساعة 3:00 هكلمهم يكونوا صحيوا.
اقترب منها بخطوات بطيئة وقال وهو يمد يده نحوها بنظرات غزل راغبه: طب بما إننا هنسهر، تعالي نعمل حاجة حلوة مع بعض.
ارتجفت مي بخجل، واقترب رشدي ليقبلها، لكنها فجاة قلبت وجهها وابتعدت عنه قليلا، وهي تقول بامتعاض: فيه ريحة كده مش حلوة؟
رفع رشدي حاجبه معارضا: إيه اللي مش حلو؟ بطلي استعباط يا مي، مفيش حاجه.
اقترب منها مرة أخرى، لكنها لم تتحمل الرئحه فدفعته مره أخري قائلة: لا بجد والله، في ريحه مش حلوه.
ضم شفتيه مستوعبا: ممكن تكون من ريحة الفوتكا اللي شربتها.
عقدت حاجبيها، وعيناها تحدقان فيه: إيه فوتكا دي؟ دي خمرة؟
أجابها بسرعة: آه، أخذت كاسين، واحد شربته عادي، والثاني حطيت عليه شويه صودا وخفيته شويه.
زفرت بضيق، وابتعدت عنه بخطوات قصيرة، وقالت بغضب: إحنا مش اتفقنا إنك تبطل القرف ده؟
تنهد قائلا بهدوء: مي اتكلمي بالراحه.
عبست وهي ترفع حاجبها بستهجان: اتكلم بالراحه؟! أزاي؟! وأنت مش عايز تبطل اللي أنت بتعمله خالص.
نظر لها بجدية: أنا مبحبش حد يعلي صوته عليا، وطي صوتك، دول كاسين، مش حكاية.
ردت بستهجان: كاسين!! والله!! والمفروض بقى أسكت؟!
زفر بختناق محاول تمالك غضبه: ايه المشكلة يعني؟ نفسي راحتلها، فخدت كاسين، مفيهاش حاجة.
مي بشدة: يا رشدي افهم، كاسين زي كاس زي نقطه، حرااام.
علق بنبرة ساخرة: أنتِ بقى مشكلتك في الحلال والحرام، ولا علشان أنتِ عايزاني كده؟
ردت بهدوء غاضب: عشان الحلال والحرام، وعلشان عايزاك كده، وأنت عارف إن الموضوع ده كان من ضمن الأسباب اللي مخلياني مقلقة من جوازنا.
تنهد بضجر حاسم: وانا قولتلك أنا لسه بحاول أتغير، مش معنى إني شربت مرة يبقى أنا إنسان وحش، وتعلقيلي المشنقة، وتعلي صوتك عليا، وتكلميني بالأسلوب ده؟! بطلي تعملي فيها أبله النظرة ومتقرفينيش.
اتسعت عيناها بصدمه، وهي تبتلع كلماتها، جسدها ارتجف قليلا، فلاول مرة رشدي يتحدث معها بتلك الطريقة.
اكمل وهو يمسح يده على وجهه: أنا مبحبش الأسلوب ده، الضغط ده بيجيب معايا نتائج عكسية.
رفعت عينيها إليه، ودموعها بدأت تتجمع: والله! وأنت شايف كده؟! يعني ده أسلوب تكلمني بيه؟
اتكأ رشدي على ظهر الفراش، وأدار وجهه بعيدا، ثم نظر إليها بهدوء: يعني هو ده اللي أسلوب أصلا تكلمني بيه، وتقلبي وشك، وتعلي بصوتك؟! أنا لو كنت بسمح انك تزعقي شويه، كنت باخدها بهزار، ولأني مبحبش المشاكل ومبحبش النكد، بس أوعي تاخدي على كده، مضايقنيش منك.
ثم تحرك مبتعدا عنها بخطوات ثقيلة، أخذ علبة السجائر الخاصة به، وتوقف عند الشرفة، يشعل سيجارة ببطء، وجسده يميل قليلا مع الريح.
بينما جلست مي على الفراش، وضمت نفسها، كتفاها يرتجفان، وعيونها دامعة، رأسها مستندا على ظهر الفراش.
وبعد مرور بعض الوقت
كان الليل ينسدل ببطء، والبحر يهمس بأمواجه كأنه يوبخ العاشقين على عنادهما.
ظل رشدي متوقفا في الشرفة، يدخن سيجارته وينفث الدخان في الهواء البارد، شعر بانزعاج مما قالته مي، وبضيق أكبر مما فعله هو، لم يكن يريد أن يتشجاران خاصه في شهر عسلهما، ولم يكن معتادا أكثر علي أن يشعر بهذا الثقل في صدره لمجرد مشاجرة!
في الداخل، كانت مي جالسة على الفراش، تضم نفسها بذراعيها، ودموعها تنحدر في صمت يوجع القلب، كان ينظر إليها بطرف عينه من حين لآخر؛ يريد أن يعتذر، لكن شيئا بداخله يقاوم، ليس كبرياء بقدر ما هو عجز عن صياغة كلمة "آسف" هو لم يعتاد الإعتذار خاصة اذا كان يظن انه لم يخطئ، فرشدي لا يعترف بخطاءه.
وبعد تفكيرا عميق، أدرك أخيرا أن مي محقة؛ فبالنسبة لها، كأس واحد ليس أمرا عابرا كما يراه هو، هي قادمة من عالم مختلف، بتربيةٍ مختلفة، وحدود واضحة لا تتزحزح بسهولة، وما يراه بسيطا، قد يكون عندها خطا أحمر.
أخذ نفسا عميقا، أطفأ سيجارته، ثم التفت ودخل اليها.
تقدم نحوها وجلس أمامها على الفراش، يحدق فيها مطولا، ضيق عينيه كأنه يبحث عن بداية مناسبة، ثم قال بنبرةٍ أقرب إلى المزاح، محاولا كسر الجليد: تعرفي؟ أول مرة آخد بالي إنك عيوطة.
رفعت عينيها إليه لوهلة، ثم أشاحت بوجهها سريعا بضيق، فابتسم بخفة، وتحرك ليجلس في الجهة التي أدارت وجهها نحوها، وأكمل بنفس النبرة: بس ده ميمنعش إن شكلك حلو وأنتِ بتعيطي.
ابتعدت بوجهها مرة أخرى، لكن هذه المرة مد يده برفق وأدار وجهها نحوه قائلا بلطف: خلاص يا مي، متزعليش، أنا مكنتش أقصد أزعلك، بس بجد أنتِ ضايقتيني لما قعدتي تزعقي وتقولي ميصحش ومينفعش، مشوفتيش أسلوبك كان عامل إزاي؟
رفعت نظرها إليه بضيق، وقالت بصوت رقيق يتناسب مع طبيعتها اللطيفة: أنا معملتش حاجة، ولا زعقت، أنت اللي أخدت الموضوع كده، أنا قولتلك رأيي بس، هو رأيي بقى غلط؟
ساد صمت قصير، ثقيل، لا يقطعه إلا صوت الموج في الخارج.
تنهد رشدي، وخف بريق العناد من عينيه، ومد يده وامسك كفها المرتجف: مش غلط، بس أنا مش متعود حد يراجعني بالطريقة دي، يمكن أنا اللي كبرت الموضوع، وفعلا مكانش يستاهل، متزعليش.
خفتت دموعها، لكن أثرها ظل لامعا على وجنتيها، كأنه شاهد صامت على هشاشتها.
قالت بصوت متقطع، تحاول أن تمسك الكلمات قبل أن تفلت منها: يا رشدي... لازم تفهم إنه طبيعي لما تعمل حاجة زي كده معرفش أبقى عادي، أنت عارف كويس الموضوع ده بالنسبة لي إيه؟! ولما بواجهك، أنا مش بعمل فيها أبلة النظرة... أنا بس بفكرك بوعدك... بفكرك بالطريق اللي أنت بدأت تمشي فيه، ومش عايزك ترجع منه تاني...
توقفت لحظة، ثم أضافت بخجل صادق: يمكن أنا كمان غلطت لما كلمتك بالطريقة دى، أنا عارفة إنها متنفعش معاك، بس أنت كمان لازم تفهم إني غصب عني معرفتش احط كنترول، متزعلش أنت كمان
ظل ينظر إليها طويلا، وكأنه يرى فيها شيئا جديدا، لا ضعفا، بل حرصا، فمي تمتلك قلبا نقيا بشكل لا يوصف جعلته شعر بالخجل من نفسه انه تركها تبكي قرب الساعه ولم يصلحها بسرعه..
تنفس بعمق، ثم قال بنبرة هادئة لم تعهدها منه: يا ستي أنا آسف، أحنا الاتنين غلطنا، بس كل اللي عايزه منك إنك تبقي على مهلك عليا، مش معنى إني عملت حاجة من اللي كنت بعملها زمان تعلقيلي المشنقة، قوليلي ليه عملت كده؟ متعملش كده تاني يا رشدي، خلي عندك إرادة...
اقترب أكثر، وأكمل بصراحة واضحة: خليكي لطيفة معايا، صدقيني الطريقة دي بتجيب معايا نتيجة، آه بطيئة، بس بتجيب، لكن لما تقعدي تقوليلي مينفعش وتزعقي، هتلاقيني بعمل الموضوع ده عند، أنا مبحبش الطريقة دي، بتعصبني.
نظرت إليه بعينين ما زال فيهما أثر الدموع، لكن ابتسامة خفيفة بدأت تتشكل على ثغرها: ماشي، بس حاول علشان خاطري، متعملش كده تاني.
ابتسم ابتسامة جنبية، وقال وهو يقترب منها أكثر: أنا علشان خاطرك؟ أعمل حاجات كتير، وعملت حاجات اكتر قبل كده علشانك.
ثم مال وطبع قبلة خفيفة على خدها، وهو يقول: خلاص مش زعلانة يعني...
مدت وجهها بتزمر طفولي وهي تشير بيدها🤏:شوية صغيرين بس، أصل أنا مش متعودة عليك وأنت بتزعق بقى وكده، طلعت رجالة أوي يا رشدي!
تجمد لحظة، واتسعت عيناه بدهشة مصطنعة: رجالة اوي؟! أمال أنا إيه؟ حد قالك إني ستات؟
انفجرت ضاحكة، وهي تمسح بقايا دموعها: لا مقصدش! يعني طلعت من الرجالة اللي بتزعق لمراتاتهم عادي.
ثم مدت شفتيها بحزن طفولي: بصراحة أنا عمري ما توقعت إنك تكون بتعرف تزعق.
ابتسم رغما عنه، وهز رأسه بخفة متصنعا للجدية: ما هو أنا مش كده بالظبط، ده اخويا التوأم كان لابسني شويه بس، لكن أنا كرشدي مش من الرجالة اللى بتزعق..
رفعت حاجبيها بدهشة طفولية: والله؟
اومأ براسة: والله.
ضحكت مرة أخرى، فتمتم بمزاح عفوي: خلاص يا محمود؟! صافي يا لبن؟!
عضت اسفل شفتيها قالت: حليب يا قشطة.
تنفس بعمق، ثم ابتسم، وسحبها إلى حضنه بقوة دافئة، لف ذراعيه حولها، ووضع قبلة أخرى على خدها، وظل يربت على شعرها بحنان لم يخفِه هذه المرة، هي أيضا ضمته، وأسندت رأسها إلى صدره.
وفي حضن بسيط كهذا، ذاب ما تبقى من الموقف، وعاد الكوخ ساكنا... إلا من صوت قلبين تعلما أن الاختلاف لا يفسد الحب، بل يثقله.
في صباح يوم جديد، بفيلا ماسة وسليم.
غرفة ماسة 3:00مساءً
كانت تجلس أمام منضدة الزينة، بينما وقف خلفها خبيرُ مكياج في أواخر الثلاثينات؛ الرجل الذي أحضره سليم ليجري لماسة بعض الخدع البصرية فتبدو آثار الضرب عليها واقعية، وبرفقته فتاتان للمساعدة.
انتشرت أدوات التجميل على الطاولة: علب ألوان، إسفنج، فرش مختلفة الأحجام، وسائل تثبيت، وعبوات صغيرة تحمل سوائل بدرجات متباينة، كلها جاهزة لتعليم ماسه الطريقة المثالية لوضع المكياج بشكل واقعي واحترافي.
كان سليم يراقب المشهد بعين دقيقة، متأكدا أن كل خطوة تتم وفق خطته.
قال وهو ينظر إلى الرجل بجدية واضحة: أهم حاجة، عايز مكياج واقعي، اللي يشوفها يتأكد إنها مضروبة بجد.
أومأ الخبير برأسه متفهما: تحب تكون إصابات معينة؟
أجاب سليم دون تردد: عايز كدمات حوالين العينين، جرح خفيف في الشفايف، علامات حمرا كأنها اتضربت على وشها أكتر من مرة، كمان دراعاتها ورجليها.
ثم شد صوته محذرا: بس أنت مش هتلمسها، البنات هم اللي هيحطوا كل حاجة.
ابتسم الخبير ابتسامة مهنية وقال: متقلقش، مكي بيه فهمني على كل التفاصيل.
تابع سليم بنبرة حاسمة: كمان عايزك تعلمها أزاي تحافظ على الشكل ده وتجدده، هي هتاخد شاور، وهتنام، والحاجات دي ممكن تبوظ.
رد الخبير بثقة: اللي هعمله ثابت 24 ساعة على الأقل، حتى لو غسلت وشها، هيفضل الأثر موجود بدرجة كبيرة، وبعد كده بس تحتاج تجديد بسيط، وأنا هعلمها تعمل ده بنفسها.
أشار سليم بيده: تمام، يلا نبدأ.
وبالفعل بدأ الرجل يوجه الفتاتين، يشرح لهن كيفية مزج الألوان لإظهار الكدمة بشكل طبيعي، وأين توضع الظلال الداكنة والفاتحة لإعطاء عمق واقعي.
كان يشرح لماسة كذلك، ويريها كيف تضع اللون، وكيف تكسر حدته، وكيف تضيف لمسة الاحمرار حول الأطراف ليبدو الجرح حقيقيا.
مر الوقت، ومع كل طبقة تضاف، كان وجه ماسة يتغير تدريجيا.
وحين انتهوا، بدت بالفعل كأنها تعرضت لضرب مبرح، تأملها سليم من أعلى إلى أسفل، ثم قال بإعجاب: لا ممتاز، هو دى بالظبط اللى أنا عايزه.
نظرت ماسة إلى انعكاسها في المرآة، وحدقت في وجهها طويلا، ثم قالت بنبرة نصف مازحة: أقسم بالله حاسة إني مضروبة بجد، أروح أبلغ عنك وأقولهم جوزي بيضربني.
رد سليم بخفة: وأنا هشهد معاكي.
ضحكا معا، لكن خلف الضحكة ظلت الخطة حاضرة في الأذهان.
قالت ماسة بعد لحظة: طب أنا حابة أجرب بنفسي قدامك، عشان لو لخبطت في حاجة تبقى تصححلي.
قال الخبير وهو يشير لإحدى الفتاتين: تعالي يا آيات، اقعدي هنا، وخلي ماسة هانم تجرب.
جلست آيات على المقعد، ووقفت ماسة خلفها، تمسك بالفرشاة بتركيز واضح.
بدأت تضع الألوان بحذر، تتذكر كل كلمة قيلت لها، والخبير يلاحظ ويوجهها بلطف، يصحح هنا، ويطلب تعتيما هناك، كانت تتعلم ليس فقط كيف تصنع كدمة مزيفة، بل كيف تتحكم في تفاصيل معركة لم تبدأ بعد.
بعد الانتهاء، رحل الخبير، وحينها جاء مكي وقال: سليم خلاص، العربية جاهزة.
أومأ براسه إيجابا، ثم نظر لماسة متسائلا: جاهزة يا قطعة السكر.
أغمضت عينيها للحظة، وأخذت نفسا عميقا، ثم فتحتها مجددا وقالت بإصرار: جاهزة.
سألها سليم بهدوء: مذاكرة.
ماسة بابتسامة متوترة: طبعا، يلا بنا.
وبالفعل هبطا إلى الأسفل وصعدا إلى السيارة، وهما يعلمان أن أولى معاركهما في القصر على وشك أن تبدأ.
كانت قلوبهما تضج بالتوتر والترقب، غير أن القوة والحسم اجتمعا في قلبيهما في آن واحد.
♥️________________بقلمي_ليلةعادل
حدائق القبة
منزل مصطفى 5:00 مساءً
توقفت سيارة نصف نقل أمام المبنى في أحد شوارع حدائق القبة، هبط منها رجلان يرتديان جلاليب داكنة، وعلى رأسيهما شال وكوفية يلفانها بإحكام، لا يظهر من ملامحهما شيء سوى أعين حادة تراقب المكان بحذر.
دخلا العمارة بخطوات محسوبة، وتبادلا نظرة سريعة قبل أن يصعدا بالمصعد إلى أحد الطوابق، وما إن فُتح الباب حتى خرجا بسرعة، وسارا في الممر، وهبطا الدرج مرة اخرى الى أحد الطوابق...
ثم فتح احدهم باب احد الشقق بالمفتاح، ودخلا وأغلقا الباب خلفهما بإحكام، وبمجرد دخولهما، شرعا في خلع الشال والكوفية، فانكشفت الملامح؛ كانا مصطفى ومكي.
تنفس مصطفى بعمق وهو يخلع الجلباب: والله أنا حاسس إني جوه فيلم أكشن!
ابتسم مكي وهو يخلع الجلباب هو الآخر، وجلس على الأريكة: إحنا بنعيشك مغامرات جديدة يا دكتور.
جلس مصطفى وهو يهز رأسه ضاحكا: عندك حق، من ساعة ما عرفت ماسة وأنا حياتي بقت فيلم، كل يوم حاجة شكل.
رفع مكي عينيه إليه متسائلا بجدية: الجماعة قربوا يوصلوا ولا لسه؟
مصطفى وهو يخرج هاتفه: آخر مرة كلمت إيهاب وقال إنه عدى الكارته، يعني المفروض على وصول، اكلمهم؟!
أشار مكي بيده: لا، بلاش تكلمهم تاني، خلينا مستنيين.
سادت للحظات ثقيلة، مشحونة بالترقب، حتي وقف مصطفى فجأة قائلا: طب هقوم أعملنا كوبايتين قهوة....
بالفعل نهض، وقام بعمل القهوة وعاد وجلس، وبدأوا في احتسائها بهدوء.
نظر مصطفي لمكي متسائلا: بقولك ايه، هو احنا مش محتاجين لبس وحاجات هناك؟ اصل الاء محلتهاش تقريبا غير الطقمين اللى اشترتهملها.
مكي بتوضح جادي: الفيلا جاهزه مقلقش، هتلاقي لبس وكل اللى هتهتاجوه، معتقدش فيه حاجه ناقصه، ولو محتاجين حاجه ابقي قولى وأنا اجبهالكم.
تسأل مصطفى متعجبا: وعرفتوا مقاسنا منين بقي؟!
ضيق مكي عينه مازحا: تفتكر يعني دي حاجه صعبه علينا بعد فيلم الأكشن اللى أنت عايشه معانا دى؟
ضحك مصطفى: عندك حق.
أثناء ذلك، سمعوا صوت المفتاح يدور في الباب، ثم انفتح ودخلت العائلة، وكانت معهم آلاء وأنهار، وما إن وقعت عينا نبيلة على مصطفى حتى صاحت باسمه: مصطفى!
ركضت نحوه واحتضنته بقوة، وكأنها تعوض أيام الغياب كلها في لحظة واحدة.
نبيلة بلهفة معاتبه من بين دموعها: كده يا مصطفى؟ كل الغيبة دي يا ابني؟
ابتسم مصطفى وهو يربت على كتفها: حقك عليا يا أمي.
في تلك اللحظة لمح إيهاب وعائشة مكي، فتبادلا نظرة سريعة... فهما يعرفانه جدا، وقد رأوه سابقا يوم جاء مع سليم ليأخذ ماسة.
الدهشة كانت واضحة على وجهيهما، بينما توقفت آلاء وانهار بابتسامة ترتسم على وجههما.
انتبهت نبيلة لوجود شخص آخر معهم، فقالت: إيه ده؟ مش تقولي معاك صاحبك؟
والتفت لترحب به، ولكن ما إن رأت وجهه بوضوح، حتي توقفت لحظه، وأخذت تدقق النظر به، ثم قالت ببطء: أنا عارفاك، شوفتك قبل كده، هو مش أنت حارس سليم؟
أومأ مكي برأسه بهدوء: أيوه أنا، حمد الله على سلامه حضرتك.
عقدت نبيلة حاجبيها: أنا مش فاهمة حاجة؟!
تنهد مصطفى وقال: هفهمكم كل حاجة، بس ممكن نقعد الأول؟
ثم استدرك مبتسما: وأسلم على آلاء والحاجة وإخواتي.
اتجه إلى إيهاب وعائشة، صافحهما بحرارة، ثم اقترب من آلاء: عاملة إيه يا آلاء؟
آلاء بابتسامة خفيفة: الحمد لله كويسة، أنت عامل إيه؟
أومأ برأسه: تمام الحمد لله، أزيك يا حاجة؟ حمد لله على السلامة.
أنهار بابتسامه: الله يسلمك من كل شر يا ابني.
أشار لهم بالجلوس: طب اتفضلوا اقعدوا، عايزين نتكلم في موضوع مهم، ومش هينفع نتأخر.
تدخل مكي بهدوء مهذب: طب أنا هستأذنكم تقعدوا براحتكم، مصطفى دخلني أي أوضة، مش هينفع اقف في البلكونة
أومأ مصطفى برأسه وأخذه إلى غرفة الأطفال.
جلس مكي هناك، وفتح النافذة قليلا، ثم توقف فجأة وضاقت عيناه، حينما رأي شخص في الشارع، يقف بطريقة مريبة، كأنه يراقب الشقة.
ابتسم مكي بخفة، وأخرج هاتفه، وأجرى مكالمة سريعة بصوت منخفض...
في الصالة.
عاد مصطفى وجلس معهم.
هنظر اليه إيهاب، وتساءل بقلق: هو مكي ده بيعمل إيه عندنا؟ وفي إيه أصلا؟
أخذ مصطفى نفسا عميقا: هقولكم، بس اسمعوني كويس، علشان اللي هقوله مش سهل.
وبدأ يروي لهم ما حدث؛ حكى لهم عن الاختطاف، وعن ماسة، وعن الطريقة التي جلب بها سليم ليراهما معا، في مشهد مدبر بعناية، تحدث عن الخطة التي ينوي سليم تنفيذها، وعن الطلب الذي ألقاه على عاتقه، وكأنه يضعه أمام اختبار لا رجعة فيه.
غير أنه تعمد إخفاء جزء من الحقيقة، فلم يخبرهم بتدخل الشرطة وبعد الانتهاء.
صاحت نبيلة وقد وضعت يدها على صدرها: يا نهار أسود ومنيل بستين نيلة! قلبي كان حاسس، والله العظيم قلبي كان حاسس إن في حاجة!..
ثم أضافت بغيظ ممزوج بالألم: إيه أهله دول؟ حسبي الله ونعم الوكيل فيهم، ربنا ينتقم منه، إزاي يعملوا كده في ضناهم؟ مهما كان ده ابنهم!
أطرق مصطفى برأسه وقال بأسى: والله يا أمي، أنا كمان اتصدمت زيك، واللي سمعته صدمني أكتر، طلعوا ملفقين عليه كل حاجة.
هزت نبيلة رأسها بحسرة: كنت حاسة، وياما قولت لماسة يا بنتي شكل جوزك ده كويس وبيحبك، سامحيه..
.
صمتت للحظه، ثم عدلت جلستها ونظرت له وقالت بنبره عقلانيه تخرج من قلب أم تخاف على ابنائها: بص يا مصطفى أنا بحب ماسة، وعارفة إن ليها حق عليا عشان زعلتها الفترة الاخيرة، بس أنت اللي حلتي، أنت أخواتك، سليم ده أنت قولت مافيا وكبير اووي، وهيعرف يحلها غيرك، خليك بعيد يابني دول ناس مؤذيه وقادرة.
تنفس مصطفى بعمق محاولا تهدئتها: يا أمي، أنا مش هعمل حاجة غير اللي متفق عليه، هو هيخليني أقعد في الفيلا واختفي، علشان يثبتلهم إنه قتلني، بس مش هيدخلني في أي حاجة تانية، ولو حد سألكوا عليا، تقولوا مصطفى مسافر مؤتمر في الغردقة...
توقف لحظة ثم أكمل بهدوء حذر: طبعا الكلام ده ممكن يتغير بعدين، لأني طبيعي هفضل مختفي شوية، هو ماشي بخطة، وكل مرحلة بتتغير حسب نجاح اللي قبلها.
نظرت إليه نبيلة بعينين دامعتين: أنا خايفة عليك يا مصطفى.
ابتسم محاولا بث الطمأنينة: خايفة عليا من إيه يا أم مصطفي؟ سليم مأمني، وهيأمِّنكم أنتوا كمان.
ردت بصوت متهدج: يا ابني إحنا مالنا ومال الحكايات دي؟ دول كبار مع بعض، شوف عملوا في أخوهم وفي مراته إيه، الفجرة!
نظرت عائشة إلى والدتها بجدية وقالت: ماما، على فكرة مصطفى محتاج لسليم، محتاج حمايته، وإحنا كمان، مصطفى وقع جوه البير ده يوم ما أنقذ ماسة، فاهمة يا ماما؟ هما اختاروه هو بالذات ليه؟ علشان هو اللي أنقذها، وقعد وعاش معاها فترة، كان ممكن يختاروا إيهاب، بس هما عايزين حد ماسة قضت معاه وقت كبير.
أومأ إيهاب مفكرا: فعلا، ده تحليل منطقي، بس برضو يا عائشة، حتى لو دخلنا اللعبة، الموضوع شكله خطر.
مصطفى بهدوء حاسم: هيبقى أخطر لو أنا بعيد عن سليم.
رفعت نبيلة رأسها نحوه: طب ما يحميك من غير ما تدخل في حاجة يا حبيبي.
ابتسم مصطفى محاولا طمأنتها: ما أنا فعلا مش هتدخل يا أمي، هو مخبيني في مكان آمن عشان يحميني، أنتِ بس اللي قلقانة زيادة..
صمت لوهله، وقال: قوليلي ايه مشكلتك؟!
ضربت كفا بكف، وقالت بحسرة: مشكلتي إنك إنت اللي حيلتي، أنت وأخوك وأختك، إحنا مش هنخلص من المصايب دي يارب! عملنا إيه في دنيتنا بس؟ بقي تنقذ البنت من الشارع ومن البهدلة، وفي الآخر اللي ينوبك إنهم يخطفوك!
تدخل إيهاب قائلا: الحمد لله إن سليم كان عاقل وواثق في ماسة ومقتلهمش.
تنهدت نبيلة: الحمد لله، بس أنا مش عارفة أستحمل فكرة إني مش هشوفك ومش هكلمك.
رد مصطفى سريعا: لا يا أمي، هنتكلم عادي، مكي هيديكوا ارقام هنتواصل منها، وطبعا الأرقام دي محدش يعرف عنها أي حاجه.
نظر إيهاب إليه بقلق: مش خايف يكون حد بيراقبنا؟
هز مصطفى رأسه: لا، هو بيراقبهم وعارف إن مفيش حد مهكرنا، وبعدين ممكن يحتاجك معانا يا إيهاب لو احتاج يعمل حاجة تقنية أو يتابع حاجة.
صاحت نبيلة بانفعال: كمان هتدخلوا إيهاب في الموضوع؟ ودخلوا عائشة بالمرة! إنتوا عايزين تجننوني؟
عائشة بمزاح: ممكن أكون همزة وصل في معلومة، أو حاجة بسيطة.
وضعت نبيلة يدها على رأسها: إنتوا هتشيلوني، وهتيطروا حبة العقل اللي فاضلينلي!
نهض مصطفى وجلس بجوارها، أمسك يدها وقبلها بحنان: حبيبة قلبي، متخافيش عليا، صدقيني، مش هيحصلي حاجة إن شاء الله، أنا بعمل خير، وربنا عمره ما يجيب الشر للي بيعمل خير، وأنا متأكد.
قالت نبيلة وهي ترفع كفيها إلى السماء: لا إله إلا الله، أنا عارفة لو اتكلمت من هنا لعشر سنين قدام، والله ما هتسمع كلامي.
اقترب منها مصطفى قائلا بهدوء: يا ماما، خلاص، مفيش قدامي اختيار، بقولك اتخطفنا عشان يحطونا أنا وماسة في وضع... والحمد لله ربنا ستر.
تنهدت بغلب: طيب يا ابني ماشي، إحنا بقى هنفضل قاعدين هنا عادي؟
أجابها مفسرا: آه، واتتعاملوا طبيعي جدا، وزي ماقولت، أي حد يسأل حتى محمد، يكون الرد إني مسافر مؤتمر في الغردقة، ومبكلمكوش من ساعتها، وده مخليكم قلقانين، محدش يعرف أي حاجة تاني غير لما أقولكم الجديد.
هزت نبيلة رأسها باستسلام: ماشي يا ابني.
كانت أنهار وآلاء تستمعان في صمت، لم تفهما كل التفاصيل، لكنهما أدركتا حجم الخطر.
أما آلاء، فكانت تنظر إلى مصطفى بإعجاب واضح؛ قلبها يخفق، وابتسامة خفية ترتسم على شفتيها، رأت فيه شجاعة وشهامه كبيره.
التفت مصطفى إليها قائلا: بالنسبة لك يا آلاء، هتيجي معايا أنتِ وطنط، هتقعدوا معايا في الفيلا.
اعترضت نبيلة وهي تميل بشفتيها قليلا، وتظهر عكس ما تخفي: ليه ما تسيبها معانا هنا؟
بالطبع فهم مصطفى قصدها، فقال: يا ماما، خليها معايا أحسن، أقعد أكلم نفسي هناك يعني؟
قالت أنهار بثقة: اللي تشوفه يا ابني، وإن شاء الله ربنا هيقف جنبك...
ثم وجهت نظرها الى نبيله وقالت: متقلقيش يا حاجة، ربنا عمره ما ينصر ظالم على مظلوم، وابنك اتظلم، والبنت دي وجوزها مظلومين، مش قادرة أصدق إن في أب وأم يعملوا كده.
مصطفى بحزم: بس الكلام ده ميطلعش بره، لا منك يا حاجة ولا من آلاء.
ردت آلاء سريعا: هيطلع أزاي وأنا هبقى معاك؟ هو أنا بكلم حد؟
قال بهدوء: برضو، الاحتياط واجب.
تدخل إيهاب: أنا معنديش مشكلة أساعد لو محتاج حاجة تقنية...
صمت للحظه ثم قال بنبره قلبي يحب وخائف على حبيبته: طب وماسة عاملة إيه؟ خرجت من الأزمة؟
أجاب مصطفى بأسى: الحمد لله، لو كنت شوفتها يا إيهاب، كانت تصعب عليك، يومين مخرجتش من الأوضة، وماسكة في سليم زي الطفلة، مكانش بيعرف يتحرك غير لما تنام.
نظر له إيهاب بحزن، حاول ان يخفيه حتى لا ينكشف امره، بينما قالت انهار بتأثر: الحمد لله إنها عايشة، الست الشريفة حاجة زي دي تكسرها.
تسألت نبيلة وهي تنظر لمصطفي: هتمشي إمتى يا ابني؟
أجابها: المفروض دلوقتي، هستأذن لحظة.
اتجه إلى الباب وفتحه: مكي، تعالى.
دخل مكي بابتسامة رسمية: مساء الخير يا جماعة، أتمنى تكون الأمور وضحت.
قالت عائشة بنبرة متوجسة: عايز تفهمنا إنك مكنتش بتلمع اوكر؟
ابتسم مكي بثبات: لا محصلش.
تقدمت نبيلة نحوه برجاء: خصيمك النبي يا ابني، خد بالك من مصطفى، مليش غيره.
وضع يده على صدره قائلا بصدق: متقلقيش يا حاجة، مصطفى ده فدا روحي انا وسليم وكفاية اللي عمله مع ماسة.
سأل مصطفى: هنمشي إمتى؟
قال مكي: دلوقتي، بس لو حابب تقعد شوية مع أهلك، مفيش مشكلة.
ربتت نبيلة على كتف ابنها: أه والنبي يا مصطفى، اقعد نتغدى مع بعض، ونشرب كوباية شاي، وبعدين امشي، الله أعلم هتغيب قد إيه.
نظر مكي إلى مصطفى موافقا، وكأن تلك اللحظات البسيطة صارت أغلى من أي خطة أو مواجهة قادمة.
وبالفعل، جلسوا إلى مائدة الغداء بعد أن أحضره إيهاب من الخارج، كانت الأطباق موضوعة بعناية، وتناولوا الغدا في جوا دافي.
احتسوا الشاي بعد ذلك، وتوزعت الأحاديث في أرجاء المجلس؛ كانت نبيلة، تحاول أن تملأ الفراغ بالكلام، تتحدث مع مصطفى مرة، ومرة أخري مع عائشة، ومرة تعود وتضحك على ذكرى قديمة.
كانت الابتسامات حاضرة، لكن خلفها خوف دفين لا يجرؤ أحد على تسميته، الجو عائلي دافئ، تظله محبة صادقة، وكأن الجميع يتشبث بتلك الساعات القليلة قبل الفراق.
بعد الانتهاء، نهض مصطفى أولا، ثم تبعه مكي، وارتديا الجلاليب الثقيلة والكوفيات كما جاءا، في محاولة لإخفاء ملامحهما، ودعا الجميع بهدوء، وهبطا إلى الأسفل حيث كانت السيارات في الانتظار.
تحركا بعيد قليلا عن المنزل، ثم توقفا في نقطة متفق عليها مسبقا، في تلك الأثناء، كانت أنهار وآلاء قد استقلتا سيارة أجرة كما طلب منهما، ووصلتا إلى المكان المحدد.
صعدت أنهار وآلاء إلى السيارة معهما، وانطلقا إلى الفيلا.
الطريق كان طويل نسبيا، والليل بدأ يمد عباءته على المدينة، وأضواء الشوارع تتلاشى شيئا فشيئا، لتحل محلها ظلال الأشجار العالية.
وحين ظهرت الفيلا أخيرا، شامخة خلف بوابتها الحديدية، فتح الحارس البوابة، ودخلت السيارات تباعا...وبدأ فصل جديد، أكثر هدوءا في ظاهره، وأشد اضطرابا في باطنه.
الفيلا التي سيمكث بها مصطفي 5:00 مساءً
دخلت السيارة، ترجلوا منها جميعا، وكان في انتظارهم أحد الحراس.
اقترب منهم الحارس الذي بدا وكأنه القائد: حمد الله على السلامة.
مكي باقتضاب: الله يسلمك...
ثم نظر لمصطفى بتعريف: دى بهاء، قائد الحرس هنا، لو احتجت أي حاجة اطلبها منه
هز مصطفي رأسه بصمت، ثم دخلوا إلى الفيلا، توففوا في الردهة، وكان معهم بهاء، ووقفت الخادمات لاستقبالهم.
مكي وهو يشير بيدة: طبعا دول الخدم، أي حاجة تحتاجوها اطلبوها منهم.
وأضاف مفسرا: هتلاقوا فوق كل حاجة ممكن تحتاجوها، غرفتك فوق على اليمين، والحاجة والآنسة على الشمال جنب بعض.
اومأ مصطفي برأسه، فتنهد مكي قائلا: أنا لازم أمشي دلوقتي، لو في حاجة كلمني.
اجاب مصطفي: ماشي، شكرا.
تحرك مكي وهو يقول: بعد إذنكم، .
اقتربت الخادمات: محتاجين أي حاجة؟
ردت آلاء: لا، شكرا.
الخادمات عرفوا أنفسهم: أنا أسمي عزة، ودي خيرية ودى ديفا، لو احتاجتوا اي حاجه نادوا على أي واحده فينا، عن أذنكم.
ثم تحركوا مبتعدين، فقال مصطفى: يلا نطلع أوضتك ونشوف لو في حاجة ناقصة.
هزت آلاء رأسها بإيجاب، لكن عيناها كانت تحمل سؤالا، فقالت: طب أنت ليه جبتنا هنا؟
رد مصطفى مبتسما: ايه مش حابه تكوني معايا..
هزت رأسها بسرعه بخجل: لا والله، بس حبيت افهم، أنا آسفه.
تبسم مصطفي موضحا: أنا بس محبتش اكون لوحدي، وكمان عارف إن العلاقة بينك وبين ماما مش أفضل حاجة، وكمان ايهاب، مش هيخليكي تاخدي راحتك.
ردت أنهار بتأييد: عندك حق يا بني، بس والله الإسكندرية حلوة والشقة كانت جميلة.
أضاف مصطفى: بكره الأمور هتظبط إن شاء الله، بس اصبروا معايا شوية.
أنهار بطيبه: ربنا يكرمك يا بني.
وبالفعل صعدوا إلى الأعلى، فوجدوا أن كل شيء في الغرفة كان في موضعه، لا ينقصه شيء، وكانت آلاء ووالدتها يشعرون بالراحة.
♥️__________________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي، 7:00 مساءً
سيارة سليم
ترجل سليم من السيارة بوجه متجهم، عيناه حادتان، ووقفته تشي بالقوة والسيطرة، مستعدا لبدء خطته في التمثيل أمام عائلته كما اتفق مسبقا.
قال من بين أسنانه وهو ينظر الى ماسة بحدة: اتفضلي، أنزلي.
رفعت اليه عينيها الممتلئة بالضيق، وبدأت هي أيضا في التمثيل، تحاول أن تظهر المقاومة والرفض.
وفجأة، مد يده وسحبها من كتفها بعنف، وقال ببحة رجولية: أنا هفضل أتحايل عليكي... يلا!
دفعت يديه بعيدا عنها: أبعد إيدك عني!
مسكها من كتفها بقوة، وجذبها نحوه، فتحدثت ماسة بصوت خافت: سليم خف إيدك شوية وجعتنى، وبعدين محدش في الجنينة .. بتمثل علي الزرع؟!
خفف قبضته على كتفها، وهمس في أذنها وهو لايزال محافظا على ملامحه الحادة: ممكن يكونوا شايفنا، خليني أدخل في المود قبل مانخش جوة.
وفجأة صاح بها: يلا قدامي!
دفعها للأمام بقسوة ظاهرية، لم يكن هناك أحد من العائلة في الحديقة، لكن الحراس كانوا يقظين.
ضرب سليم على الباب ففتحت له الخادمة، وهي تنظر بإستغراب لوجه ماسة المليئ بالكدمات.
كانت العائلة مجتمعة في الطابق السفلي؛ يتناولوا العشاء، لذا أختار سليم هذا التوقيت بعناية.
أخذ سليم يسحب ماسة من كتفها بعنف حتى وصلا إلى أسفل الدرج، وتعمد أن يعلو صوته، قاصدا أن يصل إلى مسامع كل من في الداخل، وقال بحدة جارحة: أطلعي فوق، يلا قدامي!
تعثرت خطواتها بشكل مصطنع وهي تحاول الإفلات من قبضته، وأنفاسها مضطربة وعيناها تهربان من نظراته، لكنها تمتمت باعتراض واهن: قولتك متحطش إيدك عليا؟ أنا بكرهك! سبني.
بحركه خاطفة جذبها من شعرها بقسوة، وقال بنبرة مرعبة: أقسم بالله لو سمعت صوتك ده تاني، أنتِ عارفة كويس هعمل ايه!
علي إتجاه آخر، علي السفرة.
كان الجميع يجلسون حول المائدة يتناولون العشاء في صمت لا يقطعه سوي صوت الملاعق وهي تصطدم بالأطباق، وفجأة اخترق هدوء المكان صوت مرتفع، فبدت علامات الدهشة على الوجوه مع أول كلمة سُمعت.
قالت فايزة بإستغراب: إيه ده؟!
عزت وهو يهم بالنهوض عن مقعده: مش عارف.
طه وهو يضيق عينه: مش ده صوت سليم؟!
دخلت الخادمة مسرعة، ونظرات القلق تملأ وجهها: ده سليم بيه ومعاه ماسة هانم، وشكلهم متخانقين.
نهض الجميع دفعة واحدة، واندفعوا إلى الخارج، ليروا ما يحدث، وحين وقعت عينا سليم عليهم وهم قادمون من بعيد، شد ملامحه أكثر، وأخذ يتقن دوره في التمثيل، وصاح بحدة جارحة: بتكرهيني؟! بعد كل إللي عملته معاكي يا مجرمة؟! إللي زيك مينفعش يعيشوا!
اقتربت فايزة بخطوات مسرعة، وفضولها يسبقها: سليم، فيه إيه؟ مالكم؟
إلتفت إليها بصرامة قاطعة، وصوته لا يحتمل نقاشا: محدش له دعوة!
ثم دفع ماسة بعنف وهو يكرر بغلظة: أطلعي فوق يا قذرة يا منحطه، يلا قدامي!
نظر إليه عزت بدهشة مشوبة بالاستنكار، وقال بصوت مرتفع: ملناش دعوة أزاي؟! في إيه؟!
شد سليم قبضته حول شعر ماسة بعنف تمثيلي، واقترب منها حتى كادت أنفاسه الحارة تلامس وجهها، وقال بصوت غليظ قاسي، يخلو من أي رحمة: قولت مفيش! يلا قدامي، أنا بقى هووريكي معنى الموت الحقيقي.
رفعت ماسة رأسها فجأة، وردت بسرعة وكأنها تتعمد إشعال النار أكثر، وصوتها يرتجف بالغضب المصطنع: متقولهم إني بكرهك، وعايزة أطلق! ليه؟! ولا أنت معندكش كرامة! ولا مكسوف تطلع قصاد أهلك مش راجل!
نظر اليها بعينين مستوحشتين، ثم رفع يده وصفعها كما تدربا مسبقا، لتظهر الصفعه قوية أمام الجميع، لكن أثر الضرب كان خفيفا على وجهها.
صاحت به وهي تدفعه عنها بصوت مرتفع وبكاء مصطنع: أنت حيوان، أنا بكرهك! أبعد عني، بكرهك.
تقدمت فريدة، مذهولة: إيه إللي أنت بتعمله دى يا سليم؟ إيه إللي حصل؟
نظر إليها بحدة: متتدخليش يا فريدة، ومحدش يتدخل، سامعين؟
حاول إبراهيم الاقتراب، في محاولة لحماية ماسة، وهو يقول بصوت متوتر: طب سيبها يا سليم، وخلينا نتفاهم.
التفت إليه سليم بعينين مشتعلتين: مفيش تفاهم.
تقدم طه خطوة، محاولا تهدئة الموقف: طيب، فهمنا بالراحة إيه إللي حصل؟
لكن سليم صرخ بقسوة: قولت محدش يتدخل، مبتفهموش!!
ثم إلتفت إلي ماسة، وعيناه تلمعان بوعيد مصطنع، وقال بلهجة جارحة: أما أنتِ هوريكي مين هو سليم الراوي، أقسم بالله لأخليكي تعيشي عمرك كله وأنتِ بتتمنى الموت ومتلاقيهوش.
قال كلمته تلك، ثم أمسكها من كتفها وسحبها بعنف على الدرج، غير عابئ بمحاولاتها المصتنعة للتملص منه، ولا بالأنفاس المحتبسة في صدور من شاهدوا المشهد، وكأن الغضب يقوده وحده، بلا عقل أو رحمة.
كانت الملامح متباينة على وجوه الجميع، حتى أولئك الذين حاولوا رسم الصدمة على وجوههم؛ فالقلب والعين كانا أصدق من أي تمثيل.
ففايزة وصافيناز، ارتسمت في عيونهن ابتسامة خفية، لم تستطع أي منهن إخفاءها، وكأن ما يحدث يرضي شيئا دفينا في صدورهن.
وحتى منى ارتسمت على شفتيها ابتسامة غريبة وكأنها تعرف شيء!!
أما عزت، فظل يراقب المشهد بتركيز حذر، وهو يدرس التفاصيل بعقله قبل عينيه، وحين دوى صوت إغلاق الباب بعنف في الأعلى، كسر الصمت، وبدأ الحديث.
قالت فريدة بدهشة: هو في إيه؟
رد عزت متظاهرا عدم الفهم: مش عارف!
قالت منى بنبرة ساخرة غريبة، وهي تعلق ببرود لافت: فعلا، غريب أوى سليم وماسة يوصل بينهم الوضع للدرجه دى، سبحان الله، شيء مش متوقع.
نظرت صافيناز إليها بنظرة جانبية، وقد اعتلت شفتيها ابتسامة خبيثة: غريبة في إيه بقى إن شاء الله؟
هزت منى كتفيها متظاهرة الاستغراب، وقالت وهي تلقي بكلماتها كالسهام: غريبة إن سليم إللي كان بعشق التراب اللى بتمشي علية ماسة، ييجي ضاربها وبيتعامل معاها كده؟
ثم أضافت بنبرة مواربة: يا ترى عملتي إيه يا ماسة؟
تدخل عزت أخيرا، قاطعا الحديث بحزم واضح: خلاص، أقفلوا الموضوع ده، خلونا نرجع نتعشى، وبعدين أبقى أتكلم معاه
*********
على إتجاه آخر، في غرفة سليم وماسة.
ما أن أغلق الباب، نزعت كتفها من يده بعنف، وحدقت فيه بحدة مشتعلة: أنت إيه إللي عملته ده؟!
نظر إليها باستغراب قائلا: عملت إيه بس؟ ده أنا كنت بمثل حلو أوي! متقوليش فشلت.
قاطعته بغيظ مكتوم: مفشلتش، بس متفقناش على القلم.
تنفس بعمق، ثم قال بتبرير سريع: معلش يا ماسة، سخنت بعد ماقولتيلي مش راجل، حسيت إن الكلمة دي محتاجة قلم.
اقتربت خطوة، وعيناها تلمعان بتحذير: أنت بترتجل يا سليم!؟ بترتجل وتضرب؟
ثم قالت بنبرة متوعدة بطفولة: والله العظيم المرة الجاية لو ارتجلت، أنا كمان هرتجل وأوريك.
تبسم، وقال متعجبا: أنتِ زعلانة ليه؟ هو جه جامد؟
رفعت كتفيها بتذمر طفولي، وقالت وهي تزفر بضيق:
مجاش جامد، بس متفقناش على كده، أنا اتصدمت وزعلانة، صالحني!
مدت وجهها نحوه بدلال طفولي، فابتسم ووضع قبلة على خدها، ثم اقترب منها وقال بنبرة أهدأ: طب بلاش شقاوة، وخلينا نشوف بيقولوا إيه دلوقتي.
أخرج هاتفه بسرعة، وجلس على الأريكة وهو يفتحه:
تعالي أقعدي.
اقتربت وجلست ملتصقة بيه: معتقدش إنهم هيتكلموا دلوقتي، علشان فريدة موجودة.
مد سليم شفتيه: خلينا نشوف برضو.
جلسا يتابعان، وبالفعل فتح سليم الكاميرا وسمع ما قيل عند الدرج، ولكن علي السفرة؛ الجميع كان حاضرا، لكن الحديث لم يتطرق لشيء.
ابتسمت ماسة بثقة وقالت: شوفت؟ قولتلك مش هيتكلموا في حاجة.
تنفس بعمق وقال: أنا المفروض أنزل دلوقتي، أكيد هيسألوني.
تابع بجدية: لو فريدة طلعتلك قولي إللي اتفقنا عليه، ولو حابة تسمعينا، افتحي التليفون بتاعك، أنا هكون في المكتب، استني أفتحهولك.
نظرت له بتحدي: مكي علمنى؟ استنى أفتح أنا وأوريك.
وبالفعل بدأت تضغط على الشاشة حتى نجحت في فتحه، فأضاف وهو يهم بالوقوف بتوتر: الخطوة الجاية دي هي الأهم؛ لإننا هنبني عليها كل حاجة جاية، ولازم يصدقوا...
توقفت أمامه، وقرصته من خده بمزاح لطيف: متقلقش، هيصدقوا بعد القلم ده، أنت طلعت بتمثل حلو أوي يا كراميل.
ابتسم لها، وضمها إلى صدره فبادلته العناق، وكأنهما يستمدان القوة والطاقة من بعضهما، ثم همس لها بهدوء: هنزل بقى عشان أكمل المسلسل.
ابتسمت وغمزت بمرح: ربنا معاك يا سلوملوم.
تحرك، وقبل أن يغادر توقف عند الباب وقال محذرا: لو فريدة طلعتلك، أوعي تخليها تعالج إللي في وشك؛ علشان المكياج ميروحش.
لوحت بيدها بإستهانة: هو أنا هبلة ولا إيه؟ متقلقش، أنا أصلا هقعد أحط من القطرة علشان، ادمع قدامها.
هز رأسه موافقا: لا بلاش عشان عينك متتعبش، أنا نازل.
ثم استدار وأضاف بصرامة مصطنعة بعد فتح الباب: أنا مش عايز أسمع حسك، مفهوووم.
ثم أغلق الباب بعنف، وهبط الدرج حتي توقف في منتصف الهول، وصاح ببحة رجولية جهورة اهتزت لها أرجاء المكان: سحر! أنتِ يا إللي اسمك سحر!
في تلك اللحظة، جاءت سحر مهرولة: أمرك يا بيه! أمرك!
صاح سليم بسرعة: جمعيلي كل الخدامين إللي هنا، بسرعة!
ردت سحر مطيعة: أمرك يا بيه!
في تلك اللحظة، اقتربت فايزة، الاي كانت تجلس في الصالون القريب مع الباقين، الذين كانوا يراقبون المشهد بفضول وحذر.
قالت فايزة، ودهشتها واضحة في صوتها: فيه إيه يا سليم، عايز الخدامين في إيه؟ وبتزعق ليه كده؟
نظر إليها بنظرة حاسمة، وقال بحدة: هو أنا لازم أبرر؟
فايزة بصوت صارم: إحنا محتاجين نفهم...
ابتسم ابتسامة جانبية، ثم تابع بنبرة تهدئة ممزوجة بالسيطرة: وأنا قولت مش لازم أبرر، إللي أنا عايزه هعمله، وبعدين مستعجلة ليه؟ ما أنتِ هتشوفي قصاد عينك عايزهم ليه؟
بدأت الخادمات تتجمعن أمامه، صامتات، متأهبات، وكأن الهواء حولهن أصبح مشحونا بالخوف والاحترام لهيبتة وسلطته.
ثم رفع صوته ليصل إلى جميع الخدم بقرار: أسمعوا، أنا مش عايز أي حد يطلع عند أوضة ماسة، مهما صرخت، مهما قالت، والأكل والشرب ميطلعلهاش إلا بإذني، فاهمين؟
ثم ألتفت لسحر: وأنتِ بالذات يا سحر، أقسم بالله كلامي لو متنفذش، لأندمك عمرك كله، أنا جبتك هنا علشان هناك مكنتش عارف أحط عيني عليكي، لكن هنا، أنتِ تحت عين فايزة هانم والباقي.
أضاف بحدة: يلا، روحوا أماكنكم.
أخذ نفس عميق وأخرجه، ونظر بعينه وجدهم يجلسون هناك يشاهدون الموقف بصمت دون تدخل، لكنهم منتبهون، فتحرك حتى توقف أمامهم وقال بأمر: اسمعوا والكلام للكل، ماسة مهما صرخت، مهما قالت أياكوا محدش يفتح لها الباب، أقسم بالله لو عرفت إن حد فتحلها، هيندم، مهما كان مين...
نهضت فريدة من مكانها وهي تتعجب باستنكار: أنت بتتكلم كده ليه؟ هي مش الشخصية دي؟ كنا نسيناها.
في تلك اللحظة، اقتربت فايزة، وتوقفت خلفه تراقب بصمت
صاح سليم بحدة: فريدة ملكيش دعوة! إللي أقوله يتنفذ من سكات، مفهووم؟
ردت فريدة بغضب: لا مش مفهوم، يعني إيه مليش دعوة، هو أنا مش أختك؟
خرجت منه ابتسامة صغيرة ساخرة، وهو ينظر بعينه بعيد: أختي؟ آه يا فريدة أنتِ أختي فعلا، بس في البطاقة بس، تعرفي عني إيه أصلا؟
ثم أضاف وهو يشدد الأمر: بقولك إيه خليكي في حالك، وفي ولادك وجوزك، زي ماطول عمرك ملكيش دعوة بحاجة غيرهم.
تابع بنبرة صارمة: وأطلعي فوق...يلا!
نظرت له باستغراب، وقالت وهي تعقد بين حاجبيها: أنتِ بتتكلم معانا كده ليه؟
نظر لها نظرة حادة، وقال بحدة قاطعة: أنا اتكلم زى ما أنا عايز، ومش هعيد كلامي تاني يا فريدة، أطلعي أوضتك أنتِ وجوزك، يلا!
تنهدت وهي تقول بزعل: ماشي يا سليم براحتك.
ثم تتحركت هي وإبراهيم نحو الدرج، بينما اقتربت منه صافيناز بخبث مستفز وقالت: وإحنا كمان نمشي؟ ولا هتسمحلنا نقعد؟!
في تلك اللحظة، تبدلت ملامحه تماما، واشتعلت نيران الغضب في داخله، لم يكن الآن يمثل، كان يحاول أن يسيطر على غضبه، فقال من بين أسنانه: أنتِ لو مختفتيش، أنتِ وجوزك من قدامي دلوقتي، أقسم بالله الغضب إللي جوايا هطلعه فيكم، وأنتوا مجربين!
ابتسمت بسخرية وهي تشير بيديها: لا وعلي ايه، أنا طالعة، يلا يا عمدة.
وغادرت هي وعماد إلي الأعلي ومعالم السعاده ترتسم على وجهها بوضوح، وعقب مغاردتهم نظر سليم إلى طه قائلا: طه خد منى وأطلع فوق أنت كمان.
رد طه مطيعا: ماشي، بس أهدى، يلا يا منى.
وبدأ الجميع بالصعود؛ تبقى عزت وفايزة، التي نظرت له معلقه بتهكم: يا ترى إحنا كمان نطلع فوق؟
قاطعها سليم بصرامة: لا، بس عايزك تسمعي الكلام اللى هقوله دى وتنفذيه، ماسة مهما صرخت، ومهما قالت، مش عايز حد يقرب من أوضتها، ولا يعبرها.
ثم أضاف مهددا: أنا هحاسبك أنتِ، عايز أشوف الهانم لها كلمة في قصرها ولا لأ؟...
تدخل عزت قائلا: طب ما تيجي نتكلم بالراحة؟ إحنا مش فاهمين حاجة.
رد سليم بحزم: مش لازم تفهموا، المهم نفذوا إللي أنا عايزه وبس، أنا ماشي، ورايا حاجات لازم أعملها.
هم بالتحرك، فامسكه عزت من كتفه وقال بهدوء: إحنا لازم نفهم يا سليم، عملت كدة في ماسة ليه؟ وبتكلم أخواتك بالأسلوب ده ليه؟ حتى فريدة!!
تابعت فايزة: تعالي، نتكلم في المكتب.
وبالفعل، تحرك معهم إلى المكتب، مستعدا لمواجهة التفاصيل القادمة.
***********
في مكتب عزت
دخل سليم وعزت وفايزة المكتب وأغلقوا الباب خلفهم، جلس سليم على المقعد، بينما جلس عزت وفايزة جنبا إلى جنب على الأريكة.
تنهدت فايزة وقالت باستفسار: أحكي بقى بالراحة، إيه إللي حصل؟
مسح وجهه بيديه، وأجاب بصوت مكتوم: مفيش حاجة، مش عايز أتكلم، إللي أنا بقوله يتسمع وبس.
ثم أضاف بحدة: آه، صحيح كنت هنسي، لو حد من أهلها فكر يجي وأنا مش موجود مشوه، ولو ممشيش بالذوق يمشي بالغصب.
تدخل عزت بحذر: هنعملك كل إللي إنت عايزه، بس نفهم إيه إللي حصل؟ يعني ماسة تفضل سنين مش بتيجي القصر، ولما ترجعها تبقي بالشكل دى؟
تنهد سليم بعمق، وفتح أول زر من قميصه، وهو يمثل الشعور بالاختناق، ورسم علامات التوتر الواضحة علي وجهه.
نظر عزت وفايزة لبعضهما باستغراب، ثم مال عزت على الطاولة وأعطاه كأس ماء: أشرب ده.
احتساه سليم كله دفعة واحدة، ثم وضع يديه المرتعشتين على الطاولة، وقال بمرارة: عايزين تعرفوا أنا ليه بعمل كدة؟ علشان ماسة خانتني.
نظر عزت وفايزة لبعضهما من طرف العين، بدهشة مصطنعة ممزوجة بإبتسامة خفية، كأنهما يراقبان مشهدا مخططا.
رفع سليم عينيه للحظة وانتبه لملامحهم، ثم هبطهما سريعا، فيما قالت فايزة بنبرة مشككة: إيه إللي أنت بتقوله ده؟ ماسة!! مستحيل!!! هو أنا آه بكرهها، وبتمنى اللحظة إللي تطلقها فيها؟ ومش متقبلة جوازك منها لحد دلوقتي، بس تخونك؟ لا، البنت دي بصراحة محترمة جدا وبريئة.
أومأ عزت برأسه مؤكدا: ده حقيقي.
ضحك سليم ضحكة ساخرة، وأضاف وهو يهز رأسه: ما أنا كمان كنت فاكر كده، كنت فاكر إن الوش البريء والأدب ده مستحيل يعمل كده، ماسة إللي حبيتها واتجوزتها وربيتها على إيدي وخليتها بني إدمة، من خدامة لهانم تعمل كده؟! بس شوفتها قدام عيني...
توقف لحظة، يتأمل الكلمات التي خرجت من قلبه قال بمرارة: من فترة كانت بتيجيلي رسائل وصور، وأنا كنت حمار مش مصدق، كنت بقول لنفسي أكيد فيه حاجة غلط...
ثم أكمل بحدة، وهو يرفع عينه نحوهم كأنه يؤكد المعنى: بس مطلعتش غلط، طلعت حقيقة، شوفتهم مع بعض في أوضة النوم.
تعجب عزت، وسأل بدهشة: شوفتها مع مين؟
رد سليم بنبرة مكتومة: مع مصطفى.
اندفعت فايزة باستفسار مصطنع: مين مصطفى ده؟
أجاب سليم، بنبرة نصف مستهزئة ونصف متألمة: دكتور مصطفى؛ إللي كانت هربانة عنده.
حك عزت رقبته، وأضاف بتعبير يمزج بين الاندهاش والخبث: هربانة!؟ إحنا مش فاهمين حاجة يا سليم، إنت فاهمة حاجة يا فايزة؟
أجابته وهي تتصنع عدم الفهم: أنا مش فاهمة حاجة خالص، ما تفهمنا يا سليم.
تنهد سليم وأعاد ظهره إلى المقعد، مستعيدا الأحداث الماضية بنبرة مثقلة مقهورية، كأن كل كلمة تمثل قطعة من جرحه القديم.
كان متقن التمثيل لدرجة أن ماسة التي تراه الآن عبر الشاشة، كانت مذهولة ومصدقة كل ما ترى.
فقد استغل سليم التمثيل الذي كان يؤديه أمام والديه كستار، ليكون متنفسا لمشاعره المكبوتة؛ خلال تلك الادعاءات والتمثيل، أفرغ بداخله حزنه وغضبه ووجعه، فكل حركة وكل كلمة كان يقولها لم تكن مجرد تمثيل، بل صرخة حقيقية من قلبه، يصنعها في إطار اللعبة أمامهم.
سليم بنبرة مريرة غاضبة: فاكرين الفترة إللي كنت بقولكم فيها إنها لسة مسافرة ومش موجودة؟ ساعتها كانت هربانة ... ستة شهور.
رفع عينه نحوهما ليستشف وقع الكلمات عليهم، لكنهما كانوا يتقنون تمثيل الدهشة وعدم الفهم أيضا.
فاومأ برأسه، وهو يسترسل بصوت متعب، وكأن الكلمات تثقل صدره: هفهمكم، من حوالي سنتين أو أكتر، بدأت تتغير معايا؛ لإني كنت حابسها، حتى لما نزلت الجامعة، كنت مراقب كل تحركاتها ومكانش عاجبها الوضع، كانت عايزة تمشي، وكنت رافض، فحاولت كذا مره تهرب...
نظر إليهم بعينين مشتعلة: أول مرة جبتها من وسط الطريق، والسواق إللي ركبت معاه حاول يعتدي عليها، حتى رشدي كان عارف الموضوع ده وقتله، بعدها رجعتها عند أهلها، لحد ما يعقلوها ويرجعوها تاني، لكن معقلتش، فضلت معاندة ومتمردة، وكانت عايزة تمشي وتسيبني.
ردت فايزة بنبرة غاضبة: وأنت ليه مسبتهاش؟ هي نسيت نفسها الخدامة.
اومأ برأسه، تنهد بعمق، قال بوجع: أنا كنت بحبها.
فايزة بإعتراض حاد: بتحبها على إيه الحشرة إللي نسيت نفسها دي.
عزت بضجر: استنى يا فايزة خلينا نفهم، كمل يا سليم
تنهد سليم واسترسل: هربت ثاني مرة، ساعتها جبتها من مرسى مطروح، بعد يومين حبستها في الفيلا إللي أنا جبتها على طريق الإسكندرية، قعدت سنة محبوسة، وهددتها لو فكرت تمشي أو تسيبني، هقتل أهلها، ووريتها قدراتي لما طلعت مسدسي وضربت نار على عمار، بس مجبتهاش فيه..
أضاف بتوتر شديد: بس في الفترة الأخيرة بدأت أعقل، وطلبت منها السماح، بس رفضت، فضلنا لحد يوم الحفلة إللي كنت عاملها عشان دخولي مجلس الشعب، عرضت عليها تيجي معايا ووافقت، ساعتها صافيناز حطتلي الحباية، ولما روحنا البيت حاولت أعتذرلها علشان نرجع كويسين زى الأول، بس الحباية خلتني مش طايق كلمة
ارتجف صوته قليلا وهو يخرج الكلمات من بين أسنانه بحدة: وهي كمان ضغطت عليا بالكلام، وبسبب قلة أدبها وتمردتها، ضربتها علقة موت، ضربتني على رأسي وهربت، وفضلت ستة شهور هربانة، معرفتش طريقها إلا لما طليقة إللي اسمه مصطفى جت وقالتلى لم مراتك بعيد عن جوزي، روحت وجبتها، وبعدها بثلاث أيام، فقدت الذاكرة.
رفع عزت، حاجبه بصدمة حقيقية: يعني ماسة لما جت هنا وقت خطوبة رشدي والفرح، كانت فاقدة الذاكرة؟
تنهد سليم ببطء، وأعاد ظهره إلى المقعد، مرر يده على وجهه قبل أن يجيب، بصوت مشحون بالغضب والحزن: أيوه، وبعدها بشوية رجعتلها الذاكرة، ولما رجعتلها بدأت تقولي الحقيقة، إنها حبت مصطفى في الفترة إللي عاشت معاه فيها، وإننا لازم نسيب بعض، في نفس الوقت، كان بيتبعتلي صور، أنا كنت فاكر إنها بتستفزني أو بتشوف إذا أنا اتغيرت فعلا ولا لا، لكن الصور كانت حقيقة...
ثم قبض يده على الطاولة بقوة وكأنه يحاول التحكم في غضبه: ومن كام يوم جاتلي صور ليها وهي في حضنه على السرير، طول الطريق كنت بكذب على نفسي وأقول مستحيل، لحد ما شوفتها بعيني، كنت هقتلها! بس مسكت نفسي، لأن القذرة كانت معاه في شقة دعارة، والبوليس جه، فبقيت أتصرف كأني مصدقها، وإلا كنت هتفضح لو كنت عملت غير كدة..
نظرك له فايزة وتساءلت بتصنع خبيث: مصدق إيه؟
أجابها سليم موضحا: مصدق كلامها إنها اتخطفت، وكل الكلام العبيط إللي قالته، دافعت عنها قدام الظابط، وضربته، وطمنتها، بس لما رجعتها الفيلا..
تابع وهو يرفع رأسه بنظرة حادة، يلمع فيها الغضب: اخدت حقي منها، وضربتها وعذبتها، لحد ما كانت روحها بتطلع في إيدي، وعلى آخر لحظة كنت بسيبها، بس وأنا مش موجود سحر كانت بتدخلها أكل وشرب، علشان كده جبتها هنا.
جزت فايزة على أسنانها، وعضت شفتها السفلى بحدة، وهي تقول: وأنت زي مقتلتهاش المجرمة المنحطة دي!
خرج صوت سليم متماسكا بصعوبة، وعيناه مثبتتان في نقطة بعيدة كأنه يهرب من نظراتهم، بينما قبضت أصابعه على ذراع المقعد حتى ابيضت مفاصله، وقال بصوت خافت لكنه مشحون: كنت هقتلها... مسكتها وخنقتها...
توقف لحظة، وزفر بحدة، ثم أكمل وهو يهز رأسه بمرارة: بس افتكرت إن موتها مش هيشفي غليلي منها، أنا لازم أخليها تتمنى الموت ومتطلهوش.
ردت فايزة معارضة بنبرة لازعة: إزاي يا سليم، إنت لازم تقتلها، الحشرة دي الجلد والحرق مش كفاية ليها.
رد بنبرة مخيفة مليئة بالقسوة: هقتلها بس لما أعذبها الأول، الموت رحمة ليها.
اعتدل عزت في جلسته، ومال بجسده للأمام: طب أنت ليه متصلتش بيا؟
رفع سليم رأسه فجأة، ونظرة حادة لمعت في عينيه، ولوح بيده في الهواء بإنفعال: كلمتك يا باشا! وقالولي إنك في اجتماع مع الوزير...
قلب وجهه بتجهم، ثم أكمل بنبرة تهديد: صحيح، الخنازير إللي إنت مشغلهم عندك دول شد عليهم أنا كلمتهم ومحدش رد عليا.
اقترب بجسده للأمام أكثر، وصوته انخفض لكنه صار أخطر: بقي أنا سليم الراوي، أكلمهم وميتردش عليا؟! والله لأعرفهم على الحركة دي..
رفع عزت كفيه محاولا تهدئته: أهدى بس، أكيد كان فيه حاجة مهمة.
لوى سليم فمه بسخرية، وأدار وجهه للناحية الأخرى:
مهمة؟ تخليهم كلهم ميردوش!
ضربت فايزة كفا بكف، بملامح مشدودة بالغضب، وقالت بحدة: هو دى وقته؟ مش دي المشكلة، أهم حاجة المنحطة القذرة إللي فوق دي، هتعمل فيها إيه؟ لازم تقتلها!
ابتسم سليم ابتسامة جانبية مرعبة، ومال برأسه قليلا: هقتلها... بس لما أقتلها نفسيا الأول
رفع عينيه ببطء، ونبرته صارت باردة: لازم أكسرها، وأفهمها يعني إيه تخون سليم الراوي.
عقد عزت حاجبيه متسائلا: وعملت إيه في إللي اسمه مصطفى ده؟
أجابه سليم بلا تردد، وكأنه يتحدث عن أمر عادي: قتلته ودفنته في جنينة الفيلا..
عزت متساءل: طب وأهله؟!
أجابه مفسرا: هددته، وخليته يكلم أهله ويقولهم إنه مسافر، وبعدها قتلته..
تنفس بعمق، وأشاح بوجهه بعيدا، وصوته خف فجأة: أنا مش عايز أتكلم في الموضوع ده تاني، إنتوا عرفتوا إللي فيه الكفاية.
ضغط على فكه بقوة: وبلاش حد من إخواتي يعرف، مش عايز أبان مكسور قدامهم.
اقتربت فايزة ببطء، وجلست على طرف الكنبة بجواره، ووضعت يديها على ركبته بحنان مصطنع: متزعلش يا سليم، فاهم؟ وسيبها عليا، أنا هوريك هعمل فيها إيه، وهجوزك هانم تليق بيك.
سحب سليم قدمه قليلا ورفع يده معترضا، ونبرة صوته نفد صبرها: جواز إيه دلوقتي؟ وبعدين ملكيش دعوة، سيبيني أنا أربيها بطريقتي.
نظر إليها نظرة تحذير: كل إللي عايزه منك، متخليش حد يحن عليها.
ابتسمت فايزة بثقة، وهزت رأسها: متقلقش، بس أنت لازم تتجوز يا سليم، أتجوز واحدة تليق بسليم الراوي ابن فايزة رستم آغا، ودي أكتر حاجة هتقهرها.
تنفس سليم ببطء، ونظر إلى الأرض، وصوته خرج مكسورا رغم هدوئه: تقهرها لو بتحبني...!
رفع عينيه وفيهما فراغ موجع: بس هي مبتحبنيش، بقولك خانتني.
مسح دمعة هبطت على خده، وتوقف لبرهة قبل أن يقول: أنا، هروح أتكلم مع مكي شوية.
نظر إليه عزت وقال مطمئنا: ماشي، المهم متزعلش.
أومأ سليم براسه وتحرك للخارج ، تاركا فايزة وعزت متخبطتين من وقع ما حدث.
عزت بنبرة حزينة قليلا: سليم صعبان عليا أوى، بس أعمل إيه؟ مكانش قدامي حل تاني.
علقت فايزة بتنهيدة: بكرة ينسى، لما أجوزه.
رد عزت وقد اختلطت مشاعره بدهشه وغضب: مكنتش أتوقع إنه يسيبها عايشة كان لازم يقتلها! حقيقي، ابنك ده بير ملوش أرار، لازم الكلام ده يوصل لعماد.
ردت فايزة بإستعلاء: عماد إيه إللي تقوله، ده شخشيخة...
اومأ عزت موضحا بسخرية لازعة: الشخشيخة دي فكرته اللي بنجني ثمارها دلوقتي، وهو كان بيتواصل مع الظابط، وأنا كنت مجرد شبح لا يُرى، مينفعش أظهر، لازم أبلغه باللي سليم حكاه عشان يتأكد.
وبالفعل، اتصل عزت بعماد، وروى له كل ما حدث، فرد عماد مطمئنا: هظبط كل حاجة وأقولك يا باشا.
على إتجاه آخر، في الحديقه
كان سليم يتحرك وفتح هاتفه، توقف عند الحديقة بجانب مكي وقال: أعمل نفسك بتكلمني هشوف، بيقولوا إيه؟
هز مكي رأسه برفض: بلاش، استنى لما تطلع، ممكن تسمع حاجة، ومتقدرش تتحمل.
هز سليم رأسه مقتنعا: عندك حق؟
سأله مكي: ها... صدقوا؟
تنهد سليم وهو ينظر أمامه: مش عارف، هنشوف، بس لو صدقوا، كده يبقي عدينا أهم مرحلة.
هز مكي رأسه موافقا، بينما نظر إليه سليم قائلا: أنا هطلع فوق.
وبالفعل تحرك للداخل وصعد إلى غرفته
*******************
في غرفة سليم وماسة.
فتح سليم الباب، وجد ماسة جالسة على الفراش والهاتف بين يدها، وعيناها متسعتان بالصدمة والقهر، فقد أدركت أن عزت كان مشتركا معهم فيما حدث.
لكن فور أن التقت عيناها بعينيه، أغلقتها بسرعة، خائفة من أن يزداد شعوره بالانكسار إن علم.
توقفت قليلا، ثم بدأت تتحدث معه بصوت منخفض: ها... يا سليم، عملت إيه؟
أجابها بهدوء: ما... أنتِ سمعتي.
ابتسمت بلطف: أه، مظبوط.
سألها بفضول: قوليلي، إيه إللي حصل بعد ما خرجت؟ كملتي؟ سمعتي كلامهم؟
ابتسمت بخفة، وغيرت الموضوع بذكاء: قولي إنت هتعمل إيه دلوقتي؟ هتنام في أوضة ثانية فعلا؟!
رفع كتفه مؤكدا بتوضيح: آه طبعا، هنمشي على الاتفاق، لازم بس أعمل نفسي بضربك، واتخانق معاكي، وصوتنا يعلى، وأنت هاتجري مني في الطرقة، وأنا همسك شعرك وهخنقك.
عقدت بين حاجبيها باستغراب، وعلقت: بس إحنا اتفقنا على حوار الخنق والكلام ده بعدين.
اقترب منها خطوه، مفسرا بدهاء، ويده تمر على كتفها: لا، رأيي خليها دلوقتي، علشان لسه حاكي إللي حصل، ومشاعري دلوقتي مشتعلة
تساءلت بترقب: طب وأفرض محدش جه ينقذني.
تنهد تنهيدة عميقة، ثم تحرك بخطوات قصيرة متأنية، ودار بظهره وهو يقول بيقين: فريدة هتيجي، وطه كمان، أنا عارف إخواتي، حتى صافيناز هتيجي وتمثل إنها معاكي.
عضت أصابعها وهي تفكر، كأنها تحاول أن تتخيل كل الاحتمالات وتخطط كيف يحلون الأمور معا، رفعت حاجبيها متسائلة في صمت: طب لو محدش جه غير فايزه وعزت؟
ابتسم ابتسامة خفيفة، والتفت لها و التحدي واضح في عينيه، ويده تعلو في الهواء وكأنها ترسم المشهد:
تبدأي تكحي وتمثلي إن خلاص روحك ابتدت تنسحب منك، ساعتها أنا هسيبك، وهقولك: كل يوم من ده، أنتِ طبعا هتبقي شبه فاقدة للوعي، مش قادرة تاخدي نفسك، وعمالة تكحي وخلص المشهد على كدة، ممكن فايزة تغلط فيكي، أو عزت، اعتبري نفسك مش سامعة.
تنفست ماسة بعمق، وقالت: ماشي... نبدأ يلا.
اقترب منها، ورفع حاجبه قائلا: استني بس، قوليلي، سمعتي إيه؟
رمشت بعينيها للحظة، ثم أشارت بيدها وحاولت المراوغه مره أخرى: هتجيبلي الأكل إزاي؟
اقترب منها حتى لم يعد بينهما سوى أنفاس متداخلة، حدق في عينيها بقلق حاد، كأنه يفتش داخلهما عن إجابة تهرب منها، وقال بصوت منخفض لكنه مشدود: أنتِ بتغيري الكلام ليه؟ في إيه يا ماسة؟ سمعتي إيه؟
رمشت بعينيها سريعا، وارتجفت شفتاها، كانت تخشى أن يعرف، وينكسر أمامها مرة أخري، فوالده كان آخر ما يبقيه متماسكا، آخر جدار يحتمي به من الإنهيار، لم تجد كلمات مناسبة، فاكتفت بالصمت.
فهم صمتها، فارتسمت على شفتيها ابتسامة حزينة، باهتة، وشعر بقلبه يهبط تدريجيا إلى قاع يعرفه جيدا، لكنه رفض الإعتراف به، وقال بمرارة حاول أن يخفيها خلف نبرة هادئة وهو يعطيها ظهره: تفتكري ممكن يعني أعرف حاجة أكتر من كدة توجعني؟
التفتت إليه ببطء، وكأنها اتخذت قرارها أخيرا: إما الحقيقة كاملة... أو إنهيار أفظع من الكذب.
سبقها هو بالكلمات، وصوته هذه المرة خرج أثقل: عرفتي إن بابا كان معاهم صح؟ هو ده إللي مخليكي بتغيري الكلام؟ خايفة عليا من الصدمة؟
امتلأت عيناها بالدموع، وعضت شفتيها محاولة كبح بكائها، ثم أشاحت بوجهها إلى الأسفل.
ازدادت ابتسامته مرارة، وارتعشت عضلات فكه، لمعت الدموع في عينيه، لكنه أبى أن يسمح لها بالسقوط.
مد يده يرفع وجهها إليه برفق موجوع، وقال بسخرية تؤلمه هو قبلها: أنا كنت متوقع، قلبي كان حاسس، أوعي تكوني فاكراني زعلان؟ لا خالص، بالعكس كده الصورة وضحت..
صمت لحظة، كانت لحظة صراع عنيف بين كبريائه وقلبه، ثم استدار وسند بيديه على مؤخرة الفراش، يعطيها ظهره كي لا ترى مايحدث في عينيه، وتابع بصوت مبحوح: أنا بس محتاج أعرف التفاصيل، كل التفاصيل، عايز أبقى فاهم هما بيعملوا إيه؟! دلوقتي خلاص، مفيش حاجة مستبعدة، حتى الحادثة متوقع يكونوا هما اللي وراها.
التفت إليها فجأة، وقد اشتد صوته: بس لو اتأكدت، هولع القصر بيهم..
فجأة مد يده إلى هاتفه بهدوء مريب، وفتح التسجيل دون أن ينظر إليها...
انقبض قلب ماسة وهي تراقب ملامحه الجامدة؛ لم يتحرك حاجب، لم يتغير لون وجهه، فقط عينان ثابتتان على الشاشة، حتي انتهى التسجيل.
أغلق الهاتف ببطء، ثم رفع عينيه إليها رغم ثقل ما استمع اليه، وشعر بالمراره ليس فقط في حلقه بل في قلبه أيضا، لكنه بقى ثباتا، وكتم وجعه وقال بنبره ساخرة: هو ده اللي انتِ كنتي خايفه، إن أنا اسمعه؟! عادي، كنت متوقع، مقالوش حاجه خارج التوقع، هو بس انتقامي هيزيد واحد وكنت شاكك فيه أساسا.
مسح وجهه بكفه، وأخرج نفسا عميقا، محاولا إطفاء حريق يشتعل داخله: مش هينفع نسمع مع بعض كل التسجيلات، هروح أسمع في أوضتي القديمة، عشان مينفعش افضل في اوضتك، ممكن يشكوا..
عاد يستند بيديه على حافة الفراش، كأنه يتكئ على آخر ما تبقى من ثباته: هشوف بقى كل واحد فيهم عمل إيه... ومين شارك بإيه؟!
ثم استرسل دون أن ينظر إليها: ماسة، مينفعش تسمعي حاجة ومتقوليش عليها، حتى لو هتوجع، لازم تقولي، خلاص مفيش حاجة هتكسرني أكتر من إللي حصل، واتعمل فيا وفيكي.
لكن رغم كلماته القاسية، كان ظهره المشدود وكتفاه، المرتجفان يفضحان حقيقة واحدة، أنه على وشك الانكسار بالفعل.
كانت تشعر بوجعه، وبتلك الصرخة المكتومة التي يحاول دفنها خلف قناع القوة، رأت كتفيه المشدودين، وأنفاسه المتقطعة، فعرفت أنه يقاوم شيئا أكبر من الكلمات.
انهمرت دموعها بإحساس خانق بالذنب، واقتربت منه بخطواتٍ مترددة، وضعت يديها على ظهره برفق، ثم ضمته من الخلف ووضعت رأسها على كتفه ومسحت بكفها خده، كأنها تحاول أن تسنده قبل أن يسقط.
قالت بصوت مكسور: أنا آسفة يا سليم، أنا السبب في كل ده، يا ريتك ما تجو...
استدار فجأة، منتصبا، وعيناه تلمعان بدهشة ممتزجة بالوجع، وقبل أن تكمل، وضع يده على شفتيها يمنعها.
قال بحدة خرجت من قلبه قبل لسانه: متكمليش! أوعي تقولي الكلام ده تاني، فاهمة؟
خفض صوته، لكنه ازداد صدقا: مش جوازي منك هو السبب، جوازي منك هو إللي كشفهم يا ماسة، أنا كنت أعمى وغبي، متوقعتش قذراتهم تكون الدرجة دي، بس دلوقتي بس ابتديت أشوف، ابتديت أفوق...
اقترب منها خطوة، ونظر في عينيها بعمق مؤلم: لولاكي، كنت هفضل طول عمري عايش في الوحل ومش شايف، أعمى عن الحقيقة، كنت هفضل فاكر إني ماسكهم في إيدي، بس الحقيقة كان ملعوب بيا الكورة وأنا مش شايف.
ارتجفت شفتاها، وأنهارت دموعها أكثر، فرفعت يديها وضمه وكأنها تريد أن تحتمي داخله... وتحميه في الوقت ذاته.
لم يقل بلسانه أن الأمر أوجعه، لم يعترف أن خيانة أبيه كسرت شيئا عميقا داخله، لكن نبضه المتسارع تحت كفيها، والطريقة التي شد بها على ظهرها كأنه يخشى أن يفلت منها، كانت تقول كل شيء، حاول أن يبدو ثابتا، لكن قلبه كان ينزف في صمت.
ظلا يضمان بعضمها بشدة للحظات، ثم ابتعد قليلا وأخذ نفسا عميقا كأنه يخلع عنه بقايا ضعفه، وقال بثبات متعمد: خلاص، يلا نبدأ.
نظرت إليه بقلق، تتأمل شحوب وجهه: شكلك مش كويس، خليها بكرة؟
هز رأسه نافيا، وقال بنبرة حاسمة: أنا كويس، ركزي معايا، صحيح سألتينى، على الأكل سحر هاتطلعلك الأكل بالليل بطريقة معيّنة عشان محدش ياخد باله، أنا كمان هطلعلك متقلقيش.
اقترب من الباب، وأشار لها أن تقف خلفه بحيث يُسمع الصوت بوضوح في الخارج: يلا... مستعدة؟
أومأت برأسها، وقلبها يخفق بعنف.
أمسك هاتفه، ثم فجأة ارتفع صوته صارخا: أنا هخليكي تتمني الموت! خنتيني ليه؟!
ارتجفت، لكنها تماسكت وردت بالصوت الذي اتفقا عليه: قولتلك مخنتكش! خطفوني!
صرخ بعنف أكبر: بس أنتِ قولتي إنك بتحبيه! يا كذابة!
صرخت بدافع: أيوه بحبه، بس والله العظيم ما خنتك!
صمتتت ثم سألت: وبعدين مصطفى فين؟! عملت فيه إيه يا مجرم يا همجي؟
تساءل بسخط: خايفة على حبيب القلب أوى؟!
أجابت باستفزاز: طبعا!
زمجر بصدمة: كمان بتقولي طبعا يا بجحه؟!
ضغط زرا في الهتاف فصدر صوت ضربة أوضح، عندها بدأت ماسة تصرخ بتمثيل متقن، تمسك ذراعها ووجهها كأنها تتلقى الضربات وهي تقول: حرام عليك! سيبني! معملتش حاجة!
همس لها سريعا من بين أسنانه: أفتحي الباب... وأجري.
دفعته بخفة متفق عليها، وفتحت الباب فجأة وركضت إلى الخارج، فأنطلق خلفها صارخا: تعالي هنا!
أخذت تركض، وأنفاسها تتلاحق: حد يلحقني.
حتى تعثرت في الممر، أمسكها سليم من ذراعها في اللحظة نفسها التي فتحت فيها الأبواب.
خرجت فريدة وزواجها وطه ومنى، من غرفهم مذعورين، حتي عماد وصافي خرجوا يروا ما حدث ولكن بدرجه ذعر أقل، وابتسامه منتصرة ترتسم على وجههم.
اندفعت فريدة وأمسكت ماسة خلفها، تسحبها بعيدا عنه: خلاص يا سليم! حرام عليك! سيبها!
قال بوجه متجهم ونبرة غاضبة متقنة: أوعى يا فريدة! أنتِ مش فاهمة!
صرخت فريدة في وجهه: ومش عايزة أفهم! إللي أنت بتعمله ده حرام!
ارتمت ماسة في حضن فريدة، تبكي بصوت مرتجف: فريدة، متخليهوش يعملي حاجة، والله ما عملت حاجة، والله مظلومة!
كانت ترتجف بشكل واقعي وكأنه ليس من التمثيل!
أما سليم، فوقف أمامهم، بملامح قاسية، وعيناه تلمعان بخطة بدأت تتحرك كما أراد لها.
اندفع سليم نحوها فجأة، ودفع فريدة جانبا بعنف محسوب، ثم أمسك ماسة من شعرها وسحبها إلى غرفتها.
تعثرت خطواتها وهي تتظاهر بالمقاومة، بينما كان يسحبها وهي تصرخ حتى أدخلها غرفتهما، والجميع يركض خلفه في فزع.
دفعها فوق الفراش وهو يصرخ بصوت كاد يهز الجدران: أنا هقتلك! هقتلك!
انحنى فوقها، وأطبق يده حول عنقها بطريق مدروسة، وعيناه غامتا بسواد مخيف.
أما ماسة، فقد أتقنت الدور ببراعة؛ شهقت، وتشبثت بيده، وتحرك صدرها بعنف كأنها تعجز عن التقاط أنفاسها وتختنق.
في اللحظة نفسها، اندفعت فريدة وإبراهيم وطه إلى الغرفة.
فتحوا الباب بقوة، وأمسك إبراهيم سليم من كتفيه، بينما جذبه طه إلى الخلف بعنف.
صرخ طه: سيبها يا سليم! أنت اتجننت؟! هتموت في إيدك.
سحبه إبراهيم بقوة حتى ابتعد عنها، فاندفعت فريدة نحو ماسة، واحتضنتها داخل صدرها، كانت ماسة ترتجف وتتشبث بها، وتلهث بصوت مسموع.
صرخ سليم وهو يحاول الإفلات: محدش له دعوة! دي مراتي!
دخلت فايزة في تلك اللحظة، ووقفت عند الباب، وعيناها تقدحان شررا، وقالت ببرود قاسي: سيبوه يربيها، القذرة السافلة دي، إللي زيها تستاهل الحرق وهي صاحية.
شهقت فريدة، ونظرت إلى والدتها بصدمة: أنتِ بتقولي إيه يا ماما؟!
ساد الصمت لثواني ثقيلة.
رفع سليم عينيه نحو فايزة، ونظر إليها نظرة عميقة، حادة... تحمل تحذيرا صامتا.
كانت نظرة تقول بوضوح " أياكي تقولي كلمة زيادة قدامهم "
توقفت فايزة لحظة، وارتبكت عيناها، كأنها التقطت الرسالة.
دفع سليم يدي إبراهيم وطه بعيدا عنه بعنف، وصاح بصوت أجش: خلاص! محدش يقربلي! كلكم بره!
ثم التفت صوب ماسة وهو يصرخ بصوت مسموع متعمّد: كل يوم من ده، هخليكي تشوفي الموت! وفي آخر لحظة هاخده منك! ولو فكرتي تهربي تأكدي إني هبعت لأهلك برقية من عزرائيل بدري!
قال كلماته بوجه قاسي، ثم اندفع خارج الغرفة بخطوات غاضبة.
كانت ماسة تتشبث بفريدة، تتظاهر بصعوبة التنفس، وصدرها يعلو ويهبط بسرعة، ويداها ترتجفان، اقتربت فريدة منها بقلق: حرام عليكم، إيه إللي حصل؟ قوليلي!
فايزة بقسوة: بتسأليها ليه، يلا يا فريدة على أوضتك.
فريدة بإعتراض: لازم نفهم ده كان هيموتها.
صاحت فايزة بحدة: أنا قولت يلا! أطلعي بره!
تبادلت فريدة وطه النظرات في حيرة، ثم خرجا الجميع، وبقيت فايزة لحظة، تنظر إلى ماسة من أعلى إلى أسفل بنظرة باردة متفحصة، ثم قالت بنبرة خافتة تحمل شئ مبطنا: لينا كلام طويل، بس مش دلوقتي، لما سليم ميكونش موجود.
ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها.
في غرفة سليم القديمة.
دخل طه وفريدة خلف سليم، كان يقف وظهره لهم، يتنفس بعنف.
قال طه بحدة: فيه إيه يا سليم؟ إللي أنت بتعمله ده إيه؟ مهما كانت غلطتها...
قاطعته فريدة سريعا: وأوعى تقول ملناش دعوة.
استدار سليم فجأة، وعيناه تقدحان شررا: مش هقول ملكوش دعوة، بعمل كده علشان خانتني، خلاص.
تجمد الاثنان في مكانهما، وقال طه بصدمة: أنت اتأكدت؟
أشاح سليم بوجهه: مش عايز أتكلم في الموضوع ده.
اقتربت فريدة خطوة: طب طلقها يا سليم، لو متأكد طلقها.
ضحك ضحكة ساخرة مرة: بسهولة كده؟ الخدامة دي تخوني أنا وأطلقها عادى كده؟ لا، لازم تدفع ثمن إنها خانت سليم الراوي.
تدخلت فايزة من عند الباب، بنبرة مسمومة: أيوه يا فريدة، الخدامة دي لازم تتربى، وتدفع تمن السنين إللي عاشتها مبسوطة.
نظرت لها فريدة بغضب: دى بدل ما تعقليه!
لوّحت فايزة بيدها: ده راجل ومراته خانته، لازم ياخد حقه،..
لوحت بيدها بأمر: يلا كل واحد على أوضته.
اقتربت فريدة من سليم أكثر، وخفضت صوتها بعقلانية: سليم إللي بتعمله ده غلط، لو متأكد إنها خانتك، سيبها تمشي، إنما إللي بيحصل ده مش أنت، أوعى ترجع للشخصية دي تاني، وحتى الشخصية دي لو اتوجعت، كانت بتمشي بكرامة، مش بتعمل إللى بتعمله.
صمت لحظة، ثم قال بصوت منخفض متعب: دي غير يا فريدة، دي مراتي..
صمت للحظة: مش عايز أتكلم عايز أبقى لوحدي، سيبوني لوحدي.
نظرت إليه طويلا، ثم رفعت يدها وربتت على خده بحنان حزين، قبل أن تخرج هي وطه وفايزة.
أُغلق الباب، وبقي سليم وحده، فتنهد بعمق، ومسح وجهه بكفيه، وكأن القناع الذي ارتداه منذ دقائق بدأ يثقل على روحه، لكنه يعلم أن العرض لم ينته بعد.
***********
في غرفة طه...
كانت منى تجلس على المقعد، تضع ساقا فوق الأخرى، وتضحك بخفة مستفزة، بينما جلس طه على الأريكة المقابله لها، يمسك سيجارة بين أصابعه، ينفث دخانها ببطء وعيناه مليئتان بالدهشة.
قال وهو يهز رأسه بعدم تصديق: مش مصدق إن ماسة تخون سليم!
رفعت حاجبها، ومالت للأمام قليلا: مش مصدق ليه؟ عادي يعني.
عقد حاجبيه، ونفض رماد سيجارته بعصبية: عادي إيه؟ دي كانت في غاية الأخلاق.
ضحكت بسخرية، وصوتها حمل شماتة واضحة: أخلاق مين بقى؟ ما كله بان إنه كذب.
صمت لحظة، وكأنه يحاول أن يستوعب الفكرة، ثم قال بمرارة: حقيقي كلنا اتغشينا فيها، أخص عليها، ده كان بيعشق تراب رجليها، وعادى الكل عشانها، حقيقي الناس الواطية لما بتاخد قيمة بتنسى أصلها.
همهمت وهي تبتسم ابتسامة جانبية باردة: أممم... فعلا، وأهي أخدت جزاءها، بس تفتكر الهانم والباشا هيعملوا إيه
قال بحزن وهو يزم شفتيه: معرفش، أنا حقيقي زعلان على سليم أوي.
مدت يدها ومسحت على قدمه بحنان: متزعلش يا توتي، أنت طول عمرك حنين كده، خليك جنبه دلوقتي، الفترة دي هيكون محتاجك.
رفع رأسه ونظر إليها، وقال: أيوة... هفضل جمبه.
وساد صمت ثقيل في الغرفة، لا يُسمع فيه إلا صوت احتراق السيجارة بين أصابع طه، بينما نظرات منى كانت تحمل شيئا أبعد من مجرد الشماتة.
**********
في غرفة فريدة وإبراهيم.
جلست فريدة على الفراش، وإبراهيم كان أمامها يخلع الروب الخاص به.
تساءل إبراهيم بتعجب: مقالكيش عمل كده ليه؟
رفعت عينيها له مترددة، فهي لا تستطيع قول الحقيقة بالطبع: مرضاش يقول، أنت عارف سليم كتوم، ومبيقولش حاجة.
جلس بجانبها وقال بضيق: بس ده استتغبي عليها جامد أوي، أنا عمري ما شوفت سليم كده.
تنهدت، وقالت بصوت منخفض: هو لما بيوصل لعصبية معينة مبيبقاش عارف أصلا هو بيعمل إيه، بيبقى عامل زي الأعمى، مبيعرفش يحط كنترول، بس هو كان المفروض يتعالج يعني.
ابراهيم بحزن: ماسة صعبت عليا أوي؛ بنت رقيقة ومحترمة، واستحملت منه كتير، واستحملت من العيلة أكتر، ده جزائها؟!
صمتت للحظة، وقالت في نفسها "أنا متأكدة إنها مخانتهوش، أكيد فيه حاجة غلط، ماسة مستحيل تعمل كده "
لاحظ ابراهيم صمتها وسألها: روحتي فين يا فريدة؟
ابتسمت بخفوت: أنا معاك أهو.
إبراهيم بحنان: حاولي تتكلمي تاني معاه يا فريدة.
هزت رأسها بإيجاب"أكيد هتكلم معاه، خلينا بس نام يلا.
بدءا يستلقيان على الفراش متجاورين، لكن فريدة كانت متأكدة من أن هناك شيئا غريبا يحدث، شعرت بأن هناك لعبة ما، لكنها لم تعرف كيف تتأكد، كانت تعرف في قرارة نفسها أن ماسة مستحيل أن تخون.
❤️________________بقلمي ليلةعادل
على إتجاه آخر عند ماسة.
كانت تجلس فوق الفراش، تتابع مايحدث عبر هاتفها، وعيناها تلمعان بمرح واضح، فقد كانت تستمتع بالعرض وكأنها تشاهد مسرحية أعدت خصيصا لها.
تمتمت وهي تضحك بخفة: يخرب عقلك يا سالوملوم! والله لو اشتغلت ممثل هتقعد نص الممثلين في البيت! كنت مخبي المواهب دي كلها فين؟
أغلقت الهاتف وهي تبتسم، ثم نظرت حولها بشفاه ممدودة في تفكير طفولي: طب أنا دلوقتي نفسي في كوباية نسكافيه، يا رب ألاقي.
تحركت بخفة نحو ركن ماكينة القهوة، وما إن وجدت علب القهوة والنسكافيه والشاي وبعض الأكواب وكاتل، حتى اتسعت ابتسامتها: هو ده الكلام!
وبدأت تعد كوبها بهدوء، وتدندن كأن شيئا لم يحدث قبل قليل.
وعلى اتجاهٍ آخر...
أغلق سليم باب غرفته بالمفتاح وتركه به، ثم خرج إلى الشرفة، نظر إلى السور، تسلقه بحذر، وبدأ يتحرك بخفة ويقفز بين الشرفات، قبل أن يقفز إلى شرفتها في حركة سريعة معتادا عليها.
فتح درفة الشرفة فجأة ودخل، فانتفضت ماسة فزعة: بسم الله!
وضع يده على شفتيه سريعا وهو يقترب: هششش، وطي صوتك!
همست وهي تضع يدها على صدرها: سليم! أنت بتعمل إيه؟!
ابتسم بخبث وهو يقترب: هقعد معاكي، أنتِ صدقتي إني هسيبك لوحدك بجد ولا ايه؟ ثم غمز لها
تبسمت بدلال وهي تلف يدها حول رقبته: طب وأفرض حد جه؟
تحرك صوب الباب، أغلقه بالمفتاح تركه به، ثم اقترب منها مرة أخرى، وقال ببساطة: أول ما الباب يخبط، عقبال مافتحي اكون نطيت وأرجع قبل ما يلاحظوا، سهلة.
ضحكت بخفة وهزت رأسها: أنت مجنون!
ثم ضمته سريعا: بس لا، جامد المشهد إللي عملناه
اومأ برأسه وهو يقول: أحنا طلعنا جامدين أوي.
سألته وهي تشير بيدها نحو المكنة: إنت إللي عملت كل ده؟
هز رأسه بإيجاب: أيوه، خليت سحر تجيبهملك امبارح بالليل والقصر فاضي؛ كان عندهم عشاء عمل، فاستغليت الفرصه، وقولتلها تجيبلك ماكينة قهوة وكاتل وحاجات تانية وتحطهم في شنطه، كأني باعتها تجيبلي حاجه من الأوضة.
وأشار للثلاجة الصغيرة: حتى البار مليان شوكولاتة وحاجات حلوة، عارفك متعرفيش تقعدي من غير ما بوقك يلعب
اتسعت عيناها بدهشة: أيوه كده! اهو كده الواحد يمثل بنفس بقى، أصل الصراحة حوار الأكل ده كان مسببلي أرق.
اقترب، وأخذ منها الكوب قبل أن ترتشف: متخافيش، مش هجوعك، ولا هسيبك دقيقة.
نظرت له نظرة ممتنة، وهدأت ملامحها تماما، وكأن مجرد وجوده بجوارها حتى لو قفز من شرفة لأخرى كاف ليجعل العالم كله أهدأ.
جلست ماسة على الفراش، وبدت ملامحها شاردة كأنها تراجع شريط عمر كامل مر أمام عينيها.
اقترب سليم ببطء، وجلس جوارها، جذبها برفق بين أحضانه، وقال بصوت خافت، لكنه حازم: من بكرة هيبدأ فصل جديد في حياتنا سوا، كل حاجة لازم تكون بحساب، الكلمة قبل ما تطلع، والحرف قبل ما يتقال.
رفعت رأسها إليه، وعيناها تلمعان بشيء لم يراه من قبل… ليس خوفا، بل طمأنينة حذرة، أمسكت يده بكلتا كفيها، وضغطت عليها كأنها تتشبث بوعد لا تريده أن ينكسر.
قالت بهدوء ممزوج بصدق عميق: أنا واثقة فيك، ومش خايفة، أول مرة مبقاش خايفة يا سليم، كل مرة كنت ببقى مرعوبة، من يوم ما رشدي حكالي وهددني، الخوف بقى جزء مني… ساكن هنا.
ثم أخذت يده برفق، ووضعتها فوق قلبها، وأغمضت عينيها لحظة، وكأنها تعترف بجرح ظل مخبأ طويلا: في الحتة دي بالذات، كان دايما بيدق بخوف، بس بعد ماحكيتلك، وبعد اللي حصل، حسيت إني مستحيل اضيع عمري أكتر من كده في الخوف، فهمت إن هما اللي مرعوبين مني مش العكس.
شدها إليه أكثر، ومرر يده على شعرها بحنان، وكأنه يطمئن طفلة أنهكها الذعر، همس بالقرب من أذنها: وانتِ مش هتكوني لوحدك تاني، طول ما أنا عايش، محدش هيعرف يقرب منك.
ثم انحنى ووضع قبلة طويلة دافئة على رأسها، قبلة وعد صامت بالحماية والاحتواء.
3:00مساء بتوقيت ميامي
الكوخ
كانت مي تجلس على الأريكة، تتحدث في الهاتف بيد مرتجفة، بينما جلس رشدي بجانبها ينظر إليها وقلق، كانت ملامحها مشدودة، وعيناها تلمعان بالدموع، وصدرها يعلو ويهبط بسرعة واضحة.
مي، بصوت مرتعش يكاد يختنق: إزاي يعني؟ إزاي محدش يقولي إن بابا تعبان؟! إزاي بجد؟!
أتاها صوت شقيقها حازم من الجهة الأخرى، محاولا تهدئتها: يا بنتي، بابا الحمد لله كويس، ده شوية تعب بساط؛ جاله التهاب رئوي واتحجز في المستشفى بس خرج وبقي كويس أهدي، إحنا مرضناش نقولك علشان منقلقكيش وأنتِ في شهر العسل.
انتفضت من مكانها، ودموعها انسابت على خديها: أهدى إيه يا حازم؟! إزاي بابا يكون عيان طول الفترة دي وأنا معرفش؟ شهر عسل إيه وزفت إيه؟!
حازم، بنبرة متماسكة: اسمعي الكلام يا مي، بابا الحمد لله كويس، وخرج امبارح، وبقي كويس.
قالت بقلق، والدموع تلمع في عيونها: طب ادهوني أكلمه.
حازم: طيب، ثواني
انتظرت للحظه ثم جاءها صوت راشد بنبرة متعبة حاول أن يخفيها: عاملة مشاكل ليه مي؟
ارتعش صوتها فور أن سمعته: بابا حبيبي، عامل إيه؟ طمني عليكي.
راشد بهدوء مرهق: يا حبيبتي أنا بخير.
هزت رأسها بعنف وكأنه يراها: لأ، أنت مش بخير، صوتك تعبان.
تنهد بخفة: والله كويس، اطمني، عاملة إيه في شهر العسل؟ ورشدي عامل إيه معاكي؟ مبسوطه؟
أغمضت عينيها، ومسحت دموعها بطرف يدها: سيبك مني، طمني عليك أنت، أنت كويس بجد؟ متكدبش عليا.
أجابها بهدوء: والله كويس، دول شويه تعب بساط
ردت بقرار، والقلق ينهش قلبها: أنا هنزل مصر.
راشد بحزم: لأ، خليكي مع جوزك.
رفعت رأسها بعناد: لا أنا هنزل مصر بكرة، اخدت القرار خلاص، مش هقدر اقعد هنا وانت تعبان، خد بالك من نفسك بالله عليك.
ابتسم راشد رغم تعبه: عنيدة زي أمك…
ارتجف صوتها قليلا: أنا بس عايزة أطمن، واشوفك قصاد عيني علشان قلبي يهدى ويرتاح، خد بالك من نفسك ها
راشد بتنهيدة: حاضر، وأنتِ كمان خدى بالك من نفسك، سلامي لرشدي، سلام.
مي بعينين ترقرق بالدموع: سلام.
أغلقت الهاتف، ظل رشدي ينظر إليها بتأثر، نهض واقترب منها قليلا، ومد يده يمسح برفق على ظهرها: اهدي بقى، اهو رد عليكي بنفسه اهو.
ردت من بين دموعها: بس صوته تعبان اوي.
انهارت دموعها أكثر، وجلست من جديد وهي تمسك رأسها بكفيها، جلس رشدي بجانبها مباشرة، وأحاط كتفيها بذراعه، يمسح على ظهرها بحنان: اهدي بقي، متعيطيش، إن شاء الله هيكون كويس، انتِ بس اللى طلعتي دراما كوين..
نظرت له، وقالت بصوت باكي: أنا قلبي كان حاسس، والله العظيم كان قلبي حاسس، وأنت قعدت تقولي إني بتوهم.
أمسكت يديه بقوة كأنها تستمد منه ثباتها، وقالت برجاء: رشدي، بالله عليك خلينا نرجع القاهرة، محتاجة اطمن قلبي اكتر، وحياتي.
رد دون تردد: بس كدة، ننزل حالا، بس أهدى.
أخرج هاتفه سريعا، وأجرى اتصالا: لو سمحت، عايز أحجز أول طيارة نازلة مصر، ميهمنيش إمتى، أول رحلة، احجزلي تذكرتين VIP، بكره؟ تمام مفيش مشكلة..
أغلق الهاتف، نظر لها ليطمئنها: خلاص يا ستي، حجزت تذكرتين، مفيش طيارة دلوقتي، أول واحدة بكرة الصبح.
مسحت دموعها: ماشي.
ثم هزت رأسها بعصبية وقلق: أنا مش هعرف أنام لحد بكرة...
مسح على شعرها برفق: لا، هتنامي ونرتاح شوية، علشان تقدري تقعدي مع بابا مركزه، مش بين الوعي ولا وعي.
رفعت عينيها نحوة لا تستطيع الابتسامة حتى، ثم
انحدرت دموعها في صمت، تسقط واحدة تلو الأخرى على وجنتيها المرتجفتين.
تنهد رشدي، وشعر أن هذا الوقت لا يتناسب معه المزاح، فمد ذراعه وراح يمسح على ظهرها ببطء وهدوء، محاولا بث الطمأنينة في قلبها: اهدي يا مي، إن شاء الله هنوصل ونلاقيه كويس، ويزعقلك كمان إنك قلبتي الدنيا عليه.
أغمضت عينيها، واستندت برأسها إلى صدره، لكن دموعها لم تتوقف، وهمست بصوت مكسور: يا رب، بس يكون بخير.
قصر الراوي، 10:00 مساء
غرفة طه
كانت منى تجلس على المقعد، تحرك ساقها يمينا ويسارا بحركة لا إرادية، وعيناها تلمعان بتفكير عميق، وارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة، عضت خدها من الداخل كأنها تكتم سرا لذيذا، ونظرت على الفراش، وجدت طه نائما بعمق، وتأملته طويلا، وفكرة خاطفة لمعت في رأسها، جعلت ابتسامتها تتسع أكثر.
نهضت ببطء، وتحركت بخفة حتى لا تصدر صوتا، فتحت الباب بهدوء، ثم خرجت دون أن تلتفت خلفها، واتجهت إلى الدرج، هبطت درجاته وقلبها يخفق بإيقاع خطة توشك أن تغير كل شيء.
مكتب عزت
كان عزت وفايزة لا يزالان جالسان يتحدثان عما حدث.
فايزة بقرار: عموما أنا بكرة هتكلم معاها.
ضيق عينه متسائلا باستغراب: هتتكلمي هتقولي إيه؟
وقبل أن تجيب، طرق الباب ودخلت منى بابتسامة ذات معنى: مساء الخير يا هانم، مساء الخير يا باشا.
نظر لها عزت باستغراب، بينما قالت فايزة بحدة: خير؟
تنهدت وجلست أمامهما، وضعت ساقا فوق الأخرى، تعبث بهاتفها كأنه لعبة: مفيش، طه نام.
فايزة بسخرية لاذعة: وأنتِ منمتيش ليه؟
ابتسمت منى بخبث: هو في حد بينام الساعة عشرة غير الكتاكيت؟ ده لسه بدري أوي، وبعدين حد ينام ويضيع اللي حصل من شوية ده؟ الحاجات دي يتحاكي بيها لسنين قدام.
ضيق عزت عينيه متسألا، وهو يمعن النظر في ملامحها وكأنه يحاول فهمها: يتحاكي بيها ليه؟
منى بهدوء مستفز: طبيعي يا باشا بعد الحب الكبير العظيم بين سليم وماسة، أقصد الخدامة اللي جابها من مزرعة منصور، وعملها هانم علينا كلنا..
قاطعها فايزة بحده قاتل: عملها هانم عليكي أنتِ، لكن عمره ماعملها هانم علينا.
ضحكت منى باعتراض مستفزه: لا عملها، وكان بيعشقها، بس سبحان الله، فجأة جت مضروبة عقله موت، وحاول يقتلها كمان!! غريبه!!
ضيقت عينيها بنبرة لازعه: ايه الغريب في كدة؟!
صمتت منى للحظة، وهي تحدق أمامها، تلعب بخصلات شعرها بطريقة شيطانية، ثم مدت وجهها نحو فايزة بنفس الوتيرة الغريبة والمثيرة للريبة تابعت: لا غريبة، وغريبه جدا كمان يا فايزة هانم.
أخذت فايزة نفسا عميقا، بشدة ومراوغه: أكيد طه قاللك، هو بيعرف يخبي عليكي حاجه، طبيعي يعمل اللي عمله بعد اللي عرفه.
ضحكت منى بخبث، وما زالت تلعب في شعرها، فهمت أن فايزه تراوغ، فقالت: فعلا، بصراحة لعبتوها صح أوى، وسليم يا حرام شربها.
تصلبت ملامح فايزة وشعرت أن هناك شئ كبير خلف كلماتها: تقصدي إيه؟
سندت منى ظهرها على ظهر المقعد، ورفعت عينيها للأعلى وقالت بهدوء: إنكم دبرتوا الموضوع لماسة.
اهتزت فايزة لوهلة، وكذلك عزت، لكن الأخير انتصب واقفا، وهو يهتف بحدة: ايه اللي انتِ بتقوليه ده، انتِ اتجننتي؟
ابتسمت منى ابتسامة جانبيه: تؤ، بقول الحقيقة يا باشا؟!
قال عزت بحدة: منى المراوغة دي مش أسلوبك، هاتي من الآخر عايزة ايه؟!
رفعت عينيها للأعلى، ثم نظرت إليه وهي لا تزال جالسة في مكانها، كأنها تهيمن على الموقف، كأن اللعبة كلها باتت بين يديها، وتتحكم في قوتها.
قالت بنبرة حازمة ومليئة بالثقة: يعجبني فيك ذكاءك يا باشا، أنا سمعتكم من من يوم ما اجتمعتوا هنا وعماد قال فكرته، وأنتوا وافقتوا عليها.
سقط الصمت ثقيلا، واقترب منها عزت وهو يصيح بحدة: عايزة إيه يا مني؟
رفعت عينيها بثبات: مراد ياخد نسبة في المجموعة، حتى لو 1%، بس تبقى باسمه، ويبقى ليه مكتب وصلاحيات.
فايزة بسخرية: ما هو بيشتغل في المجموعة.
هزت منى رأسها: بيجي موظف، كأنه بيتدرب، أنا عايزاه ييجي مالك " أمير "
تسأل عزت ببرود خطير: ولو معملناش كده؟
هنا زادت ابتسامتها بثقه غريبه، وتوقفت امامه وهي تقول: بسيطه هعمل كدة..
وفتحت تسجيلا في هاتفها، فانطلقت أصواتهم وهم يتحدثان عن ماسة، عن الخطة، وعن كل شي، فمنى تمتلك ادله خالصه تدينهم.
اشتعلت النيران في دم فايزة، ورفعت يدها لتصفعها، فامسكتها منى قائلة: إيدك يا هانم، أنا مش ماسة.
عزت بصوت منخفض أشد خطورة من الصراخ: تفتكري التسجيل ده هيخوفني؟
نظرت له ببرود، وكأنها تعرف ماذا تفعل، واجابته بهدوء مريب: اممم طبعا، لأن لو جرالي خدش دبوس، كل حاجة هتوصل لسليم.
فايزة بغل: كان لازم أقطع رجلك يوم من أول يوم جيتي فيه هنا، وأنا عارفه إنك ملعونه، بس ابني أعمى.
نظرت لها منى بهدوء: مش هكون ملعونة أكتر من أب وأم فكروا يعملوا كده في مرات ابنهم.
جز عزت على اسنانه، فاللعبه اصبحت تتساقط من بين يديه، واصبح لا يستطيع الاستماع لها اكثر، فقال بانفجار: امشي من وشي الساعة دى يا مني، قبل ما أنسفك.
اومأت برأسها ببرود مستفز: بكرة مراد هيروح المجموعة، أتمنى العقد يكون جاهز، تصبحوا على خير.
قالت كلماتها وغادرت، فساد الصمت في الغرفة للحظة، ثم أمسك عزت الطفاية والقاها ارضا: أزاي سمعت؟!
فايزة بصوت مرتجف: معرفش، لازم نقتلها يا عزت.
عزت بحدة: واللي معاها؟ منعرفش حاطة التسجيلات مع مين.
فايزة بغضب وجبروت: نقتل أبوها وأخوها، نهددها.
هز رأسه: منى طماعة، ممكن تتشري، نديها فلوس ومنصب وتسكت.
فايزة بحكمه: الطماع مبيشبعش.
عزت ببرود مخيف: بس يقدر يسكت شويه، لما تديله شويه فلوس وترميهم في بقه، وبعدين ال 1% مش هيروحوا لحد غريب ده لحفيدي.
صاحت به الضجر باتساع عينيها: هتعمل لها اللي هي عايزاه!! هتفهم الحشره دي إن هي مسكانا بايديها؟!
تنهد عزت، وهو يتحرك في الغرفة ذهابا وإيابا، يشعر باختناق يطبق على صدره، مرر يده في شعره بعصبية ثم توقف فجأة وقال بصوت متحشرج: أعمل إيه؟ في حل تاني قدامك؟ لازم نسكتها، لحد ما نشوف الأول مخبية الحاجة فين.
اقترب من المكتب وأسند كفيه عليه، ملامحه متجهمة: ولحد ما نخلص من المصيبة اللي فوق، محدش يفتح الموضوع ده نهائي، بلغي صافيناز وعماد، وخليهم ياخدوا بالهم من كلامهم.
كان يحاول أن يبدو مسيطرا، لكن عينيه كانتا تفضحان قلقا يتسلل إليه لأول مرة.
أما فايزة، فظلت تنظر إليه بصمت، تدرك أن اللعبة خرجت من أيديهم، وأن منى لم تكن مجرد ورقة ضغط، بل قنبلة مؤقتة لا يعرفان متى تنفجر!!
الفيلا التي يمكث فيها مصطفى،10:00 مساءً
جلس مصطفى في الحديقة، يحتسي قهوته بشرود، وعيناه تبحر في الأفكار عن حياته التي تغيرت فجأة.
وبينما هو في غارق في شروده، ظهرت آلاء واقتربت منه وهي ترتدي أسدالا، وابتسامتها الرقيقة تملأ وجهها.
آلاء برقه: مساء الخير يا دكتور.
التفت لها مصطفى، وارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة: مساء النور.
قالت باستحياء: ممكن أقعد مع حضرتك؟
هز رأسها بايجاب: ايوه طبعا، اتفضلي.
نظر إلى جبس ذراعها، وتساءل باهتمام: إيديك عاملة إيه دلوقتي؟
نظرت الى ذراعها، ثم نظرت اليه بابتسامة: الحمد لله، تمام
تسأل باهتمام: في حاجة نقصاكي؟
قالت وهي تبتسم بخفة: لا خالص...
ثم أضافت: وبعدين اكتشفت إن في لبس كتير، و٩٠٪ منه مقاسي، حتى ماما كل حاجاتها مقاسها مظبوط، مفيش حاجة ناقصة، كأن واحدة ست مختارة كل حاجة، وعارفة احنا محتاجين إيه.
اومأ برأسه بإيجاب ثم تساءل: طب والدواء بتاع والدتك؟
أجابته بخجل، وهي تلعب في شراشيب الاسدال بيدها: الدواء كله موجود، الحمد لله.
صمتت للحظة، ونظرت إلي مصطفى، فشعر أنها تريد قول شيء، فمال برأسه قليلا: شكلك عايزة تقولي حاجة؟ قولي..
ابتسمت، ونظرت للأسفل بخجل، ثم التقت بعينيه، وقالت بفضول: بصراحة عايزة أعرف مين ماسة؟! أنا فهمت إن أهل جوزها عايزين يقتلوهم، وكانوا عايزين يشككوا جوزها فيها، علشان كده خطفوكم وعملوا اللى عملوه، بس أنا عايزة أفهم القصة، عرفتها ازاي؟!
رفع حاجبيه هو يقول بدهش: ايه ده؟ هو محدش حكالك عن ماسة؟
ابتسمت وهي تهز رأسها: بصراحة لا.
قال بنبرة حماسية، وهو يضع يده على فنجانه ويأخذ رشقه: أنا هحكيلك يا ستي، صلي على النبي
عدلت جلستها، وأجابت بابتسامه: عليه الصلاة والسلام.
استرسل على نفس ذات الوتيرة: كنت راجع من القاهرة في يوم ورايح إسكندرية، وأنا واقف عند الإشارة الحمراء، لقيت واحدة بتخبط على باب العربية، فتحتلها لقيت واحده بقميص النوم، قعدت في العربية وقالتلى اطلع بسرعة..
نظرت له آلاء بدهشة شديدة، لا تصدق ما تسمعه، رد على تلك نظره قائلا: ايه مش مصدقة؟
هزت رأسها موضحه: لا مش مش مصدقه؟! أنا مندهشة!
ضحك مصطفى بخفة وقال: لا ركزي معايا، لأن في أحداث جاية أكتر اندهاشا...
وبدأ يروي لها كل شيء، حتى يوم اختطافه، كانت آلاء تستمع اليه بدهشة وصمت، ولم تعلق إلا بتعليقات خفيفة، تحفظ اندهاشها واستغرابها، وفجأة طالت الجلسه، فاحضرت الخادمه العصير، وكلما غاص مصطفي في القصه، زاد لمعان عينيها من تأثرها بما تسمع..
شعرت آلاء أن شهامته وجدعنته تكبر في عينيها؛ لأنه عرض نفسه لكل تلك المخاطر من أجل فتاه لا يعرفها، فقط لينقذها..
لكنّها شعرت أن ماسة تحتل مكانا خاصا في قلبه، وأن هناك خيطا خفيا يربط روحه بها، ليس مجرد شهامة عابرة أو جدعنة عادية.
راودها سؤالا عن حقيقة مشاعره تجاه ماسة، لكنها تراجعت؛ إذ شعرت أنها أقل شأنا من أن تقتحم منطقة بهذا العمق، أو أن تطلب يقينا قد يوجعها إن جاء مخالفا لما تتمني!
وبعد أن انتهى، مسحت يدها على فخذها في حركة عفوية تعبر عن دهشتها، وقالت بتأثر صادق: بجد أنا مش عارفة أقولك إيه، أقسم بالله بعيدا عن القصة نفسها، آه طبعا قصتها تنفع مسلسل كامل، بس أنت كشخص، اللي عملته معاها ده حاجة عظيمة ونادرة في الزمن ده، والله فعلا مش لاقية كلام أقوله.
ابتسم، وحرك رأسه بخفة، وهو يشعر بأنه لم يفعل شيء: والله أنا بشوف اللي عملته ده مش حاجة فيها اندهاش كبير، ولا جدعنة زيادة، دي واحدة ربنا حطها قدامي صدفة، فكان لازم أقف معاها.
ابتسمت وقالت بلطف: شكلها بنت جدعة، أنا شوفتها، مش هي دي اللي جاتلنا الفيلا؟
أومأ بتأكيد: اه، ماسة جدعة جدا، ومحترمة، حد جميل، وإن شاء الله لما تتعرفي عليها، هتحبيها.
ذمت شفتيها بحزن: صعبان عليا جوزها كمان، أصعب حاجة في الدنيا أن حد يتعرض للي هم اتعرضوله، أنا كنت فاكرة محمود أخويا مصاص دماء، طلع بالنسبة لأهله قطة.
على ذكر محمود، نظر اليها وتساءل بانتباه: قوليلي صح، ماما وأخواتي كانوا عاملين معاكي ايه؟ في الكام يوم اللي أنا غبتهم؟
هزت رأسها بابتسامة: والله كلهم محترمين، محصلش أي حاجة، وعائشة كانت بتطلع تقعد معايا وكده، وحتى إيهاب.
نظر لها بشك متسائلا: يعني عايزة تفهمني أن ماما كانت كويسة معاكي؟
قالت وهي تهز رأسها: والله أنا فهماه ومقدرة احساسها، أصل مش طبيعي ابنها فجأة ابنها يجيلها بواحدة ويقولها دي مراتي، أنا مش زعلانة منها.
صمتت للحظه تابعت بوجهه يملؤه الحزن: بس نفسي تفهم، إن أنا والله معملتش كده بخاطري.
اومأ برأسه قائلا: يا ستي، بكرة تفهم.
اومأت وهي تهم بالوقف: طيب، أنا هسيبك بقى، وأطلع أشوف ماما، أنا مش هنام، لو احتاجت حاجة قولي.
مصطفى: تسلمي، ما في خدامين هنا.
هزت رأسها، وتحركت خطوه، ثم توقفت وقالت: دكتور مصطفى.
نظر لها: أيوة.
قالت ونظراتها مليئة بالإعجاب والاحترام: ربنا يكتر من أمثالك ويجعل كل حاجة بتعمليها في ميزان حسناتك، بعد إذنك.
قالت كلماتها، وتحركت مبتعدة قبل أن تستمع لرده، وهي تشعر بشيء غريب يتحرك بداخلها، لكنها غير منتبه له، بينما ارتسمت على شفتي مصطفى ابتسامة هادئة، وعاد ينظر أمامه.
صعدت إلى غرفة والدتها، فوجدتها غارقة في نوم عميق، فتوجهت إلى غرفتها، خلعت الإسدال، وجلست على السرير، وأخذت تفكر في كل ما فعله مصطفى معها ومع ماسة؛ من اهتمامه بها، ونبل مشاعره وشهامته النادره، وحرصه على أن يصطحبهما معه هي ووالدتها، وكيف لم يسمح لأحد بأن يزعجهما.
ارتسمت ابتسامة على شفتيها تلقائيا، وشعرت بشيء غريب يبدأ في التكون في قلبها، دون أن تفهم ما هو بالضبط!
❤️________________بقلمي_ليلةعادل
في صباح يوم جديد بقصر الراوي 6:00صباحا
غرفة ماسة وسليم
كانت ماسة مستغرقة في نوم ثقيل بجوار سليم، أنفاسهما متداخلة في سكون، وفجأة، دوى طرق متكرر على الباب.
تحركت جفونها ببطء، تحاول أن تستوعب الصوت، ضربت صدر سليم بكفها هامسة بنعاس: سليم، قوم افتح، شوف مين بيخبط كده؟ سليم الباب..
وفجاة، فتحت عينيها على اتساعهما حين تذكرت أن سليم نائم بجورها، وضعت يدها على فمها، وشهقة مكتومة خرجت منها، حتي كادت تفضح كل شيء.
بدأت تهزه بقوة هذه المرة، تضرب خده بخفة وهي تهمس بفزع: سليم! سليم قوم، لو حد شافك هنا هننفضح!
في الخارج، كان صوت فريدة يعلو مع الطرق: ماسة؟ أنتِ كويسة؟ افتحي، أنا فريدة!
شهقت ماسة: يا نهار أسود، دي فريدة! قوم يا سليم!
فتح عينيه بتثاقل، وصوته خرج مبحوحا: في إيه يا ماسة…
ضغطت على كتفه بحدة: أختك على الباب! قوم بقى!
اعتدل فجأة بتشتت بسبب استيقاظه: إيه؟ طب أعمل إيه؟
نظرت حولها بارتباك: مش عارفة! روح أوضتك!
رد بتهكم هامس: أوضتي إزاي يعني؟ مش هعرف انط من سور لسور، هقع أنا لسه مش فايق..
عضت شفتيها: طب استخبى في الدريسنج!
أومأ سريعا، وانزلق إلى غرفة الملابس، أغلقت الباب عليه، ثم وقفت لحظة تلتقط أنفاسها.
أول ما فعلته أنها اندفعت نحو المرآة، تفحصت وجهها؛ مسحت أثر النوم، تأكدت أن المكياج ما زال ثابتا، رشت عطرا سريعا، ومشطت شعرها بأصابع مرتعشة.
ثم توجهت إلى الباب وفتحته دخلت فريدة بعينين متسائلتين: إيه يا ماسة؟ كل ده واقفة على الباب؟
قافلة على نفسك بالمفتاح ليه؟
أجابت بسرعة وهي تفسح لها الطريق: كنت في الحمام وقفلت عليا، أصلي خايفة سليم يجي يضربني تاني.
تغيرت ملامح فريدة، واقتربت منها تمسح على كتفها: طب تعالي احكيلي كده، إيه اللي حصل؟
جلستا على الأريكة، قالت فريدة بنبرة حائرة: فهميني بس، إيه الجنون اللي سليم قاله ده؟ أنتِ بجد خونتيه؟
صمتت ماسة لحظة، نظرت إليها من طرف عينيها، فقد حان وقت التمثيل.
بدأت ترتجف قليلا، وحاولت أن تغرق عينيها بالدموع:
بيتهمني بالخيانة وأنا والله يا فريدة ما عملت كده، أنا متربية وبخاف ربنا، مستحيل أعملها، حتى لو قلبي مبقاش فيه حاجة لسليم.
همست فريدة: أمال حصل إيه؟!
تنهدت ماسة، ثم بدأت تسرد حكايتها، تضيف إليها ما يخدم روايتها، تحدثت عن اكتئاب طويل، عن سنة كاملة كانت فيها حبيسة، عن ضرب وتهديد لأهلها، وعن خوف عاشته كل ليلة.
أضافت بصوت منكسر: هربت مرتين، وكان بيرجعني، هددني بإخواتي، حتى عمار ضربه بالنار.
شهقت فريدة: معقول؟
اومأت برأسها: امم، بس الحمد لله مجتش فيه.
واصلت حديثها، وقد أطلقت لخيالها العنان وبعد الانتهاء: والصراحة ف ال٦ شهور دول، والله غصب عني وعنه حبينا بعض، بس محصلش حاجة، لما سليم لاقاني الصراحه كان بيحاول يعني يبقى كويس معايا بس خلاص اللي جوه القلب راح يا فريده..
بلعت ريقها وأكملت: لحد ما سليم سمعني مرة وأنا بكلم سلوى وبقول إني حبيت مصطفى، اتجنن، ورجع تاني أسوأ من الأول، وضربني
ثم أضافت قصة الخطف، ورسالة المستشفى، وكيف أُخذت إلى هناك، وكيف وجدت مصطفى بجوارها، ثم قالت: أول ما خرجنا من القسم، خدنا على الفيلا وضربني أنا وهو، وقالي إنه قتله..
وضعت يدها على ذراعها كأنها تستعيد الألم: لما عرفت امبارح انه قتله شتمته، وقولتله هبلغ عنك، وضربته على دماغه وجريت، بس المره دي الضربه مكانتش قويه، وجابني من شعري، وضربني لحد ما جابني هنا..
نظرت إليها فريدة بذهول: أنا حاسة إني بسمع فيلم!سليم عصبي آه، بس يرجع كده تاني ليه بس؟
هزت رأسها بانكسار: معرفش…
ثم امسكت يد فريدة باستعطاف: أرجوكي يا فريدة ساعديني أهرب أنا واهلي، مش عايزة أكتر من كده.
ترددت فريدة: بس إزاي؟ هو مش هيسيبك.
اقتربت ماسة منها: أنتِ ممكن تحميني.
تنهدت بتأثر وصدق، وقالت: أنا هحاول أتكلم معاه، أنا مصدقاكي يا ماسة، مستحيل تخوني سليم، بس حوار خطفك ده، أزاي هو مشكش فيه؟
أجابت بسرعة: قولتله يحلللي حتى، بس مرضاش.
هزت فريدة رأسها بأسف: هو برضو له عذره، الوضع اللي شافك فيه صادم..
صمتت وتابعت بتفكير: أنا متأكدة، إن في حاجة مش مظبوطة....
ثم سألت فجأة: هو سليم فين؟
أجابت ماسة وهي تحاول تثبيت صوتها: معرفش، سابني هنا ومشي من امبارح..
وفي الداخل، خلف باب غرفة الملابس المغلق، كان سليم واقفا، يستمع إلى كل كلمة..
نهضت فريدة وقالت: طب أنا هروح أشوفه فين واتكلم معاه.
امسكتها ماسه من يديها وهمستت: بس بالله عليك يا فريدة، ما تقوليله إني حكيتلك، أحسن يضربني تاني.
اقتربت فريدة ووضعت يدها على خدها: متخافيش يا حبيبتي أنا معاكي، ومش هخلي سليم يضربك تاني.
ابتسمت ماسه بارتياح: شكرا، إنك صدقيني.
ابتسمت فريدة: طبعا لازم أصدقك، وبعدين اعملي حسابك، أنت هتنزلي تفطري معانا، يعني إيه يمنعك من الأكل والشرب، اتتجنن ده!
تراجعت ماسة للخلف بظهرها، وعيونها اتسعت وهي تشير بيديها برعب، تقول: لالا بالله عليكي يا فريدة هيضربني تاني بالكرباك، ده علشان سحر جابتلي ساندوتش، ادها بالقلم، تخيلي عمل كده مع الست الكبيرة!
اتسعت عينا فريدة بصدمه، وهمست بذهول: للدرجه دي؟!
اومأت ماسة برأسها بإيجاب، وهي تنظر لها بخوف مصطنع..
فقالت فريدة بشدة وحسم: هتنزلي تاكلي على السفرة، ويبقى يعملك حاجة.
ماسة بتوتر ورجاء: يا فريدة…
قاطعتها فريدة بأمر لا يتقبل النقاش: مش عايزة كلمة يلا، البسي هدومك وخدي شاور لحد ما أروح أتكلم مع المجنون ده..
خرجت فريدة، وأغلقت الباب خلفها، بعد أن ربتت على شعر ماسه برفق، في تلك اللحظة اغلقت ماسة الباب بالمفتاح..
خرج سليم وهمس وهو يراقب: مشيت؟!
هزت رأسها إيجابا، فتابع مسرعا: أنا هروح أوضتي بسرعه قبل ما توصل..
هم بالتحرك لكن امسكته ماسة من كفه، وتسألت: هو كده الحراس مش هيشوفوك، وانت ماشي على السور؟
هز رأسه موضحا: لا يا حبيبتي، أنا أكيد مأمن نفسي، مكي مظبطلي الدنيا متقلقيش، المهم لازم أمشي دلوقتي قبل ما فريدة توصل.
هزت رأسها وهي تنظر له بقلق واضح: خد بالك من نفسك.
وبالفعل، خرج سليم من الشرفة بحذر، وتسلق السور بخفة وخطوات محسوبة، وهو يتفادى أي صوت قد يفضحه، كان النهار ساكنا من حوله، والهواء يحرك خصلات شعره وهو يتسلل على طول السور ويقفز من شرفه لشرفه، حتى وصل إلى غرفته، التي ترك باب شرفتها مفتوحا بالأمس.
غرفه سليم
قفز إلى الداخل بخفة، عدل ملابسه سريعا واخذ يعبث بشعره كأنه استيقظ للتو، ثم اتجه إلى الباب وأدار المفتاح، وفتح الباب بهدوء.
وما إن فتحه حتى وجد فريدة تقف أمامه مباشرة، فقال بنبرة شبه ناعسة، وهو يفرك عينيه: إيه يا فريدة؟ إيه كل الخبط ده؟!
فريدة، وعيناها ثابتتان عليه: كنت عايزة أتكلم معاك في حاجة مهمة.
أدار وجهه قليلا متظاهرا بالإرهاق: بعدين يا فريدة، أنا دلوقتي مش فايق أتكلم مع حد.
لكنها دفعته بهدوء من كتفه، ودخلت الغرفة بثبات، ثم قالت بحسم: لا، هنتكلم.
تحركت وجلست على الأريكة، واضعة ساقا فوق الأخرى، وعيناها لا تفارقان وجهه.
تنهد ببطء، وأغمض عينيه للحظة، استعداد لفقرة التمثيل، ثم التفت إليها وتحرك نحوها بخطوات بطيئة: عايزة إيه يا فريدة؟
رفعت يدها تشير إلى المكان بجوارها: اقعد علشان نتكلم.
زفر باختناق واضح، وجلس متثاقلا بجوارها، مستندا إلى ظهر الأريكة، وقال بنبرة رسمية ساخرة: أفندم؟
مالت برأسها نحوه، وتساءلت بنبرة هادئه: ممكن تفهمني، ايه اللي حصل بالظبط؟
تنهد وقال بضجر: ما أنا قولتلك امبارح، مش لازم كل شويه أعيد وأزيد في حاجة ممكن تجرحني…
قلبت فريده وجهها وقالت بحسم، وهي تحرك إصبعها أمامه: اسمع، أنا مش هقبل منك أي كلام من اللي انت قولته امبارح، بتاع ملكيش دعوة، وخليكي في حالك، أنا سكت علشان كنت متفهمة غضبك، ومش عايزة أكبر الموضوع، لكن أنت دلوقتي هادي.
ارتسمت على شفتيه ابتسامه جانبيه بسخرية مقهورة بتمثيل متقن: مين قالك إني هادي؟! أنا جوايا نار، لو خرجت قادره تحرق الدنيا!
تسألت بحدة وهي تهز رأسها باندهاش: هو انت ازاي مصدق أن ماسة ممكن تخونك؟
رفع حاجبيه، وضغط على فكه بغضب: بقولك، شوفتها بعيني!!
مالت عليه متسائلة بغضب: شوفت ايه بعينك؟ شوفت مراتك في أوضة نوم مع واحد، وهي بتأكد انها كانت متخدره ومخطوفه! ليه معملتلهاش تحليل، هي والدكتور اللي أنت قتلته؟
عدلت جلستها، وهي تنظر إليه، وتحاول اقناعه بنبرة أكثر هدوء وعقلانية: مش يمكن يكونوا مظلومين؟ هي مش دي ماسة، تربيتك، حبيبتك؟ عشقك..
ابتلع ريقه، وهمس بمرارة: كنت مخدوع فيها..
هزت رأسها باعتراض ممزوج باليقين: لا يا سليم، أنا قلبي بيقولي إن ماسة صادقة، حتى لو قلبها حب واحد تاني، ده حاجة بتحصل غصب عن الواحد!
اضافت بنبرة مليئه بالعتاب: وبعدين اللي انت عملته فيها اخر فترة، الصراحة يخلي أي ست مهما كانت بتحب راجل تكرهه، ازاي تعمل كده؟ ازاي يهون عليك تهددها بأهلها، وتضرب رصاص على أخوها؟
زفر بغضب، قائلا بنبرة تحملها مرارة: علشان هربت مني.
مالت عليه اكثر، لمست صدره بيدها، ولمعت عيناها بتساؤل عقلاني: طب مسألتش نفسك ليه هربت منك؟! بعد كل سنين الحب اللى كانت بينكم؟ هي هربت علشان زهقت من سلوكك في الفترة الأخيرة معاها.
أضافت بنبرة لازعه بعتاب: كام مرة قولتلك وحذرتك إن اللى بتعمله معاها غلط، الشدة الزيادة دى بتقتل اي حب، والبنت استحملت كتير بصراحه، كفاية عليها إنها استحملت حادثة ملهاش علاقة بيها، وانت عارف ومتأكد إن ورا الحادثة دي، اريك اللي قتلت أبوه.
عض شفته السفلى، ونهض وهو يقول بشدة رجوليه: انتِ عايزاني اسامح في الخيانة يا فريدة؟
توقفت أمامه، تحدق فيه بعينين صارمتين: متسامحش، بس ارحمها، طلقها وسيبها.
رفع حاجبه بتعجب بعينين حدايتين: مش قبل ماخد حقي يا فريدة.
نظرت إليه، وقالت بنبرة ذات معنى: خد حقك من اللي خطف مراتك وحطها على سرير واحد ثاني عشان يكسرك؟! ويوهمك انها خانتك...
ارتسمت إبتسامة جانبيه ساخرة: وإنتي مصدقه العبط ده؟!
هزت رأسها بيقين: لا مش عبط، مش معقول تكدب في حكاية زي دي، وفي نسبه انك تصدق وتدور، ماسة مش بالساذجه دي، أنا مصدقاها، الموضوع ده في لعبه، أنا مش مطمنه..
تابعت بتأثر وهى تلمس ذراعه: مصدقة إنها مخانتكش يا سليم، واتخطفت فعلا.
ضحك بسخرية، وهي ينظر امامه: علشان انتِ طيبه يا فريدة، ففاكرة كل الناس طيبه زيك..
ثم زفر بضيق وهو يهز راسه: فريدة أنا مش عايزة أتكلم في الموضوع ده، لو سمحتي، وبعد اذنك سبينى، علشان محتاج البس علشان الفطار.
هزت رأسها بأسف، وهي تزم شفتيها: طيب هسيبك على راحتك.
توقفت وتحركت مبتعده، امسكت بمقبض الباب لكنها توقفت واستدارت نحوه وقالت برجاء: دور ورا كلامها يا سليم؛ شوف الكاميرات، أنا معرفش تحليل المخدرات ممكن يفضل في دمها لحد دلوقت ولا لأ! بس جرب، يمكن تكون صادقة، وتكون ظالمها، ويا سيدي لو اتأكدت إنها بتكذب، حط الحقيقة قدام عينيها، واعمل فيها اللي انت عايزة وقتها، بس دور، علشان متندمش بعدين!
رفع عينه ونظر لها لوهلة، خيم صمت طويل على المكان، ثم شاح بوجهه في اتجاه اخر دون أن ينطق بكلمة.
تنهدت فريدة، وهزت رأسها بأسف، وخرجت وأغلقت الباب خلفها، تحركت في الممر، وقد استقر في داخلها يقين بأن ماسة مظلومة وصادقة، وتفهمت ثقل الموقف على سليم.
هنا أخذ سليم نفسا عميقا، ونهض من مكانه، وتوجه أمام المرآة وتبسم وقال بتفاخر: آه عليك يا واد يا سلي، طلعت ممثل هايل، معلش بقى يا فريدة، مضطر.
ثم خلع قميصه واتجه إلى المرحاض.
على اتجاة اخر غرفه ماسة.
جلست ماسة على الفراش، عيناها تتنقلان بين شاشة هاتفها، بعد أن تركتها فريده وأغلقت الباب خلفها، كانت ترتدي ملابس الخروج، طرق الباب، دخل سليم وهو يرتدي بدلة أنيقة، وأغلق الباب خلفه.
توقفت حين رأته بابتسامة مشرقة: سالوملوم.
ابتسم لها بخفة وقال: أنا همشي دلوقتي، هنزل أفطر معاهم وبعدين أروح المجموعة عايزك تفضلي هنا معاهم شوية، علشان أشوف هيعملوا إيه.
رفعت حاجبها بتوتر: تفتكر ممكن مامتك تعمل فيا حاجة؟
هز رأسه مطمئنا: يعني هي ممكن تهينك أو تزعقلك كدة يعني، أنا حابب أسيبك معاهم لوحدك، أطول وقت ممكن عشان اشوف هيعملوا ايه بظبط؟ ومتخافيش، أنا هبقى متابع على التليفون كل حاجة، ومكي كمان هسيبه معاكي تحت، لو فيه أي حاجه كلميه يطلعلك.
صمت لوهله ثم قال: كمان و لو جت وكلمتك حاولي تقوليها انك محتاجه تهربي انتِ واهلك ومحتاجاها تأمن عليكم، شوفي هتقولك ايه؟!
اومأت برأسها موافقة، فتابع سليم بعينين يخرج منهم الدهاء: سيبيها هي اللي تتكلم اكتر، علشان نفهم هي عايزه منك ايه، فهماني.
تنهد، وهزت رأسها: فهماك متقلقش عليا، وعلى فكرة، فريده قالتلي البسي وانزلي، نفطر تحت، انزل معاها ولا ايه؟
أومأ لها بصوت منخفض: اه انزلي عادي، بس طبعا لما تيجي تاخدك ارفضي، وخليها هي تلح عليكي، بعدها انزلى، وأنا لما أشوفك هتفاجئ واتعصب واشتمك، وممكن اضربك.
نظرت له بمرح قائلا: أنت استحليت الضرب ولا إيه، مشيها شتيمه بس، ضرب لا، وأياك ترتجل زى أمبارح…
هز رأسه بغلب: حاسس إني بلعب مع بنت أختي والله!
دفعته من صدره بخفه ودلال: طب يلا كراميل امشي بقى، قبل ما اختك تيجي وتقفشك تاني، وأضطر اخبيك تحت السرير المره دى.
ابتسم بسخرية خفيفة: طب استني نمثل شويه..
وفجأ صرخ بنبرة عاليه جهوره وهو يفتح الباب قليلا: أنا همشي وهروح المجموعة، لو فكرتي تعملي حاجة وأنا مش موجود، متعرفيش هيحصلك ايه؟! هعمل اللي حتى خيالك ميجبهوش.
صاحت: ربنا ينتقم منك، ومن أهلك، أنا بكرهك.
اتسعت عيناه بصدمه، وقرب وجه منها وقال بصوت هامس: لا بلاش دعاء، متفقناش على كدة!
ابتسمت بمرح: ياعم تمثيل، كمل كمل..
تنهد وتابع: وكمان بتدعي عليا يا قذرة، غوري من وشي.
ثم تحرك واغلق الباب خلفه، بينما جلست ماسة على الفراش وهي تضحك، ظلت هكذا، تحاول أن تستعد ليومها الأول في قصر الراوي بمفردها، وفجأة، طرق الباب ودخلت فريده
فريده بلطف: يلا يا ماسة علشان ننزل نفطر.
هزت رأسها بخوف: لا مش عايزة، هيضربني.
اقتربت فريده بابتسامة وحزم: لا مش هيعملك حاجه، أنا معاكي، يلا، لازم تاكلي.
هزت رأسها عددت مرات برعب: علشان خاطري بلاش، سليم هيضربني ...
صمتت لوهله ثم قالت: طب بصي، هاتيلي ساندوتش هنا بعد ما يمشي.
فريده بلهجة حاسمة: لا طبعا، هتنزلي تاكلي معانا، ولو حد اتكلم أنا اللي هقفله.
توقفت بتردد: علشان خاطري.
قاطعتها فريدة بحزم: قولت يلا.
سحبتها من يدها ونزلتا معا إلى السفرة.
علي السفرة
كان الجميع جالسا على مائدة الإفطار، بما فيهم صافيناز وعماد، وفور رؤيتها، توقف سليم وتجهم وجهه قال بشدة: مين نزل الزفته دي هنا، القذرة أطلعي فوق يلاا، مش ناقصين سدت نفس على الصبح.
توقفت فريده أمامه بحزم: مش هتطلع فوق، وهتاكل معانا، مفيش حاجة اسمها تحرمها من الأكل والشرب.
سليم بغضب: اللي زيها يتحرقوا احياء، مش يقعدوا ياكلوا مع أسيادهم.
ثم نظر لماسة وقال بتهديد: اطلعي فوق احسنلك، بدل ما أنت عارفه انا ممكن اعمل فيكي ايه دلوقتي، يلا مش هعيد كلامي تاني.
كادت أن تتحرك ماسة بطاعه وعينيها تلمع بدموع زائفة، لكن فريده أمسكت يدها وقالت بشدة: والله العظيم لتقعد تاكل معانا، أنا قولتلك اللي فيها، اتاكد الأول، كده مينفعش...
ثم تابعت بشدة حاسمه: لو ماسة مقعدتش، أنا كمان مش هفطر.
قالت ماسة بخوف مصحوب برجاء: فريدة علشان خاطري خليني اطلع، أنا مش عايزة افطر.
فريده برفض قاطع: لا هتقعدي معانا، يلا يا ماسة اقعدي جنبي.
نظر لها سليم، وقال بضجر: يعني هتمشي كلامك عليا، وهتخلي واحدة زي دي تقعد تاكل معانا يا فريدة!؟
تابع باختناق وعصبيه: فريدة متضايقنيش، وخليها تمشي وتغور من وشي، انا كل ما اشوفها دمي بيتحرق.
فايزة بضجر: فريده، انا كمان مش عايزه الحشره الخدامه دي تقعد على سفرتي، انتِ أكيد مش هتمشي كلامك علينا كلنا؟
نظرت لها فريدة بهيمنه: لا همشي كلامي عليكم كلكم، ماسة هتقعد تفطر معانا.
ماسه برجاء ممزوج بالخوف: يا فريده، علشان خاطري، سيبيني أمشي…
فريده بأمر: هشش، هتاكلي معانا، أنا قولت كلمتي، اقسم بالله لو ما قعدت فطرت معانا، ما هفطر، ولساني مش هيخاطب لسانك يا سليم..
زفره سليم باختناق وقال من بين اسنانه: ماشي، انا هقبل وهعدي الموضوع المره دى بس علشان خاطرك يا فريدة.
ثم وجهه نظراته لماسة: وأنتِ حاضر ارجع من المجموعة بس وهوريكي، اقعدي اطفحي.
جلست ماسة وملامح الحزن والخوف ترتسم على ملامحها بتمثيل متقن،وبدأ الجميع بتناول الإفطار.
كانت هذه المرة الأولى منذ فترة طويلة التي تجلس ماسة معهم فيها، ليس فقط بعد ماحدث معها سابقا، بل منذ سنتين أو أكثر، منذ هروبها.
كان قلبها مثقلا بالغضب والحزن، ويديها ترتعشان وهي تضغط على أسنانها، وكأنها تريد أن تقتلهم، كانت تقطع الطعام بالسكينة وكأنها تتخيل أنها تغرسها في كل من أساء إليها.
كانت ترفع عينيها وتنظر إلى ملامحهم، والابتسامات تملأ وجوههم وهما يتناولون الطعام ويعيشون حياتهم بشكل عادي بعد أن سرقوا منها سنينا وخربوا حياتها ودمروها..
كانت طريقة تقطيعها للطعام بالسكين تعكس مشاعر الغضب الكامنة بداخلها.
لاحظت صافيناز ذلك، وعلقت بسخرية: إيه يا ماسة، متخيلة نفسك بتقطعي في سليم ولا إيه؟!
رشمت بعينيها بتوتر لوهله، وخافت أن يكون فضح امرها، بينما رفع سليم عينه نحو صافيناز ثم نحو ماسة التي كانت تجلس أمامه قائلا بشدة: اتعدلي واطفحي كويس، بدل ما اطلعك من غير طفح.
ثم مد قدمه من أسفل المائدة وضربها برفق على قدميها، نظرت له، فنظر لها نظرة حادة وكأنه يقول لها: خدي بالك من ملامحك، انتِ بتغلطي
ابتلعه ريقها وردت عليا بشده مريره: انا باكل كوبس، انتم اللى بتتلككولي.
فايزة باستعلاء مستفز: هنتلكك لوحده زيك ليه يا خدامه يا حشرة.
رفعت عينيها نحوها، ولم ترد، وظبت تبعث بطعامها،
لم تستطع الجلوس معهم أكثر على السفرة، كان بداخلها غل وغضب لم تستطع اخفاؤه، غضب لو اطلق له العنان قادر علي أن ينسف القصر بمن فيه، توقفت فجأة، وقالت: أنا مش قادره أكل، أنا هطلع أوضتي.
فريده بحنان: أنتِ مأكلتيش حاجه، اقعدى كملي أكلك.
ماسه بهدوء: شكرا يا فريدة، أنا مش جعانه.
سليم بسخريه لازعه: أحسن، سيبها تغور في داهيه يا فريده.
تحركت ماسة نحو الأعلى، نظرت لها فايزة، ثم نظرت لسليم وقالت: أنت مستحملها أزاي بجد لحد دلوقتي؟ أنا لو منك كنت قتلتها وخلصت
اتسعت عينا فريدة بدهشه: في ايه يا مامي، ايه اللي بتقوليه ده؟
سليم بحدة: أنا مش عايز حد يتكلم في أي حاجة، ممكن تاكلوا وانتم ساكتين.
وبالفعل بدأ الجميع بتناولون الطعام، وبعد ذلك ذهبوا إلى المجموعة، ولم يبقِ في القصر سوي فايزه وصافيناز وعماد، وفريدة وزوجها.
على اتجاه آخر، في غرفة إبراهيم وفريدة.
دخلت فريدة الغرفة، كان إبراهيم يقف عند النافذة يدخن سيجارته، ويبدو علي ملامحه الضجر، اقتربت منه فريدة وأخذت حقيبتها، وهي تقول: يلا حبيبى علشان نروح المجموعه، في اجتماع مهم؟
قال إبراهيم بضيق وهو يحرك السيجارة بين أصابعه: فريده في موضوع مهم لازم نتكلم فيه.
توقفت أمامه باستغراب: الموضوع ده مينفعش يتأجل لما نرجع؟
هز رأسه بحسم: لا.
شعرت بقلق فقالت: طيب، في إيه؟
اخذ نفس عميق من سيجارته، زقال بقرار لا يحتمل النقاش: انت لازم تعملي حسابك إننا هنرجع من المجموعه على فيلا زايد.
رفعت حاجبيها بدهشة: ده ليه؟
اخرج نفسا عميقا باختناق: لأني مش هقدر أعيش انا وبناتي في الحياة دي أكتر من كده، بعد كل اللي بيحصل ده!
مدت شفتيها تحاول اقناعه: إبراهيم مش هينفع، أنا لازم أفضل هنا علشان خاطر ماسة، اديك شوفت اللي حصل.
زمجر قائلا بحسم: ما هو علشان اللي حصل واللي بيحصل، لازم نبعد، مش هقدر أعيش بناتي في الحياة المريضه دي، اختاري يا فريده بين حياتك وبناتك، وبين القصر ومشاكله.
توترت وقالت: طب ممكن بس تستنى يومين لحد ما سليم يهدى؟
قاطعها بصرامة، وهو يلوح بيده للأعلى: اقعدي براحتك لكن أنا والبنات لا، انا هخرج من المجموعه، وهروح على فيلا زايد، ده قرار ومش مسموح فيه بالمناقشه، ولو حد اتكلم، أنا ساعتها هاخد موقف حاسم مع الباشا والهانم، مش هيفضلوا طول عمرهم ممشيين حياتنا على مزاجهم!
زمت شفتيها، وقالت تحاول استعطافه: طب وماسة؟
اكتفي بنظرة صارمة، وهو يضغط على فمه: مليش علاقة، مش هقولك تاني فكري في البنات.
تنهدت ببطء، وأغمضت عينيها للحظة، تحاول جمع شتات نفسها، تعرف في أعماقها أن ما يقوله ليس اندفاعا، بل حقيقة مؤلمة.
فتحت عينيها، وقالت باستسلام: ماشي يا إبراهيم، اللى تشوفه.
فيلا عائلة ماسة، 1:00ظهرا
جلست سلوى مع سعدية في الحديقة، يحتسون الشاي، وسلوى تلمس كوبها بخفة بينما عينها تتجول بين الأشجار.
سعدية بدهشة، وهي ترفع حاجبها: يعني اختك دلوقتي عند الملاعيين دول؟
هزت رأسها: أيوه…
ردت بلوم: كنتي روحتي معاها يابت، ازاي تسيبي اختك لوحدها؟!
ردت بتعجب: أروح أزاي بس، بقولك بيمثلوا عليهم، مينفعش اروح..
تنهدت سعدية، وتساءلت بعدم فهم: طب يعني كده هنعمل إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة؟ وقلقانه على أختك.
أجابتها مطمئنة: متخافيش، سليم معاها.
ثم تابعت بتوضح: أما بالنسبة لهنعمل ايه، فسليم هيكلمنا ويقولنا كل حاجه في وقتها.
تنهدت سعديه، وهي تنظر لأعلي: طيب، ربنا يحفظك يا بنتي، ويسترها معاكي أنتِ وجوزك، وينصركم عليهم يارب.
ثم أضافت، وهي تميل للأمام: بقول إيه يا بت انا هخلي أبوكي يكلم طارق ويتفق معاه على كتب الكتاب، على الأقل اطمن عليكي، بدل ما يبقى قلبي واكلني عليكي أنتِ واختك كده.
اتسعت عينيا سلوي، وقالت بتوتر: كتب الكتاب إيه بس في اللي إحنا فيه ده؟
ردت، عليها وهي تتكأ على الكرسي يتهكم: بت هاتي من الآخر، أنتِ ملكيش مزاج لللجوازة دي، صح؟
أشاحت بوجهها بعيدا وقالت: أنا بصراحع، عايزه أرجع لمكي…
اتسعت عينا سعدية، وقالت بسخرية لازعه: ما كان قصادنا، وبيتحايل، وقولنا لا، ايه احلو دلوقتي؟!
نظرت لها بحزن: كان غصب عني.
تسألت سعدية، وهي تقرب كوب الشاي من شفتيها: هو قالك إيه؟
رمشت بعينيها لا تسطيع أجابتها، فضغطت بيدها على فخذها بعصبية خفيفة: لسه متكلمتش معاه، مشغولين في اللي بيعملوه.
ثم نظرت إلي سعدية بعينين يلمأهما الرجاء: بصي، أنا هكلم طارق وهنهى معاها كل حاجه مش ده اللي يهمك؟ بس والنبي يا ماما متضغطيش عليا، مش أنتِ بتحبي مكي؟
ردت، بنبرة أهدأ: آه بحبه، بس يا بنتي الراجل مش لعبة في أيدينا تعالي يجي، روح يروح؟ وطارق اللى بقالك فتره معشماه معاكي دى؟! هما لعبة في أيدك يا سلوي؟!
مدت يدها وأمسكت بيد أمها، وقبلتها برجاء، وعيناها تلمعان بدموع محبوسة: أنا هتصرف معاهم، بس والنبي يا ماما متجوزنيش واحد مش عايزاه وأنا في قلبي واحد تاني، أنا خلاص عقلت، والله عقلت.
كانت أصابعها ترتجف وهي تتشبث بكف أمها كأنها تخاف أن تسحب منها.
تنهدت سعدية بعمق، ونظرت إليها طويلا، ثم مسحت على شعرها بحنان خافت: طيب، أما نشوف آخرتها معاكي يا سلوي.
ابتسمت سلوى ابتسامة واسعة، وشعرت براحة تسري في صدرها كأن هما ثقيلا أزيح عن كتفيها، أغمضت عينيها لحظة وزفرت ببطء.
وبقي الصمت بينهما؛ صمتا هادئا، ما زال ثقيلا، لكن فيه بصيص أمل صغير.
قصر الراوي، 1:00ظهرا.
غرفة ماسة وسليم.
جلست ماسة أمام التسريحة، تظبط مكياجها بدقة، تمرر الفرشاة على وجنتيها تتأكد أن كل شيء يبدو طبيعيا.
وفجأة، فتح الباب دون استئذان ودخلت فايزة
اتسعت عينا ماسة، واهتز جسدها للحظة قبل أن تستدير ببطء نحوها، شعرت بانقباض في صدرها، وشيء ثقيل من الضيق والكراهية يعتصر قلبها، قبضت على يديها بقوة فوق الطاولة، حتى ابيضت مفاصلها، محاولة أن تكتم غضبا لو خرج لأشعل المكان بأكمله.
أغلقت فايزة الباب خلفها بهدوء متعمد، ثم شبكت أصابعها أمامها، وأخذت تتفحص ماسة من أعلى إلى أسفل بنظرة باردة متفحصة.
رفعت ماسة ذقنها قليلا، تحاول أن تبدو متماسكة، رغم ارتجافة خفيفة في أطرافها
تسألت فايزة بنبرة قاطعه: أنا عايزة أفهم إيه اللي حصل؟!
ردت، بنبرة حادة مكتومة: ما هو سليم قالك.
تحركت فايزة في الغرفة بخطوات بطيئة متعمدة، وكأنها تفرض هيبتها في كل خطوة.
كانت عينا ماسة تتابع حركتها بحذر، حتى توقفت فجأة أمامها.
مدت فايزة وجهها، وقالت بصوت قاسي منخفض: سليم قال إنك خونتيه، وإنه جابك من حضن واحد اسمه مصطفى، وهربتي ست شهور، وكلام كتير غريب.
ارتفعت أنفاس ماسة، وشعرت بحرارة الغضب تصعد إلى وجهها، وقالت بنبرة مهتزة: كل اللي قالهولك صح، بس الحاجة الوحيدة اللي مش صح إني خونته، أنا مخنتوش، أنا اتخطفت.
تجمدت ملامح فايزة لحظة، ثم عقدت حاجبيها وتابعت كأنها لم تستمع من الأساس لآخر كلمتها: دي حاجة مكنتش أتوقعها منك يا ماسة، إنك تخوني...
تابعت بتهديد لازع: انتِ هتعيشي أسود أيام حياتك هنا، علشان فكرتي تخوني ابني، بقي واحده خدامه وحشره زيك تخون سليم الراوي؟ فاكره نفسك مين؟! ده انتِ حتت خدامه ملهاش تمن، جزمتي انضف منك.
وقفت ماسة فجأة من أمام التسريحة، واصطدمت ركبتها بالكرسي دون أن تشعر، اقتربت منها خطوة، وعيناها تلمعان بدموع مكبوتة وغضب محترق.
قالت بصوت يرتجف من القهر: أنا مخنتش! والله العظيم ما خنته!
ارتفع صدرها مع كل نفس، ويداها ترتعشان رغم محاولتها للثبات، وكأنها تحارب وحدها في معركة لا أحد يريد أن يسمع فيها الحقيقة.
أخذت نفسا عميقا، ثم رفعت رأسها فجأة، وعيناها تلمعان بتصميم غريب: بقولك إيه يا فايزة هانم، أنا عايزة أمشي من هنا، عايزة أهرب.
تراجعت فايزة نصف خطوة، ثم ضحكت بسخرية باردة، ورفعت حاجبها بازدراء: هو أنتِ فاكرة إني ممكن أساعدك بعد ما خونتي ابني؟ يا سافله يا مجرمة.
اشتعلت عينا ماسة، وتقدمت خطوة، ويداها تنقبضان على جانبيها: أنتِ عارفة كويس أوي إني مخنتوش
ارتفعت شفتي فايزه باستغراب: وهعرف منين؟!
نظرت لها ماسة بقوة وسخط: اصلها مش جديده عليكم، ومش بعيد تكونوا إنتوا اللي خطفتوني، وعملتوا كل ده، زي زمان لما رشدي أمر بضرب بابا بالعربية، وحطيتوا سم لسلوى، وهددتونا.
توقفت لحظة، وأنفاسها تتلاحق، ثم أضافت بإصرار: أنا عايزاكي تخرجيني من هنا، وتأمّنيني أنا وأهلي من سليم وشرة؛ ده مستحلف يقتلهم، رشدي عرض على بابا وقت ما كنت هربانة إنه يساعدني.
تجمدت ملامح فايزة لثواني، لكن عينيها ظلتا قاسيتين: وأساعدك ليه؟ ما هو كده كده المراد هيتم، وهيقتلك.
ارتعشت شفتي ماسة، لكنها لم تتراجع، رفعت ذقنها بتحدي، رغم أن الدموع بدأت تتجمع في عينيها: صحيح المراد هيتم، وهيعذبني ويقتلني، بس...
اقتربت أكثر، وصوتها انخفض حتي صار أكثر خطورة: بس أنا هقوله، هتكلم، أنا طول السنين اللي فاتت ساكته عبشان أحمي أهلي، حتى لما هربت، ووقف قدامي وهددني بيهم، وضرب عمار بالرصاص سكت...
ضغطت على صدرها بكفها وكأن الألم يعود إليها حيا من جديد: سكت لأني معرفش ممكن تعملوا إيه؟!
ثم رفعت عينيها مباشرة في عيني فايزة: لكن دلوقتي، معنديش حاجة أخاف عليها، هقول كل حاجة، ويمكن إحساسي يكون صح، وتكونوا إنتوا اللي خطفتوني.
انفجرت فايزة ضاحكة ضحكة قصيرة باردة، وهي تضرب بأصابعها على خشب المقعد في بلامبالاة..
ثم مالت برأسها، وضاقت عيناها بمكر: تفتكري بقى سليم هيصدقك؟
اقتربت ماسة منها حتى كادت المسافة بينهما تختفي، وعيناها تشعان بإيمان غريب : آه هيصدق.
ابتلعت ريقها، لكن صوتها ظل ثابتا: هيصدق، علشان هو عارف إني معرفش حاجة عن تجارة الألماس والسلاح والآثار، مش ده كان شغلكم؟
وأكملت بنبرة متحدية: هيصدق، لأنه عارفني.
اندفعت فايزة فجأة، وأمسكت ماسة من شعرها بعنف، تشده بقسوة حتى ارتد رأسها إلى الخلف، وقالت، وهي تضغط على أسنانها: أنتِ بتهدديني أنا يا خدامة؟!
تأوهت ماسة، لكنها لم تصرخ، رفعت يدها وأبعدت قبضة فايزة عنها بعنف، ثم تراجعت خطوة وهي تشير بيدها بتحذير: متقربيش مني … اه بهددك!
كانت أنفاسها متقطعة، وعيناها تقدحان شررا من الألم والقهر: أنا خلاص خسرت الشخص اللي حبيته، وعرفت حقيقته، وحتى الشخص التاني اللي كنت فاكرة إنه هيكون عوض ربنا ليا، هو كمان خسرته لما ابنك قتله..
صوتها انكسر للحظة، لكنها تماسكت سريعا: أنا مش هسكت تاني، قولتلك أنا مش عايزة أي حاجة غير إني أمشي، مشيني من هنا، مش ده اللي حاربتوا عليه طول عمركم..
عقدت فايزة ذراعيها أمام صدرها، وعيناها تلمعان ببرود قاتل: أنا عايزة أخلص منك النهارده قبل بكرة.
ضحكت ماسة ضحكة قصيرة، مليئة بالمرارة، ومسحت دمعة سقطت رغما عنها: وأنا كمان والله نفس الشعور، جربت كتير، وكل مرة سليم كان بيرجعني، جربي بقى المرة دي حاجة تليق بفايزة هانم…
اقتربت خطوة، وصوتها صار أكثر حدة: أنا عارفة ومتأكدة إن إنتوا اللي ورا كل ده، إنتوا اللي خدرتوني وخدرتوا مصطفى، وحطتوني في المكان ده، أنا معنديش أعداء غيركم، إنتوا بس أعدائي..
وأكملت بإصرار: وصدقيني، هفضل طول عمري مصممة إني مخنتوش، وسليم ممكن ييجي في لحظة ويصدق مع الضغوط، ولو دور هيلاقي، أنتِ عارفة سليم كويس.
اشتعلت عينا فايزة، واقتربت حتى كادت أنفاسهما تختلط: متهددينيش يا حشرة، علشان النظرة دي أنا بكرهها، وهتجيب معايا نتيجة مش هتعجبك.
رفعت ماسة كتفيها بلا مبالاة مصطنعة، رغم ارتعاش أصابعها: يا ستي، أنا لا بهددك ولا بعمل حاجة، أنا عايزة أمشي من هنا، عايزة أمشي أنا وأهلي ونهرب ونعيش حياة بعيد عنكم، حتى لو خدامين.
صمتت لحظة، وأدركت أن فايزة لا يجدي معها التهديد، ولا ذلك الأسلوب الذي اتبعته، وأن التوسل والانكسار وإظهار الخوف هو ما قد يؤتي ثماره.
فأضافت، ودموعها تنهمر بتوسل: ارجوكي، أبوس ايدك خليني امشي أنا وأهلي، ورحمه بنتي ما خنت سليم، اقسم بالله خطفوني، ساعديني امشي ومش هتشوفيني تاني، أنا عايزة أعيش مرتاحه أنا واهلي بعيد عنكم، ابوسك ايدك يا هانم.
ساد الصمت لحظة، ثم أدارت فايزة وجهها بعيدا، كأنها تفكر في أمر ما.
شعرت أن ابتعاد ماسة عن القصر هو الأفضل، خاصة بعد أن قالت إنها قد تخبر سليم بما حدث، وأنه مع الضغوط قد يبحث، وإذا بحث ربما يجد ثغرات.
اخذت نفسا عميقا قبل أن تقول، بنبرة باردة: خلاص، أنا هكلم الباشا وأشوف..
ثم قالت بنظرة محذرة: بس الموضوع مش هيحصل بسهولة، واوعى تفكري تتكلمي فاهمه، اهلك لسه بين ايدنا..
فتحت الباب وخرجت، وبقيت ماسة واقفة في مكانها، وابتسامة واسعة ترتسم على وجهها، تدل على أنها استطاعت إقناع فايزة، ولأول مرة تشعر بلذة كهذه.
على اتجاه اخر في غرفة صافيناز وعماد.
جلست صافيناز وعماد وفايزة معا في الغرفة، والابتسامات تعلو وجوههم، وكاسات الخمر بين أيديهم وكأنها إشارة على انتصارهم.
صافيناز، وهي تدير الكأس بين أصابعها: يعني حضرتك خلاص مصممة؟
فايزة بثقة باردة: آه، هكلم الباشا لما يرجع، البنت دي لازم تختفي من حياتنا، ونقفل صفحتها بقي، هي دي نتيجه أفكارك ياعماد..
قاطعها بابتسامة جانبية، قائلا بنبرة متعالية: مالها أفكاري؟ أفكاري دي هي اللي خلت سليم يعمل في ماسة اللي أنتِ شوفتيه على وشها، ويحاول يقتلها...
توقف لحظة، ثم أضاف بتباهي: وأفكاري دي هي اللي خلت سليم يقتل دكتور مصطفى.
فايزة بحدة منخفضة: بس مقتلهاش.
مد عماد وجه بهدوء بارد ممزوج بقسوة: بس كفاية اللي بيعمله فيها، هو بيكسرها واحدة واحدة، وبعدين يا فايزة هانم، اللذة اللي أنتِ شايفاها دلوقتي؛ إنه بيضربها، ويهينها، أعتقد ممتعة بالنسبة لك.
صمتت فايزة لحظة، ثم قالت بنفاد صبر: بس ماسة لسه فيها نفس، بقولك وقفت قصادي وقالتلي "هقوله"
اقتربت صافيناز من فايزة، وجلست بجوارها على الأريكة، وقالت بثقة: مامي، ماسة دي حتة عروسة بين إيدينا، ميتخافش منها، صدقيني خلاص، سليم مستحيل يصدقها في أي حاجة، دى أنا قلعتها فساتنها، وحطيت رأسها على صدر مصطفي وقلعته هدومه هو كمان، يعني مفيش مجال للشك.
عقدت فايزة حاجبيها قليلا: أنا بس خايفة فريدة وياسين يلعبوا في دماغه، فريده بتدافع عنها، دلوقتي سليم متماسك، بس لما ياسين ينزل التأثير هيكون عليه زايد وممكن يدور.
ابتسم عماد بثقة باردة وهو يرتشف من كأسه: مستحيل يا هانم، فكرتي متخرش الميه، مفيش راجل هيسامح مراته على اللي حصل مهما كانت المؤثرات، بقولك جابها من على السرير بنفسه، ومع اللي عملته صافيناز خلاص.
هزت صافيناز رأسها بإعجاب: بصراحة كانت فكرة رائعة يا عماد، المهم لما ييجي الباشا نتكلم معاه ونخلص الموضوع ده..
صمتت لوهله وقالت بفحيح افاعي: عندي فكرة ممكن نهربها على مركب ونغرقها هي واهلها ونخلص منها للابد، قصادها احنا بنساعدها، بس في الآخر مستنيها مصير ينهيها هي واهلها، اهم حاجه ناخد الاذن من الباشا وبعد كده خلاص.
أومأ عماد برأسه بشيطانيه: صح كده، ونخلص منها للأبد.
ساد صمت ثقيل بعد كلمته الأخيرة، لكن نظراتهم كانت مليئة بالاتفاق، وكأنهم حسموا أمرا لا رجعة.
على اتجاه آخر، في غرفة ماسة.
كانت تجلس أمام اللابتوب، تستمع لكل كلمة تقال.
اشتعلت نيران الغضب داخلها، وعيناها امتلأتا بشرار حارق، جزت على أسنانها بقوة، ثم أغلقت اللابتوب بعنف ووضعته بجانبها.
وقفت تتحرك في الغرفة كأنها أسد حبيس، والغضب يخرج من عينيها، قالت وهي تتحدث بعصبيه: إيه الناس دي؟! إيه الكره ده؟! هما إزاي كده؟! إزاي بجد؟! بتفتخر بفكرتك القذرة يا كلب؟! لا الكلاب أوفياء، يا خنزير يا قذر، بتفتخر باللي عملته فيا؟!
رفعت يدها تمسح دمعة ساخنة انحدرت رغما عنها:
إن شاء الله تعيش كل اللي اتعمل فيا في أكتر حد ممكن يوجعك ياعماد، حسبي الله ونعم الوكيل فيك، أنت وفايزة وصافيناز، ربنا ينتقم منكم، لازم كلكم تتحاسبوا
ضحكت بسخرية مريرة: عايزين تعملوا نفسكم بتهربوني؟! وفي الآخر تقتلوني أنا وأهلي؟!
قبضت على يديها بقوة حتى احمرت مفاصلها: لو كنتوا قدامي، والله العظيم كنت خنقتكم كلكم! والقذرة التانية تقلعني هدومي!! ربنا ينتقم منك يا شيخه، وان شاء الله يا صافيناز تشوفي اللي اتعمل فيا فيكي.
تابعت بضعف شديد وحسرة بين دموعها: حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل.
في تلك اللحظة، رن هاتفها الاسم الظاهر على الشاشة: Aşkım.
فتحت الخط بسرعة، وصوته جاء هادئا من مكتبه: ماسة اهدي، اقفلي اللابتوب ومتتفرجيش على أي حاجة تاني غير لما أجي، ونسمع سوا.
همست بحدة: أنت سمعت اللي قالوه؟
رد بهدوء محسوب: سمعت كل حاجة، سيبك منهم، متخافيش.
تنفست بقوة وقالت بغضب وهي تتحرك بعصبي: أنا مش خايفة، بالعكس أنا بتمنى الباشا يوافق عشان يدوني التليفون اللي أنت عايز تاخد رقمه، بس أنا مخنوقه يا سليم، الحيوان اللي اسمه عماد بيتفخر باللي عمله فيا!
توقفت وسألته بعصبيه: وبعدين أنت كدبت عليا ليه؟ ليه مقولتليش إن صافيناز قلعتني وعملت فيا كل ده؟ وإنهم نيموني جنب مصطفى على السرير وفي حضنه كمان؟! مش الكنبة زي ما قولت!
صمت لحظة، ثم قال بنبرة جادة: الكلام ده مش هينفع في التليفون.
قالت بسرعة: طب تعالى دلوقتي حالا.
تنهد: مش هينفع أجي دلوقتي حالا؟ أديني ساعتين كده وهكون عندك.
بصوت مختنق: أنا مخنوقه بجد..
قال بحزم، ورجاء: ماسة يلا اقفلي اللابتوب، متسمعيش ولا تشوفي حاجة تاني، علشان خاطري.
أجابت بصوت أهدأ: حاضر يا سليم، بس علشان خاطري ما تتأخرش عليا.
وصمتت لحظة ثم أضافت: على فكرة، مامتك كلمتني.
جاء صوته ساخرا: عشقي أنتِ ناسية إني حاطط مايكات عندك كمان؟
مسحت على وجهها بإرهاق: أيوه، مظبوط، بس أنا مخنوقة اوي يا سليم، متتأخرش
قال بنبرة أكثر ليونة: علشان خاطري تماسكي، وحياتك عندي لاجيبلك حقك منهم قدام عنيكي، بس اصبري وانتِ هتشوفي هعملك فيهم ايه..
ثم تابع بنبرة أكثر حنانا: أنا مش هتأخر عليكي، بس متسمعيش حاجة تاني… وعد؟
همست: حاضر… وعد.
أغلقت الهاتف، وأسقطته بجانبها على الفراش
ثم جلست على الأرض، وأسندت ظهرها للحائط، وأغمضت عينيها، حاولت أن تنظم أنفاسها، شهيق طويل، زفير أبطأ.
لكن الغضب كان يتآكل داخلها كالنار تحت الرماد، ينتظر لحظة الانفجار.
مطار القاهرة، 3:00عصرا
خرج رشدي ومي من بوابة الوصول بخطوات سريعة، والقلق يسبق ملامحهما، كانت السيارة في انتظارهم، والحراس مصطفين بالقرب منها، جلست مي في المقعد الخلفي بجوار رشدي، بينما جلس شوقي في المقعد الأمامي بجوار السائق.
كانت أيديها متشابكتان بقوة، وركبتها تهتز بعصبية واضحة.
مي، بصوت متوتر: والنبي يا رشدي خليهم يمشوا بسرعة.
ضغط علي يدها محاولا تهدئتها: اهدي يا مي، اهدي يا حبيبتي، أنتِ من إمبارح منمتيش لحظة، وفي الطيارة12 ساعة مغمضتيش عينك، اهدي.
نظرت له بحدة، وعيناها حمراوان من السهر والبكاء: أهدى إيه؟! أنت بتتكلم كأن اللي تعبان ده حد عادي!
رشدي، بنبرة هادئة رغم القلق: مش حد عادي طبعا، بس انتِ ممكن يحصلك حاجة من القلق ده؟ لازم تهدي، وبعدين إحنا متأكدين إنه كويس، ما هو رد عليكي وفي البيت..
أدارت وجهها إلى الناحية الأخرى، تحدق في الطريق دون أن ترد، بينما دمعة جديدة تسللت من عينيها بصمت، فزفر رشدي باختناق.
وبعد قليل، توقفت السيارة أمام منزل مي.
نزلت مي قبل أن يفتح لها الحارس الباب بالكامل، وأخذت تركض إلى الداخل، ورشدي خلفها بخطوات سريعة.
وصلت الى الشقه خبطت على باب بشدة، فتحت لها تقي، واتسعت عينها بدهشة حينا رأتها: يخرب عقلك، جيتي برضو.
لكنها دفعتها وركضت نحو غرفه والدها، بينما دخل رشدي خلفها بإبتسامة مهذبه
تقي وهي تشير بيدها: ازيك يا رشدي، اتفضل، معلش هي مي لاسعه شوية.
ابتسم رشدي دون رد، وتحرك معها إلي الداخل
في غرفة راشد
كانت راشد متمدد على فراش يبدو فى حاله أفضل، وحاتم وحازم يجلسون إلي جواره..
اقتحمت مي الغرفة، بصوت مرتجف يكاد ينكسر: بابا!
التفت اليها الجميع بصدمة.
حازم بتفاجاء: إيه ده؟! مي؟
ثم ضرب كفا بكف: يخرب بيت جنانك!
لم تلتفت مي لأي منهم، واندفعت نحو السرير، وانحنت على والدها تضمه ودموعها تنهمر بلا توقف: بابا حبيبي، طمني عليك، أنت كويس؟
ابتسم راشد بهدوء، وربت على يدها الممسكة بيده:
أنا كويس يا مجنونة.
في تلك اللحظة دخل رشدي وقال باحترام: مساء الخير يا جماعة، ألف سلامة عليك يا عمي.
رفع راشد عينيه إليه: الله يسلمك يا ابني.
نظر حازم إلى رشدي بلوم: إيه اللي أنت عملته ده؟ إزاي توافقها؟! طب هي مجنونة، تقوم توافقها؟
ابتسم رشدي بهدوء: كان لازم تتطمن بنفسها وتشوفه بعينها، أنت أكيد عارف أختك، مش هتبطل زن.
هز حاتم رأسه قائلا بنبرة خفيفة: والله عارفين جننها، معلش بقي بوظت عليك شهر العسل.
رشدي بلا مبالاة: عادي والله، نسافر تاني سهله، الأيام جايه كتير.
مد راشد يده ومسح على وجه مي بحنان، وهي ما
زالت دموعها تهبط بلا توقف: خلاص يا مي، ليه كل الدموع دي؟ هزعل منك، أنا كويس اهو.
مسحت دموعها بطرف كمها، ثم انحنت تقبل يده مرة أخرى وهمست: لا متزعلش، المهم إني الحمد لله اطمنت عليك، كانت مرعوبه عليك، بجد انت كويس؟
ابتسم وقال مازحا: ما أنا زى البومب قدامك أهو..
ابتسمت وهي تحاول تهدئة نفسها: طب، إيه حصل بالضبط؟
رفع كتفه ببساطة: مفيش، الازمة اللي بتجيلي كل فترة، بس الحمد لله عدت على خير.
ربتت على صدره بحنان: الحمد لله يا حبيبي أنها عدت، وبقيت بخير.
نظر إليها بعينين ممتلئتين بالحب والقلق معا، وقال برفق: أنا بخير طول ما أنتِ بخير، بس متكسريش فرحتك علشان خوفك عليا.
أجابته بابتسامة مشرقة: فداك ألف فرحة يا حبيبي.
قالت تقي لتحاول تخفف الأجواء: كفايه بقى سلامات، بت يا مي، يلا احكلنا عملتي ايه في المالديف وميامي؟
ابتسمت مي، وبدأوا يتبادلون الاحاديث، وبدأ الجو يهدأ شيئا فشيئا.
لكن ظلت مي لبعض من الوقت ممسكة بيد والدها، لكنها لم تعد ترتجف كما كانت قبل قليل، أنفاسها انتظمت، وملامحها فقدت ذلك الشحوب الذي غزاها منذ أن علمت بخبر مرضه.
كانت تراقبه بعينيها في صمت؛ طريقة جلوسه، نبرة صوته، حتى ابتسامته الخفيفة وهو يمازح حازم، وكأنها تطمئن نفسها بالدليل القاطع أنه بخير.
ومع مرور الوقت، بدأت تعترف في داخلها أن حالته لا تستدعي كل ذلك التهويل الذي رسمته مخيلتها، نعم، هو متعب قليلا، لكن ليس كما تصورت، ليس على حافة الخطر كما أقنعت نفسها.
توقف رشدي وهو يضع فنجان القهوه: طب هستأذنكم أنا بقي، لأني راجع من السفر تعبان ومنمتش، محتاج اروح أنام شوية.
رفع راشد عينه نحوه قائلا: معلش بقى يا رشدي بوظت عليكم الهاني مون.
رشدي بهدوء: لا أبدا، مفيش أي حاجة، المهم صحتك، وأننا اطمنا عليك.
ثم التفت إلى مي: ميشو، اقعدي براحتك، ولو عايزة تباتي مع بابا مفيش مشكلة، لو هترجعي ابقي كلميني، ابعتلك السواق
هزت رأسها: لا هنام مع بابا النهارده.
هز رأسه بإيجاب: براحتك، بعد اذنكم.
غرفة سليم وماسة، 4:00مساءً
كانت ماسه لا تزال تنظر سليم والغضب يلتف حولها كأفعى سامة، تجوب الغرفة ذهابا وإيابا، كأن الجدران تضيق بها وتطبق على أنفاسها، فمنذ أن انكشف لها أن عماد هو صاحب الفكرة، وتباهيه بما اقترفه في حقها، ومع اشتراك صافيناز في إذلالها ونزع ملابسها، وما نوا فعله لاحقا بها وبعائلتها، وكأن أرواحهم بلا قيمة لديهم!!
كان كل ذلك يؤجج في صدرها نارا لا تنطفئ، ويوقظ جراحا لم يلتئم بعد، ويعيد إلى ذاكرتها لحظات الانكسار التي حاولت طويلا دفنها، وكل ذكرى كانت كطعنة جديدة، وكل ضحكة سمعتها منهم كانت كصفعة على وجه كرامتها.
توقفت في منتصف الغرفة، وضغطت بيديها على رأسها كأنها تحاول إيقاف سيل الأفكار، لم يكن يؤلمها ما فعلوه فقط، بل استهتارهم، وشماتتهم، وحديثهم عن حياتها كأنها قطعة شطرنج تحرك، وتزال متى شاؤوا.
تنفست بعمق، لكن صدرها ظل مثقلا، وشعرت أن شيئا بداخلها تغير، وأن تلك الماسة الضعيفة التي انكسرت يوما لم تعد موجودة، وأن ما يولد الآن في أعماقها ليس مجرد غضب، بل كرها وحقدا وانتقاما أعمى.
ورغم حديث سليم معها، ووعده لها بأقتراب ساعة الانتقام، لم تعرف السكينة طريقا إلى قلبها؛ بل شعرت بثقل واختناق يضيق به صدرها، حتى كادت أنفاسها تنقطع
توجهت إلى الشرفة، ووقفت هناك تحاول أن تستجمع أنفاسها؛ عل شيئا من السكينة يتسرب إلى صدرها..
لكنها ما إن رفعت بصرها حتى تجمدت، حين وقعت عيناها على عماد، واقفا في الحديقة، يتحدث عبر هاتفه ويضحك، وفي يده كأس من الخمر يلوح به في استهتار.
امتعض وجهها لحظة، واشتد فكها حتى جزت على أسنانها.
تدفقت إلى ذاكرتها الأيام الماضية التي عاشتها مذعورة مكسورة، تذكرت لحظات دموعها، وانكسارها، ووقوفها على شفا تهمة تمس شرفها…
وهو صاحب الفكرة القذرة، يقف الآن ضاحكا، كأن شيئا لم يحدث وهو يمضي في حياته مطمئنا، وهي تحترق ببطء!؟
استنشقت نفسا عميقا محاولة استعداء بعض الهدوء، غير أن النار في صدرها ازدادت اشتعالا وفي لحظة خاطفة تغيرت عيناها، وحدة غريبة تسللت إليهما، حدة لا تشبهها... لا تشبه ماسة التي يعرفها الجميع.
ثم اندفعت خارج الغرفة، وكأن قوة خفية تدفعها إلى قدر لا عودة منه.
اندفعت إلي المصعد، وضغطت الزر بأنامل مرتجفة، ثم هبطت إلى الطابق الأول.
كانت الردهة شبه خالية، يلفها سكون ثقيل لا يقطعه سوى وقع خطواتها المتسارعة.
وأثناء عبورها، لمحت إحدى الخادمات تدفع عربة تعلوها صحون زجاجية.
توارت سريعا خلف عمود قريب، تحبس أنفاسها، توقفت الخادمة لحظة، ثم ابتعدت لتجلب شيئا نسيته.
عندها لمحت سكينا موضوعة على طرف العربة، فتقدمت بخطوات حذرة وسريعة، والتقطتها في لحظة خاطفة، ثم اندفعت دون تردد نحو الحديقة، بخطوات متسارعة وثابتة، كقضاء لا رجعة فيه.
كانت تمسك السكين بيد مرتجفة، لكن قبضتها عليها كانت قوية لدرجة أن عروقها برزت تحت جلدها، وعيناها لم تكونا عاديتين؛ كانتا مشتعلتين، وممتلئتين بسنوات من القهر والغضب والخذلان.
ومع كل خطوه تخطوها، كانت عيناها تزدادان قسوة وحدة، والقرار استقر في داخلها بلا رجعة: ستقتل عماد وتأخذ حق شرفها الذي حاول أن يدنسه بيدها، ستغسله بدمه
كل خطوة كانت تحمل ذكرى…وكل نفس يخرج منها كان مشبعا بالألم، قبضت علي السكين في وضع الهجوم و...
