رواية الماسة المكسورة الجزء الثاني2(عناق الدم) بقلم ليله عادل
الفصل الحادي والثلاثون🤫❤️
[بعنوان: إنتقام بطعم العسل]
قبض على رقبتها بعينين غائمتين بالغضب والسواد، بينما حاولت صافيناز إبعاده بذعر وهي تحاول التقاط أنفاسها.
وفي نفس اللحظة.
كانت فايزة في مكتبها تقرأ ملفا، حين اندفعت مريم وزين يصرخان: نانااا! أنكل سليم بيخنق مامي!
نظرت لهما باستغراب: إيه؟ أنكل إيه؟
زين يلهث: خالو سليم بيخنق مامي.
اتسعت عيناها بصدمة، ألقت الملف ونهضت تركض فورا.
الجهة الأخرى.
كان سليم لايزال يضغط على رقبتها رغم محاولات الحراس للتدخل، لكنه صرخ بجنون: ماحدش يقرب! أرجعوا بدل ما أخلص عليكم!
ثم ظهرت فايزة وهي تهتف بغضب: سليم! أبعد عنها هتموت في إيدك!
صرخ بعنف وهو يخنقها: خليها تموت!
نظرت فايزة للحراس بغضب: واقفين تتفرجوا؟! أبعدوه عنها يلا!
اندفع الحراس نحوه يحاولون سحبه بعيدا، بينما كان يصرخ ويقاوم بعنف: أوعوا ! أبعدوا!
وأخيرا سحبوه بالقوة، لتسقط صافيناز بين ذراعي فايزة تلهث بصعوبة.
لكن سليم لم يهدأ بل أخذ يضرب الحراس بعنف كالمجنون.
في تلك اللحظة...
خرجت ماسة إلي الشرفة تتمطع بتلقائية، وحين وقعت عيناها على مايحدث بالأسفل اتسعت عيناها بصدمة، تحركت مسرعة وكادت تندفع للخارج، فتحت الاوكرة لكنها توقفت فجأة عند عتبة الباب..
تذكرت أنه لا يجب أن تهبط فقد يفشل مخططهم، أغلقت الباب بسرعة أخرجت هاتفها من البياجاما، واتصلت بمكي، تحدثت بتوتر: ألو يا مكي! إنت فين؟ ألحق سليم بيتخانق مع الحراس!
سمعها مكي المتوقف بالقرب من البوابة، فاتسعت عيناه وركض بسرعة نحو الداخل.
عادت ماسة إلى الشرفة، تضع يدها على فمها، وعيناها لا تفارق المشهد، مازالت غير مستوعبة مايحدث.
كان سليم مازال يضرب الحراس، وهم يستقبلون ضربه دون مقاومة.
يصرخ بجنون: بتوقفوني يا كلاب؟! ده آخر يوم ليكم.
انتصب فجأة قائلا بأمر: ماحدش يدخل وإلا هايكون آخر يوم في عمره..
ثم اندفع نحو صافيناز مرة أخرى، أمسكها من شعرها بعنف وانتزعها من حضن فايزة، وقبض على رقبتها من جديد وفايزة تحاول إيقافه والحراس يشاهدون ولم يستطيعوا التدخل تلك المرة.
في تلك اللحظة...اندفع مكي نحوه، وشده بعنف وهو يصرخ: في إيه يا سليم، أهدي!
صرخ سليم بجنون: أوعى يا مكي!
حاول دفعه، لكنه لم يفلح.
صرخت فايزة: مكي أبعده!
صرخ سليم وهو يقاوم: هاقتلهالك، والله لأقتلها!
كاد يندفع مرة أخرى نحو صافيناز، لكن مكي لوى ذراعه خلف ظهره بإحكام، ثم اقترب منه أكثر واضعا شفتيه قرب أذنه، من الخلف وهمس بحدة خافتة: هاتبوظ كل حاجة باللي بتعمله ده، مهما عملت لازم تهدى، فوق؟!
جز سليم على أسنانه بعنف، وعيناه مازالتا تقدحان شررا، لكنه بدا وكأنه استمع لشيء أعاده إلى صوابه ولو بنسبة بسيطة.
استغل مكي تلك اللحظة، ودفعه نحو القصر، وهو يقول بحزم: تعالي معايا!
سحبه مكي للداخل بالقوة، بينما كان يلتفت سليم خلفه بنظرات مشتعلة وأنفاسه تخرج كزفير وحش جريح...
بينما كانت فايزة تمسح على شعر صافيناز تحاول تهدئتها: خلاص يا صافي خدي نفسك بالراحة.
اقترب زين ومريم ومسحوا على قدميها وكتفها بحزن وخوف..
كانت صافيناز تلهث بصعوبة، وآثار أصابع سليم تظهر بوضوح على عنقها.
في الأعلى، كانت ماسة ما تزال واقفة في الشرفة قلبها يخفق بعنف، غير قادرة على فهم سبب إشعال هذا الجنون المفاجئ!
بينما أدخل مكي سليم إلى الهول، وقال بغضب: إيه إللي إنت عملته ده؟! عملتلك إيه علشان توصل لكده؟!
نظر له بعينين متوحشتين، وأنفاسه مضطربة: أنا مش عايز أتكلم.
ثم تحرك مسرعا نحو الدرج بخطوات سريعة وغاضبة.
ظل مكي ينظر إلى أثره بعدم فهم، ثم أخرج هاتفه واتصل بماسة: أيوة يا ماسة، أنا تقريبا خلصت الموضوع، هو طالعلك، بس مش عايز يتكلم ومتعصب جامد، خدي بالك... ولو عرفتي حاجة قوليلي.
جاءه صوتها وهي تتحرك داخل الغرفة: خلاص ماشي، حاضر.
أغلق الهاتف وخرج إلى الخارج، فرأى صافيناز مازالت بين ذراعي فايزة، تتنفس بصعوبة، لم يعلق بشيء، بل نظر إلى الحراس وقال بصرامة: يلا كل واحد على مكانه.
تحركوا مبتعدين سريعا، نظرت فايزة إلى الطفلين وقالت بنبرة هادئه: زين مريم يلا على أوضكم دلوقتي، محتاجة اتكلم مع مامي لوحدنا، وياريت إللي حصل ده تنسوه خالص.
مريم ببراءة ممزوجة بالخوف: هو ليه أنكل سليم عمل كده؟
ابتسمت فايزة ابتسامة مصطنعة: أنكل سليم كان بيمثل دي كانت بروفا، هو ومامي هيعملوا مسرحية.
زين باعتراض : نانااا، إحنا مش صغيرين علشان تضحكي علينا.
تصلبت ملامحها وقالت بحزم: عيب تقول كده يا زين، أكيد أنا مش هكذب عليك يلا على أوضتك إنت وأختك.
أومأ برأسيهما وتحركا مبتعدين.
اعتدلت فايزة في جلستها، وتحولت ملامحها إلى صرامة باردة، ثم نظرت إلى صافيناز، وتساءلت بهدوء حاد: هو سؤال واحد، إيه إللي حصل وصل سليم للجنون ده؟ عملتيله إيه؟
وضعت صافيناز يدها على رقبتها، وهي تلهث بغضب:
ده حيوان!
فايزة ببرود: طلعتي الحيوان إللي جواه أزاي يا صافيناز؟ أنا عايزة إجابة.
رفعت رأسها بتحدي، وقالت بغل: علشان قولتله الحقيقة إللي مقدرش يستحملها! قولتله إنه مش راجل، وإنه مبيخلفش، ومستحيل يبقي أب، وإن ماسة خانته علشان مش راجل ومقدرش يلبي احتياجاتها، فمستحملش، الحقيقة وجعته.
نظرت لها فايزة بهدوء مريب، وارتسمت على شفتيها ابتسامة جانبية باردة، وفجأة هبطت على خدها بصفعة قوية لم تتوقعها قط.
وضعت يدها على خدها بصدمة: إنتِ بتضربيني يا مامي؟!
فايزة ببرود قاتل: إنتِ غبية وهتفضلي طول عمرك غبية.
ثم نظرت لها من أعلى إلى أسفل بازدراء، لم تضف كلمة أخرى، تحركت مبتعدة بخطوات ثابتة.
أما صافيناز جزت على اسنانها، وعيناها امتلأتا بغل أسود.
وفجأة أطلقت صرخة مدوية خرجت من أعماق قلب ممتلئ بالكراهية، صرخة تحمل كل الحقد والغل والرغبة في الانتقام.
علي إتجاه آخر
دخل سليم غرفته وهو يشتعل كالنار، أنفاسه متلاحقة كمن يختنق، يدور في الغرفة كالمجنون لا يعرف كيف يهدأ.
نزع التيشيرت بعصبية من شدة ضيقه، ورغم ذلك ظل صدره يعلو ويهبط بعنف، غير قادر على التقاط أنفاسه.
كلمات صافيناز مازالت تتردد في رأسه، كان يريد أن يحرقها بكلماته، فإذا بها هي من أشعلت النار داخله.
مد يده بعنف، أمسك أقرب شيء أمامه، وقذفه في الحائط، تحطمت القطعة وسقطت على الأرض بصوت مدوي.
في تلك اللحظة...
دخلت ماسة تنظر إليه بقلق: إيه إللي حصل يا سليم؟
أعطاها ظهره وهو يلهث، وقال بحدة: أنا مش عايز أتكلم دلوقتي، لو سمحتي أرجعي أوضتك.
اقتربت خطوة وقالت بإصرار: يعني إيه أرجع أوضتي؟ لا إحنا لازم نتكلم، في إيه؟ إيه إللي حصل؟
هم بالالتفاف لها، يلوح بيده وهو يصرخ: قولتلك سيبيني دلوق_!
وفي لحظة اندفاعه اصطدم وجهها بكفه، فصرخت متألمة، وتراجعت خطوة، واضعة يدها على أنفها: آه!
اقترب منها بسرعة، وملامح الندم ظهرت على وجهه: أنا آسف..
فجأة سحبها إلى صدره، وضمها بقوة، ثم وضع قبلة طويلة أعلى رأسها: ماكنتش أقصد آسف.
كانت تضع يدها على أنفها وشفتيها من الألم، فرفع ذقنها بيده ينظر إليه بقلق: إنتِ كويسة؟
وضعت يدها فوق يده التي تمسك بذقنها، وقالت باهتمام: سيبك مني، قولي الأول إنت فيك إيه؟
زفر بضيق شديد، ابتعد عنها متحركا كام خطوة وهو يعطيها ظهره وقال بصوت مخنوق: أنا مخنوق أوي يا ماسة ومش قادر أتكلم، من فضلك أرجعي أوضتك ونبقي نتكلم بعدين.
قالت بإصرار عقلاني وهي تقترب: طب فضفض معايا، يمكن لما تتكلم ترتاح!
الفتت اليها، بعينين يغلب عليهما السواد بحسم: وأنا قولت مش عايز أتكلم، روحي علي أوضتك يلا!
نظرت له طويلا، ثم مسحت على وجهها، تفكر بين البقاء والرحيل، تعرف أن سليم الآن خارج نطاق أي تفاهم.
نظرت حولها، فرأت التيشيرت ملقى على الأرض، والمزهرية مكسورة، والفوضى تملأ المكان
فهزت رأسها برفض، وقالت بإصرار: لا مش همشي، وفهمني ليه عملت إللي عملته تحت ده؟! أنا ماشوفتش حاجة، كل إللي شوفته إنك كنت بتضرب الحراس، وصافيناز كانت في حضن الهانم، إيه إللي حصل؟!
زفر بضيق خانق، ثم أمسك كتفيها بقوة: ماسة، مش هقولك تاني، أنا مش عايز أتكلم ولسة مخنوق منك، تخيلي كل ده في دماغي دلوقتي، أنا لحد دلوقتي ماسك نفسي بصعوبة، بعد كده مش هيبقى كويس، يلا.
امسكها من ذراعها، وسحبها نحو الباب ثم دفعها برفق نحو الخارج، وأغلق الباب خلفها، وأدار المفتاح.
وقفت أمام الباب، تضرب عليه بيدها: يا سليم أفتح نتكلم بس! .. ياسليم، سلـــــيم.
نظرت حولها بتوتر، وتذكرت أن وقوفها هكذا لن يكون له أي مبرر إن رآها أحد، فزادت حيرتها وغضبها.
ضربت الباب بعصبية، ثم تحركت نحو غرفتها قبل أن يراها أحد.
دخلت غرفتها، تتحرك فيها ذهابا وإيابا بتوتر، لا تعرف ماذا تفعل
ثم فجأة أمسكت هاتفها واتصلت بمكي: أيوة يا مكي بقولك إيه، أنا مش عارفة أتكلم مع سليم.
جاءها صوته هادئا: ما أنا قولتلك، هو دلوقتي متعصب جدا، استني شوية وبعدين نحاول نتكلم معاه.
ردت بضجر: لا أنا مش هفضل كده قاعدة عايزة أعرف إيه إللي حصل.
صمتت لحظة، ثم قالت: بقولك إيه، هو المكان إللي كانوا قاعدين فيه مافيهوش أي كاميرا أو ميكروفون؟
أجابها: آه حاطط ميكروفون بس مش عارف الصوت هيبقى واضح ولا لأ.
قالت بسرعة: طيب هات التسجيلات إللي من نص ساعة أو ساعة وتعالى نسمعهم سوا، يمكن نلاقي تفصيلة صغيرة نفهم منها.
أجاب: طيب اديني 10 دقايق وهبقى عندك.
أغلقت الهاتف، وجلست على الفراش، صدرها يعلو ويهبط بتوتر وهي تنتظر.
وبعد دقائق طرق الباب.
قالت بترقب: مين؟
أجاب: أنا مكي.
فتحت له بسرعة: أدخل بسرعة.
دخل مكي، فأغلقت الباب خلفه.
قال فورا: لا ماتقفليش الباب، مش هاينفع.
ردت بتوتر: طب أفرض حد شافك؟
أجابها بتوضيح: أفتحي الباب شوية، هما تحت مستحيل يطلعوا دلوقتي، كدة أفضل.
فتحت الباب قليلا، ثم جلسا معا: سمعت التسجيل؟
هز رأسه: لسة.
وضعوا سماعة البلوتوث في أذنيهما، وشغل التسجيل
كان الصوت مشوشا؛ أصوات عصافير وضوضاء نافورة... وكلمات متقطعة.
ظلوا يعيدون المقطع أكثر من مرة حتى بدأت بعض الكلمات تتضح.
بدأ مكي يكتب مايسمعه وهي أيضا تقول ما سمعته وبعد دقائق...
أغلقت التسجيل وقالت بقلق: كتبت إيه؟
نظر لها قائلا: سليم بيقولها نعمل DNA... وبيقول إن الولاد مش شبهك وهي قالت كلام عن احتياجات... العملية... خانتك، مصطفى... وإنت مابتخلفش... هاتفهم إزاي؟! .... مش راجل.
صمتا للحظات وكانهما يفكران في الحديث لتكوين جملة مفهومه.
فجاه اتسعت عينا ماسة: إنت فهمت؟
أومأ مكي ببطء: أكيد فهمت، هي قالتله إنه مش راجل، وإن مراتك خانتك علشان تلبي احتياجاتها.
زفرت ماسة بضجر: بصراحة له حق يقتلها.
أجابها بعقلانية: بس إحنا عايزين نهديه، مش نولعها أكتر.
أومأت براسها بصمت وهي تزم شفتيها، ثم أضاف وهو يهم بالتوقف: طيب هنزل أنا..
هزت رأسها، ثم قالت فجأة: لا استنى جتلي فكرة بس بقولك إيه! هاتنفذها من غير مناقشة خليك أخ جدع.
ابتسم: لما أسمع الأول.
اومأت بتذمر: ما هو هاتسمع وهاتنفذ، اتفقنا؟
رفع حاجبيه بإصرار: أسمع الأول!
تنهدت بضيق: أقسم بالله إنت عيل رخم، عشري أحسن منك، بس للأسف بس ماقداميش غيرك دلوقت، يلا فتح مخك معايا، هقولك الخطة.
أحد الكافيهات،٤م.
جلس رشدي ومي على أحد الطاولات، أثناء ذلك جاء الجرسون ووضع على الطاولة أمامهما قطعة كيك وكوبان من الشاي ثم رحل.
مي بإبتسامة: جنة دي عسولة أوي، اتصالحت بسهولة.
ابتسم بخفة: هي بتفضل تعمل نفسها مقموصة شوية وبعدين تتصالح بسرعة.
نظرت له بشك لطيف: شكلك مش أول مرة تزعلها.
هز كتفيه: مش بالظبط، بس أنا مش بقدر أزورها كتير.
صمتت لحظة، ثم قالت فجأة بحماس: طب إيه رأيك نتبناها؟
ضحك بسخرية: يا سلام!
ردت بجدية: بكلمك جد، إيه المشكلة؟!
تنهد وقال بواقعية مريرة ساخرة: علشان سلسلة الترقيات والتهزيق تكمل؟
لوح بيده: لا، أنا مش عايز صورتي تتهز في عنيها، هي أحسن كده في مكانها، يمكن لو في المستقبل بقى لينا حياة لوحدنا، ساعتها ممكن أفكر.
أومأت بعقلانية: بس ده إللي لازم يحصل يا رشدي، لازم يكون لينا حياة بعيدة ومستقلة عن العيلة.
أومأ برأسه بصمت بينما تابعت حديثها بتساؤل: طب إنت ناوي تعمل إيه؟!
ضيق عينه بعدم فهم: أعمل إيه في إيه؟
اومأت توضح بعقلانية: يعني لما إن شاء الله تتعافى وتبطل؟! مافكرتش هتعمل إيه بعد كدة؟!
هز رأسه وهو يعود للخلف: سيبيها لوقتها خلينا في دلوقتي؟!
هزت رأسها باعتراض: لا طبعا، لازم تحط لنفسك حافز علشان يساعدك تبطل بسرعة..
أجابها بابتسامة: طب ما أنا حاطك إنتِ حافز.
هزت رأسها: لا غيري.
صمتت للحظة ثم قالت بحماس: إنت ليه مافكرتش قبل كده تفتح جاليري وتعرض فيه الأشكال اليدوية إللي إنت بتعملها؟
ضحك بسخرية: أنا بعمل شوية أشكال تافهة يا مي، مين إللي هايروح يشتري حتة حديدة على شكل وردة ولا حيوان؟ مالهاش لازمة.
هزت رأسها بأعتراض، وقالت بجدية: بالعكس الأشكال دي ناس كتير بتشتريها وبتتباع غالية..
مالت عليه، وعيناها تلمعان بالحماس: اشتغل على نفسك وطور موهبتك، أعمل أشكال كتير ومختلفة ونبيعها أكيد في الأول المبيعات هاتبقى قليلة، بس مع الوقت المشروع هايكبر.
ثم أضافت كأنها تجعله يرى أشياء لم يراها من قبل: وإللي يعرف يعمل من حتة حديد شكل، يعرف يعمل من أي حاجة شكل، النهاردة حديد وأسلاك، بكرة بلاستيك بعده خشب، وبعده ممكن دهب وده أصل شغلكم.
ابتسمت بثقة وأمسكت يده: بجد يا رشدي الموهبة إللي عندك دي تقدر تطلع منها أفكار كتير.
زمت وجهها بضيق وضجر: أنا أصلا مش فاهمة إزاي أهلك كانوا بالسطحية دي وشايفين إن إللى بتعمله مالوش قيمة! ده لو كانوا أدوك حتة دهب تشكلها كنت هاتطلع منها تحف، حقيقي كانوا في منتهى السطحية ومعرفوش يقدرو موهبتك صح.
كان ينظر إليها بابتسامة، فهذه المرة الأولى التي يشعر فيها بحماس أحد تجاهه، ودفعه للأمام بكل هذا الإيمان.
ابتسم ابتسامة جانبية معلقا: تعرفي إن إنتِ الشخص الوحيد إللي بيتحمس للي بعمله ويشوفه من زوايا تانية؟!
أمسكت يده بحماس أكبر: طب اتفقنا ولا إيه؟!
نظر لها طويلا بصمت يفكر ثم قال وهو يمد شفتيه للإمام بحيرة: مش عارف يا مي، أنا عمري مافكرت في الموضوع ده.
سألته بهدوء: هو إنت ناوي تكمل شغل مع العيلة؟
أجابها بسخرية: أنا اطردت قدامك.
قالت بتفاؤل: ما إنتم أكيد هاتتصالحوا.
هز رأسه: حتى لو اتصالحنا، أنا أثبت إني فاشل...
صمت للحظى ثم تابع بثقل يخرج من قلبه قبل عينه:
أقولك الحق يا مي، أنا طول عمري بحارب في الشغل ده عشان آخد مكانة مش حب في الشغل، بس علشان أبقى زي سليم ويشوفوني زيه، أشوف نظرة الاحترام والتقدير، والخوف، ويعملولي حساب..
تنهد بعمق: حاولت كتير وفشلت، يمكن لإني مابعملش ده بحب، بعمله لهدف والهدف إللي جوايا مش شريف، يمكن سليم نجح لإنه حابب ده.
صمت لحظة، مد شفتيه السفلية قائلا بصدق: مش عارف سبب فشلي؟! بس إللي متأكد منه إني مش بحب شغلهم، الأرقام والحسابات والمناقصات الكلام ده بمل منه..
ابتسم ابتسامة مشرقة: بحب أعمل شغل بأيدي بستمتع بيه جدا، علشان كدة كان نفسي أدخل هندسة.
ابتسمت بهدوء، وقالت بتحميس: خلاص، مادام إنت مش حابب شغلهم اشتغل في الحاجة إللي بتحبها، حتى لو هاتكسب مبلغ صغير، يكفي إنك بتحبها وهاتكون مستمتع باللي بتعمله، وصدقني طول مابتشتغل بحب هاتنجح وتوصل، هاتخسر إيه لو جربت؟
صمت لحظة يزن كلماتها في رأسه، بدا وكأن الفكرة راقت له، فقال بهدوء: عندك حق، ها أجرب.
ابتسمت وأشارت بيدها: حلو، بس خد بالك، أول حاجة هانشتغل عليها دلوقتي هي موضوع الإدمان، ده رقم واحد.
ثم تابعت بإبتسامة مشجعة: وبعد كده نبدأ نشوف المشروع، ندور على مكان صغير، نفتح فيه ونبيع الحاجات إللي إنت هاتعملها.
عدلت ياقة قميصها وقالت بغرور مازح: وأنا هكسب فيك ثواب وها أبقي رئيس مجلس الإدارة.
رفع حاجبه بمزاح: قولي بقي إنك داخلة على طمع.
ردت بمزاح، وهي ترفع ذقنها بتحدي لطيف: إنت تطول أصلا؟! وبعدين أنا صاحبة الفكرة وفكرت بالاسم، استنى ها أوريك.
أخرجت هاتفها وبدأت تقرأ ما كتبته، قالت بحماس: إيه رأيك نسميه... «حين صارت مي وطنا لرشدي»؟
رشدي ساخرا: إحنا كده بنكتب موضوع تعبير!
رفعت حاجبها بضيق: سخيف! طب بص... ده "مابين اسمين وقلب"
ضحك ساخرا، وهو يحتسي بعض الماء: ده زي مابين شطين ومية؟
عبست بوجهها، وقالت بتذمر: مافيش حاجة عجباك خالص!
رد بنبرة مستفزة قليلا: ما إنتي إللى مختارة أسماء حمضانة، خشي على إللي بعده، وياريت يكون قصير شوية.
بعد تفكير سريع: خلاص نسميه «ما بيننا».
رشدي بسخرية أكبر وهو يشير بأصابعه: ما بينا يفضل بينا... غيرووه!
تنفخت بضيق، وعقدت ذراعيها أمام صدرها: خلاص آخر اسم عندي «ميروش».
عقد حاجبيه باستغراب: إيه الاسم المايع ده؟!
مي بحماس، وهي تشرح بفخر: ده أول حرفين من اسمي، وأول تلات حروف من اسمك.
نظر لها بنصف ابتسامة ساخرا: إنتِ هاتستعبطي؟ اسمك كله حرفين أصلا!
ضحكت وهي تضربه بخفة على كتفه: ما عشان اسمي واسمك يبقوا ملتصقين!
تنهد قائلا: طيب يا مي، نبقى نشوف الموضوع ده بعدين.
رفعت حاجبها، وقالت بنبرة غليظة: بقولك إيه هو«ميروش» مش هايتغير! مالكش دعوة... بدل ما أتحول عليك!
ضحك بسخرية: محمود، إنت حضرت؟، بقالك فترة غايب ليك وحشة والله، خلاص ياعم بالراحة علينا، موافق..
ثم أمسك يدها، وقبلها بخفة، وقال بنبرة صادقة: إنتِ تعملي إللى إنتِ عايزاه، إنتِ أصلا هاتكوني صاحبة كل حاجة، وأنا مجرد عامل عندك، ربنا يخليكي ليا.
سحبت يدها، وابتسمت بخجل: طب خلص الشاي والكيك بتاعك، علشان عندنا معاد دكتور.
عقد حاجبيه باستغراب: دكتور ليه؟! إنتِ تعبانة؟
تمتمت وهي تتحاشى النظر في عينيه، وتعبث بطرف حجابها: لا عشان اااا
ثم تابعت بتلعثم واضح: بص بصراحة أنا كلمت أخو زميلتي علشان موضوع الإدمان دى، و..
اتسعت عيناه بصدمة، واعتدل في جلسته: إيه؟
رفعت يدها بسرعة، محاولة تهدئته: استنى بس أسمعني! لازم أفهم منه، لازم حد يوجهني، أومال هعالجك أزاي؟! وإنت مش راضي تروح مصحة؟
بدا الضيق واضحا على ملامحه، وانقبض فكه بعصبية، فأمسكت يده برفق، وضغطت عليها، وقالت بنبرة صادقة: أنا مش ها أقوله إنه ليك، والله ماها أقول، بس ده الحل الوحيد، لازم حد يرشدني، ياتروح مصحة يا تسيبني أسأل حد فاهم يساعدني.
ظل ينظر إليها بصمت، تتصارع داخله مشاعر الغضب والحرج والخوف.
ثم زفر بضيق، وقال أخيرا بنبرة متحفظة: ماشي..
أضاف بتحذير واضح: بس ماتقوليش إنه أنا ولا تخليه يحس.
اومأت له، وتنفست بارتياح وكأن حملا ثقيلا انزاح عن صدرها.
في ورشة الحج شاهين4عصرا.
جلس شاهين خلف المكتب على ملامحه هدوء مريب، وقف توتو أمامه.
سأله شاهين بنبرة مقتضبة، مشحونة بالشك: صاحبك فين يا توتو؟
أجاب: مسافر الأقصر زي ما إنت عارف ياحج.
هز شاهين رأسه بعدم تصديق: كل ده في الأقصر؟!
أجابه مسرعا: أكيد قرايبه مسكوا فيه يقعد كام يوم، ده بقاله سنين ماسافرش.
تبسم شاهين ثم نهض من مكانه وتحرك، حتى وقف أمامه مباشرة قائلا بنبرة لا تحتمل النقاش: طب بلغ صاحبك لو ناوي يطير بالفلوس ويخلي بالاتفاق بلاش أحسنله.
ابتلع توتو ريقه وحاول تحسين موقف: يطير إزاي بس؟ ده إنت أبو نسب، وفيه بينكم مصالح يعني مش هيهبأ
أصر شاهين وهو ينظر بعينه: بلغ صاحبك إني بدأت أزعل، ولو زعلت هو عارف كويس أنا ممكن أعمل إيه.
أجابه بتوتر: والله يا حاج لو عرفت أوصله ها أبلغه، وإنت ماتقلقش هي مسألة أسبوع ولا أسبوعين ويرجع.
تبسم شاهين وخبط على كتفه: روح يا توتو بلغ صاحبك بالكلمتين دول، وقوله يخرج من الجحر إللي هو فيه، أنا مش هعمله حاجة، بس آخر الأسبوع لو جوة جحر التعبان هجيبه، لسة ماجابتوش أمه إللي يفكر يضحك على المعلم شاهين.
هز توتو رأسه بإيجاب، وتحرك إلي خارج الورشة.
بينما ابتسم شاهين وجلس على المقعد الأمامي للمكتب، مدركا أن محمود يخفي شيئا، ربما لم يستطع إقناع شقيقته أو الوصول إليها، لكنه صابر، لأنه يعرف أن الورقة التي معه رابحة.
على إتجاه آخر.
تحرك توتو في الشوارع والأزقة حتى دخل إحدى البيوت القديمة.
صعد أحد الطوابق وطرق على الباب طرقات معينة
فتح له محمود وهو يدخن سيجارته بقلق: إيه كان عايزك ليه؟
دخل توتو وتوجه نحو التلاجة اخذ زجاجه مياه احتسى منها، ثم جلس على الكنبة ينظر لمحمود: ما إنت فاهم كان عايزني ليه؟
ثم نظر له بتحذير شديد اللهجة: لازم تحل الحوار ده، إللي إنت فيه ده مش صح! هاتستخبى لحد إمتى؟
تنهد محمود يخرج دخان سجارته: يعني أعمل إيه؟!
ما هي بنت الكلب دي ما أعرفش فين؟!
رد بنبرة لازعة: أختك عند الدكتور، أكيد خدها وحطها في حتة، إحنا دلوقتي في مصيبة، إنت بتقول أختك اتجوزت يعني هي دلوقتي متجوزة اثنين إنت عارف يعني إيه؟
حك محمود خده وهو ينظر أمامه بضجر: عارف وأنا إللي ها ألبس وأنا مش عايز اتحبس تاني مش عارف أعمل إيه؟! الدنيا اتكعبلت فوق دماغي.
توتو بفحيح أفاعي: حلك مافيهوش غير اللي اتكلمنا فيه قبل كدة..
نظر له محمود بارتباك، بينما تابع توتو بنفس الوتيرة: أختك قصاد أخته، نجيب البت أخته هنا ونساومه عليها، الدكتور يطلقها ونرجعها للحج.
ابتلع محمود ريقه وقال بتردد: حتي لو رجعت، تفتكر هتكون قعدت معاه كل ده من غير ما يلمسها؟ الحج هايفضحنا في المنطقة.
توتو ببساطة: سهلة، وديها للبت كوثر، عملية صغيرة وترجعها زى ما كانت.
محمود باستهجان: إنت بتقول ايه يا عم، دى أختي برضو، استحالة أوديها أماكن زى دى.
توتو بضجر: خلاص يبقي استحمل الفضايح إللى هاتحصل، ما هي مالهاش حل إلا كده، ويا عم لو مشكلتك في المكان خلي كوثر تعملها لها في البيت.
محمود بتوتر: مش عارف يا توتو حاسس إننا بنورط نفسنا أكتر، وبعدين هانخطف أخته إزاى وأنا مش عارف أنزل؟
ربت توتو على كتفه: سيب الموضوع ده عليا، ها أجيبلك البت أخته هنا ونكلمه ونخلص.. ولما أختك تيجي نبقي نكلم كوثر تيجي البيت وتعملها اللازم.
تابع بتحذير: بس لازم ننجز، الحاج شكله مرقدلك.
نظر له محمود بتردد، ثم أومأ ببطء: ماشي، الله يسامحك يا آلاء على البهدلة إللى مبهدلاها لنفسك وليا معاكي دى.
قصر الراوي،5مساء.
غرف صافيناز
نرى صافيناز تتحرك في الغرفة بقلق وضيق شديد، تتنقل بين الخمر والحبوب والسجائر بأنفاس متوترة.
ما فعله سليم بها زادها انهيارا، وحتى صفعة فايزة كانت صدمة لم تتوقعها.
لكن أكثر ما كان يزعجها حقا؛ أن عماد لن يستطيع أخذ حقها كما تريد، فإذا أخبرته بما حدث فستجبر على مواجهة لا تعلم عواقبها..
وأثناء ذلك، فتح الباب فجأة، ودخل عزت بملامح مشتعلة بالغضب: إيه إللي أنا سمعته ده يا صافي!
أغلقت سيجارتها بسرعة، وتوجهت نحوه بإنفعال: إنت لازم تجيبلي حقي!
نظر لها باستهجان: أنتِ عايزة تقوليله إنه مش راجل ومابيخلفش، ويقعد ساكت؟! وبعدين، إيه أللي خلاكي تقوليله الكلام ده أصلا؟!
نظرت له بقلق واضح: علشان سليم شكله عرف.
سألها بحدة: عرف إيه؟!
ابتلعت ريقها، وقالت بصوت خافت: عرف إن زين ومريم مش ولادي، أصل مش معقول يعني امبارح تيجيلي رسالة إن "السر مهما استخبى سنين أكيد هاييجي يوم وينكشف، تفتكر عماد لما يعرف إن زين ومريم مش ولاده، وإني مابخلفش وشلت الرحم، هايعمل إيه؟!" والنهاردة ألاقيه بيلمح التلميحات دى، أكيد هو إللى باعتها.
مد عزت يده بعصبية: فين الرسالة دي؟ وريهالي..
أعطته الهاتف بيد مرتعشة.
نظر إلى الرسالة، ثم سأل: جاتلك إمبارح؟
اومأت برأسها بتوتر: أيوة إمبارح بالليل.
فلاش باك.
كانت صافيناز تجلس أمام اللابتوب، بينما عماد يجلس بجوارها منشغلا بهاتفه.
وفجأة وصلت رسالة إلى هاتفها وما إن رأتها حتي تغير لون وجهها فورا واتسعت عينها، لاحظ عماد توترها فسألها: فيه إيه يا صافيناز؟
ارتبكت قليلا، ثم قالت بسرعة: لا مافيش، دى رسالة تبع الشغل، تقرير يعني.
بدأت أنفاسها تتسارع، وقلبها يخفق بسرعة، تشعر بالبرد يزحف إلى أطرافها، نظرت بطرف عينها نحو عماد، كانت تخشى أن يشعر بتوترها فنهضت مسرعة، واتجهت إلى الحمام وهي تحمل الهاتف، محاولة أن تخفي ارتباكها، بينما عقد عماد حاجبيه بدهشة.
بعد أن أغلقت الباب خلفها، توقفت لحظة، وضعت يدها على خدها بدهشة: مين عرف؟ يا نهار أسود!
بدأت الدموع تملئ عينيها من الخوف...
أمسكت الهاتف مجددا، ونظرت إليه بفزع، ثم تحركت نحو الحوض، فتحت الصنبور، واتصلت بالرقم الذي أرسل الرسالة، فوجدته مغلق.
ضغطت على أسنانها بغيظ، ثم أعادت الاتصال مرة أخري بلا جدوى.
بعدها اتصلت بشخص آخر، وقالت بصوت حاد: هابعتلك رقم لازم تجيبهولي، لو جوة قبر... تجيبه! وأوعى تقولي زي الرقم إللي فات "مش عارف أوصله"، فاهم؟!
أغلقت الهاتف وأخذت تحدق في المرآه والقلق يكسو ملامحها.
بينما عماد كان واقفا خلف الباب يستمع، ابتسم بخبث، ثم تحرك نحو الشرفة، وأخرج هاتفه وأتصل بسارة.
قال بصوت خافت: إنتِ بعتيلها الرسالة؟
جاءه صوت سارة: أيوة.
رد متعجبا: بسرعة كده؟
ضحكت بخفة: وإيه إللى يخلينا نستني؟ خليها تلف حوالين نفسها وتبعد عننا، لحد ما نضرب ضربتنا ونمشي، على رأي المثل أضرب الحديد وهو حامي.
تبسم بشيطانية: عندك حق، سلام دلوقتي، هبقي أكلمك تانى.
أغلق الهاتف، وعاد إلى مكانه وكأن شيئا لم يكن، وبعد لحظات، خرجت صافيناز وجلست أمام اللابتوب من جديد
حاولت التركيز في العمل، لكنها لم تستطع، فإذا انكشف هذا السر، ستكون كارثة حقيقية.
باااك
وقفت أمام عزت، تروي له ماحدث.
وفجأة...
انفجر عزت ضاحكا بسخرية: إنتِ فاكرة إن سليم غبي للدرجة دي؟! في اليوم إللي يهددك فيه، تاني يوم هاييجي يحرقلك نفسه!
تابع بسخط: ده لو عيل في كيجي وان مايعملهاش!
ثم أشار إليها بحدة: طول ما إنتِ بتتصرفي بالغباء ده، كل حاجة هاتنكشف قريب.
نظرت له بقلق: طب وإنت هاتسيبه كده؟!
رد ببرود: وأنا مطلوب مني أعمل إيه؟ إنتِ طولتي لسانك عليه وهو ضربك، خلصت...
ثم أضاف بصرامة: قولي بس يا رب تيجي على قد كده، وآخر مرة تتصرفي من دماغك، وبطلي غباء.
كاد أن يتحرك، لكنها أمسكت ذراعه: طب مش هاتساعدني؟ عايزة أعرف مين إللى بيهددني؟
ألتفت نحوها بهدوء: أنا دلوقتي عندي أمور أهم، بعدين نبقى نشوف موضوعك ده.
قال كلماته وخرج من الغرفة، أما صافيناز فوقفت للحظات تتنفس بسرعة والغضب يتصاعد داخلها.
ثم فجأة ألقت بكل ما على التسريحة بعنف؛ لم يكن ضرب سليم لها هو أكثر ما يؤلمها، بل خوفها من انكشاف سرها.
سيارة رشدي،6مساء
توقف أمام إحدى العمارات، فنظرت إليه مي وهي تفك حزام الأمان: استناني هنا، ومش هتأخر عليك.
كادت تفتح الباب، لكنه أوقفها منبها بجدية: أوعي تقولي اسمي.
أجابته مطمئنة: ماتقلقش مش ها أحسسه إنه أنت.
وبالفعل هبطت من السيارة، بينما ظل رشدي جالسا ينتظرها بعينين متوترتين.
عيادة الطبيب
توقفت مي أمام مكتب الاستقبال، وأعطت الممرضة الاسم.
نظرت الممرضة في الدفتر، ثم قالت بهدوء: الدكتور مستني حضرتك، اتفضلي.
أومأت برأسها، واتجهت للداخل.
غرفة الطبيب.
استقبلها الطبيب بإبتسامة ترحيب: أزيك يا مي؟
أجابته بهدوء: الحمد لله أزيك يا علي.
جلست على المقعد المقابل لمكتبه، بينما نظر إليها بإهتمام: خير؟ إيه الموضوع المهم إللى عايزة تستشريني فيه؟
ترددت لحظة، ثم قالت بجدية: فيه شخص عزيز عليا، للأسف مدمن هيروين من أكتر من سنتين.
زم شفتيه وهز رأسه بجدية: كملي.
تنفست بعمق، وتابعت: كنت حابة أساعده يبطل.
اومأ برأسه: تمام، أنا أعرف مصحى كويسة يتعالج فيها.
هزت رأسها: للأسف هو رافض المصحة خالص.
تنهد ببطء، وقال بنبرة حازمة: بس ده لازم، الموضوع صعب جدا، ده مش إدمان تدخين، ده سم وانسحابه بيبقى خطير.
أجابته بثبات: أنا فاهمة، بس هو عايز يبطل، ودي أهم خطوة في العلاج
أومأ موافقا: مظبوط، بس لازم قوة تحمل، أعراض الانسحاب خطيرة جدا، وممكن يأذي نفسه أو إللي حواليه، المصحة بتكون مجهزة للحالات دي.
قالت بإصرار: أنا فاهمة كلامك، بس خلينا نجرب، أنا محتاجة منك تساعدني: العلاج اللازم، الجرعات، طريقة التعامل وكده..
نظر إليها لحظات، ثم قال بجدية: تمام، أولا هاتحتاجي تضبطي الكميات بنسب معينة، أنا هكتبلك جدول واضح، مع أدوية مسكنة، ومهدئات، ومنوم وكمان نظام غذائي مناسب..
تنهد قليلا، وتابع بنبرة أكثر حزما: بس لازم تعرفي إن الموضوع مش سهل، خصوصا في أول 10 أيام..
نظرت له باهتمام، فاستكمل كلامه: هاتلاقيه شخص مختلف تماما عن الشخص إللي تعرفيه، شخص ضعيف، عصبي، عنيف، وممكن يبقى خطير جدا، ممكن يعمل أي حاجة، حتى لو القتل لإنه بيكون في حالة صعبة جدا.
ابتلعت ريقها بصعوبة، بينما واصل الطبيب حديثه: يعني أي تصرف أو مشهد يحصل منه، لازم تكوني مهيأة نفسيا ليه، هاتجيله لحظات ضعف شديدة، وهايتذللك علشان شمة واحدة، ممكن يبوس إيدك ورجلك، ممكن يشمها من على رجلك..
توقف لحظة، ثم نظر في عينيها مباشرة وقال بحزم:
ماينفعش تضعفي ولا يصعب عليكي، المشاعر هنا نحطها بره الأوضة..
أومأت ببطء، بينما تابع: وطبعا المكان إللي هيكون فيه، ماينفعش يكون فيه أي آلة حادة، جسمه ممكن يترعش ويحصله انهيار حاولي وقتها تتكلمي معاه وتهديه..
ثم أضاف بجدية أكبر: ياريت تتكلمي معاه وتقنعيه بموضوع المصحة، إدمان الهيروين مش حاجة سهلة، خصوصا إنك بتقولي أكتر من سنتين يعني السم بقى جزء من جسمه
تنفست بعمق، ثم قالت بثبات رغم القلق الذي ظهر في عينيها: أنا عارفة كل ده، بس زي ماقولتك، مش عايزة أضيع الفرصة، يمكن أنجح، وإنت هاتكون معايا، بس أرجوك، مش عايزة الكلام ده يخرج لحد.
هز رأسه مطمئنا: أكيد الكلام ده مش هايخرج لحد..
ثم نظر لها نظرة فاحصة، وتساءل: هو الشخص إللي بتتكلمي عليه رشدي، صح؟
رمشت مي بعينيها في ارتباك خفيف، وكانت تلك الرمشة كافية للإجابة.
تنهد بخفة: عموما أنا معاكي أول بأول ولازم تبدأي من النهاردة، مادام هو ناوي.
ثم مال قليلا للأمام، وقال بنبرة جادة: ركزي بقى معايا في الكلام الجاي ده، لإن هو ده المهم، وهو ده إللي هاتمشي عليه.
سحبت نفسا عميقا وشعرت بشيء من الارتياح، كأنها أخيرا أمسكت بأول خيط في طريق طويل وصعب.
انتهت الجلسة بعد أن حصلت على خطة العلاج الصحيحة التي ستساعده بها على التخلص من سمومه.
نزلت إلى الأسفل، فوجدته ينتظرها داخل السيارة، فتحت الباب، فنظر إليها وهو يحتسي قهوته، وقال متذمرا: كل ده؟ كنتي بتي معاه.
قالت وهي تجلس بجانبه: معلش، بس كان لازم الجلسة دي.
نظرت إلى الكوب في يده وسألته: جبتها منين القهوة دي؟
أشار برأسه ناحية الخارج: من كافيه هناك كده، المهم عملتي إيه؟ عرف حاجة؟
هزت رأسها: لا معرفش حاجة، المهم دلوقتي هانطلع على محل كده معين، هو قريب من هنا علشان نشتري شوية حاجات.
نظر لها باستغراب: هانشتري إيه؟
ابتسمت بمكر: خليها مفاجأة، يلا.
زفر بضيق خفيف، ثم ألقى كوب القهوة من النافذة، وأدار السيارة حتى وصل إلى المحل الذي أشارت إليه.
قالت وهي تنظر حولها: أيوه هنا بالظبط، خليك هنا بقى استناني.
نظر لها معترضا: طب ما أجي معاكي.
التفتت إليه بسرعة: تيجي معايا فين؟ ماينفعش.
قلد طريقتها بتهكم: ماينفعش ليه؟ هاتجيبي حاجات بنات ولا إيه؟!
غمز بعينه: الله الله أموت أنا في الكلام ده كتري أحمرات.
رمقته بنظرة مستنكرة: هو إنت مفيش في دماغك غير الأفكار السافله دي؟
ضحك بخفة وقال بمشاكسة: مهو طبيعي لما الواحد يشوف البطة دى قدامه تبقى أفكاره كده، حد قالك إن اسمي رشيدة.
فتحت الباب وهي تتمتم: أنا نازلة علشان مش هخلص من لماضتك.
تبسم وهو يشغل أغاني، بينما هبطت هي من السيارة ودخلت إلى المحل.
بعد دقائق، جاءت وهي تحمل شنطة كبيرة، فتحت باب السيارة الخلفي، ووضعتها بداخله.
نظر بطرف عينه، وكاد يمد يده ليمسك الكيس ويتفحصه، لكنها أمسكت ذراعه بسرعة وقالت بحزم:
أقف عندك... لا.
ابتسم بمكر: مسيري هشوفه.
أغلقت الباب الخلفي، وجلست بجانبه: طب يلا نروح.
أدار السيارة وهو يبتسم بخفة: يلا بينا.
❤️_____________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي،6مساء
جلس سليم على مقعده الهزاز، يدخن سيجارته ببطء، وعيناه ثابتتان أمامه بشرود ثقيل ويجز على أسنانه بضيق مكتوم.
على إتجاه آخر... في الحديقة.
كانت ماسة تقف في الأسفل أمام مكي، الذي أمسك سلما طويلا وأسنده على الحائط، وهو يتمتم بتوتر: يلا أطلعي... أقسم بالله إنتِ هاتودينا في داهية أنا مش عارف سمعت كلامك إزاي؟!
ردت بمزاح :خلاص ماتسمعش كلامي واخليه يرفدك!
ثم اخرجت لسانها بمرح تبسم مكي على طفلتها ثم تحركت وهي تهم ان تصعد قالت له بتحذير: أمسك كويس بس، مش عايزة أتكسر الفترة دي.
تنهد بيأس: أطلعي!
بدأت تصعد السلم بحذر، حتى وصلت إلى شرفة سليم ثم قفزت بخفة، وبدأت تخبط على الزجاج.
داخل الغرفة
كان لايزال يجلس على المقعد شاردا، حتى قطع شروده صوت الطرق على الزجاج.
التفت باستغراب نحو مصدر الصوت واتسعت عيناه بدهشة عندما رآها واقفة هناك تبتسم له بدلال.
نهض سريعا، وفتح الزجاج وهو يقول بذهول: إنتِ جيتي هنا إزاي؟!
ابتسمت بخفة: عملت زيك.
شدها من يدها للداخل بسرعة، وقال بحدة ممزوجة بالقلق: زي إيه؟! عايزة تفهميني إنك طلعتي على السور؟!
هزت رأسها وقالت بدلال: بصراحة ما أعرفتش أعمل كده، خوفت توازني يختل وأقع، فعملت فكرة تانية، جبت سلم وخليت مكي يمسكه، وطلعت.
عقد حاجبيه وقال بدهشة: مكي؟!
اومأت براسها بتزمر: آه وكان غلس جدا! قعدت نص ساعة أتحايل عليه، وحياة ربنا عشري أجدع منه، أنا عايزة عشري بعد كده، بيسمع الكلام ومطرقع زيي.
تحرك سليم نحو الشرفة، ونظر للأسفل، فوجد مكي يقف هناك، ينظر لهما بتهكم.
مكي بسخرية مازحا: استلمتها؟! براءه أنا، إنتوا الاتنين مجانين زي بعض! واحد يمشيلي على السور فاكر نفسه سبايدر مان، والثانية تطلعلي على السلالم فاكره نفسها السوبر ومون.
خرجت ماسة بدلال قالت: لا سوبر كات.
ثم أخرجت لسانها، ضرب كف فوق كف وتحرك مبتعدا وهو يضحك..
بينما نظر سليم لها من أعلى إلى أسفل بضيق واضح، أمسك بكفها فجأة، وجذبها إلى الداخل بخطوة سريعة، حتى أوقفها في منتصف الغرفة بدفعة هادئة لكنها حازمة، دفعة تحمل ضيقه من أفعالها المتهورة التي لا تنتهي.
لكنها لم تهتم ظلت واقفة مكانها بثبات، ترفع رأسها إليه وكأن شيئا لم يحدث.
نظر لها بنظرة حادة، ثم أغلق الزجاج خلفه بعصبية، واستدار يقول بحدة مكتومة: ممكن أفهم إيه الجنان ده؟!
اقتربت منه بدلال، وأمسكت يده برفق تحاول إذابه جنونه: أعملك إيه يا سالوملوم؟ ما إنت طردتني وقفلت الباب على نفسك ومش عايز تفتحلي، وأنا مش هقعد أخبط عليك ولا أنام على الباب زي شحاتة الغرام، كده هنتعكش وهانبقى فرجة الموسم!
رفع حاجبه باستغراب: نتعكش وفرجة موسم؟!
ضحكت وقالت معلقة: آه نسيت إني بكلم سي سليم الراوي!
وفجأه قلبت صوتها وتحدثت باستقراطية: أقصد إنهم هايمسكونا، وموضوعنا هاينكشف يا سليم... فاضطريت أعمل كده.
تمتم وهو يهز رأسه: بتبقي رخمة أوي لما بتتكلمي كده.
ثم قال بنبرة أهدأ قليلا: طب وليه اللفة دي كلها؟ لو كنتي خبطتي شوية كمان كنت هافتحلك بدل ما كان حصلك حاجة.
ابتسمت بخبث خفيف وهي تقرصه من أنفه: ما أنا حبيت ألعب معاك شوية يا سالوملوم وبعدين ماتستصغرنيشي، أنا جامدة.
تنهد بضيق: بس أنا بجد متضايق منك.
لوحت بيدها بعقلانية: إحنا مش عايزين نتكلم في الموضوع ده دلوقتي خلينا في إللي إنت عملته تحت.
أدار وجهه بعيدا وقال بإنهاك: أنا مش عايز أتكلم، بجد عايز أبقى لوحدي، سيبيني شوية.
هزت رأسها برفض: لا والله ما هسيبك،
صمتت للحظه ثم قالت وعي تشير نحو الاريكة:
بص أنا عندي فكره حلوة، هقعد على الكنبة وهفضل ساكتة لحد ما تهدى ونتكلم.
ثم تحركت نحو الأريكة وجلست، وهي تضع يدها على فمها.
ظل ينظر إليها لثواني، وهي تجلس كطفل عبث بدلال ثم فجأة ضحك، فهي الوحيدة التي تستطيع أن تنتزع منه الابتسامة بدلالها في عز غضبه وهو كالعاصفة الهوجاء.
اقترب منها ببطء، ووقف أمامها، ومد يده نحوها، فابتسمت ووضعت كفها في كفه ونهضت، ضمها إليه بقوة، وأسند رأسه على كتفها وهو يتمتم بصوت مثقل: حاسس إن جوايا بيغلي يا ماسة...
ربتت على ظهره بلطف وقالت بحنان: ما إنت نارك مبتهداش غير معايا، مش أنا دوائك وهدوءك، وبوصلتك؟ مش هو ده الحضن إللي بيريحك.
أومأ برأسه ومازال بين ذراعيها، وقال بضيق: صافيناز استفزتني أوي، قولت أهددها بالورقة إللي معايا، بس قلبتها عليا ووجعتني.
قالت بهدوء حكيم وهي تربت على شعره: بس مهما كان، مكانش ينفع تفقد أعصابك يا سليم، بالعكس كنت تقولها إنك خفيت وبقيت كويس، وتبصلها بإبتسامة باردة كدة، إللي هو لو إنتِ فاكرة إللي بتقوليه ده هايعصبني تبقي عبيطة، كنت حرقتها..
ابتعد عنها قليلا وهو يضيق عينه باستغراب وقبل أن يسأل، أجابته بتوضيح: طلبت من مكي يجيب التسجيل وسمعناه لحد ما وصلنا للسبب.
تساءلت باستغراب: ليه يا سليم خليتها تعصبك، الرد البارد صدقني كان هايحرقها.
هز رأسه معترضا: الكلام ده تعملوه إنتوا الستات، تكسبوا بعض بالكلام ده، إنما إحنا كرجالة مانعملش كده يا ماسة، إحنا مانتحملش الطعن في الشرف، حتى لو كل كلمة قالتها غلط، وأنا عارف إنها بتعمل كده عشان تغيظني، بس ماقدرتش أتحمل وهي بتهينك، وبتقول كلام وحش عليكي.
صمت لحظة، ثم قال بصوت مكسور: وبعدين موضوع الخلفة ده وجعني أوي لما قالتلي عمرك ما هتخلي ماسة أم، حسيت إحساس وحش أوي..
ربتت على خده بلطف، وقالت بمزاح حنون: يا سلام ما انا أم فعلا، ما إنت ابني الكبير المشاغب!
مالت شفتيه بابتسامة صغيرة: إبنك إزاي بالعشر سنين الفرق إللي بينا؟!
قرصت خده بخفة ودلال: مش بالسن يا كوتي كوتي.
زمت بوجهها كالأطفال وتساءلت: كراميل، إحنا اتصالحنا؟
هز رأسه برفض: لا.
ذمت شفتيها للأمام ثم اقتربت منه وضعت قبلة على خده وأضافت بدلال: طب كدة اتصالحنا.
ابتعد وهو يلوح بيده: بلاش نتكلم في الموضوع ده ويلا روحي أوضتك.
هزت رأسها بعند: لا مش هروح أوضتي.
جلست على الفراش بعند: أنا هنام معاك هنا النهاردة وبطل بقى.
زفر بإختناق، وصوته خرج متعبا وهو يجلس جانبها معطيها ظهره: يا ماسة أسمعي الكلام، حقيقي أنا متضايق ومتعصب.
هزت رأسها برفض هادئ، واقتربت منه أكثر: وأنا مستحيل أسيبك لوحدك، أنا آسفة والله ما كان قصدي، دي مشاعر إنسانية يا سليم بتحصلي غصب عني، يمكن ربنا حاطط المشاعر دي جوايا عشان أفكرك أو أرجعك عن أي طريق خطر.
تنهدت، وأضافت بنبرة أهدأ: يا سيدي أنا مش هقولك تاني سامح رشدي، أعمل فيه إللي إنت عايزه، إن شا الله تعمل منه بطاطس محمرة، بس عشان خاطري خلاص..
قرصته من خده بدلال فتبسم رغما عنه، ثم تابعت بعقلانية ونصح: وأوعى تخلي صافيناز أو غيرها يعصبوك، حاول تمسك نفسك، إنت قولت إن كل حاجة هاتنتهي في الحفلة، وخلاص فاضل كام يوم... علشان خاطري اهدى.
ظل ينظر إليها بتأثر واضح، ثم فجأة مال برأسه ووضعها على صدرها، كأن كل ثقله إنهار دفعة واحدة، ضمته بحنان، وأخذت تمسح على شعره وخده برفق.
قال بصوت منخفض، يحمل تعب سنين: عارفة ساعات بقول أخدك وأمشي أسيب كل حاجة ورايا، ونعيش أنا وإنتِ في البيت الصغير إللي حلمنا بيه طول عمرنا، ونخلف ونرجع كل السنين إللي ضاعت مننا.
صمت لحظة، ثم أكمل بمرارة: سرقوا مننا سنين كتير أوي يا ماسة، بس برجع وأقول لا..
تابع من بين أسنانه بغل: مستحيل، لازم كل ثانية وجعوكي فيها أدوقهالهم أضعاف.
ربتت على ظهره برفق، وقالت بصوت هادئ مطمئن:
أرتاح يا سليم، ريح قلبك وعقلك شوية.
ثم أضافت بإبتسامة خفيفة: أقولك على حاجة حلوة؟ تيجي ناخد أجازة حتى لو يوم واحد أو كام ساعة، نختفي شوية، مانسمعش عن حد، نريح دماغنا ونقعد مع بعض.
تنهدت وهي تمسح على شعره: أنا حاسة إنك حتى وإنت معايا، دماغك لسة معاهم.
هز رأسه ببطء وقال بإصرار متعب: مش هعرف أرتاح خالص غير وأنا شايفهم مزلولين وبيشربوا من نفس الكاس..
ابتسمت له ابتسامة دافئة، وقالت بدلال خفيف: هاتشوفهم قريب بس ريح قلبك وعقلك شوية..
ثم أضافت بمشاكسة لطيفة: صالحتني، ولا لسة زعلان؟
تنهد بخفوت، وقال وهو يمسك يدها: ما إنتِ عارفة إني مبعرفش أزعل منك.
قبل خدها، ثم ضم كفها بين كفه، وأسند رأسه أكثر على صدرها، وأغمض عينيه وهو يتمتم بصوت متعب: سيبينى أنام وأرتاح شوية في حضنك.
هزت رأسها بإيجاب، عادت بظهرها للخلف مستنده على ظهر الفراش، وظلت تمسح على شعره بحنان
حتى بدأت أنفاسه تهدأ تدريجيا، وكأن حضنها المكان الوحيد القادر على إطفاء نيرانه.
على إتجاه آخر عند البوابة.
دخل رشدي بسيارته، وكان شوقي في استقباله.
وفور أن هبط منها، قال شوقي: رشدي بيه ممكن كلمة؟
شعر رشدي من طريقته أن هناك أمر ما يستدعى التحدث بمفردهم، اوما برأسه وقال لمي: اسبقيني إنتِ يا حبببتى وأنا شوية وجاي وراكي.
هزت رأسها وصعدت مسرعة للأعلى، بينما اقترب رشدي من شوقي: خير؟
أجابه بنبرة منخفضة: هانعمل إيه في منى هانم؟ مش مبطلة صريخ.
ضرب رشدي على رأسه: ده أنا سقطتها خالص!
شوقي: طب إيه؟
صمت رشدي لحظة يفكر بعمق، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة شيطانية، وقال بنبرة خبيثة: بص... خليها مكانها وكمل في الحقن، وخليها تكلم طه طبعا تقوله مسافره مع حسام اي حاجة عشان طه ميشكش او وقت يرن عليها خليها ترد بس طبعا هددها بالعيال، ويوم الحفلة خرجها... ماشي؟
ثم تمتم داخله بغل: والله لأفضحكم زي ما فضحتوني وسط الشركة...
اوما شوقي: تمام يا رياسة، فيه حاجة كمان؟! سليم بيه مسك صافيناز هانم من شوية، كان هايقتلها.
اتسعت عينا رشدي بصدمة: ليه؟!
أجابه: لا والله يا باشا ما أعرفش، بس كان عامل زي الثور الهايج، ونزل ضرب في الحراس لما الهانم الكبيرة قالتلهم يبعدوه، بس مكي وقفه ومن ساعتها وهو فوق مانزلش.
مسح رشدي وجهه بضيق، بينما تضاربت الأسئلة داخل رأسه هل يمكن أن يكون سليم علم بشيء؟ لكن إن كان علم... لكان أشعل القصر نارا دون استثناء.
فكر أن يذهب إلى صافيناز ويسألها، لكنه تذكر توتر علاقتهما بعد أن أفشت هي وزوجها أمر إدمانه، فتراجع عن الفكرة.
وفجأة لمع خاطر في ذهنه...لماذا لا يسأل سليم نفسه؟ لكن بطريقة غير مباشرة.
أومأ برأسه بحسم، وقد قال سريعا: تمام يا شوقي نفذ إللى قولتلك عليه، ولو حصل أي جديد بلغني.
قال كلماته ثم دخل وصعد الدرج متجها إلي غرفة سليم.
جناح سليم.
كان لايزال مستندا برأسه على صدر ماسة، وهي متمدد على الفراش تداعب شعره برفق، فيما يملأ المكان هدوء مشحون بالحنان، وفجأة دوى طرق على الباب، فاتسعت عينا ماسة، وفتح سليم عينيه بسرعة متأهبا.
ماسة بقلق: هنعمل إيه؟
وضع يده على شفتيها محذرا: هششش!
من الخارج، حاول رشدي فتح الباب كعادته: سليم إنت صاحى؟
رد وهو يتوقف بجمود: عايز إيه؟!
رشدي: عايز أكلمك، أفتح.
سليم بضجر: مش عايز أتكلم.
ألح رشدي: أسمع بس افتح محتاج أكلمك في حاجة مهمة.
سليم مستسلما: طيب.
همست وهي تتوقف: أعمل إيه؟
لوح بيده نحو خزانة الملابس بهمس: روحي استخبي في الدولاب.
فهرعت مختبئة في الخزانه وعندما تأكد من دخولها، فتح الباب وهو يسند يده على الحائط بمنع.
رشدي بإبتسامة متهكمة: ايه ياعم قافل الباب على نفسك ليه؟! جايب نسوان في الأوضة ولا إيه!
ثم غمز له..
سليم بجمود: عايز إيه يا رشدي؟
دخل للداخل بطريقته المعتادة وهو يرفع يد سليم، كأن الغرفة غرفته وقال مازحا: لو فيه نسوان قولي سرك في بير.
سليم بجدية: أكيد إنت مش جي تستخف دمك الرخم هنا.
التفتت له وأجابه بثقة وهو يغمز له: بذمتك أنا دمي رخم، إنت الوحيد إللي بيقوللي كده علي فكرة، قول إنك بتغير مني علشان دمي خفيف وإنت لا..
سليم بضجر: عايز إيه يا رشدي أخلص؟
قال رشدي معاتبا يحاول فتح مجال للتحدث: مش تيجي تسأل عني بعد إللي عمله الباشا فيا؟ مفيش أخوة؟
تنهد سليم موضحا: كنت مشغول الفترة إللي فاتت، يدوب اخدت ساعتين راحة أختك عكننت عليا.
اومأ برأسه، وقال مستغلا للفرصة: قالولي إن الحربوقة فورت دمك ورنتها علقة، تسلم أيدك بصراحة هي تستاهل، بس عملتلك إيه؟!
سليم بجمود: هو أنا المفروض أبررلك؟! عملت كدة وخلاص؟
رشدي مفسرا: ياعم لا تبرير ولا حاجة، بسألك عادي، أصلك ماتوصلش لعصبيتك دي إلا لو عملتلك حاجه كبيرة.
سليم ساخرا: وده من إمتى الاهتمام ده؟!
أجابه وهو يمد وجهه للأمام: افتكرت كلامك لما قولتلي زمان تعالي نقرب من بعض ونبقى أخوات، وأنا حابب نقرب من بعض..
صمت للحظة ثم تابع بصدق: تعرف إن إحنا فينا من بعض، أنا وإنت مابنتلونش، بنقول للوسخ إنت وسخ في وشه، بس أنا ساعات بلعب في الظهر، انما إنت لا بتشوط الجول قدام كل الناس، يمكن دي مشكلتك، أحيانا الوساخة واللعب بظهر، بيكون أحسن كتير من اللعبة النظيفة، خدها مني نصيحة.
سأل سليم بنفس الهدوء لمن بملل: أنا برضو مش فاهم، إنت عايز إيه؟
كانت ماسة تستمع لكل ذلك من الداخل، تزفر باختناق، فقد طال الحديث كثيرا.
بينما ابتلع رشدي ريقه: مافيش كنت حابب أسالك عملت إيه في موضوع ماسة؟! والحربوقة عملت إيه لو ينفع تقول من غير أنا مش مضطر أجاوب أو أبرر..
ارتسمت ابتسامة جانبية على وجه سليم وأجابه بهدوء فهو يفهم لماذا رشدي أتى لهنا: مالحقتش أعمل حاجة في موضوع ماسة بسبب إللي حصل بس هي ليها الأمان أنا وعدتك.. أما موضوع صافي؟ كانت بس عايزة ترجع عماد المجموعة، فرخمت عليا بالكلام، يعني عايرتني اني مابخلفش بسبب الحادثة..
لا يعلم رشدي لماذا أهتز قليلا وبربشت عيونه وغص داخله، فهو من تسبب في تلك الحادثة التي خرج سليم منها عقيما.
قال بنبرة موجوعة قليلا: مش إنت لو شلت الرصاصة إللى في ظهرك هاتخف؟
سليم بثبات: آها بس لو شلتها فيها خطر على حياتي إنت نسيت، فباخد علاج علشان الخلفة بس لسه النسبة مش عالية؟!
ذم شفتيه بحزن مبطن: إن شاء الله هاتخلف وهاتبقي كويس، وسيبك من الحربوقة، ماحدش بياخد على كلامها.
صمت للحظة ثم قال: أنا كنت عايز أطلب منك طلب..
عقد سليم حاجبيه، تابع رشدي: عايز أنتقم من عماد، على إللى عمله لما قال لمي إنى مدمن، عايزك تساعدني أنا مش هعرف لوحدي..
نظر إليه سليم مطولا؛ فهذه فرصته ليؤذي عماد، وفي الوقت ذاته رشدي من يتصدر المشهد، وبتلك الطريقة يستطيع أن يضربهم ببعض.
أومأ برأسه قائلا: تمام... نفكر فيها، بس أنا مش هظهر في الصورة.
رشدي بسرعة: تمام ممكن نبوظ شغله مثلا..
تنهد سليم: سبنى أفكر فيها وأقولك..
داخل الدولاب
كانت ماسة تستمع إلى حديثهما، وقد بدأ الضجر ينهش صبرها بعدما طال الحديث بينهما طويلا، فبدافع الملل حاولت أن تغير وضعيتها... لكنها اصطدمت بشيء بجانبها، فأصدر صوتا خافتا.
وضعت يدها على فمها، واتسعت عينيها بصدمة.
بينما ابتلع سليم ريقه ومثل الثبات بقوة
بينما ألتفتت رشدي على صوت متسائلا:إيه الصوت ده؟
سليم بثبات: تلاقي الهوا وقع حاجة جوا.
ضحك رشدي وهو يغمز: هوا!!! والله إنت جايب نسوان جوة.
علق سليم وهو يتك على كلمة: نسوان؟ يعني ماعملتهاش في العشرين، هعملها دلوقتي؟
أجابه مبتسما: أيوه، عادي راجل وليك احتياجاتك برضو، لو فيه بنات قسم مع أخوك ونعتبرها أول صفقة صلح بينا.
سليم معلقا بمزاح: صفقة صلح نجسة.
رشدي مازحا: لازم تبقى نجسة ما إنت بتعملها مع رشدي، مش مع أمام جامع.
ضحك سليم رغما عنه.
سأل رشدي مرة أخري هو يغمز: بجد مين إللي جوه؟ أعترف دي ماسة لو عرفت هاتشعلقك؟؟
دفعه سليم من كتفه: روح يا رشدي شوف هتعمل إيه، أنا عايز أنام.
علق رشدي هو يتحرك: أسمع مني لو فيه بنات ممكن نستر على بعض.
سليم هو مازل يدفعه للخارج: والله العظيم أنا مافايق لهزارك.
ألتفت له رشدي وهو على العتبة: ماشي، والعة معاك ياعم، الله يسهلووو، سلام.
أغلق سليم الباب خلفه، ثم تنهد بعمق، وتحرك سريعا نحو الخزانة.
فتح الدرفة فظهرت ماسة بنفس وضعها، ارتسمت على وجهها إبتسامة طفولية بلهاء.
قال معلقا بضيق: إيه يا ماسة؟! مش عارفة تقعدي عشر دقايق من غير فرط حركة؟
رفعت حاجبها بتمرد لطيف: أعملك إيه؟! بقالكم ساعة بترغوا!
ضحك وهو يمد يده لها: طب تعالي.
وضعت يدها في يده وخرجت، ثم توقفا أمام بعضهما.
قالت فجأة ببراءة: بقولك إيه إنت مش جعان؟
نظر لها باندهاش ساخر: نفسي أعرف إنتِ بتعملي إيه في حياتك غير الأكل وفرط الحركة!
لفت ذراعيها حول رقبته بدلال: بنام... وبحب فيك... وبتفرج على التلفزيون علشان أجيبلك منه معلومات وأبهرك!
ثم داعبت أنفها بأنفه، ضحك سليم بخفة وهو يقرص أنفها بحركة المقص: طب تعالي يا غلباوية، ها كلم سحر أخليها تعملنا أكل.
أومأت برفضٍ وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بدلال: لا، أنا عايزة شاورما فراخ ولحمة… والفراخ اللي بحبها، وعصير جوافة كمان وكرز نفسي فيه
نظر إليها بدهشة ورفع حاجبيه: هتاكلي كل ده؟
رفعت كفها في وجهه بخفةٍ وكأنها تزجره:
الله أكبر! خمس،خمس.
انفجر ضاحكًا وهو يهز رأسه باستسلام:
حاضر يا ماسة، هجيب لك كل اللي إنتِ عايزاه… وهجيب لك كمان شيبسي ليون بالكاتشب.
اقتربت منه وربتت على خده بخفةٍ وهي تبتسم بمكر: إنت أحلى سليم في كوكب.
ثم أحاطت خصره بذراعيها بدلالٍ طفولي وقالت بنبرةٍ مستعجلة: يلا بقى يا كراميلا، اتصل بسرعة
في جناح رشدي ومي.
فتح رشدي الباب، فوجد مى أمامه ترتدي كمامة وقفازات، وأمامها طاولة موضوع عليها أكياسا صغيرة، وأطباقا، ومسطرة، وميزانا دقيقا...
نظر لها بدهشة، ثم أخرج رأسه خارج الغرفة كأنه يتأكد منها: هو أنا دخلت أوضة غلط ولا إيه؟
ضحكت بخفة: أدخل يا خفيف.
دخل يردد بدهشة: إيه إللى أنتِ عاملاه في نفسك ده؟
أجابته بهدوء: علشان أقسم الحاجات زي ما الدكتور قال.
نظر لها باستغراب قائلا بطريقة معتادة: داخلة حامية كدة ليه؟ طب نتغدى الأول، تاخدي شاور.
هزت رأسها: لا نقسمهم الأول، أسمع الكلام يا رشدي وبطل دلع وروح هاتهم.
تنهد باستسلام: طيب.
توجه نحو الحمام، ثم خرج بعد دقيقة يحمل في يده كيسا صغيرا من البودرة.
نظرت له بشتكك من طرف عينيها: هو ده الكيس؟
رد بثقة مصطنعة: أيوه يا ستي ده يكفي تلات أيام.
ضيقت عينيها وقالت بحدة: والله؟ عايز تفهمني إن مامعاكش غير الكيس ده؟
زم وجه بتصنع: أيوة
نظرت له بشك من أسفل عينيها: يا رشدي...
رفع يده كأنه يقسم: وحياة خالتي خضرا، ماعنديش غير الكيس ده!
رفعت حاجبيها باستنكار: خالتك خضرا؟
اومأ بتاكيد: إها خالتي خضرا.
قلبت عينها وقالت بحزم وهي تتك على كل كلمة: رشدي، روح، هات، كل، إللي، عندك.
قلدها بسخرية: إنتِ، بتتكلمي، كده، ليه؟
قالت بنبرة حاسمة: رشدي...
تنهد باستسلام: حاضر يا ستي ماتزعقيش.
تحرك نحو الدريسنج، وكانت خلفه مباشرة.
ألتفت لها باستغراب: إنتِ جاية ورايا ليه؟
رفعت حاجبها: يلا
قالت بطريقته المعتادة: أنا بتكسف، مابحبش حد يشوف هدومي الداخلية.
نظرت له نظره حادة لا تحتمل النقاش: رشدي..
ضحك بخفة: خلاص بهزر معاكي، ده إنتي رخمة أوي...
فتح درجا سريا بطريقته، فنظرت له بدهشة: هو إنت عندك درج سري؟
ردت ساخرا: أكيد يعني مش هحط الحاجات في وشك كده، كان عندي واحد تاني في المكتبة بس غيرته لما غيرنا الديكور.
لكن فور أن فتح الدرج، اتسعت عيناها بدهشة حقيقية عندما رأت كمية كبيرة من الأكياس.
قالت بصدمة: يخرب بيتك! إيه كل ده؟! ده إنت تاجر بقى!
اومأ برأسه: لا يعني، بحب أخزن شوية خصوصا لو الصنف عجبني ويبقي فاخر من الآخر.
قلدته بسخرية: فاخر من الآخر!! بتجيب الكلام ده منين؟
ثم أخذت الكمية دون تردد، وخرجت ووضعتها على الطاولة وقبل أن تبدأ في صب البودرة في الطبق، تقدم نحوها، وأمسك بقطعة كمامة أخري وثبتها فوق الكمامة التي ترتديها، وقال بجدية غير معتادة: معلهش كده أفضل، ماتقربيش وشك من الحاجات دي.
كان يخشى عليها أن تستنشق البودرة، لذلك ظل يراقبها بعين حذرة، بينما واصلت عملها بهدوء، فجلس هو على الكرسي يراقبها بدهشة.
بدأت تقسم البودرة بالميزان، تضع الكمية المطلوبة بعناية، ثم ترفع الميزان بين يديها لتتأكد من الوزن مرة أخرى، كأنها ديلر مخدرات محترفة، لا زوجة تحاول إنقاذ زوجها.
نظر لها من تحت عينيه بدهشة: الحلوة كانت بتشتغل في الباطنية قبل كده وأنا معرفش؟
قالت بحدة: أسكت ماتلخبطنيش خليني أخلص.
ابتسم بمزاح: بس بجد منظرك غريب، إنتِ عارفة أصلا الميزان إللي إنتِ ماسكاه ده بنوزن بيه الحشيش؟ حلو برضو هاينفع، حاسس إن الواد إللي بيديني بيضحك عليا.
رفعت عينيها بتهكم، ثم نظرت أمامها واستمرت في تقسيم البودرة، وكتبت على كل كيس اليوم المخصص له، ثم رتبت الأدوية حسب الأيام وعدد الجرعات... حتى أصبحت كل الأشياء جاهزة، ولم يتبق سوى أن يلتزم بمواعيدها.
ابتسمت بحماس واضح، وكأنها أنجزت أمرا عظيما:
خلصت... أنا بجد مبسوطة أوي.
ابتسم لها وقال بسخرية: مبسوطة أوي؟ يا ترى بقي الانبساط ده سلطنة ولا حماس، مش مرتاحكلك؟!
مالت نحوه وضربته بخفة على ساقه: يا ابني بطل بقى أتكلم شوية جد في حياتك.
رفع يده بإستسلام: حاضر هتكلم جد.
ثم نظر إلى الأكياس وقال بشك: إيه بقى العينات إللي إنتِ حاطاها في الأكياس دي؟ أكيد مش حاطاها علشان تعذبيني!
ردت بجدية: الدكتور إللي قال، دي الكمية إللي المفروض تاخدها، وأنا قسمتها بالأيام.
أشارت بيدها: دول أول يومين، ودول الثلاث أيام إللي بعدهم وهكذا.
هز رأسه بتردد: ماشي بس يعني مش لازم نبقى دقيقين أوي، ممكن تبحبحي أيدك في حبة كمان ده أنا رشروشك برضو.
نظرت له بصرامة: الكلام ده مافيهوش رشروش يا حبيبي، فيه ألتزام ولا عايز تزعلني منك؟
ثم سألته بجدية واضحة: أنا عايزة أفهم إنت عايز تخف ولا لأ؟
تنهد وقال بنبرة مترددة: أكيد عايز بس حاسس إن الكمية صغيرة أوي.
نهضت من مكانها وجلست بجانبه، ثم أمسكت يديه برفق: الدكتور إللي قال كده يا رشدي، أسمع الكلام بقى إحنا لسه مبدأناش، ومن دلوقتي بتقول لا؟
قرصها من خدها بخفة وهو يبتسم: يا ستي بتدلع عليكي، مابتهزرش يا محمود.
ابتسمت رغما عنها، ثم قالت بحزم: لا بهزر، بس إحنا نبدأ من النهاردة جد.
نظرت له بجدية، وأمسكت يده بقوة أكبر: بص بقى يا رشدي، أهم حاجة إنك تكون قد الخطوات إللي ماشي فيها، وتكون من جواك عايز تبطل، لإن دي أول خطوة في العلاج ومش بس كده، ماتكدبش عليا، وحارب نفسك، واستعين بربنا سبحانه وتعالى يقويك.
صمتت لحظة، ثم أضافت بهدوء: وعلشان تستعين بربنا، لازم تقرب منه وتصلي، أنا ملاحظة إنك مابتصليش خالص، إيه رأيك نبدأ من النهاردة؟ فاضل حوالي نص ساعة والمغرب يأذن، نصلي سوا؟
نظر لها بتردد، ثم قال: ماعنديش مانع، بس أنا مبعرفش أصلي.
اتسعت عيناها بدهشة: مابتعرفش تصلي إزاى؟
رفع كتفه ببساطة: عمري ماصليت.
ردت بصدمة: طب إنت عارف الصلاة إيه أصلا؟
قال بثقة: آه طبعا، الفجر، عصر، عيشة، مغرب...
قطبت حاجبيها: عيشة؟! اسمها العشاء! طب والظهر إللي وقع منك؟!
نظر لها بإحراج، فتابعت: وطبعا أنا هبقى غبية لو سألتك إنت حافظ قرآن ولا لأ؟
هز رأسه بتأكيد وهو يضحك، فتابعت بسخرية: طب حافظ الفاتحة على الأقل؟ دي مافيش حد مش حافظها...
قال بثقة: طبعا حافظها، استني، بسم الله الرحمن "الحمد رب العالمين، الرحمن الرحيم .."
صمت فجأة، ورفع عينيه للسقف: لحظة هافتكر.
طال صمته، فنظر لها وهو يزم شفتيه: تصدقي نسيتها.
نظرت له بذهول: نسيت؟! أومال لما كنت بتقرأ إيه يوم قراية فتحتنا.
قال ببساطة: ماقرأتش حاجة، لقيتكم رافعين أيديكم فرفعت ايدي زيكم، وبصراحة كنت حاسس إنكم عبط شوية.
فتحت فمها بصدمة: إحنا إللي عبط؟! مش إنت اللي فيك المشكلة؟!
تنهدت تهز رأسها: عموما، أنا هتعامل معاك على إنك هندوسي لسة داخل الإسلام جديد، وهابدأ أعلمك كل حاجة من أول وجديد.
رفع يديه أمامها مبتسما: بالظبط، وأنا شاطر وبتعلم بسرعة.
نظرت له بملل مصطنع: شوفلنا بقى الغدا الأول، علشان أنا نفسي آكل وأبلع كل الصدمات إللي في وشي دي.
قبلها من خدها ثم دغدغها في بطنها بمداعبة: بعد الشر عليكي من الصدمة يا مشمشتي.
وبعد قليل، وصل الغداء، فتناولاه سويا في هدوء.
وما إن أذن المغرب، حتى نهضت مي بعزم، وقد عقدت النية على أن تبدأ أول خطوة حقيقية.
وقفت أمامه وقالت: يلا يا رشدي... هانبدأ.
ثم اتجهت إلى الحمام، وبدأت تتوضأ أمامه ببطء، تشرح له كل خطوة وهي تقوم بها، حتى يرى ويتعلم.
وبعد أن انتهت، التفتت إليه: يلا... جرب إنت.
في البداية تلعثم في ترتيب الخطوات، لكن في المرة الثانية، بدأ يفهم، ويعيد مافعلته حتى أتم وضوءه بشكل صحيح.
ثم أحضرت المصحف، ووقفت أمامه، وبدأت تعلمه الصلاة خطوة خطوة، كانت تشرح له ماذا يقول في كل حركة
في البداية، بدت كأنها "بروفة" للصلاة، كرر خلفها الحركات أكثر من مرة، حتى تمكن أخيرا من أداء الصلاة بمفرده.
وبعد أن انتهوا خلعت مي الإسدال، وجلست أمامه تتأمل ملامحه باهتمام، وتساءلت: ها... حاسس بإيه؟
رفع عينيه للأعلى قليلا، وكأنه يبحث عن إجابة: مش عارف، مش حاسس بحاجة.
نظرت له بتفهم وسألته: ماحستش بأي حاجة خالص؟!
هز كتفيه: بصراحة لا.
تنهدت، وقالت بهدوء: هاتحس إن شاء الله، لما تقرأ بتركيز، وتصلي بتركيز، هاتحس باللي أنا عايزاك تحسه.
هز رأسه موافقا: إن شاء الله.
قالت بحزم لطيف: لازم تشغل قرآن كتير لازم ودنك تتعود على القرآن وتحفظ الفاتحة وصورة صغيرة على الأقل عشان ماينفعش كل مرة تقرا من المصحف
اومأ برأسه، فنهضت تجمع الأشياء التي كانت أمامها، وقالت: أنا هشيل الحاجات دي... مش ها أقولك مكانها، بس هسيبلك واحدة بس كل يوم، علشان وقت ما تحس إنك محتاج... تاخدها.
قال بتذمر خفيف: ماشي...
ثم لوحت بيدها قائلة: يلا وسع.
نظر لها باستنكار مازح: أوسع؟ هو أنا شحات؟
ضحكت بخفة، وتحركت وهو خلفها يحاول معرفة ماستفعل.
التفتت إليه وقالت بصرامة لطيفة: رشدي أرجع مكانك.
ضحك وهو يعود للخلف: يخرب إللي يقع تحت إيدك يا شيخة!
جلس في مكانه أمام التلفاز، يراقبها بطرف عينه، بينما كانت تخبئ الأشياء في أحد أماكن بالدريسنج الخاصة بها.
وبعد أن انتهت، عادت وجلست بجواره، فشدها بين ذراعيه، وبدآ يشاهدان التلفاز معا في هدوء.
أما مي، فكان بداخلها شعور عظيم بالسعادة وكأنها أنجزت شيئا كبيرا، نعم لم تخط خطوة ملموسة بعد، لكن مجرد أن يبدأ السير في هذا الطريق، كان إنجاز ضخما في نظرها.
باقي الفصل الواحد والثلاثون👇(2)
الفيلا التي يمكث بها مصطفى،8مساء.
نرى مصطفى وآلاء يجلسان في الحديقة، وقد انتشرت على الطاولة أمامهما العديد من الكتب والملازم كان يشرح لها بيديه بعض النقاط، ويشير إلى مواضع محددة في الكتاب، بينما يمسك مجسما صغيرا يوضح به الفكرة.
كانت آلاء تستمع إليه بإنصات شديد، تتبادل معه الحديث، وتدون بعض الملاحظات، بينما يضع لها أسئلة صغيرة بين الحين والآخر ويختبر فهمها.
وبعد وقت طويل...
أسندت ظهرها إلى الكرسي، وأغلقت الكتاب بتعب: لا، خلاص مش قادرة أحط معلومة واحدة في دماغي تاني.
نظرت إلى الساعة في يدها، ثم قالت بدهشة: ده إحنا بقالنا 4 ساعات بنذاكر!
ابتسم مصطفى، وقال بهدوء: خلاص ليكي ربع ساعة راحة.
عبست وقالت برجاء: خليها نص ساعة فصلت بجد، أنا ها أقوم أعمل قهوة تفوقني شوية.
هز رأسه: خليكي مرتاحة، خلي حد من الخدم يعملها.
ثم أمسك الهاتف، واتصل: من فضلك محتاج اتنين قهوة مظبوطة، ومعاهم مية، شكرا.
أغلق الهاتف، ثم نظر إليها بابتسامة مشجعة: على فكرة، إنتِ شاطرة جدا، بتستوعبي بسرعة، وأكتر حاجة بتعجبني فيكي إنك بتسألي وعايزة تفهمي كل حاجة، مش مجرد تحفظي وخلاص.
نظر إلى الورقة على الطاولة، وأضاف: يعني الاختبار ده مثلا، لما جاوبتي عليه إجاباتك كانت عن فهم، مش حفظ وده هو الصح، خصوصا في المجال بتاعنا، إنتي هاتكوني دكتورة شاطرة جدا.
نظرت إليه بسعادة، وعيناها تلمعان بحماس غريب: والله يا دكتور... دي شهادة كبيرة أعتز بيها.
توقفت لحظة تجمع أفكارها، ثم أكملت وهي تنظر أمامها بشرود: عارف يا دكتور، أنا نفسي، إن شاء الله لما أتعين وأبدأ في رسالة الماجستير بتاعتي، أعملها في حاجة تفيد المجتمع والناس، ونفسي أكون مميزة في مجالي.
التفتت إليه بعينين تلمعان، وتابعت بحماس أكبر: يعني أنا مش عايزة أبقى مجرد دكتورة في الجامعة أدرس وخلاص وآخد لقب دكتورة، لا... أنا نفسي أكون مميزة، أبقى واجهة للكلية، وواجهة لمصر، وأسافر برة، وأعمل أبحاث يكون ليا فيها بصمة..
ابتسمت وكأنها تتخيل المشهد، وقالت بنبرة حالمة: لما أمشي كده في الجامعة يقولوا دكتورة آلاء أهي، مش علشان بس دكتورة شاطرة أو الطلبة بتحبها لا، عشان مميزة فعلا...
ابتسمت بخجل خفيف، وتابعت وهي تضحك على نفسها: أوقات بتخيل نفسي إني وصلت لده فعلا، أتخيل إني جوة مؤتمر في لندن، واقفة على المسرح وبتكلم قدام ناس كتير...
ثم ضحكت بخفة، وأضافت: وأوقات تانية أتخيل نفسي طالعة في برنامج زي برنامج منى الشاذلي، وبحكي قصتي..
توقفت لحظة، وعيناها تلمعان أكثر: وأوقات كمان بتخيل دكاترة كبار واستشاريين في المجال بتاعنا بيقولوا فيه دكتورة اسمها آلاء... مصرية وممتازة.
صمتت لحظة، ثم سألته بقلق خفيف: تفتكر يا دكتور... أنا ممكن أحقق الحلم ده بسهولة؟
نظر إليها بابتسامة واثقة، وقال بنبرة مشجعة: أكيد هاتحققيه، لإنك مليانة حماس، إنتِ مش شايفة نظرة عينيك وإنتِ بتتكلمي؟ أنا متأكد إنك هاتنجحي، وهاتوصلي للي إنتِ عايزاه، وتبقي فخر لنفسك قبل أي حد.
في تلك اللحظة جاءت الخادمة ووضعت صينية القهوة ورحلت، أخذت رشفة، ثم سألها مصطفى: قوليلي صح الدوا بتاع الحاجة موجود؟!
أجابته: آه الحمد لله، أستاذ مكي جاب كمية تكفي شهرين.
نظر إلى ذراعها باهتمام، وقال بنبرة مطمئنة: إحنا كمان عايزين نطمن على دراعك ده، عامل إيه دلوقتي؟
نظرت إلى ذراعها المتجبس، ومررت يدها عليه بحذر، ثم قالت بهدوء: أنا الحمد لله بقيت أحسن بكتير، الكدمات أللي في وشي خفت، وإللي في جسمي كمان اتحسنت... يعني الحمد لله، كل حاجة بقت أحسن.
أشار بيده بتنبيه: الحمد لله بس برضوا خدي بالك من نفسك، وماتجهديش دراعك زيادة.
صمتت للحظة ثم سألته بتردد: طيب وإنتِ بقى؟ أنا عرفت إنك كنت متجوز من البنات في المستشفي وانفصلت؟
هز راسه وهو يرتشف الشاي: آه عايزة تعرفي قصة حبي مع مراتي؟
تبسمت بخجل: لو مايضايقكش.
تنهد موضحا: لا يا ستي، مش هاتضايق.
وبدأ يروي لها القصة، وبعد الانتهاء، نظرت إليه باستغراب معلقة: يانهار، أنا كنت فاكرة الحب ده في الأفلام وبس، ده طلع بجد..
ثم سألت بفضول: طب وإنت بتسأل عنها؟
هز رأسه نافيا: بصراحة لا.
آلاء بطيبة عقلانية: بس أنا من رأيي تسأل عنها، حرام.
مصطفي بمنطق: إللي زي ندى لو أنا سألت عنها هتفتكر إني لسه باقي عليها وهفتح على نفسي سكة ماصدقت قفلتها.
آلاء بلطف وحكمة: مش لازم هي تعرف، اسأل والدتها أو باباها، كان فيه عشرة بينكم، وهي حبيبتك، هو حبها كان مؤذي أكيد، بس في الأول والآخر اسمه حب، إنت نفسك قولت هي نفسيا مش مظبوطة..
تابعت بتأثر: دي مسكينة عمرها ما كانت بتأذيك وهي فاهمة هي بتعمل إيه؟!
نظر لها بصمت يغوص في أفكاره، شعر أن آلاء محقة، حتى لو كانت ندى سببت له مشاكل في الماضي، لكنه لا بد أن يسأل عنها احتراما للعشرة التي بينهم.
اومأ برأسه مؤيدا: عندك حق، إن شاء الله نخلص من الموضوع ده واسأل عنها، يلا كملي بقى كوباية القهوة بتاعتك عشان نكمل مذاكرة، وأنا ها أروح أكلم أمي وأخواتي أطمن عليهم.
أومأت برأسها في هدوء، فتحرك مبتعدا وهو يمسك هاتفه، بينما ظلت هي تنظر إلى آثاره بابتسامة مختلفة تحمل شيئا من الدفء والتعلق الذي بدأ يتسلل إلى قلبها دون أن تشعر.
❤️________________بقلمي ليلةعادل
قصر الراوي.
الجست هاوس الخاص بمكي10مساء
تمدد مكي على الفراش، يشاهد بعض مقاطع الفيديو ويدون ملاحظاته عند دقائق معينة.
وأثناء ذلك، رن هاتفه برقم غريب ضيق عينيه، ثم ضغط زر الإجابة، جاءه صوت أنثوي يقول بلهجة ساخرة: ما إنت حلو أهو وبترد.
عقد حاجبيه فقد أدرك الصوت فورا، إنها سلوى.
مازال يحفظ صوتها..
بدأت تتحدث بلا توقف: ممكن أعرف مابتردش عليا ليه، بقالي كام يوم بكلمك.
تنهد وقال ببرود: وده مافهمكيش حاجة؟!
كانت جالسة في غرفتها، تحتضن دبدوبها بإبتسامة ناعمة، تحاول أن تلاطفه بطريقتها وتلين قلبه: لا مافهمتش، أنا كلمتك علشان كنت محتاجة أتكلم معاك في حاجة مهمة، وإنت مارديتش، وأديك رديت لما كلمتك من رقم غريب! هو ده ينفع؟
رد ببرود واضح: طيب مادام مابردش عليكي، وإنتِ عارفة إني مابردش مخصوص، ورديت بس على الرقم الغريب تفتكري ده يكون اسمه إيه يا سلوى؟
تمتمت بضيق طفولي تتصنع عدم الفهم: ما أعرفش يبقى اسمه إيه؟!
تنهد بضجر: اسمه مش عايز أرد عليكي.
قالت بسرعة، وكأنها تخشى أن يغلق الهاتف: وليه ماتردش عليا؟ بالعكس، إنت لازم ترد عليا أصل أنا عايزة أطمن على ماسة.
رد ببرود: كلميها على تليفونها.
أجابت بتذمر: كلمتها، الشبكة واقعة.
سأل بسخرية: والله!! يعني الشبكة وقعه عندها هي وأنا إللى تحت أوضتها لا؟ طب عموما هي كويسة، حاجة تاني؟
قالت بسرعة، محاولة فتح مجال للحديث: آه طنط عاملة إيه؟ هو إنت ماروحتلهاش خالص ولا إيه؟!
قال ببرود أشد: سلام يا سلوى.
نادت بدلال: يا مكي…
تمتم بضيق: أممم؟
صمتت لحظة ثم قالت بصوت خافت يحمل شوقا واضحا: إنت وحشتني...
قالت كلماتها ثم أغلقت الهاتف بإبتسامة واسعة، نهضت من مكانها، واتجهت نحو المرآة، تنظر إلى انعكاسها بثقة وكأنها تشعر أنها اقتربت خطوة من مرادها.
بينما، على الجانب الآخر…
أغلق مكي الهاتف، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة دون إرادة منه، وخفق قلبه خفقة خفيفة جعلته يشرد لثواني، يعلم جيدا أنها تتصل من أجله هو لا من أجل ماسة كما أدعت، تذكر كلماتها الأخيرة، وصوتها الخافت وهي تقول"إنت وحشتني."
لكن سرعان ماعبس وجهه، وكأنه انتبه لنفسه فجأة، حاول طرد تلك الفكرة من عقله وعاد ينظر للفيديو مرة أخري بملامح جامدة كعادته .. لكن تركيزه لم يعد كما كان..
جناح رشدي ومي
مر الوقت ببطء ثقيل وكان رشدي يشعر بشيء يشبه النمل يسير تحت جلده، إحساس مزعج لا يحتمل، فقد حان وقت الجرعة، أشعل سيجارة تلو الأخرى، يسحب الدخان بسرعة، وكأنه يحاول تهدئة النار التي تشتعل داخله.
كانت مي تجلس على الأريكة، تتابع فيلما على التلفاز، تضحك بين الحين والآخر دون أن تنتبه لما يحدث جانبها.
تحرك رشدي من مكانه فجأة، وبدأ يفتح الأدراج واحدا تلو الآخر، بعصبية واضحة.
انتبهت له فقالت بإستغراب: إنت بتدور على إيه؟
قال بخجل، وعيناه تهربان منها: هو فين الجرعة بتاعتي إللي هاتدهالي دلوقتي؟
ردت بهدوء: هاتلاقيها على التسريحة، وبعدين إنت مش اخدت الصبح كفاية؟!
لم ينتظر توجه بسرعة نحو التسريحة، وبدأ يفتش بين عطورها وأدوات المكياج بعصبية: أنا مش شايف حاجة!
اقتربت: كانت تحت البرفان، أهي..
وقبل أن تكمل سحبها من يديها بسرعة، كأن الصبر نفد منه، وضعها على ظهر يده ثم شمها دفعة واحدة.
أغمض عينيه لحظة وبدأت ملامحه تهدئ قليلا.
كانت تراقبه وهي تزم شفتيها بحزن، فمشاهدته بتلك الصورة صعبة لكنها مضطرة أن تعتاد، فتلك أول ليلة في الرحلة.
ربتت على ظهره بحنان، فرفع رشدي وجهه نحوها وقال بخجل متلعثم: بقولك إيه؟! مش هينفع موضوع إني أسالك على الجرعة وإنتِ تدهاني؟؟ سيبهالي في الحمام كل يوم الصبح.
ردت بإستغراب: اشمعني؟
أجاب بتفسير: أنا حابب كدة، مش حددتي الجرعة؟! خلاص سبيهالي وقت ما أحب هخدها؛ لإن موضوع إني أدخل آخدها وإنتِ عارفة مضايقني أوي.
اومأت بطاعة: ماشي، طب إنت أحسن دلوقتي؟
هز رأسه نافيا بصمت.
زمت شفتيها بحزن، وقالت برفق: طب تعالي.
سحبته من كفه برفق حتى جلس على الفراش، ثم أعطته قرصا من المهدئ: خد ده وهتبقى أحسن شوية.
أومأ برأسه دون كلام، وعيناه شاردة، وجسده مازال متوترا
اقتربت منه أكثر، وسحبت رأسه نحوها، ليصبح بين ذراعيها، تحتضنه بحنان وهي تقرأ له آيات من القرآن بصوت هادئ، عله يهدأ قليلا.
كان جسده يلين تدريجيا، وأنفاسه تنتظم شيئا فشيئا، بينما يختبئ داخل حضنها كطفل متعب
أما هي فكانت تربت على شعره بحنان، وقلبها يدعو بصمت أن يمر هذا اليوم بسلام، لم تكن تعلم أن ما رأته الآن، ليس إلا البداية وأن القادم… سيحمل ما هو أقسى بكثير.
وخلال أيام قليلة…
كانت العلاقة بين ماسة وسليم تسير على نفس الوتيرة؛ يعود من العمل مبكرا ليجلس معها، ويتعمدان افتعال بعض المشكلات أمام الآخرين، لكنها أصبحت أقل بكثير من السابق.
في المقابل، كانت العائلة غارقة في أزمة الكوبري، والبحث عن طرف خفي وراء ماحدث، والاستعداد للحفل… فلم يعد أحد يركز معهما كثيرا.
ومع ذلك، استمرا في تنفيذ خطتهما بحذر، ولكن توقف سليم عن إغلاق الباب عليها، حتى أنها في إحدى المرات نزلت إلى الحديقة وجلست قليلا، ثم عادت إلى غرفتها دون أن يعترضها أحد.
بينما كان الرجال الذين وضعتهم صافيناز لمراقبة بينما كان الرجال الذين وضعتهم صافيناز لمراقبة عماد يتابعونه عن كثب، لم يصلها عنه ما يدينه؛ بل على العكس، كانت كل الأخبار تؤكد إخلاصه والتزامه.
حبها لعماد كان يعميها بدرجة كبيرة…
لكن الرسائل المجهولة لم تتوقف.
رسائل قاسية، تحمل تهديدات مبطّنة، وتهمس لها بأن الأبناء ليسوا أبناءها، فتزرع داخلها خوفًا لا يهدأ، وتجعلها مشتتة، غير قادرة على التركيز في شيء.
كانت ترتعب من فكرة أن يعرف عماد شيئًا… لأن انكشاف أمرها سيكون كارثة لا تُحتمل.
ومع مرور الوقت، بدأت تقتنع أن رشدي هو من يحاول الإيقاع بها، خاصة بعدما عجزت عن الوصول إلى مُرسل تلك الرسائل.
أما عماد، فكان يلعب لعبته بذكاء؛ يتجاهلها عمدًا، يقلب المواقف ضدها، ويُظهر غضبه ببرود محسوب… حتى صار ينام على الأريكة، متعمدًا إزعاجها نفسيًا وإرباكها.
أما سلوى، فظلت تحاول الاتصال بمكي لكنه لم يكن يرد عليها، وكلما اتصلت من رقم غريب يرد في البداية ثم يغلق الخط فور التأكد من صوتها. وحتى حين ذهبت إليه في مقر المجموعة أكثر من مرة، كان يتجنبها ويغادر فور رؤيتها، لكنها لم تيأس، فقد وضعت هدفا واضحا في رأسها "أن تستعيده مهما حدث"
بينما توتو، فكان قد بدأ في مراقبة عائشة عن قرب، يحاول معرفة تحركاتها اليومية، حتى يتمكن من وضع خطة محكمة لاختطافها….
وفي المقابل، كانت العلاقة بين آلاء ومصطفى تزداد قربا؛ إذ كان يخصص لها وقتا يوميا للمذاكرة، يجلسان لساعات يتحدثان عن حلمها وطموحاتها، بينما كانت هي تسأله عن حياته وخبراته وتحاول الاستفادة من كل كلمة.
أما أنهار، فكانت تراقب هذا التقارب بسعادة واضحة، وتتمنى أن يتحول هذا الارتباط إلى زواج حقيقي، إذ ترى في مصطفى الرجل الذي تتمناه أي أم لابنتها زوجا صالحا يمكن الاعتماد عليه.
أما رشدي فكان وضعه مختلفا تماما، حيث ظل حبيس غرفته، بعدما بدأت أعراض الانسحاب تظهر عليه بقوة.
صار عصبيا للغاية، لا يطيق حديث، حتى مي نفسها كان ينفعل عليها لأتفه الأسباب، لأنه لم يعد قادرا على تحمل الجرعة الصغيرة التي تعطيها له، رغم أنها كانت تعد أكبر جرعة مسموح بها في هذه المرحلة، لكنها لم تكن كافية لتهدئة جسده.
كان دائم التوتر، يعاني من إرهاق مستمر واهتزاز واضح في جسده، ولا ينام إلا بالمنوم.
أما الفترات التي يستيقظ فيها، فكانت الأصعب على الإطلاق لكنه ما زال لم يدخل لأصعب مراحل الانسحاب حتى الآن.
والمفارقة أن لا أحد من العائلة شعر بشيء مما يحدث معه.
❤️____________بقلمي_ليلةعادل.
قصر الراوي٤م
جناح سليم وماسة.
جلست مي بجوار ماسة تتبادلان الحديث، كل منهما تفرغ مابداخلها للأخرى.
ماسة بتفهم وعاطفة: كويس والله إنك سامحتيه وادتيه فرصة، بس فعلا هتتعبي جدا في الموضوع ده، أنا بشوفهم في الأفلام، بيكونوا حاجة صعبة خالص.
تنهدت، وردت بصوت مرهق: أنا بحاول وهو كمان بيحاول، بصراحة اليومين إللي فاتوا كانوا صعبين أوي.
ابتسمت ماسة بحنان: ربنا يقويكي، إنتِ طيبة خالص يا مي واحدة غيرك كانت مشيت وطلبت الطلاق.
مي بإبتسامة تشجيع: إنتِ كمان حاولي تتحملي الفترة دي، لحد ماسليم يتأكد من صدق كلامك.
نظرت ماسة بعيدا، وقالت بتعب وهي تتنهد: بس أنا تعبت…
مي بهدوء عقلاني: معلش، حطي نفسك مكانه، لو عرفتي إن جوزك بيخونك، هاتعملي إيه؟
ماسة بسرعة واندفاع: هولع فيه!
ابتسمت مي: شوفتي؟ هو بقي راجل وطبيعي ده يكون رد فعله، صدقيني لو سليم وحش والله مهما حاول رشدي يقنعه يسيبك ماكانش سابك دي خيانة، مش هو ماضربكيش اليومين إللي فاتوا؟
هزت رأسها: بصراحة لأ وبقى يسيب باب الأوضة مش بيقفله بالمفتاح ونزلت الجنينة مرة، بس بيفضل يقولي كلام جارح ويهددني ويطعن فى شرفي حتى رفض أجيلك أطمن عليكي.
مي بعقلانية وهي تربت على قدميها: معلش غصب عنه من جرحه كراجل، ؛ إن شاء الله ربنا يظهر الحق وهتلاقيه جاي يعتذرلك...
غيرت الحديث: المهم إنتِ هتنزلي بكرة الحفلة؟
هزت كتفيها بعدم معرفة: ما أعرفش، يمكن ينزلنى علشان المظهر العام، أصل العيلة دي كدة أهم حاجة عندهم المظاهر.
تساءلت مي باهتمام: هتلبسي إيه؟
أومأت برأسها: عندي كام فستان مالبستهمش هشوف واحد فيهم، وإنتِ؟
مي بإبتسامة: جبت فستان حلو أوي.
ماسة بحماس: طب وريهولي!
ضحكت مي بخفة: ماشي هروح أجيبه وأجيلك.
وبالفعل، نهضت مسرعة نحو غرفتها لتجلب الفستان، بينما فتحت ماسة التلفاز تحاول إشغال نفسها قليلا.
وفجأة تعالي رنين الهاتف، نظرت له بإستغراب وأدركت أن مي نسيت هاتفها..
لم تهتم في البداية، وأكملت مشاهدة التلفاز لكن الهاتف لم يتوقف عن الرنين، نظرت إليه مرة أخرى، وترددت.
لا تعرف لماذا؟ لكن شعورا غريبا داخلها دفعها لأن تمسك الهاتف وتجيب: ألو؟
جاءها صوت طفولي متلهف: مييييي!
تبسمت بخفة، وردت بلطف: لا أنا مش مي.
صمت الصوت لحظة، ثم قال بتردد: أمال إنتِ مين؟ وفين مي؟
ماسة بهدوء: مي بتجيب حاجة وجاية، إنتِ مين؟
جاءها الرد سريعا: قولي إنتِ الأول!
ابتسمت ماسة رغما عنها، وقالت بخفة: إنتِ إللي متصلة قولي إنتِ الأول.
رد الصوت بحماس: أنا جنة وإنتِ؟
ماسة بإبتسامة: أنا ماسة.
سألتها جنة بفضول: إنتِ صاحبة مي؟
أجابت: آه.
جنة بسرعة: وأنا كمان صاحبتها، إنتِ صاحبتها من زمان؟
ابتسمت ماسة: لا من قريب.
حاولت جنة اغاظتها بطفولة: أنا بقى من زمان! طب هي بتشوفك كتير؟!
ماسة بمشاكسة طفولية: آه كل يوم...
جنة بتعجب: كل يوم؟!
أغاظتها ماسة وهي تكتم ضحكتها: آه لأنها عايشة معايا في نفس البيت.
جنة بغيرة: طب وهي بتحبك؟
ضحكت ماسة، تداعبها: بتحبني أوي.
جنة وكأنها في منافسة: بس بتحبني أنا أكتر.
ابتسمت ماسة، ودخلت معها في اللعبة: لا… أنا أكتر.
جنة بعند: لا، أنا!
ماسة بعناد أكبر: لا أنا!
تساءلت جنة: طب هي بتجبلك لعب؟
ضحكت ماسة: لا.
جنة بانتصار واضح: أنا بقي بتجيبلي لعب وتحكيلي حدوتة كمان! شوفتي بقى؟ بتحبني أكتر منك إزاي؟!
ضحكت ماسة، وقالت بحنان: إنتِ صح يا جنة واضح إنها بتحبك أكتر مني.
في تلك اللحظة دخلت مي وهي ترتدي فستان سيلفر لامعا، قالت بتلقائية وهي تدور حول نفسها: إيه رأيك؟
رفعت ماسة عينيها بإعجاب، ثم أشارت إلى الهاتف في يدها: تليفونك رن كتير جدا فقولت أرد وأعرفها إنك مش هنا، دي جنة.
أومأت مي بتفهم، ثم أخذت الهاتف بسرعة وقالت بإبتسامة: حبيبتي عاملة إيه؟
جاءها صوت جنة بفرحة واضحة: الحمد لله يا مي إنتِ عاملة إيه؟ وحشتيني!
ابتسمت مي بحنان: وإنتِ كمان وحشتيني خالص، عاملة إيه دلوقتي بقيتي أحسن؟
أجابت بعتاب: أيوه بقيت كويسة، بس أنا زعلانة منك، علشان مش بتيجي بقالك يوم كتير.
مي بحرج: معلش ياحبيبتي والله رشدي تعبان، الكوبري إللي مكسور ده بيحاول يصلحه، بس إن شاء الله ها أجيلك قريب.
جنة بسرعة: هستناكي بس أوعي ماتجيش، هزعل منك يوم ويوم ويوم!
ضحكت مي: لا يا ستي هاجي.
وفجأة قالت جنة بضجر طفولي: على فكرة يا مي قولي لماسة إنك بتحبيني أنا أكتر منها!
نظرت مي إلى ماسة باستغراب: أقول إيه لماسة؟
جنة بغيرة امتلاكية: إنك بتحبيني أنا أكتر منها، هي بتقول إنك بتحبيها أوي!
ضحكت مي بخفة، وقالت وهي تنظر لماسة: حاضر يا حبيبتي أنا بحبك إنتِ أكتر منها.
جاءها صوت جنة منتصرا: أيوة كدة، هي قاعدة سمعاكي!
ضحكت ماسة، بينما قالت مي: آها سمعت وعرفت إني بحب جنة أكتر..
جنه بتزمر: مش تصاحبي حد غيري يامي، أنا بس.
ضحكت مي: حاضر، هقفل دلوقتي وهكلمك تاني ماشي.
أجابت: ماشي… سلام.
أغلقت مي الهاتف، فنظرت لها ماسة بإبتسامة: عسولة خالص أنا آسفة إني رديت، بس كانت بتتصل كتير.
ابتسمت مي بلطف: لا عادي.
سألتها بفضول: بنت أخوكي ولا إيه؟
هزت رأسها نافية: لا دي بنت واحدة صاحبتي ماتت.
تأثرت ماسة، وقالت بحزن: الله يرحمها عايشة مع باباها؟!
مي بهدوء: هو كمان توفى، عايشة مع جدتها، إحنا بناخد بالنا منها يعني على قد مانقدر.
تأثرت ماسة قليلا ثم قالت باهتمام: يا روحي إنتِ هاتروحيلها؟
اومأت برأسها: إن شاء الله ممكن أروحلها بكرة قبل الحفلة أو بعدها هشوف، تحبي تيجي معايا؟
ابتسمت ماسة بحماس: ياريت أنا بحب الأطفال أوي، بس إنتِ عارفة بقى إللي فيها، سليم مستحيل يوافق.
مي بتشجيع: يا ستي نجرب مش هنخسر حاجة.
ثم ابتسمت وسألتها: المهم إيه رأيك في الفستان؟
نظرت له ماسة بإعجاب: حلو أوي ما شاء الله.
ثم وقفت فجأة أمامها، وقالت وهي تتأمل الفستان: بس عارفة لو اتضيق من هنا شوية هايبقى أجمل، واسع جدا
مي بسرعة: ماتنسيش إني محجبة.
ابتسمت ماسة: واخدة بالي، بس بصي كده.
أمسكتها من جانب الفستان، وسحبتها نحو المرآة: كده أحلى، ومش مبين حاجة.
نظرت لنفسها في المرآة بإبتسامة: تصدقي فعلا؟ خلاص، بكرة ها أروح للخياطة وأقولها تظبطه.
أضافت بحماس: وهكلم رشدي يقنع سليم تيجي معايا، أصل أنا مابفهمش في الكلام ده خالص، أنا عبيطة أوي وصحابي بيتخلوا عني.
ابتسمت ماسة بحنان: يا روحي أنا مش هتخلى عنك، أنا بحب الخروج جدا، سليم بس يفك أسري ومش هانقعد في القصر.
ثم أضافت بابتسامة: ممكن أعرفك على سلوى أختي، تخرجوا سوا.
ابتسمت مي: ماشي، هروح أغير هدومي وأدي لرشدي العلاج عشان ده الميعاد بتاعه، ولو عرفت أجي أقعد معاكي هاجي ونختار فستان ليكي.
اومات برأسها بإيجاب، فخرجت مي واتجهت إلى جناحها.
❤️________________بقلمي_ليلةعادل
في جناح رشدي ومي.
دخلت الجناح، فرأت رشدي جالسا على الأريكة، أسفل عينيه هالات واضحة، والهزيان والتعب ظاهرين عليه، بينما كان يهز قدمه بعصبية دون توقف.
فور دخولها، رفع عينيه نحوها وتسأل: قالتلك إيه؟
ردت بحماس: عجبها جدا بس بكرة هروح للخياطة أظبطه محتاج يضيق.
رد ببرود: تمام.
اقتربت منه وهي تتجه نحو الخزانة: أنا هغير الفستان، وأجيبلك الدوا ونطلب أكل عشان ناكل، تمام؟
لم يجيبها، فنظرت له بقلق: إنت كويس؟
زفر بضيق وقال بعصبية: ماتسألينيش كل شوية كويس ولا لا، علشان أكيد مش كويس.
لم تغضب، فقد اعتادت على انفعالاته في الأيام الأخيرة.
فتحت سحاب الفستان وهي تقول بهدوء، محاولة فتح موضوع آخر: طب أنا بكرة ها أحاول أعدي على جنة بعد ما أخلص مع الخياطة، البنت زعلانة مننا عشان انشغلنا عنها الفترة إللي فاتت بسبب موضوع علاجك.
كان رشدي يحتسي بعض الماء، فسألها دون اهتمام واضح: كلمتك إمتى؟
ردت ببساطة: من شوية.
ثم أضافت بتلقائية: بقولك إيه ماتحاول تقنع سليم يخلي ماسة تيجي معايا؟
رفع عينيه نحوها: تيجي معاكي فين؟
قالت ببساطة: تيجي معايا للخياطة وبالمرة تسلم على جنة، أصلها كلمتها النهاردة وحبتها أوى.
وفور أن نطقت تلك الكلمات، قذف الماء من فمه فجأة من هول الصدمة، وشرق وبدأ يسعل بعنف.
اتسعت عيناها بفزع، واقتربت منه سريعا تربت على ظهره: بالراحة… بالراحة… سمي الله!
لكن فجأة رفع عينيه إليها، وكانت نظراته ممتلئة بصدمة حادة وغضب مفاجئ.
قال بإنفعال حاد: إنتِ قولتي إيه؟! مين إللي كلمت مين؟!
تراجعت مي خطوة للخلف: أهدى يا رشدي، إنت مالك عصبي أوى كدة ليه.
وقف أمامها فجأة، وصاح بحدة: أنطقي يا مي!
ردت بتوتر خفيف: مافيش ماسة وجنة اتكلموا، أنا نسيت التليفون وهي رنت كتير فماسة ردت عليها واتكلموا شوية.
اتسعت عيناه أكثر، وصاح بغضب: إنتِ بتستهبلي يا مي؟! أنا مش قولتلك السر ده ماينفعش حد يعرفه؟!
اجابته بسرعة محاولة تهدئته: مافيش حد عرف حاجة يا رشدي، قولتلها دي بنت واحدة صاحبتي مافيش أي حاجة اتعرفت خالص؟!
أضافت بطيبة تحاول إقناعه: وبعدين ماسة طيبة أوي مستحيل تتريق عليك لو عرفت إنك بتساعدها..
أزداد غضبه، وهتف بعصبية: مي! ماتعصبنيش! أنا متعفرت خلقة!
اقترب خطوة منها، وأضاف بحدة: السر ده ماينفعش يخرج بره مهما حصل! فاهمة؟!
ثم أكمل بإنفعال واضح: ماسة دي لو عرفت حاجة هاتقول لجوزها على طول! ماسة مابتخبيش حاجة عنه، لو دخلت حمام بتقوله نوعه إيه؟؟ إنتِ متخيلة حجم القرب بينهم.
توقف لحظة، ثم أضاف بتلفيق: وسليم أكتر واحد بيكرهني وبيتريق عليا، لو عرف هايفضحنى وأنا استحالة أسمح بده، إنتِ ماتعرفيش سليم كويس!
ثم أشار بإصبعه محذرا: لآخر مرة بحذرك الموضوع ده ماينفعش حد يعرفه، أول وآخر مرة تتكلمي عن جنة قدام ماسة أو أي حد فاهمة؟!
خفضت رأسها قليلا وقالت بهدوء: طيب حاضر.
كانت تظن أن عصبيته بسبب أعراض الانسحاب، لكن الحقيقة أن عصبيته لم تكن من الألم الجسدي بل خوفا من انكشاف سر جنة.
تنهدت وقالت: خلاص يا رشدي وعد مش هجيب سيرتها تاني، أنا هروح أغير..
اتجهت إلى الداخل، بينما ظل واقفا مكانه وصدره يعلو ويهبط بعنف.
أكثر ما كان يخيفه أن تصل أي كلمة إلى سليم لكنه سرعان ما هدأ قليلا حين تذكر الخلافات التى بين ماسة وسليم، وأنها بالكاد تستطيع التحدث معه.
جلس على الأريكة، ومرر يده في شعره وهو يتمتم بقلق: لا… ماسة مستحيل تقوله هي أصلا مابتتكلمش معاه في حاجة الفترة دي وهاتنسى.
ورغم محاولته طمأنة نفسه ظل داخله إحساس خفي يخبره أن السر إذا خرج، لا يعود كما كان.
❤️____________بقلمي_ليلةعادل
في أحد المخازن4م
جلس سليم وعشري وعرفان ومكي حول طاولة كبيرة، تتوسطها خريطة وعدة أوراق منتشرة، وكأنهم يستعدون لتنفيذ خطة محكمة.
كان سليم يشير بيده إلى أماكن محددة على الخريطة، يشرح لكل واحد منهم مهمته بدقة، بينما يتبادلون النظرات والأحاديث القصيرة، وكل منهم يدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه.
توقف سليم فجأة، ثم نظر إلى عرفان وقال بلهجة صارمة: إنت بالذات يا عرفان مش مقبول منك أي غلط، غلطة واحدة بس ممكن تبوظ كل إللي بنعمله.
أومأ عرفان برأسه بثقة: ماتقلقش يا سليم كل حاجة هاتمشي زي ما اتفقنا.
تدخل مكي بابتسامة خفيفة، محاولا طمأنته: يا سليم، ماتخافش إحنا جاهزين.
رفع عينيه إليهما، ومال للأمام قليلا، وقال بنبرة هادئة لكنها تحمل ثقة خطيرة: أنا مبخافش طبعا، بس مابحبش الغلط، وبكرة مش مسموح بأي غلط، كل حاجة لازم تكون محسوبة بالثانية.
ثم عاد يشير إلى الخريطة مرة أخرى، وصوته يزداد حزما: كل واحد فيكم عارف مكانه وميعاده، بكره مافيش حاجة هاتتم بالصدفة.
قصر الراوي5م
غرفة عماد وصافيناز
جلست صافيناز على الأريكة، تعبث بهاتفها بشرود.
بعد لحظات، دخل عماد وفي يده ملف، وملامحه لا تحمل أي تعبير.
ألقى الملف أمامها على الطاولة وهو يقول ببرود: اتفضلي.
نظرت إليه باستغراب، ثم أمسكت الملف وفتحته
لتتسع عيناها فجأة حين رأت مابداخله: إيه ده؟!
رفعت رأسها نحوه بذهول: إيه إللي إنت عملته ده يا عماد؟!
تنهد ببطء، وقال بنبرة حادة مكبوتة: أتنازلت عن كل حاجة عملتيهالي، إنتِ عايزة تشكي فيا، وأفضل محافظ على التوكيل بتاعك؟! لا طبعا.
توقفت أمامه، قالت بسرعة، كأنها تخشى أن يبتعد أكثر: خلاص ياعماد، أنا عرفت غلطتي، فهمت إن رشدي هو إللي كان بيعمل كل ده عشان يوقع مابينا.
رفع حاجبيه بسخرية خفيفة: لا والله؟! وعرفتي ده منين بقى إن شاء الله؟!إنتِ مش هتقولي الجملة دي غير وإنتِ متأكدة.
ردت بإصرار: اتأكدت وخلاص.
زفر بضيق قال بخبث: بس برضوا، أنا مش عايز التوكيل ده وهفضل أديرلك شغلك جدعنة مني، إنتِ برضوا أم أولادي.
اقتربت منه سريعا، وأمسكت كتفه برجاء، وعيناها تلمعان بالندم: أنا آسفة يا عماد حقيقي كان غصب عني أنا بغير عليك، لإني بحبك طبيعي لما أشوف صور زي دي أتجنن، دي غيرة مش شك.
نظر لها بحدة خفيفة وكأنه يعتمد تخويفها: فيه فرق بين إنك تغيري وإنك تشكي، وإنتِ كنتي شاكة عموما أنا كنت بفكر جديا، إننا نبعد فتره عشان نعيد التفكير في علاقتنا
فور أن استمعت لتلك الكلمة غص قلبها وهزت رأسها كمجنونة أمسكت كفه: نبعد إيه؟! أنا مقدرش استغنى عنك، أنا ما أقدرش أعيش من غيرك، أنا والله كانت غيرة، بطل عبط بقى!
ثم أمسكت الأوراق ومزقتها، وهي تقول بإصرار: إللي بينا يا عماد كبير… كبير أوي، صدقني هتكون أول وآخر مرة، وأي حاجة تحصل تاني هاجي أقولك عليها بنفسي، ومش هخلي رشدي يوقع مابينا تاني حقك عليا خلاص بقي إنت عارف يعني إيه صافي الراوي تعتذر.
نظر لها طويلا للحظة كأنه يتلذذ بتعذيبها أمامه ثم أومأ براسه بإيجاب بصمت بإبتسامة، لكن في داخله كانت ترتسم ابتسامة أخرى ابتسامة خبث شيطاني، لرجل ماكر يعرف جيدا ماذا يفعل، وكيف يكسب جولته في الوقت المناسب.
بينما توقفت لحظة، ثم أضافت بقلق: وإللي إنت عملته لـرشدي كانت ضربة قوية خد بالك، أكيد هايرد.
ابتسم ابتسامة باردة وقال بثقة:خليه يرد وأنا مستني وعندي له كتير.
ثم غير الموضوع فجأة، وكأنه أراد يزيد توترها بدا جولة أخطر: بقولك إيه يا صافي إيه رأيك نجيب بيبي تاني؟ أنا نفسي أخلف، زين ومريم كبروا.
نظرت إليه بتوتر واضح، وقالت بتردد: إيه إللي خلاك تفكر في الموضوع ده فجأة؟
هز كتفيه ببساطة: عشان الأولاد كبروا، وإنتِ عارفة أنا بحب الأطفال قد إيه.
تنهدت وقالت محاولة تأجيل الفكرة: نبقى نشوف الموضوع ده بعدين ،دلوقتي نفكر بس في الحوارات إللي عندنا.
أومأ برأسه، لكنه قال بإصرار خبيث: تمام بس خلي بالك، أنا مش هاتنازل خلصي مشاكلنا وآخدك نروح للدكتور عشان نجيب بيبي تاني لو عايزاني أسامحك.
هزت رأسها موافقة بتوتر ماشي..
ثم حاولت تغيير الحديث: المهم مامي قالتلك إننا هانتجمع النهاردة علشان موضوع هروب ماسة بكرة؟
أومأ ببطء: ممم قابلتني وأنا طالع، وقالت إننا هانتجمع النهاردة عشان نحط خطة وأنا عندي خطة في دماغي بس الباشا لازم يساعدنا فيها.
نظرت إليه باهتمام: اتفقنا.
في جناح سليم
كانت ماسة تجلس على فراش سليم، إلى جواره، تمسك الهاتف الذي اجلبته لها فايزة وتعبث به بين يديها بتوترٍ خفيف.
نظر إليها سليم بهدوء: ما إحنا كنا عارفين إنهم بكرة هايهربوكي.
نظرت له من طرف عينيها، وهي ماتزال تلعب بالهاتف بين أصابعها، وقالت بتردد: فعلا… بس افتكرت إنهم ممكن يغيروا اليوم بعد إللي حصل."
هزّ سليم رأسه نافيًا، وقال بثقة: مستحيل… بالعكس، ده أنسب وقت ليهم إحنا فهمنا الخطة خلاص… يلا بقى نتصل بأهلك ونبلّغهم.
أومأت ماسة برأسها، ثم أمسكت هاتفها الآخر، واتصلت بعائلتها. وبصوتٍ منخفض، بدأت تشرح لهم ما يجب عليهم فعله، وكيف ينتظرونها في الموعد المحدد.وبعد أن أنهت حديثها، أغلقت الهاتف ببطء.
نظر إليها سليم، ولاحظ التوتر المرتسم على ملامحها.
سليم بلطف:مالك؟ متوترة؟
تنهدت ماسة بخفوت، وهمست: مش عارفة… حاسة بقلق.
اقترب منها سليم بهدوء، ثم تمدد على الفراش، وسحبها نحوه برفق، حتى وضعت رأسها على صدره.
أحاطها بذراعيه، ثم وضع قبلة طويلة على جانب جبينها، وقال بنبرة مطمئنة: ماتخافيش… طول ما أناجنبك، ماينفعش تخافي ولا تقلقي.
تابع بنبرة مرحة: وبعدين… ما إحنا هربنا قبل كدة تلات مرات بس الفرق المرة دي… إنك معايا.
ابتسمت ماسة بخفة، ثم رفعت رأسها قليلًا، وطبعت قبلة صغيرة على خده قبل أن تضمه أكثر إلى صدرها… وكأنها تستمد منه الأمان.
ثم نظرت له وقالت بابتسامة: عارف؟ النهارده كلمت بنت صاحبة مي… بنت عسل أوي، حبيتها خالص، ولمضة كده. فضلت تقول لي: مي بتحبني أنا أكتر، وأنا أقولها لأ أنا، فترد عليا: لا أنا… وأنا أقولها: أنا!"
ضحك سليم، وهز رأسه: يخرب بيت عقلك يا ماسة… بتدخلي عقلك في عقول الأطفال!
ضحكت هي بسرعة: أصلها بتتلامض معايا وأنا كمان اتلمّضت عليها، عسولة خالص، مي قالتلي ممكن تاخدني معاها… ماتخليني أروح معاها يا كراميل؟
رفع حاجبه متسائلًا: تروحي معاها فين؟ وإزاي؟"
رفعت كتفيها وهي تخرج شفتيها: مش عارفة… يعني نتصرف.
تنهد بهدوء وقال وهو يمسح على شعرها بحنان:
خليها تيجي هنا، وانزلي اقعدي معاها زي ما انتي عايزة، . لكن إنك تروحي هناك؟، مش هينفع انتي فهمه.
زفرت باختناق: ماشي.
تبسم لها وهو يفول بتفهم: هانت يا حبيبي ثم تابع بنبرة حماسية:
بقولك تيجي نتدرب شوية، نجهز للي جاي بكرة."
هزت رأسها باعتراض مدلل، أغمضت عينيها وهي تهمس: لا… أنا عايزة افضل في حضني شوية.
قبل جبينها برفق وقال بصوت دافئ:نامي يا عشقي…
♥️________________بقلمي_ليلةعادل
في اليوم التالي ( يوم الحفلة)
قصر الراوي12ظهرا.
استيقظت مي من نومها بهدوء، بينما كان رشدي مايزال غارقا في نومه توجهت إلى الحمام، وبعد قليل خرجت وقد بدلت ملابسها، وضعت له جرعته في مكانها المعتاد.
في تلك اللحظة، بدأ رشدي يتحرك فوق الفراش
تبسمت واقتربت منه برفق، وربتت على كتفه قائلة بحنان: حبيبي أنا هنزل دلوقتي، هروح للخياطة… وهعدي على جنة.
فتح عينيه بصعوبة، لتظهر ملامحه بوضوح، وجهه هزيل، والهالات السوداء أسفل عينيه ازدادت قتامة، وجسده مثقل بخمول واضح، أعراض الانسحاب بدأت تترك آثارها القاسية عليه في داخله، راودته فكرة خطيرة
أن يخرج في غيابها ويجلب مخدرا لم يكن يريد الكثير فقط جرعة إضافية تخفف ذلك الوجع الذي ينهش جسده بلا رحمة.
قال بصوت متعب: طيب ماشي ماتتأخريش.
نظرت إليه بقلق، ثم قالت محذرة: أوعى تخرج خليك هنا.
رد بتعب، محاولا إخفاء نيته: هروح فين يعني مرزوع
تبسمت له و وضعت قبلة على خده، ثم خرجت من الغرفة.
انتظر لحظات قليلة، ثم نهض مسرعا رغم الألم الذي ينهش جسده.
اتجه نحو الشرفة، ووقف يراقب بحذر، ظل ينظر للأسفل، حتى تأكد من أنها صعدت إلى السيارة مع السائق، وتحركت خارج القصر.
في اللحظة التي اختفت فيها السيارة من أمام عينيه، استدار بسرعة، ودخل إلى الداخل.
بدل ملابسه على عجل، وأنفاسه تتسارع، ويداه ترتجفان.
ثم أمسك هاتفه، واتصل بأحدهم، وقال بصوتٍ منخفض متوتر: بقولك إيه أنا جايلك دلوقتي
في نفس المكان.
أغلق الهاتف،، وعيناه تلمعان بلهفة خطيرة، لهفة رجل لم يعد يفكر في شيء، سوى الجرعة.
جناح سليم وماسة
كانت ماسة تجلس على حافة الفراش، تقضم أظافرها بتوتر واضح، وعيناها تتحركان في أرجاء الغرفة بقلق اليوم هو يوم هروبها، لم يتبق سوى القليل، تشعر بتوتر لا تعرف لماذا وفجأة…
فتح الباب، ودخل سليم.
انتفضت من مكانها سريعا، ما إن رأته ببدلته الأنيقة، وكأن رؤيته أعادت إليها بعض الأمان.
قالت بلهفة واضحة: سليم!
ثم اندفعت نحوه دون تفكير، وأحاطت عنقه بذراعيها بقوة.
ضمها بين ذراعيه للحظات، ثم أبعدها قليلا، وهو يمرر يده على شعرها بحنان خافت.
قال بنبرة هادئة: أنا همشي دلوقتي، لازم أروح الاجتماع إللي عاملينه، علشان يتأكدوا إني مش موجود هنا ويهربوكي براحتهم.
نظرت إليه بقلق، وسألته بسرعة: طب وأنا المفروض أعمل إيه دلوقتي؟
أجابها بهدوءٍ محسوب: ولا أي حاجة تفضلي قاعدة زي ما إنتِ كده، وماتتحركيش
نظرت له بعمق، عيناها تلمعان بقلقٍ صادق: أهم حاجة أهلي يا سليم أهم مني، وحياتي عندك.
اقترب منها أكثر، نظر في عينيها بثبات: وحياتك عندي، مستحيل حاجة تقرب منهم.
ثم إنحنى قليلا، ووضع قبلة هادئة على رأسها.
وسحبها لحضنه بدفئ، يحاول يطمنها أو يمكن يطمن نفسه.
أغمضت عينيها للحظة داخل حضنه، وكأنها تاخذ نفس أمان أخير.
تلامس السلسلة في رقبتها، وقال بنبرة مطمئنة: السلسلة شغالة تمام، والإسورة كمان، ماتقلقيش يا عشقي أنا مش هسيبك كل خطوة أنا مراقبك.
ثم ابتعد سليم ببطء، وضم وجهها بين كفيه، مركزا نظره في عينيها، وقال بصوت خافت: بتثقي في سليم ولا لأ؟
هزت رأسها بإجابة صامتة، بينما كان داخلها صوت واحد فقط يتردد: مابثقش غير في سليم.
وضع قبلة طويلة على رأسها، ثم ضمها، قبل أن يتحرك نحو الخارج.
ظلت ماسة جالسة في مكانها، تحاول أن تهدأ وأن تُسكت دقات قلبها المتسارعة.
ممرات القصر
خرج سليم إلى الخارج، وتحرك في الممر بخطوات ثابتة، ثم هبط إلى الأسفل.
الهول
كانت فايزة تقف في منتصف المكان، تتابع تجهيزات الحفل بعين يقظة، توجه هذا، وتراقب ذاك، تحرص على أن يخرج الحفل في أبهى صورة.
وفي تلك اللحظة، هبط سليم واتجه نحوها قائلا بهدوء: صباح الخير يا هانم.
التفتت إليه: صباح الخير يا سليم خلاص، رايح المجموعة.
أجابها بهدوء: لا خليته يكون في مطعم أفضل.
تنهدت قليلا: معلش يا سليم، إنت شايف إحنا مشغولين جدا في الحفلة، وكان لازم الاجتماع ده يتم.
هزّ رأسه بلا اعتراض: مافيش مشكلة عادي، أنا همشي بقى عشان مأتأخرش وهحاول أجي قبل الحفلة بساعتين أو حاجة.
ثم استدار وتحرك نحو الخارج.
خارج القصر
تحرك سليم خارج القصر، وبرفقته الحرس، حتى غادر المكان تماما.
بينما وقفت فايزة في مكانها، تتابع الحركة من حولها، وعلى شفتيها ابتسامة من يظن أنه يحكم قبضته على كل الخيوط، لكنها لم تكن تعلم أنها مجرد قطعة صغيرة في لعبة أكبر لعبة سليم.
جناح سليم و ماسة
كانت ماسة لا تزال جالسة تنتظر مجئ فايزة، بعد وقت، فتح الباب بعنف، التفتت ماسة بفزع، واتسعت عيناها لتجد فايزة تدخل بسرعة.
شهقت بخضة واضحة: فايزة هانم!
رفعت فايزة يدها بإشارة حاسمة، وعيناها حادتان:
أسمعي إنتي هتهربي كمان ربع ساعة.
تجمدت ماسة مكانها، واتسعت عيناها بصدمةٍ مصطنعة: أفندم؟
قطبت فايزة حاجبيها بضيق، واقتربت منها خطوة:
هو إيه إللي أفندم؟ هو أنا إمبارح مش كلمتك واتفقنا؟
هزت رأسها بسرعة، محاولة التماسك: مظبوط أنا بلّغت أهلي بس يعني ربع ساعة؟ وهاتهربيني إزاي؟
زفرت فايزة بنفاد صبر، ثم أخرجت من جيبها مجموعة جوازات سفر: ماسة أنا مش عايزة كلام كتير، نفذي من سكات
مدت يدها وأعطتها باسبورتات: دي باسبورتاتك، إنتي وعيلتك.
تناولتها ماسة ببطء، عيناها تتحركان بين الجوازات ووجه فايزة أكملت فايزة بسرعة، بنبرة آمرة:
هاتركبوا القطر من القاهرة تروحوا بورسعيد، ومن هناك تاخدوا أي عربية على السويس. فاهمة؟
أومأت ماسة بصمت المركب هايتحرك الساعة 7 بالليل.
اقتربت فايزة أكثر، وخفضت صوتها: حاولي تغطي ملامحك بكاب، نضارة نفس الكلام لأهلك.
يلا مافيش وقت.
ابتلعت ماسة ريقها، ثم قالت بهدوء:حاضر.
تراجعت فايزة، ثم استدارت وخرجت سريعًا.
أُغلقت الباب.
بينما اندفعت ماسة تتحرك بسرعة بدلت ملابسها في ثواني، أنفاسها متلاحقة، وأصابعها تعمل بتوتر واضح
أمسكت هاتفها أجرت اتصالًا سريعًا بعائلتها، تطمئن عليهم وتؤكد عليهم ما تم الاتفاق عليه، كلماتها كانت مقتضبة، لكنها تحمل قلقا
ثم فتحت الباب ما إن خرجت—تجمدت خطواتها.
في آخر الممر،
تقف صافيناز صامتة نظرتها ثابتة عليها، مرعبة.
عقدت ماسة حاجبيها بتعجب، فجأة استدارت صافيناز وتحركت للوهلة الأولى لم تفهم ماسة لكنها سرعان مافهمت وبدأت تتحرك في الممر خلفها، بخطوات محسوبة
دخلت صافيناز غرفة…ثم أخرى…ثم ممر ضيق
ثم غرفة جديدة—وما إن دخلت— ماسة
توقفت كانت فايزة وعماد في انتظارها.
وفي منتصف الغرفة كان هناك صندوق خشبي كبير.
أُغلق الباب خلفها.
وقفت صافيناز، وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها، تراقب بصمت بإبتسامة غريبة.
تقدمت فايزة فورا، وقالت بنبرة حاسمة: إنتي هتستخبي جوة الصندوق، لحد ما السواق ينزلك محطة القطر ساعتها هاتخرجي وإنتي عارفة هاتعملي إيه.
اتّسعت عينا ماسة، ونظرت للصندوق بصدمة ثم نظرت لها وأشارت بيدها: أنا هستخبى جوة الصندوق ده؟! ده هايخنقني!
تمتمت صافيناز ببرود، دون أن تغير وضعها: يا ريت.
رمقتها ماسة بطرف عينها بنظرة حادة، لكن فايزة تدخلت بسرعة: أسمعي يا ماسة الكلام مافيش وقت للجدال، الصندوق ده هو الوسيلة الوحيدة لخروجك من القصر من غير ماحد يشعر، الدنيا زحمة عشان الحفلة، وبعدين الصندوق فيه فتحات هوا… ماتقلقيش.
اقتربت منها خطوة، وعيناها تضيقان: ولو كنا عايزين نقتلك ماكنتش هخبيكي في صندوق عندي طرق تانية أفضل كتير.
ابتلعت ماسة ريقها بصعوبة: طيب لما أوصل السويس وأسافر لندن إيه إللي هايحصل هناك؟
تدخل عماد وهو يخرج ظرفا: هتقابلي واحد اسمه نعومي، هو هيظبطلكم كل حاجة، هايوديكي مكان متطرف كام يوم في لندن، ومن هناك هاتسافري روسيا، وبعدها أي دولة تانية ..
مد يده بالظرف: دي عشرين ألف دولار." خليهم معاكي علشان الطوارئ
أخذت ماسة الظرف، نظرت له بتشكك: عشرين ألف بس؟ هما دول ممكن يعملوا حاجة…
فايزة بسرعة: ده مؤقت. لحد مانحولك مبلغ.
تساءلت ماسة بقلق: وسليم؟… سليم لسة هنا؟
نظرت لها فايزة بحدة: خرج،. المهم تمشي على الخطة ومش عايزة أي غلط.
اقتربت منها أكثر، ونظرت في عينيها بتهديد صريح:
ولو طلعتي بتلعبي أهلك تحت عينينا صدقيني ثمن الرصاص إللي هقتلهم بيه أرخص بكثير من حياتهم.
رفعت ماسة رأسها بثبات، رغم الخوف: لو جرالهم حاجة، أنا معايا حاجات عند ناس تانية هتوصل لسليم، لازم أول ماوصل لندن أكلم الشخص ده وأبلغه إني بخير.
هز عماد رأسه: ماشي يا ماسة ياريت بقى تدخلي الصندوق عشان أي تأخير مش في مصلحتنا.
توقّفت لحظة ثم نظرت له بعمق: أنا نفسي أسألك سؤال! إنت عملت معايا كده ليه؟! انت عمرك ماشوفت مني حاجة وحشة؟!
رد بهدوء بارد دون أي شفقة: مصلحة مراتي أهم من أي حاجة.
ابتسمت بسخرية مريرة: فعلا، لايقين على بعض.
قطعت فايزة الحوار بحدة:يلا! مش عايزين رغي كتير خشي الصندوق.
تقدمت ماسة ببطء نظرت للصندوق للحظة…ثم صعدت داخله، أُغلق الغطاء عليها ظلام تام.
اقترب عماد من فايزة: فايزة هانم، إنتي خليكي هنا، نادي العمال يشيلوه للعربية، لازم أخرج أنا أوصافي ماينفعش نبان هنا.
أومأت براسها وبالفعل خرج عماد وصافيناز من الباب أخر فتحت فايزة الباب، ونادت باستعلاء: إنتوا! يلا… شيلوا الصندوق ده. إحنا خلصنا.
دخل العمال رفعوا الصندوق.
في الداخل—
كانت ماسة تشعر بأنفاسها تضيق، ويدها تتحسس الجوانب في الظلام وهي تتأرحج بداخله
هبطوا بها إلى الأسفل ثم وضعوها داخل السيارة.
أُغلق الصندوق.
في نفس اللحظة
كان سليم داخل سيارته يتابع كل شيء عبر التابلت عيناه مركزتان أنفاسه محسوبة.
وما إن دخلت تحركت السيارة التي بها ماسة، نقل نظره فورا إلى جهاز التتبع فتح الهاتف وأتصل: مكي… خليك وراهم، العربية ماتغيبش عن عينك لحظة، فاهم؟
مكي من داخل سيارته:ماتقلقش أنا وراهم، كمان الجماعة بدأوا يتحركوا ناحية المحطة.
سليم بصرامة: تمام مش عايزين غلط، غلطة واحدة… ثمنها غالي هو أنا دلوقتي هاتحرك عشان أول مانقرب من المكان نهجم على العربية.
أغلق الهاتف مرر يده على وجهه ببطء، رغم ثقته كان القلق ظاهر واضح.
على إتجاه أخر.
كانت السيارة التي بها ماسة تتحرك في الشوارع وخلفها سيارة أخرى تبدو أنها تابعه للعائلة وسيارة مكي خلفها مبتعدة
داخل الصندوق، كانت ماسة تشعر بضجر، والظلام يضغط عليها، حاولت تصبر لكن لم تستطيع مدت يدها تتحسس حتى وجدت الفتحة دفعتها فتح الغطاء قليلا، ثم أكثر رفعت رأسها ببطء، وعينيها تبحثان حولها.
ثم خرجت من الصندوق وجلست على أرض السيارة.
أنفاسها مضطربة، وقلبها يتصارع.
جلست تنتظر وهي تقول في نفسها: فين سليم اتأخر كدة ليه؟!
في الخارج كانت السيارة تتحرك بثبات في الطريق.
وفجأة—
اندفعت عدة سيارات من إتجاه آخر بسرعة هائلة، لتظهر كأنها خرجت من العدم.
في لحظاتٍ معدودة، ألتفت السيارات حول السيارة من كل إتجاه، تحاصرها بإحكام وتمنع عنها أي طريق للهرب.
ارتبك السائق، واشتدت أنفاسه وهو يضغط على المقود بقوة، قبل أن تتقدم إحدى السيارات وتتحرك بمحاذاة
انخفض زجاج تلك السيارة ببطء وخرجت يد أحد الرجال منها، تشير بحدة نحو الطريق الجانبي: وقف العربية… أقف على جنب!
اتسعت عينا السائق، وقلبه يكاد يقفز من صدره، وتمتم بصوت مرتجف: في إيه؟! عايزين إيه؟!
لكن السائق الآخر أخرج مسدسا فجأة، ووجهه نحوه وهو يصرخ بحدة: بقولك أوقف… وقف العربية!
تجمد السائق في مكانه، وشحب وجهه وهو يضغط على المكابح سريعا، كان الارتباك والزعر واضحا على ملامحه، يبدو أنه لم يكن يعلم شيئا عن ماسة.
بدا وكأنه عامل بسيط لا علاقة له بأي شيء يخص الهروب، رفع يديه: فيه إيه يا باشا؟! إنتوا مين؟!
صرخ فيه الحارس بحدة: ماتنطقش!
على بعد—
كانت سيارة التابعة للعائلة تراقب المشهد، ومكي أيضا على مسافى، يراقب في صمت، عينه لا تتركهم لحظة.
وفجأة—
نزل سليم من سيارته بهـيبة كاملة، خطواته بطيئة محسوبة، توقف أمام السائق، ونظر إليه باحتقار، ثم قال بهدوء مرعب: خدوا الكلب ده على المخزن، أنا ها أعرفك إزاي تغدر بسليم الراوي.
صرخ السائق بهلع: يا باشا أنا ما أعرفكش! أنا مالي؟! أنا عملت إيه لده؟! في إيه؟! في إيه؟!
لكن لم يلتفت إليه أحد أمسكوا به، وسحبوه بالقوة وهو يصرخ ويحاول الإفلات.
في نفس اللحظة… داخل الصندوق السيارة
كانت ماسة تحاول فهم مايحدث بالخارج، أصوات رجال صرخات، لكن الصورة غير مكتملة قلبها بدأ يدق بعنف.
وفجأة— فُتح الصندوق.
ظهر سليم، بابتسامة مشرقة، انحنى قليلا، وقال بنبرة منخفضة: ماستى الحلوة بتعملي إيه؟
ابتسمت، وعيناها تلمعان بشقاوة: مستنياك يا كراميل..
زمت شفتيها بدلال: تأخرت عليا؟!
مد يده، مفسرا: معلش عشان نظبط اللعبة.
ثم اقترب أكثر، وخفض صوته: جاهزة؟
أخذت نفسا عميقا، وقالت بثبات: جاهزة.
وفجأة— أنفجر صوته ببحة رجولية جهورة حتى برزت عروقه: رايحة فين يا بنت الكلب؟!
التفتت ماسة له، وقالت بمداعبة: عيب كدة ياسالوملوم خليك مؤدب.
لكن ملامح سليم لم تتغير،في لحظة— اندفع نحوها أمسكها من شعرها بعنف، وسحبها للخارج: أنزلي!
صرخت من الألم، حاولت تبعده، لكنه شدها أكثر.
وصاح بغضبٍ مصطنع، صوته عالي متعمد:
بتهربي مني؟! ها؟! فاكرة حشرة زيك تعرف تهرب من سليم؟!
رفع يده وصفعها بقوة.دوى صوت الصفعة في المكان.
على إتجاه أخر الحارس التابع للعائلة، رفع هاتفه بسرعة، وبدأ يصور، ملامحه كانت مصدومة لم يفهم شئ.
كانت ماسة تصرخ، وتدفعه بيديها: أبعد عني! أنا بكرهك! وأول فرصة، هاتجيلي ههرب منك! فاهم؟! بكرهك! بكرهك..
ثم صرخت بقهرٍ أكبر: خلي عندك شوية رجولة بقى! وطلقني..
شدها من شعرها بقسوة أكبر، وقربها منه، وقال بحدة: إنتي تخرسي خالص! أنا هعرفك إزاي تكرهيني..
سحبها بقوة— ودفعها داخل السيارة.
بينما الحراس واقفون حولهم، مصوبين أسلحتهم،
صعد سليم السيارة وأغلق الباب وانطلقت السيارة بسرعة وخلفها الحراسة.
بينما الحارس التابع للعائلة، خفض الهاتف ببطء، وعيناه متّسعتان: كارثة…
ثم قام بعمل مكالمة: باشا فيه مصيبة! سليم بيه كشف ماسة هانم ووصلها
الطرف الآخر، بالقصر
اتسعت عينا عماد: إنت بتقول إيه؟!
أجابه باهتزاز: زي مابقولك! أنا صورت كل حاجة، هبعتلك الفيديو حالا.
سيارة سليم
كان سليم يقود السيارة، ماسة بجواره التفتت بجسدها صوبه بإبتسامة واسعة.
قالت بحماس طفولي: أنا عجبتني اللعبة أوي!
نظر لها سليم بطرف عينه ثم مد يده قرصها من خدها: كنت متأكد.
سألته بفضول: طب إحنا دلوقتي المفروض هنعمل إيه؟
أجابها وهو يقود بتركيز: ولا أي حاجة، المفروض دلوقتي إني واخدك على مكان بديكي علقة، وطبعا الكلام ده هيوصل لهم عن طريق عثمان.
ثم نظر لها بإبتسامة واسعة تلامس ذقنها:
إنما إحنا بقى… هنعمل إيه؟ هاخد قطعة السكر أفسحها. أنا أصلا كنت مستني اللحظة إللي هيهربوكي فيها عشان أفسحك على حسّها، وكل مرة يحاولوا يهربوكي، هاخدك نخرج ونتفسح.
ضحكت بسعادة: الله! أنا مبسوطة أوي… أنا كان بجد نفسي أخرج يا سليم، أنا كنت هاطق!
ضحك معلقا: عارف إني ماستي الحلو عندها فرط حركة ماتقدرش تستحمل قاعدة في البيت كتير.
عبست قليلا: بس أنا زعلانة منك، هخرج إزاي باللي في وشي ده؟
ابتسم بمكر: ودي حاجة تفوتني يا قطعة السكر؟
مد يده نحو التابلوه، وأخرج مناديل مبللة وأعطاها لها: أمسحي كل اللي في وشك ده، وهانخرج خروجة جامدة، ولو عايزة كمان أجيبلك لبس، أجيبلك كل إللي إنتِ عايزاه.
رفعت حاجبها مستنكرة بسخرية: طب لما أمسحه بقى يا فتك هرجعه إزاي بعد كده؟
ضحك بخفة: برضوا دي حاجة مافاتتش عليا
بصّي ورا كده بعينك.
التفتت ماسة برأسها للخلف، فوجدت صندوقا موضوعا على المقعد.
نظرت له بدهشة، فأجابها مبتسما: جبتلك كل المكياج إللي هاتحتاجيه وإحنا راجعين تقعدي بقى تظبطي مكياجك.
ثم أضاف وهو يغمز مزاح: بس بقولك إيه تقلي إيدك أوي، عشان المفروض إنك هربانة يعني مديكي علقة بنت ناس.
رفعت يديها بحماس طفولي إنت أحلى سالوملولم في الدنيا..
اقتربت منه وضمت رأسه وأعطته قبلة قوية في خده..
ابتعدت قليلا، ثم قالت بقلق: طب بقولك إيه ماما وإخواتي وبابا إيه إللي حصللهم؟
سليم بإبتسامة خفيفة: ماتقلقيش عليهم، مكي هايبعتلهم رسالة على الرقم السري يروحوا ماتخافيش أنا متابعهم حاطط ناس وراهم
قالت بحماس طفولي: طب بقولك إيه، ماتيجي نتفرج على العيلة، نشوفهم بيعملوا إيه دلوقتي؟
هزّ سليم رأسه رافضا: لا… إحنا هناخد إجازة. فاكرة اليوم إللي قلتِ لي فيه: تعالى ناخد إجازة من كل حاجة؟
ثم ابتسم وأضاف: بكرة بقى نبقى نشوف الكلام ده… اتفقنا؟
مالت نحوه، وأحاطت ذراعه بذراعها بدلالٍ واضح، وقالت بإبتسامةٍ واسعة: اتفقنا يا أحلى كراميل في العالم.
❤️___________بقلمي_ليلةعادل
سيارة رشدي2مساء.
جلس رشدي بسيارته، يشعر بالتعب والصداع يضرب براسه، فجأة، فتح الباب ودخل شخص: مساء الخير يا باشا، ! لحقت خلصت الكمية؟
رشدي سريعا: بقولك إيه أنا محتاج كمية زي المرة إللي فاتت.
تساءل الديلر، كاش ولا فيزا؟
خرج رشدي من محفظته بسرعة فيزا: فيزا.
أخذها منه الديلر، إدخلها في الجهاز الذي أخرجه من حقيبته، لكن بدا أن الفيزا بها مشكلة: يا باشا، مش شغالة! إيه الموضوع ده؟
عقد رشدي حاجبيه باستغراب: إزاي يعني؟!
مد الديلر وجهه بعدم معرفة،. أخرج رشدي جميع بطاقات الفيزا التي بحوزته، جرب دول.
وحاول مرة أخرى، لكن جميعها كانت متوقفة عن العمل.
تنهد الديلر وهو يخرج تذكرة من حقيبته: للأسف يا باشا… كلهم واقفين، بس ممكن أديك تذكرة لحد ماتشوف المشكلة في البنك. إنت برضه زبوننا وحبيبنا يا رشدي بيه.
أخذها رشدي، مسرعا وضعها على ظهر يده وستنشقها. ثم ارتخى قليلا
بينما ابتسم الديلر: أنا في الخدمة وقت ماتحتاجني، هتعرف تجيبني إزاي.
ثم خرج من السيارة، كان رشدي يملؤه الغضب، جز على أسنانه، مسك هاتفه وأتصل بالبنك:
ألو… أنا رشدي الراوي. الحسابات بتاعتي موقوفة ليه؟
بدأت أعصابه تفقد السيطرة أكثر، عينيه تتلألأ بالغضب، وصرخ داخليًا: عزت بيه إللي أمر طيب.
أغلق الهاتف بعنف، وضرب على الدركسيون وهو يصرخ: يا ولاد الكلب، كلكم ولاد كلب والله! ها أوريكم إزاي تتعاملوا معايا كده!
ثم قاد السيارة مسرعا، وانطلق بسرعة نحو القصر، عينيه مليئتان بالغضب والعزم.
قصر الراوي
مكتب عزت3مساء.
كانت العائلة متجمعة، وكانت ملامح التوتر والقلق واضحة على وجوه الجميع.
عزت بحدة وصدمة: يعني إيه؟! لاقاها؟! إزاي؟!
عماد بتوتر واضح: ما أعرفش ما أعرفش، عموما أنا بعت لعثمان رسالة، وقولتله يبلغني بكل جديد، هو قاللي إنه دلوقتي وراهم بالعربية، بس مش عارف سليم رايح فين.
ضربت فايزة كفا بكف: دي كارثة، كارثة كبيرة! لقاها أصلًا إزاي؟!
رفع عماد عينيه لأعلى وقال بتفكير: تفتكروا، زرع فيها جهاز تتبع؟
نظرت له صافيناز معلقه: ممكن فعلا خصوصا انها مش اول مره ليها؟
فايزة بضيق وهي تزم شفتيها: دي كانت مصيبة، أنا قولت خلاص هانرتاح بقى من كارثة ماسة!
تنهد عزت بعمق، ثم قال بحسم: أنا من رأيي نتصل بسليم دلوقتي، ونقول له إننا لسة مكتشفين إنها هربت.
أومأ عماد موافقا: هو ده إللي لازم يتم يا باشا، نخلي مسؤوليتنا.
وبالفعل بدأ عزت الاتصال بسليم…
سيارة سليم
كان سليم ذلك يقود سيارته وماسة ساند راسها على كتفه.
رن الهاتف، فنظر سليم إلى ماسة بابتسامة ماكرة، وقال بخفوت: بيتصلوا بيا، تعالي نشوفهم عايزين إيه.
ثم فتح الهاتف على مكبر الصوت وقال بهدوء:
ألو.
جاء صوت عزت متوترا: يا سليم، إحنا في مصيبة إحنا مش لاقيين ماسة! شكلها هربت!
نظر سليم إلى ماسة بطرف عينه، ثم قال ببرودٍ متعمد: ما هي فعلا هربت بس أنا لقيتها.
ثم أضاف بنبرةٍ تحمل تهديدا: ولما أرجع، نبقى نشوف بقى هروبها ده كان إزاي، وإزاي تهرب من قصرك يا باشا.
عزت بسرعة: أكيد يا سليم أنا مش ها أسكت! هادور وهعرف إزاي هربت، وهشوف كل الكاميرات.
تدخلت فايزة بقلق مصطنع: طب إنت فين دلوقتي يا سليم؟ هتعمل إيه؟
سليم ببرود حاسم: ماحدش له دعوة.
ثم أغلق الهاتف مباشرة.
نظر إلى ماسة وابتسم، فبادلته الابتسامة، وضربا كفيهما ببعض في مرح خفيف…
بينما كانت العائلة في القصر تعيش لحظات من توتر شديد.
عزت يحاول التماسك: إحنا مش عايزين أي قلق دلوقتي خلونا نخلص من موضوع الحفلة ده ماينفعش أي كارثة تحصل رئيس الوزراء هايحضر وأكبر مستثمرين وأكثر من وزير يعني لازم كل حاجة تمر النهاردة بسلام.
اوما برأسهم بإيجاب.
على إتجاهٍ آخر — محطة مصر
كانت عائلة ماسة تجلس على أحد مقاعد محطة القطار، وأمامهم حقيبتان كبيرتان للسفر.
كانوا ينظرون من حولهم بترقبٍ واضح، بينما تمر الدقائق ببطءٍ ثقيل.
تنهدت سعدية،تسالت بقلق: بقوللكم إيه… هو إحنا هنفضل قاعدين كده كتير؟ فات أكتر من ساعتين!
سلوى مفسرة:سليم كلمني وقالي لما مكي يتصل بيكم ويقولكم يلا ساعتها نتحرك. فخلينا قاعدين زي ما قال.
تدخل مجاهد متسال: طب ما قالش حاجة تانية يا بنتي؟
هزت سلوى رأسها نفيا: كل إللي قاله إننا نطلع على المحطة ونفضل قاعدين… ولو كلمنا في أي وقت، نمثل إننا بندور عليها وكده… ونفضل نرن على الرقم التاني كل شوية.
تنهد يوسف بضيق، وهو يهز رأسه بعدم فهم: أنا والله مش فاهم آخر التمثيل ده كله إيه!
ربت مجاهد على كتفه، وقال بهدوءٍ حازم:
يا ابني معلش… خلينا في مصلحة أختك. أهم حاجة إن أختك ييجي لها حقها… وخلاص.
عمار وهو يخرج هاتفه من جيبه عموماً… أنا معايا رقم مكي. هستنى نص ساعة كمان، ولو ما كلمناش… هكلمه أنا وأشوف الدنيا إيه.
ثم ألتفت إلى سلوى وسألها:رني على الرقم التاني أومأت برأسها وبدأت بالاتصال
ساد الصمت بينهم للحظات…صمت ثقيل، لا يقطعه سوى أصوات القطارات المارة، وصفاراتها
على إتجاهٍ آخر…
كان سليم قد وصل إلى مكان هادئ على كورنيش النيل.
توقفت السيارة، فهبطت ماسة برفقٍ برفقته، كانت ماسة مسحت أثر مكياج الضرب عن وجهها.
نظرت من حولها باستغراب،: إحنا فين؟
أمسك سليم يدها بهدوء، وأشار أمامه قائلا بابتسامة خفيفة: مافيش هنركب اليخت الحلو إللي هناك ده نقضي وقت حلو مع بعض وبعدين نروح مكان كدة مفاجأة.
نظرت له بابتسامة دافئة، ثم اقتربت وضمته، سألته بفضول: هما الحراس مش موجودين معانا ولا إيه؟
هز رأسه وهو يبتسم بمكرٍ لطيف: لا بقى، ماينفعش. هنقضي الوقت أنا وإنتِ لوحدنا يا قمورتي.
ثم سحبها من يدها برفق، وصعد بها إلى يخت صغير، وما إن استقرا داخله حتى بدأ اليخت يتحرك بهما فوق صفحة النيل.
تقدمت ماسة إلى المقدمة، تستنشق الهواء بعمق، وعيناها تتأملان الماء الممتد أمامها.
وفي تلك اللحظة، جاء سليم من خلفها، وضمها من خصرها، فأسندت ظهرها إلى صدره، بينما مال برأسه على كتفها قال بهدوء: مبسوطة؟
ابتسمت وهي تغلق عينيها لحظة، وقالت: أكيد هكون مبسوطة… عشان أنا معاك.
أسند سليم جبينه إلى عنقها، ثم قبلها بحنانٍ عميق، وقال بصوت مغمور بالعشق: الإنسان ممكن يعوز إيه أكتر من كده من الدنيا؟ أنا في حضني البنت إللي بعشقها… وسط الميه، والهوا، والشمس…
ما اعتقدش إن فيه أجمل من كده، يا ريت الحياة تفضل كده على طول.
أخذت ماسة نفسا عميقا، وهمست بتمن صادق:
ياريت…
صمتا للحظات، وهو يضمها إليه بقوة، بينما كانت هي تمسك بذراعيه المحاطة بها.
ثم قال فجأة بهدوء ممزوج بالقلق: بس عارفة إحنا ناقصنا حاجة واحدة… طفل.
فتحت عيناها، شعرت بخوفه المكتوم التفتت له بابتسامة رقيقة، وسألته بصوتٍ هادئ:
إنت ليه مش عايز تروح تعمل تحليل؟
ساد الصمت لحظة طويلة… قبل أن يرد بصوتٍ خافت خائف: خايف…
عقدت حاجبيها باستغراب: خايف من إيه؟
تنهد، ثم قال بصوت مثقل: خايف أسمع حاجة مش عايز أسمعها…
نظر بعيدا وأضاف: أنا دلوقتي عايش على الـ(يمكن) وإل(يمكن) دي مدياني أمل…لكن التحليل… هايوصلنا لليقين ..
نظر لها بعينين تلمع بدموع: يقين مش عايز أوصله.
ابتسمت بتفهم، ثم رفعت يدها ووضعتها حول عنقه، وقالت بدفء: عارف؟ كل ست بتتمنى تكون أم، وأنا كمان كنت بتمنى ده من أول لحظة اتجوزتك فيها،
بس لما كبرت فهمت إن وجودك معايا هو الأهم…
إنت كفاية عليّا…
ثم أضافت بعينٍ ثابتة مليئة بالإيمان: أنا متأكدة إنك لو رحت عملت التحليل، هتلاقي نفسك كويس،
عندي يقين بالله...
نظر لها بيأس، ردت على تلك نظرة وهي تلمس بأطراف أصابعها عينيه برفق، وهمست: بلاش النظرة دي… أنا مش عايزة أشوفها في عينيك تاني، أنا معاك إنت بالنسبالي جوزي وحبيبي وابني وأبويا وأخويا وكل الناس، انا مكتفيه بيك، فاهم! أنا مش عايزة غيرك، لو المقابل مش هكون أم، مش مهم، انت كفايه عندي..
ابتسم بحب، وقال بصوت دافئ بعينين تلمع بدموع: بحبك…
تبادلا النظرات في صمتٍ طويل، نظرة مليئة بعشقٍ لا يقال بالكلام…
مسح على خدها ببطء، ثم اقترب وقبّلها قبلة عميقة، طويلة، تحمل كل ما لم يستطع قوله.
ثم احتضنها، ودار بها وهو يضمها كأنها عالمه الوحيد،
ظل اليخت يشقّ الماء بهدوء، بينما ألتقط سليم لها عدة صور، ثم أخرج بعض البالونات وطيّارة صغيرة، فبدأ يلاعبها بها.
ضحكت ماسة بسعادة صافية، كطفلة عادت إليها براءتها
باقي الفصل الواحد والثلاثون (3) 👇
قصر الراوي،4مساء.
ترجل رشدي من سيارته، يشعر بالغضب الشديد بسبب وقف بطاقاته الائتمانية؛ كانت النار تشتعل بداخله كبركان على وشك الانفجار.
دخل القصر وهو يصرخ: عزت يا راوي! عزت يا راوي! إنت فين؟
اقترب أحد الخدم وأجاب: الباشا، والهانم فوق.
تحرك مسرعا إلى الأعلى، حيث كان عزت وفايزة يستعدان للحفل.
دخل يصرخ بغضب: إزاي توقفوا الفيز بتاعتي؟
التفت إليه عزت ببرود: مش تخبط على الباب قبل ماتدخل؟
نظرت له فايزة من أعلى لأسفل: طول عمره هيفضل كده.
رشدي بعصبية: أنا مش جاي اتعلم آداب دخول الغرفة… إنت وقفت الفيز بتاعتي ليه!
عزت بهدوء حاد: علشان ده إللي لازم يحصل إنت عايز بعد كل إللي حصل ده ماخدش إجراء زي ده؟
رشدي بضجر: تقوم موقف كل الفيز، وأنا المفروض دلوقتي أمشي أشحت ولا إيه؟
ألتفت عزت يواصل تصفيف شعره أمام المرآه، وقال ببرود: والله إنت إللى اخترت لنفسك العقاب دى يوم ما تمسكت بالمشروع، وطالما فشلت يبقي العقاب لازم يتنفذ.
وضع المشت على الكومدينو والتفت إليه ثانية، وقال باستنكار متعجب: وبعدين إنت هاتعوز الفلوس في إيه؟ مش بتاكل وتشرب في القصر، عايز إيه تاني؟
تابع بسخرية لاذعة: ولا عايزها علشان تشم وتتصرمح!وبعدين إنت مش كنت عايز تبطل؟ ده هايخليك تبطل لإنك مش هاتلاقي تشتري.
رشدي باستهجان: إنت فاكر بقي بكل إللي بتعمله ده، هعتذر وأطلب السماح وأبوس الأيادي؟ تبقى غلطان يا عزت يا راوي ولسه ماتعرفنيش.
صمت للحظة، ثم تساءل باختناق، بنبرة مهتزة خرجت رغما عنه: نفسي أعرف إنت بتعمل معايا ليه كده؟ ساعات بحس إني مش ابنك!
نظر له عزت نظرة ثابتة، وقال بعقلانية باردة: إنت طول عمرك يا رشدي مقتنع إني بفرق بينك وبين إخواتك رغم إني مابفرقش..
ثم أضاف وهو يشير بيده: وإللي بيأكد كلامي إللي عملته مع سليم زمان لما اتجوز ماسة، مشيته من المجموعة وسحبت منه كل حاجة لمدة سنة كاملة، واضطريت أرجعه لما الدنيا خربت، وفشلت إنت وأخواتك إنكم تديرو المجموعة لمدة سنة؟! يعني لو أنا زي ما بتقول بفرق بينك وبينهم… ماكنتش خدت إجراء قاسي زي ده مع سليم، ولا كنت اديتك فرصة إنت وصافي تكونوا مكاني، بس للأسف فشلتوا..
ابتسم رشدي بسخرية، وقال وهو يلوح بيده: إذا كان التعلب الكبير بتاعنا فشل، إحنا مش هانفشل!! إنت فشلت قبل منا يا باشا، ده إنت حتى فشلت تربينا..
تقدم عزت نحوه خطوه يصيح بعصبية وهو يشير بإصبعه: أنا لو فشلت، ففشلت في تربيتك إنت وبس يا رشدي، بص علي أخواتك، كلهم زى الفل، وماحدش منهم بيعمل المصايب إللي إنت بتعملها، أنا دافعت عنك كتير، ووقفت قصاد سليم كتير علشانك.
ضحك رشدي بسخرية واستنكار، بينما تابع عزت بحدة، يعدد له مصائبه: لما اغتصبت صفاء، واتحرشت بماسة، وقتلت نيللي، وقتلت اتنين بسبب سواقتك المتهورة، والشاب إللي كان بيدافع عن خطيبته إللي عاكستها، والبنت التانية الخدامة إللي اغتصبتها وقولت هي إللي جتلي بمزاجها…تغيير الكم واحد اللي عملت لهم عهات مستديمه...
زفر ببطء، وأكمل بسخط: وحاجات تانية كتير لو فضلت أعدلك فيها مش هانخلص، أنا نظفت وراك كتير من غير ما أخد منك موقف حازم...
أشار بيده بحزم: لكن من النهاردة إنت مسئول عن أفعالك وهاتتعاقب عليها.
هز رشدي رأسه، وقال بحقيقة موجعة: صح إنت نظفت ورايا كتير، بس مش علشاني، علشان نفسك، وهاتنظف تاني برضو علشان نفسك، وعلشان اسم العيلة، مش علشان أنا ابنك.
مد عزت شفتيه للأمام، ورد بعقلانية باردة: ماشي خليني معاك للآخر وتعالي نتكلم بعقل ده لو عندك، أنا بنظف وراك علشان اسم العيلة يفضل نضيف تمام.. طب ليه وقفت قصاد سليم أكتر من مرة؟ ما كان ممكن أسيبه عليك، وإنت عارف سليم زمان كان عامل إزاي؟!وأكتر من مرة كان على وشك ينفجر فيك، وكان مستعد ينفيك، زي ما أنا نفيت إخواتي..
توقف لحظة، وقال بمرارة صريحة: رغم إن وقتها كان هيبقى حقه من كتر مصايبك، لكن وقفت قصاده ورفضت علشان إنت ابني، وماكنتش حابب أشوف ولادي بيقتلوا في بعض..
انفجر رشدي ضاحكا بصوت عالي، وهو يضرب كف بكف: والله ضحكتني، هو إحنا كل ده ولسة ماقتلناش في بعض؟!
تابع الضحك، ونظر إلي فايزة بنظرة ذات معني، وقال بسخرية: ما تقولي حاجة يا هانم واحضرينا في الفيلم الكوميدي دى ..
نظرت له فايزة ببرود: أرد أقول إيه؟
نظر في عينيها قائلا: عايز أسمع رأيك في إللى قاله، إحنا لسة ماقتلناش في بعض؟ كلهم لابسين توب الفضيلة وأنا لوحدي إللى شيطان؟
ردت فايزة ببرود مستفز: الباشا معاه حق في إللى عمله، وأنا معاه جدا فيه، إنت محتاج تقويم لسلوكك يا رشدي، ومحتاج تتجرد من الفلوس والسلطة إللى خلوك مستهتر كده؟
ابتسم نصف ابتسامة ساخرة: إنتِ شايفة كده؟
اومأت برأسها، وتابعت بسخط: أيوة، إنت طول عمرك من وإنت صغير وإنت مستهتر وشقي ومابتسمعش الكلام
تقدمت خطوة نحوه، وعيناها تلمعان ببرود قاسٍ، ثم أضافت بلهجة مليئة بالازدراء: بتحب الفضايح… وعشان كده ما كنتش بحب أخدك معايا في أي مكان، كنت بخاف حد يسألني: ده ابنك؟ وأضطر أقول… آه.
انقبض قلبه بوجع خفي، وظل يحدق فيها لثواني بنظرة صامتة، وكأن كلماتها أصابت جرحًا قديمًا داخله… جرح طفلٍ كان ينتظر كلمة اعتذار أو تبرير، فسمع بدلًا منها عارًا.
ارتجف فكّه قليلًا، ثم ابتسم ابتسامة باهتة، تخفي خلفها مرارة طويلة، وقال بصوت منخفض لكنه مشحون: حلو… حلو أوي الكلام ده.
رفع عينيه نحوها ببطء، وأضاف بنبرة مليئة بالوجع والغضب المكبوت: يعني أنا طول عمري عار عليكم… صح؟
أومأ برأسه ببطء، وقال بنبرة خافته تحمل شيئًا من العتاب والوجع: طب دى ماخلاكيش تفكري أنا ليه بعمل كده؟ عمرك سألتي نفسك أنا وصلت لكده إزاي؟ ولا إيه إللي خلاني أبقى كده من الأساس؟
أجابته ببرود مستفز: هو إللي بتعمله دوه ليه تفسير غير إنك مستهتر؟ ولاقي بحر فلوس وسمعة وسلطة، فبتستخدمهم بطريقة سيئة.
نظر إليها بعين تحمل وجعا متعجبا: هو ده إللي فهمتيه من سؤالي؟!
ردّت فايزة، وهي تنظر إليه بنظرة مستفزة، وابتسامة ساخرة ترتسم على شفتيها: هو ليه معنى تاني؟ لو ليه معنى تاني قولي؟!
تهدَّد بتعبٍ ويأس، فهو يعلم أنه مهما تحدَّث لن يصل لشيء، فهم لم يروه يومًا ولن يروه.
هز رأسه قائلا بخفوت: ولا تاني ولا تالت، إنتي عندك حق، أنا كدة فعلا.
زفر ببطء، وتابع بضيق: المهم أنا عايز أعرف هاتفضلوا واقفين، الفيز كدة كتير؟!
عزت بحدة ونفاذ صبر: أيوة يا رشدي، ومصروفك هايتبعتلك كل أول شهر، علشان مراتك… غير كده لا، إللي حصل دى إنت لازم تتحاسب عليه، أنا مش ها أفضل أطبطب عليك كتير… لازم آخد معاك موقف حاسم.
ارتسمت على شفتي رشدي ابتسامة ساخرة، تلك الابتسامة التي اعتاد أن يخفي بها وجعه.
قال بطريقته المعتادة، بنبرة مليئة بالسخرية: لا وفر مصروفك، مش عايزه خليه للهانم.
ثم التفت نحو فايزة، ونظر إليها بطرف عينه، وأكمل بسخرية لاذعة: أصل أنا شايف إن الفترة دي شعرها بيقع، يمكن تحتاج تشتري بيه باروكة، وأنا عارف قد إيه بتحب المظاهر.
ثم استدار فجأة، وتركهم خلفه دون أن ينطق بكلمة أخرى.
تحرك بخطوات سريعة، يكتم في صدره بركانا من الغضب والوجع، لم يكن غاضبا فقط، بل كان يشعر بشيءٍ أشد قسوة…
شعور ابن سمع أخيرًا ما كان يطعن بقلبه طوال عمره
عند أحد المخازن5مساء
كان عثمان واقفا في مكانه، التوتر ظاهر على ملامحه، وهو يتحدث في الهاتف بصوت منخفض.
بجواره كان عشري يقف، مصوّبًا مسدسه نحوه دون تردد، بينما يقف حارس آخر ممسكًا بجهاز تابلت يظهر من خلاله صورًا داخلية لغرفة معزولة، يظهر فيها عائلة عثمان داخل المكان وكأنه تحت المراقبة.
عثمان وهو يحاول التحكم في ارتباكه:
زي ما قولتلك يا عماد بيه… هو وداها مخزن كده بعيد، بس أول مرة أشوف المكان ده… تقريبا بيضربها هناك… سامع صراخها.
ساد صمت لحظة، قبل أن يأتي صوت عماد من الهاتف ببرود: طيب… فيه أي جديد؟ بلغني.
ابتلع عثمان ريقه، ثم تمتم بكلمات غير واضحة.
بعد لحظات، أنهى المكالمة.
في نفس اللحظة، خفّض عشري المسدس قليلًا، لكنه لم يبعده تمامًا، وقال بنبرة باردة: إنت كدة حلو، خليك ماشي صح… طول ما إنت ماشي صح، مراتك وولادك في أمان.
نظر عثمان إليهم بتوتر واضح، ثم قال بصوت مضطرب: إنتوا إمتى هاتخرجوا ولادي من الموضوع ده،؟
نظر له عشري ببرود، ثم اقترب خطوة وقال بنبرة قاسية: لما الكبير يِأمر… مافيش سؤال بيتسأل.
ثم أضاف وهو يشير إليه بحدة: إنت عملت مصيبة… أحمد ربنا إنك لسة عايش لحد دلوقتي.
لوّح عشري بيده بإشارة حادة، وقال ببرود قاطع:
يلا، اختفي من قدامي لحد لما الملك يدي تعليمات جديدة.
تراجع عثمان خطوة للخلف، عيناه مليئتان بالتوتر والغضب المكبوت، لكنه لم يجرؤ على الاعتراض،
ثم استدار سريعا وغادر المكان، بينما ظل التهديد معلقا في الهواء، ثقيلا كالسيف.
فيلا عائلة ماسة5 مساء.
كانت العائلة بأكملها تجلس في الهول، ينتظرون في قلق أي إشارة تطمئنهم.
ساد صمت ثقيل، حتى دوّى صوت طرق على الباب.
لم تكن هناك خادمات يبدو أنهم أجازة، فنهض يوسف سريعًا ليفتح الباب.
ما إن فتحه… حتى اتسعت عيناه بصدمة، ثم تحولت سريعًا إلى سعادة غامرة وهو يهتف:
ماسة!
ابتسمت ماسة وهي تقول بلهفة: يوسف!
اندفع نحوها فورًا، وضمها بشدة، ثم رفعها عن الأرض وهو يضحك.
ضحكت ماسة بصوت عالٍ، وضربته على كتفه بخفة:
لا يا لِئيمّ… عايز تبين يعني إنك بقيت راجل كبير وبتعرف تشيل؟!
ضحك يوسف وهو ما زال يحملها: لا… بتأكد بس! إنتي تخنتي ولا الهدوم مطلعاكي تخينة؟! بس طلعتي تخنتي فعلا
اتسعت عيناها بدهشة مصطنعة، ثم ضربته على كتفه مرة أخرى: إنت بتقول إيه يا واد؟! ومصحف لعورك.
أنزلها يوسف على الأرض، لكنها لم تمهله، فاندفعت تجري خلفه وهي تقول: استنى يا يوسف… مش هسيبك!
ركض يوسف داخل الهول وهو يضحك، بينما دخل سليم خلفهما بهدوء، وعلى شفتيه ابتسامة خفيفة.
في الداخل…
نظر الجميع باستغراب إلى يوسف وهو يركض، فقالت سعدية بدهشة: إيه ده يا واد؟ بتجري كده ليه؟!
لكن دهشتهم تضاعفت حين رأوا ماسة تركض خلفه وهي تهتف: مش ها أسيبك يا يوسف!
اتسعت أعينهم جميعًا بذهول
هتف مجاهد غير مصدق: إيه ده يا ماسة؟! إنتي جيتي إزاي؟!
في تلك اللحظة، دخل سليم بخطوات هادئة وقال ببساطة:أنا جبتها.
نظرت ماسة إليهم جميعًا، وعيناها تلمعان بدموع الفرح، ثم اندفعت نحوهم وهي تقول بصوت متهدج:
وحشتوني… وحشتوني… وحشتوني موت.
ارتمت أولًا في حضن والدها، فضمها بقوة وكأنه يخشى أن تختفي من بين يديه
ثم انتقلت إلى سعدية التي اخذت تمسح على شعرها: حبيبتى يابنتي الحمد لله إنك بخير
ثم انتقلت إلى سلوى، التي احتضنتها بشدة وهي تبكي بصمت.
أما عمار… فتبادل معها نظرة قصيرة، قبل أن يفتح ذراعيه ويضمّها بقوة، حضنٌ كان أشبه باعتذارٍ صامت عن كل ما مضى.
بعد ما ابتعدت ماسة قليلًا عنهم، وهي تمسح دموعها بطرف كفّها، ثم قالت محاولة كبح بكائها:خلاص بقى… مش عايزين عياط.
تقدّم عمار نحوها ببطء، وعيناه ممتلئتان بندم واضح، ثم قال بصوت خافت: حقك عليّا يا ماسة…
توقفت ماسة أمامه لحظة، ثم رفعت يدها بهدوء، ومسحت على شعره بحنان، وقالت بنبرة أهدأ:
خلاص بقى…
لكن لم تكن جملة عادية… لبدء صفحة جديدة. لحظات…
تقدّموا جميعًا للترحيب بسليم، فصافحهم بهدوء واحترام، ثم جلس معهم وسط جوٍ مختلط بين الدهشة والفرح والارتياح
وبالفعل جلس الجميع في الهول، والهدوء يخيّم على المكان بعد لحظات الترحيب الطويلة.
نظرت سعدية إلى سليم بقلق، ثم قالت: إيه بقى إللي حصل؟ ما تفهمونا كده يا ابني.
أجاب سليم بهدوء: ولا أي حاجة… زي مافهمتكم إمبارح بالظبط، بس قولت بما إنهم دلوقتي، مشغولين، أكيد مش هايبقوا مركزين… فحبيت أجيب ماسة تقعد معاكم شوية.
سألته سلوى بقلق واضح: يعني ده مش هيبقى فيه أي حاجة عليكم؟
هزّ سليم رأسه نافيًا: لا طبعًا.
تنهد مجاهد وقال بطيبة وحكمة: والله يا ابني… أنا ساعات بقولك خد مراتك وأمشي، ابعد بقى عن كل المشاكل الانتقام يا ابني وحش… ما بيجيبش غير انتقام، وفجأة تلاقي نفسك بتتحول وتبقي شبه أعدائك.
أومأ سليم بتفهم، وقال بهدوء محسوب:
عندك حق يا عمي… بس في حاجات لازم فيها أخد حق، وبعدين أنا مش بعمل حاجة بإيدي… هما بيوقعوا بعضهم. في حاجات كتير حصلت وأنا ماليش علاقة بيها، بس عرفت إزاي أستغلها.
سكت لحظة، ثم نظر إليهم بجدية وأضاف: وبعدين أوعوا تكونوا فاكرين إنهم ساعدوا ماسة تهرب، وخلوكوا معاها عشان خايفين منها زي ما أوهموها؟!
اشتدت ملامحه وهو يكمل: ده كان مجرد فخ، فخ معمول عشان يوصلوا للهدف الحقيقي… إنهم يقتلوكم مرة واحدة، وينتهي السر كله.
شهقت سعدية، وضربت كفًا على كف وهي تقول بصدمة: لا إله إلا الله… حسبي الله ونعم الوكيل!
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وأضاف: أقولكم إيه… بلاش نتكلم في المواضيع دي دلوقتي خلّينا بعيد عنها، ونتكلم مع بعض ونقضي وقت حلو طمّنوني عليكم.
ابتسمت سعدية وقالت بحنان: إحنا كويسين يا ابني… ربنا يصلح لكم الحال ويبعد عنكم كل شر.
قالت سلوى فجأة بحماس: بقولكم إيه… مش إنتوا قاعدين معانا شوية؟ تيجوا نشوي؟
قفزت ماسة بحماس: فكرة جامدة جدًا! بس أنا مش هعمل حاجة… أنا مش قادرة.
نظرت لها سلوى باعتراض: يا حبيبتي كلنا هنعمل مع بعض.
رفعت ماسة حاجبها بدلال: لا بقى… إنتوا لكم كتير ما شفتونيش، المفروض تدلعوني!
ضحكت سعدية: سيبوا أختكم يا سلوى… إحنا هانعمل كل حاجة.
سلوى بمزاح؛أيوة يا عم مين قدك! سعدية بنفسها دافعت عنك خلاص براءة إنتي النهاردة.
وبالفعل نهضت سعدية وسلوى، وبدأتا في تحضير الطعام، بينما جلس عمار ويوسف ومجاهد وسليم يتحدثون معًا.
اقتربت ماسة من عمار وسألته: عامل إيه مع خطيبتك؟
تنهد عمار موضحا بضيق: والله مش عارف… شكلنا كده هانفركش قريب. باباها عامل مشاكل عشان موضوع الجواز.
عقدت ماسة حاجبيها وقالت ليه؟ إيه مشكلته؟
أجاب عمار: أنا كنت قايل له إني مش هتجوز غير بعد ما أتخرج بسنة… ولسة السنة دي هاتخرج وقدامي سنة كمان. مش عاجبه الكلام ده."
تدخل سليم بهدوء: طب ما أنا ممكن أجيبلك شقة… ولو الموضوع كله واقف عليها، كمان ممكن أوفرلك الشغل، فى شركة كويسة بعيد عن المجموعة
هز عمار رأسه بسرعة: لا… ما ينفعش تساعدني في حاجة، وبعدين الشغل إللي أنا فيه دلوقتي عاجبني ومناسب مع الجامعة. هي لازم تقبلني على وضعي… وبعدين أنا ماغشّتهمش، من البداية كنت مِعرّفهم.
قالت ماسة بلطف لكن ممزوج بشدة: يا واد ما تبقاش قفوش كده! ما فيهاش حاجة لو سليم جاب لك شقة وشغلك في شركة كويسة.
عمار بإصرار: أنا مش عايز كده.
ابتسم سليم وقال بهدوء: خلاص… سيبيه براحته. عمومًا لو احتجت أي حاجة، كلمني.
يوسف بحماس: بقولكم إيه… ماتيجوا نلعب كوتشينة؟ نعمل أي حاجة كده.
ضحكت ماسة: يلا!
نظر سليم إليها، وأشار بيده قائلاً بابتسامة خفيفة:
اسمعي… أنا مش هتعاقب مكانك لو شلتي الشايب.
ضيّقت ماسة عينيها ببراءة طفولية، وقالت بجدية مصطنعة: لا، هتتعاقب! والله يا سليم هزعل منك وهخصمّك 3 أيام!
ضحك عمار وقال متدخلًا: خلاص يا سليم، معلش… اتعاقب مكانها. دي طفل ممكن تبوّظ اللعبة.
تنهد سليم باستسلام، ثم قال بابتسامة هادئة:حاضر… وأمري لله.
وفي لحظة، ارتسمت على وجه ماسة ابتسامة واسعة مليئة بالانتصار، وكأنها ربحت الجولة.
انتقلوا جميعًا إلى الحديقة، وجلسوا يلعبون الكوتشينة وسط ضحكاتٍ خفيفة وأجواءٍ من البهجة. وبعد قليل، انضمت إليهم سلوى، فازدادت الجلسة دفئًا وحيوية.
ثم بدأ الجميع في التحضير للشواء؛ كلٌ منهم انشغل بشيء، وكأن المكان تحوّل إلى لوحةٍ عائلية بسيطة مليئة بالود والتعاون.
سليم تولى تقطيع السلطة، بينما كانت سلوى تتنقل بين تحضير الطعام مع والدتها.
أما يوسف وعمار فكانا يجهزان القعدة في الحديقة، بينما وقفت ماسة بجوار الشواية، تمسك بالمروحة وتهوي على الفحم.
اقتربت سلوى منها، ووقفت بجوارها.
نظرت لها ماسة وقالت: بقولك إيه… خدي بقى هوي شوية، أنا مش قادرة.
أخذت سلوى منها المروحة، وبدأت تهوي، ثم نظرت إلى ماسة وسألتها: هو مكي ما جاش معاكم ليه؟
هزت ماسة كتفيها: والله ما أعرف… أكيد في حاجة بيعملها.
تنهدت سلوى وقالت بحزن: مش عايز يكلمني خالص… أنا رحت كلمت طنط.
نظرت لها ماسة باستغراب: طنط مين؟
ردت عليها موضحا: طنط ليلى… عشان تساعدني نرجع لبعض بس قالتلي هاتتكلم معاه الأول وتفهم السبب، وبعدين تشوف. وأنا مارضيتش أقولها التفاصيل… خفت تكون ماتعرفش حاجة وأبوّظ الدنيا.
أومأت ماسة: أيوة… أعتقد طنط ليلى ماتعرفش حاجة فعلا عن شغلهم. كويس إنك ما حكيتيش.
تنهدت سلوى بحزن: أنا كل شوية أكلمه… ما بيردش عليا. ساعات ألاقيه عند المجموعة، يمشي ويسيبني… مش عارفة أعمل إيه.
ربتت ماسة على ظهرها بحنان: طب بقولك إيه… استني الحفلة تعدي، وأنا هخلي سليم يتكلم معاه.
رفعت سلوى عينيها بلهفة: بجد؟
ابتسمت ماسة: أممم… بس طلع زعله وحش اوي.
تنهدت سلوى بحزن: عنده حق… أنا زعلته جامد يا ماسة… إنتِ ما تعرفيش أنا عملت فيه إيه.
ربتت ماسة على ظهرها وقالت بحنان: ما تزعليش يا سلوى… إن شاء الله هاترجعوا لبعض. قلبي حاسس بكده.
أومأت براسها: أنا هروح أشوف أمك وصلت لفين كملي شوي بضمير ماتحرقيش الأكل.
رفعت ماسة حاحبيها: أحرق مين يا ماما ده أنا إللي معلماكي أمشي.
تحركت مبتعدة وبينما كانت الضحكات تتعالى في الحديقة، والجميع منشغلون بتحضير الطعام،
وبينما كانت ماسة تقف بجوار الشواية، تهوّي على الفحم، اقترب سليم منها بهدوء.
مدّ يده، وجذبها نحوه برفق، ثم احتضنها من الخلف، وهمس بالقرب من أذنها: مبسوطة؟
ابتسمت ماسة، وأومأت برأسها وهي تنظر إلى عائلتها الملتفّة حول المائدة، ثم قالت بصوت مفعم بالامتنان:
إنت ماتعرفش كانوا وحشني قد إيه…
سكتت لحظة، ثم استدارت نحوه قليلًا، ونظرت في عينيه قائلة بحب صادق: شكرًا يا سليم… ربنا يخليك ليا.
مرر يدة على خدها وعاد بشعرها للخلف: أنا كنت عارف قد إيه هما وحشينك… نفسك تشوفيهم.
نظرت له ماسة بابتسامة صغيرة، بينما أكمل هو: حسّيت إن ده أنسب وقت إنك تشوفيهم وتقعدي معاهم… وأكيد الفترة الجاية هحاول أسرق شوية وقت، نجيلهم هنا كل شوية...
سكت لحظة، ثم أضاف بنبرة جادة قليلا:لإن وجودهم هناك مش هاينفع… أنا مش واثق في حد هناك.
تنهدت ماسة بتعب خفيف، لكنها ابتسمت وهي تحرّك وجهها نحوه قائلة بتمنٍ: يا ريت يا سليم… كل كام يوم نيجي نقعد هنا شوية.
ابتسم سليم، ثم مال وقبل خدها قبلة سريعة.
لكن قبل أن يبتعد…
جاء صوت يوسف من خلفهما وهو يقول بمزاح:أحم… يا سليم! إحنا هنا على فكرة!
نظرت له ماسة بخجل خفيف، ثم قالت وهي تضحك: بص في ورقتك يا سنجل إنت.
أكتمل الشوي بعد قليل، وكان سليم قد انتهى من تقطيع السلطة.
جلسوا جميعًا حول المائدة، يتبادلون الأحاديث والضحكات أثناء ذلك، رفعت ماسة رأسها فجأة وقالت لوالدتها بنبرة طفولية:
ماما… مافيش من الليمون إللي إنتِ بتعمليه؟
ابتسمت سعدية بحنان، وقالت وهي تنهض:
في يا حبيبتي… ثانية واحدة أجيبلك.
وبالفعل نهضت سعدية، وتوجّهت إلى المطبخ لتجلب الليمون، ثم عادت بالكوب ووضعته أمام ماسة.
ما إن وضعته أمامها، حتى بدأت ماسة تأكل بشراهة واضحة.
نظرت لها سعدية وهي تهز رأسها وقالت بحنان: على مهلك يا بنتي… الأكل مش هيطير.
ابتسمت ماسة وهي تواصل الأكل، وقالت بفم ممتلئ:
نفسي فيه اوي الفترة دي.
ضحكت سلوى وهي تراقبها، ثم قالت بمزاح:
لا واضح إن نفسك في كل حاجة الفترة دي! ده إنتِ تخنتي… مش شايفة الكرش إللي عندك ده؟!
ده واضح إنك بتاكلي من غير ما تسيبي لسليم حاجة!
توقفت ماسة فجأة، ونظرت إلى نفسها سريعًا، ثم رفعت رأسها وقالت بغيظ مصطنع: خليكي في نفسك! أنا مهما آكل مابتخنش… وبعدين ده مش كرش، ده هدوم… صح يا سليم؟
غمزت له بعينها.
ضحك سليم، ثم قال وهو يهز رأسه: أيوه طبعًا هدوم… بس هدوم تقلت حوالي عشرة كيلو في الفترة الأخيرة دي!
انفجر الجميع ضاحكين.
نظرت له ماسة بغيظ مزاحي: طب خليهم ينفعوك بقى، ويعملوا لك رز بلبن زي إللي أنا بعمله!
ردت سلوى بثقة مصطنعة: عادي يا حبيبتي، أنا هعمله… أنا بعمله أحلى منك، خصوصًا بالبشاميل… ما تنكريش!
ضحكت ماسة: بصراحة… مش هقدر أنكر. بس أنا بعمل ورق العنب أحلى منك!
هزّت سعدية رأسها وهي تبتسم، وقالت بنبرة حازمة لكنها دافئة: إنتوا الاتنين بتعملوا الحلو كله… بطلوا هبل بقى وكلوا
ضحك الجميع، وامتلأ المكان بصوت الضحكات التي أعادت للبيت روحًا افتقدها منذ زمن.
بينما كان الوقت مليئًا بالدفء العائلي.
أما سليم… فكان يشعر لأول مرة منذ زمن طويل، وكأنه يعيش وسط عائلته الحقيقية شعور افتقده طويلًا… ولم يجده إلا مع عائلة ماسة
ظلّوا هناك لساعاتٍ قليلة، يتبادلون الأحاديث والضحكات في جوٍ دافئٍ وجميل… وكأنها إجازة صغيرة بعيدًا عن المؤامرات والمشاكل والتمثيل.
أجازة مليئة بالحب… والدفء… وعائلةٍ حُرم منها طويلًا، لكنه وجدها أخيرًا بينهم.
لكن…
لم يكن هذا الدفء مقدّرًا له أن يستمر طويلًا.
بعد قليل، صعدت ماسة إلى الأعلى، بينما لحقت بها سلوى، التي كانت تعلم ما سيحدث، رغم ثقل ذلك على قلبها.
دخلتا الغرفة، وأغلقت سلوى الباب خلفهما بهدوء.
جلست ماسة أمام المرآة، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم بدأت في وضع مساحيق التجميل على وجهها وجسدها، كما طلب منها سليم…
كدمات مزيفة، وآثار ضربٍ متفرقة، لتوهم عائلته أنه اعتدى عليها ضربًا مبرحًا.
كانت سلوى تساعدها بصمت، وملامحها متجهمة، بينما تنظر إلى آثار المكياج وهي تتشكل على جسد أختها، وكأنها جروح حقيقية.
همست سلوى بصوت منخفض: مش قادرة أتخيل إزاي هتعملي كده في نفسك.
ابتسمت ماسة ابتسامة باهتة، وقالت بهدوء:
لازم… عشان نعدّي إللي جاي.
سلوى حسبنا الله ونعم الوكيل فيهم بجد نفسي سليم النهاردة يكون ناوي يفجرهم..
بعد الانتهاء…
وقفت ماسة أمام المرآة، تتأمل نفسها للحظات، وكأنها تنظر إلى شخصٍ آخر.
في تلك اللحظة، دخل سليم الغرفة بملامح جادة.
تقدّم نحوها ببطء، وعيناه تتفحصان آثار المكياج بدقة، ثم قال بصوت منخفض: تمام… كده مقنع.
مدّ يده بالحبل، وتوقف لحظة قصيرة قبل أن يربط يديها…
كأنه يرفض داخليًا فكرة أن يقيّدها، حتى ولو كان تمثيلًا.
ثم قال بصوت خافت: معلش مضطر أربطك، استحمّليني شوية
نظرت له ماسة بتفهم، وقالت بهدوء: أنا معاك.
ربط الحبل حول معصميها بإحكام محسوب، ثم ساعدها على الوقوف.
وبعد لحظات… خرجوا من الغرفة، متجهين إلى السيارة متجهين إلى القصر…ليُكملوا فصول المؤامرة.
قصر الراوي ٨مساء
خرج سليم من السيارة وهو يسحب ماسة بالحبل، وكانت ملامح وجهها مليئة بالكدمات المصطنعة، بدأ يدخل بها إلى القصر، وأثناء تحركه في الهول لمحتهم فايزة، التي كانت ترتدي فستان فخم، ومكياج متقن، وهيئة في غاية الأناقة والفخر
اتسعت عيناها بصدمة، وركضت نحوهما سريعا: فيه إيه يا سليم؟ إيه المنظر ده؟ الضيوف قربت تيجي، وفيه ضيوف فعلا موجودين! ماينفعش يشوفوا المنظر ده كده!
سليم ببرود صارم: أنا أعمل إللي أنا عايزه…
مايهمنيش حد.
اقتربت منه أكثر، تتحدث بنبرة متوترة وهي تحاول السيطرة على الموقف قالت برجاء واضح: سليم، ماينفعش! فيه صحفيين وصلوا، خدها وأطلع بيها بسرعة لفوق، النهاردة ماينفعش أي مشاكل، بليز يا سليم، النهاردة استثناء من فضلك.
ثم تساءلت بتعجب: وبعدين إنت لقيتها إزاي؟
نظر إليها نظرة باردة، تحمل تهديدا خفيا: بعدين… علشان إنتوا كمان ليكوا حساب كبير.
شد الحبل بقوة، وكأنه يسحب خلفه أسيرا،وصعد بها إلى الأعلى، بينما ظلت فايزة تراقبهما بتوتر شديد، وقلبها يخفق بقلق لم تعهده.
غرفة سليم وماسة.
دخل سليم وماسة الغرفة، وأغلق الباب خلفها، ثم اقترب سليم منها وبدأ يفك الحبل من حول يديها.
نظر إليها بتركيز
قال بهمس: أنا هسيبك دلوقتي، لأنها أكيد هاتيجيلك، أو هاتبعت حد يسألك أنا جبتك إزاي؟! هاتقولي لهم زي ما اتفقنا.. من السلسلة، تمام؟
هزت رأسها ثم تساءلت بدلال طفولي طيب… دلوقتي يعني… أنا مش هحضر الحفلة؟
هز رأسه نافيا بتوضيح: مش هاينفع تنزلي بس هتحضريها من هنا هاتشوفيها كأنك تحت بالظبط.
اقتربت منه خطوة، وعيناها تحملان رجاء: سليم، والنبي نزلني، وقولهم إنك عملت كده عشان المنظر العام وكده…
ضم وجهها بين يديه، يرفع رأسها نحوه، ناظرًا داخل عينيها بتركيز شديد: ماينفعش يا عشقي، لو كان يوم تاني كنت وافقت، بس إنتِ المفروض هربانة، وأكيد دلوقتي متعصب منك هما عارفين ده.
مسح على خدها برفق، ثم قال بنبرة أخف: أنا عامل كل ده عشانك أصلا الحفلة دي عشانك، فأكيد هخليكي تبقي كأنك تحت بالظبط.
تنهدت بتذمر: طيب.
ابتعد عنها ببطء، واتجه نحو الباب، ثم قال بهدوء: هروح أنا بقى.
خرج للخارج بينما عادت ماسة شعرها للخلف، ثم خلعت الـ«جاكيت»، فظهرت آثار الكدمات المصطنعة على جسدها وظهرها، كأنها ضُربت بعنف. جلست على طرف الفراش لكن فجأة…انفتح الباب.
دخلت فايزة سريعا، وأغلقت الباب خلفها بإحكام.
وقفت ماسة فورا، تنظر إليها بحذر.
فايزة بقلق واضح: سليم وصلك إزاي؟
أجابت بجمود، وهي تتجنب النظر إليها: ماتسأليه
اشتدت نبرة فايزة: ردّي عليا!
أجابتها ببرود: من السلسلة، طلع ملبسني سلسلة فيها تتبع.
جزت على أسنانها بغيظ: غبية! إزاي تاخدي منه سلسلة وماتفكريش إنه يكون زارع فيها جهاز زي ده؟! بعد ماهربتي تلات مرات… ومهدده بهروبك تاني؟!
اقتربت منها بخطوة مستنكرة: يعني ضربك وعمل فيكي كل ده متخيلة إنه هايجبلك هدية؟!
لمعت الدموع في عينها ردت بغيظ ممزوج بألم: أرغمني ألبسها زي مابيجبرني على حاجات كتير… وبيغتصبني.
تجاهلت جملتها الأخيرة، وسألت بسرعة: المهم مايكنش كشف حاجة. تليفونك فين؟
أجابت فورا: اتخلصت منه طبعا.
أومأت برضا: كويس.
ثم نظرت لها من أعلى لأسفل، تتفحص آثار الضرب على جسدها: هو ضربك كده؟
أومأت بضجر، : أيوة ضربنى بالحزام، أنا عايزة أمشي، خليه يسيبني إنتِ مش أمه؟ كلميه!
فايزة ببرود: أصبري بس، وخليكي عاقلة، هو كان بقاله كام يوم هادي عليكي.
ماسة بيأس: صح بس بعد إللي عملته ده ضيعت فرصتي.
فايزة بنبرة ساخرة: ماتقلقيش قولي لِمي تكلم رشدي.
سألت ماسة فجأة، بقلق حقيقي: طب أهلي فين؟
أجابت برسمية: لما اتأخرتي مشيوا كنت ممشية حد وراهم.
ماسة بإصرار:طب محتاجة أطمن عليهم.
فايزة بضيق: مش وقتك.
رفعت ماسة رأسها بعناد: لا وقته ونص.
فايزة بتحذير: سليم هنا.
ماسة ببرود متحد: مش مهم، قوليله كنت داخلة تهزقيني، أسمعي لو ماطمنتش عليهم، هتكلم، وهقول كل حاجة، ولو قولتي هتقتلي أهلي هقولك اقتليهم… على الأقل هايرتاحوا.
زفرت فايزة بضيق: بس… بس… أنا مش فاضيالك.
مدت يدها داخل حقيبتها، وأخرجت هاتفا، ثم أعطته لها.
أمسكت الهاتف بسرعة، واتصلت بعائلتها، وتحدثت معهم بنبرة متوترة متصنعة، بينما كانت
فايزة تراقبها بعينين حادتين أنهت المكالمة أخيرًا، وأعادت الهاتف إليها قائلة:
شكرًا.
فايزة ببرود: خليكي عاقلة لحد ما أشوف حل.
ثم تحركت نحو الباب، وخرجت من الغرفة.
وبمجرد أن أُغلق الباب خلفها، ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتي ماسة، ابتسامة رضا خفية
جناح رشدي ومي
دخلت مي الغرفة بابتسامة هادئة ترتسم على وجهها، بينما كان رشدي يجلس على الفراش، يبدو عليه قدر من الهدوء، هدوءٌ لم يكن طبيعيًا، بل سببه تلك الجرعة التي حصل عليها خفية.
اقتربت منه، وحدقت فيه قليلا، ثم قالت باستغراب:
إيه ده؟ إنت لسة قاعد زي ما إنت؟
رد بهدوء مصطنع: لا طبعا، نزلت تحت شوية الجنينة، وبعدين طلعت تاني عملتي الفستان؟
أومأت برأسها: أيوة، عملت الفستان بس مارحتش لـ جنة، حسيت إني هتأخر، فكلمتها وقولتلها هاجيلها بكرة أو بعده أبقي تعال معايا.
قال بهدوء: إن شاء الله.
تأملته مي لحظة، ثم قالت بتعجب: بس غريبة؟! شكلك كويس!
ابتسم بسخرية خفيفة: هو أنا المفروض أبقى بنط على الحيطان يعني ولا إيه؟
ضحكت وهي تجلس أمامه، ثم قالت بنبرةٍ نصف مازحة ونصف شاكّة: لا بس يعني حاساك دلوقتي كويس، أوعى تكون خدت حاجة من ورايا!
رد بسرعة، محاولا إخفاء توتره: هاخدها إزاي؟ هو أنا عارف مكانها؟ وبعدين هو إنتِ مش عداها؟ أنا أخدت العلاج بتاعي بس.
كان يتحدث بهذا الهدوء فقط لأنه بالفعل أخذ جرعته من الديلر قبل عودتها.
أشارت بإصبعها نحوه مهددة بمزاح: عارف يا رشدي لو خدت حاجة من ورايا… هعمل فيك إيه!
ابتسم بخبث، وأمسك إصبعها، ثم عضه بخفة مداعبًا: بلاش بس الصباع ده!
ضحكت رغم قلقها، ثم قالت: عموما هروح أعدهم.
وبالفعل، توجهت إلى المكان الذي تخبئ فيه الأكياس، وبدأت تعدّها بعناية.
أما رشدي فظل جالسا في مكانه، يراقبها بصمت
بعد لحظات، عادت إليه بعدما تأكدت من العدد…
كان كل شيء كما تركته.
تنفست مي براحة، ثم قالت بابتسامة: طلعوا مظبوطين كويس والله، يعني النهاردة إنت كويس… أنا كنت شايلة همك، عشان كده رجعت على طول.
مد يده، وأمسك يدها برفق، وقال بنبرةٍ هادئة:أنا تمام يا حبيبتي خلينا بقى نجهز علشان الحفلة خلاص قربت.
ابتسمت وقالت بحماس: يلا.
بعد وقت
في جناح سليم وماسة
كانت ماسة ترتدي فستانا في منتهى الجمال، ينساب على جسدها بأناقة، وتقف أمام المرآة تضع مستحضرات التجميل بعنايةحتى خفت آثار الندبات المصطنعة تماما.
في تلك اللحظة، دخل سليم هو يرتدي بدلة انيقة تعكس وسامته الطاغية
وتوقف مكانه، ينظر إليها باستغراب واضح حين رآها بتلك الهيئة.
قال بدهشة: إيه أللي إنتِ عاملاه في نفسك ده؟
التفتت إليه، وهي تضع أحمر الشفاه أمام المرآة، وقالت ببساطة: بعمل إيه؟! بحضر نفسي للحفلة طبعا.
عقد حاجبيه وقال بجدية: أنا قولتلك مش هينفع تحضري.
رفعت كتفها بدلال، وقالت بمزاح: بس إنت قولتلي هحضر من البلكونة، فلازم أكون مزة، وبعدين مش يمكن تغيّر رأيك يا سالوملوم، وتقوللي تعالي اتفرجي مباشر يا قطعة السكر.
ابتسم رغما عنه، ثم أمسك يدها برفق، وسحبها معه نحو الشرفة.
فتح الباب، وأدخلها إلى هناك…
كانت شاشة عرض كبيرة موضوعة في مواجهتها مباشرة، كما ان ساحة الحفل أسفلها ، الطاولات، الحركة كل شيء يبدو كأنها في قلب الحدث.
توقف خلفها، حاط ذراعيه خصرها وسند راسه على كتفها: شايفة أنا عامل لك إيه؟ اتفقت مع منظم الحفلة على الموضوع ده مخصوص، عشان تقعدي هنا، وتتفرجي على كل حاجة، كأنك موجودة وسطهم.
نظرت إلى الشاشة بإعجاب، والطاولات المرصوصة امامها ثم التفتت إليه بابتسامة بتزمر: بس برضوا يا كراميلتي المشاهدة من تحت هتبقى أطعم.
تبسم وهو يمسح على خدها: أسمعي مني هنا هاتشوفي كل حاجة مش هاتشوفي حاجة واحدة بس. ثم وضع قبلة على خدها.
ثم ابتعد خطوة، وأضاف: كملي لبسك بقى، وخليكي واقفة هنا.
نظرت إليه بدلال، وسألته: شكلي حلو؟
ابتسم وهو يتأملها، وقال بنبرة دافئة:مافيش أجمل من كده.
اقترب منها مرة أخرى، ووضع قبلة أطول على خدها، ثم ابتعد وخرج إلى الخارج، متجها للأسفل…
بينما بقيت ماسة واقفة للحظة في صمت، تبتسم بخفة.
ثم عادت إلى المرآة، تكمل تصفيف شعرها، وتضع اللمسات الأخيرة من المكياج…
وعيناها تلمعان بترقبٍ لما سيحدث في الحفل بعد قليل.
وبعد قليل… بدأ الحفل
بدأ الحاضرون يتوافدون تباعا حتى امتلأت ساحة الحفل بحشد ضخم من الشخصيات المهمة.
كانت جميع القنوات الفضائية، والصحف، ومنصات السوشيال ميديا حاضرة، عدسات الكاميرات لا تتوقف عن الوميض، توثق كل لحظة، وكأن الحدث ليس مجرد حفل، بل مناسبة وطنية كبرى.
حضر أشهر الفنانين، وأكبر المستثمرين، عربًا وأجانب ومصريين، إضافةً إلى نخبة من كبار رجال الدولة… وزراء بمناصب حساسة، وشخصيات نافذة يعرفها الجميع.
حتى رئيس الوزراء نفسه حضر، وكان في استقباله عزت وفايزة بأنفسهم، وإلى جوارهم سليم، الذي وقف بثبات وهيبة، يرحب بالضيوف بابتسامةٍ محسوبة.
كانت الحديقة تضج بالحياة، أصوات الموسيقى الراقية تتردد في الأرجاء، والأضواء تنعكس على الزجاج، فتمنح المكان بريقا خاصًا
كل تفصيلةٍ في المكان كانت تصرخ بشيءٍ واحد:
قوة عائلة الراوي… ونفوذها.
وفي الأعلى…
كانت ماسة تقف في شرفتها، تتابع كل ما يحدث بعينين تلمعان بالترقب…
بينما في قلب الحفل.
تحرك سليم بين الطاولات بخطوات ثابتة، يتابع كل تفصيلة بعين يقِظة، يلمح العاملين وهم يوزعون النظارات ثلاثية الأبعاد على الضيوف.
اقترب منه عزت، وبدا عليه شيء من التوتر رغم هيبته المعتادة، وقال بصوت منخفض:
هانبتدي العرض إمتى؟ رئيس الوزراء وصل، ومش هاينفع نتأخر.
نظر إليه سليم بهدوء تام، ثم قال بثقة: خمس دقايق بالظبط يا باشا إحنا دلوقتي بنوزع النظارات على الضيوف.
نظر عزت إلى إحدى النظارات في يد أحد العاملين، وقال بعدم اقتناع:مش فاهم بصراحة فكرة النظارات دي.
ابتسم سليم ابتسامة خفيفة: فكرة جديدة، ماحدش عملها قبل كده، وإحنا دايمًا بنبحث عن الاختلاف.
ظل عزت ينظر حوله لحظة، ثم قال بنبرة أخف:
طيب… خليك جنب صافيناز. أنا عارف إللي حصل مابينكم، بس بليز يا سليم، أفصل النهاردة.
انتصب سليم لحظة، ونظر إليه نظرة ثابتة، ثم قال بهدوء بارد: كلامي هيبقى مع الهانم وبس ماتطلبش مني حاجة أكتر من كده.
، قال كلماته تلك تحرك سليم ناحية إحدى الطاولات.
طاولة العائلة
كانت صافيناز تجلس بجوار فريدة، تتبادل معها حديثا خافتا.
اقتربت فايزة من فريدة قليلا، وقالت بنبرة منخفضة: إحنا هنا… كلامنا مع بعض بعدين.
أومأت فريدة بصمت.
على طاولةٍ أخرى، كان رشدي يجلس بجوار مي، ومعهم عائلتها.
وقف راشد والد مي يتأمل المكان حوله بإعجاب، ثم قال بنبرة راضية: كويس… حركة الحفلة دي بعد مشكلة الكوبري كانت مهمة جدًا… بصراحة، هو ده إللي كنا محتاجينه.
رد حازم شقيقها، وهو ينظر للحضور بفخر:طبعًا… الإمبراطورية دي ماتبنتش من فراغ ولا إيه يا رشدي.
ابتسم رشدي ابتسامة جانبية مستنكرة
"طبعًا… طبعًا.
سألت راشد بنبرة هادئة بحنان: و إنت عامل إيه دلوقتي يا ابني؟ كويس ولا الموضوع لسه مأثر عليك؟
ابتسم رشدي ابتسامة خفيفة وقال بثبات:لا والله، مش مأثر خالص. الحاجات دي ما ينفعش تأثر علينا… لو اتأثرنا مش هنقدر نشتغل ونرجع ونصلّح اللي فات.
أومأت راشد بإعجاب : كويس والله إنك قوي كده… دي حاجة أنا ما كنتش متخيلها..
ابتسم رشدي ابتسامة صغيرة وهو يحتسى العصير
نظر له راشد بفحص وقال بشكٍ خفيف: بس إنت مش عاجبني يا رشدي…وشك باهت… شكلك تعبان.
شعرت مي بتوترٍ خفيف من نبرة راشد، والتفتت نحو رشدي بقلق، لكن الأخير تمالك نفسه سريعًا، ورد بذكاء وهو يحاول إخفاء إرهاقه: كنت بحاول الفترة إللي فاتت أصلّح الشغل إللي اتلخبط…دعواتك يا بشمهندس.
هزّ راشد رأسه ببطء، ربنا معاك، بس خد بالك من صحتك.
لكن نظراته ظلت معلّقة على وجه رشدي، نظرات لا تخلو من شكٍ لم يُقال بعد.
في طرف الساحة
وقفت هبة بعيدا عن الجميع، تراقب الحفل من مسافة، ملامحها مشدودة، وعيناها تحملان ضيقًا واضحًا…
كأنها موجودة… لكنها ليست جزءا من المشهد.
في تلك اللحظة صعد عزت إلى المنصة، فهدأت الموسيقى تدريجيا، واتجهت أنظار الجميع نحوه.
أمسك بالميكروفون، وابتسم ابتسامة رجل اعتاد الوقوف أمام الحشود.
قال بصوتٍ قوي واثق: مساء الخير على حضراتكم جميعا شرف كبير ليا ولعيلة الراوي إننا نستقبل النهاردة نخبة من أهم الشخصيات في بلدنا، من رجال دولة، ومستثمرين، وشركاء نجاح.
توقف لحظة، ثم أكمل بنبرة فخر: المشروع إللي إحنا بنحتفل بيه النهاردة، مش مجرد مصنع! ده أكبر مصنع للبترول والغاز ومشتقات البترول في الشرق الأوسط… مشروع تعبنا فيه سنين طويلة، وواجهنا تحديات كتير، لكن إيماننا بنجاحه كان أقوى من أي عقبة.
تحرك قليلا على المنصة، وأضاف: المصنع ده مقام على مساحة ضخمة جدا، وبيضم أحدث المعدات وخطوط الإنتاج العالمية، إللي هتخلي اسم بلدنا موجود بقوة على خريطة الطاقة في المنطقة.
ابتسم، ثم قال بحماس: ودلوقتي… خلونا ناخدكم في جولة مختلفة، جولة هتخليكم تشوفوا المصنع… كأنكم جواه بالظبط.
وأشار بيده نحو العاملين:اتفضلوا تلبسوا النظارات إللي اتوزعت على حضراتكم، النظارات دي هاتخليكم تشوفوا كل تفصيلة، كأنكم جزء من المصنع.
بدأ الحضور في ارتداء النظارات، بينما انطفأت الإضاءة تدريجيًا.
ظهرت على الشاشة صورة كاملة للمصنع من الخارج مبنى ضخم خزانات عملاقة شبكة أنابيب تمتد لمسافات طويلة
بدأ عزت يشرح: مساحة المصنع تمتد لعدة كيلومترات، ويضم عددًا كبيرًا من المباني التشغيلية.
ثم ظهرت على شاشة، صورة الماكينات خطوط الإنتاج أهم المعدات.
كان الجميع مبهورين…
يهمسون بإعجاب واضح تحرك عزت قليلًا، يراقب العرض بفخر…
بينما وقف سليم في الخلف، ينظر إلى ساعته بهدوءٍ غريب.
انتقلت الصورة إلى أحد المباني.
قال عزت: والآن… ندخل إلى المبنى الأول…
فجأة…انطفأت الأنوار لحظة قصيرة، ظن الجميع بما فيهم عزت أن ذلك جزءٌ من العرض.
ثم…
بدأ صوتٌ خافت يتردد في الخلفية: تن…
صمت قصير.
نظر بعض الحضور حولهم باستغراب… لكنهم مازالوا يظنونها مؤثرات صوتية.
فجاة ظهرت قنبلة زمنية ضخمة، بدأ العدّ التنازلي يظهر على الشاشة لكن أحدًا لم يدرك معناه بعد حتى عزت الذى نظر الى المسؤول عن تلك الاحداثيات
كان يظن أن ذلك جزءٌ من العرض.
في لحظةٍ خاطفة— دوّى انفجارٌ هائل.
اهتزّت الصورة بعنف…وتحوّل المشهد إلى كرةٍ من اللهب.
وفي نفس اللحظة… جاءت صورة للمصنع من الخارج
فجأة انفجارات متتالية لكل مبنى وكل فنطاس
وألسنة اللهب ترتفع من كل مبنى… واشتعل المصنع بالكامل.
بدأ الجميع ينظرون إلى بعضهم البعض بصدمة
واضحة، الهمسات تحولت إلى فوضى، ووجوه الحاضرين شحب لونها وهم يشاهدون ألسنة اللهب تلتهم المصنع على الشاشات.
اتسعت عينا فايزة وهي تتوقف في مكانها: إيه إللي بيحصل ده؟!
نظر عزت حوله بعصبية، ثم التفت إلى المسؤولة عن العرض، وصاح فيها بغضبٍ مكبوت: إللي بيحصل ده جزء من العرض؟! ردي!
ارتبكت المسؤولة، وتلعثمت وهي تنظر إلى الشاشة ثم إليه: أنا… أنا مش فاهمة حاجة يا فندم!
ازداد غضب عزت، وارتفع صوته أكثر: أمال مين إللي فاهم؟! إيه إللي بيحصل ده؟!
وفي تلك اللحظة…
تحرك حراس رئيس الوزراء بسرعة مفاجئة، ألتفوا حوله في دائرة محكمة، ثم سحبوه بعيدا عن المكان على عجل، بينما بدأ بعض الوزراء الآخرين في المغادرة تحت حماية مشددة.
الفوضى بدأت تتسع، الكاميرات تلتقط كل شيء
الصحفيون يتحدثون بصوتٍ عال، والصراخ بدأ يتعالى في الأرجاء.
وفجأة—
دخلت مجموعة من رجال الشرطة بملابسهم الرسمية، يشقون طريقهم وسط الحشود بثباتٍ واضح.
كان يتقدمهم شاكر، كبير الحراس، اتجه مباشرةً نحو طاولة صافيناز.
توقّف أمامها، وقال بصوت حاسم لا يقبل جدالًا:
صافيناز هانم… مطلوب القبض عليكي.
اتسعت عينا صافيناز بصدمة قاسية، وكأنها لم تستوعب ما سمعته.
بصدمة: إنت بتقول إيه؟!
ردّ الضابط ببرود:اتفضلي معانا يا هانم… من غير صوت.
ساد الصمت للحظةٍ ثقيلة الجميع ينظر…لا أحد يتحرك الذهول يسيطر على المكان.
وفي نفس اللحظة—
دخل حارسان آخران، يسحبون منى من ذراعها، وهي في حالة يرثى لها، ملامحها شاحبة، وملابسها غير مرتبة، تبدو وكأنها انهارت تمامًا.
اتسعت أعين الجميع أكثر الكاميرات التقطت المشهد من كل زاوية.
ظهر عزت واقفا في منتصف القاعة، وجهه شاحب، وعيناه معلقتان بالمشهد وكأنه لا يصدق مايحدث.
أما فايزة فسقطت جالسة على المقعد، كأن قدميها لم تعودا تحملانها، وقد تجمدت ملامحها من هول الصدمة.
في وسط الفوضى كان سليم يقف ثابتا، هادئا بشكل مخيف التفت برأسه ببطء، ثم رفع نظره إلى الأعلى. حيث كانت ماسة تقف، تشاهد كل شيء كانت عيناها تلمعان بإبتسامة واسعة ترتسم على شفتيها.
نظرت إليه بثبات فبادلها النظرة…ثم غمز لها بخفة…
وكأنهما يتشاركان سرًا سرّ انهيار إمبراطورية كاملة في ليلة واحدةط
