رواية النغم الحزين الفصل السابع عشر17 بقلم فاطيما يوسف

رواية النغم الحزين بقلم فاطيما يوسف
رواية النغم الحزين الفصل السابع عشر17 بقلم فاطيما يوسف
يا بني، أمسك على قلبك الذي بات كالعصفور الذبيح بين أضلعك، واربُط على حزنك بقبضة من حديد، فما أصعب أن يأتيك الخنجر ممن جعلته لروحك غطاءً وأماناً،
يا بني، لا الدنيا لنا ولا نحن أهل لها، فلا تبحث فيها عن وفاءٍ كامل، فالحب الذي سكن سويداء قلبك صار اليوم هو السجن الذي يجلدك بسياط الخذلان والقهر،
لقد كُسر الخاطر يا ولدي من المعشوقة التي كانت لعينيك الضياء، والآن ترى في ملامحها غبش الكذب، فكيف يداوي الرجل جرحاً غائراً سببه من كان يظنه الضماد؟
واعلم يا بني أن نسيانها دربٌ من المستحيل، وأن طيفها سيبقى يطاردك في سكون ليلك، فالعشق الحقيقي وشمٌ لا يزول كالهباء المنثور ولا بمحي الأيام،
فـأنت الآن تعيش وجعاً لا تصفه الحروف، وجع الرجل الذي أعطى الدنيا كلها لامرأة، فلم يجنِ منها سوى السراب والأوهام التي قـ.ــتلت حلم الأبوة في مهده،
اربط على قلبك، فالعمر قد يمضي وأنت تنظر في أثرها، تتساءل في صمتك؛ لماذا فعلتِ بي هذا؟، ولن تجد جواباً يشفي جُرح روحك التائهة،
يا ولدي، إن الوجع الحقيقي ليس في فراق المحب، بل في بقاء حبه حياً داخلنا وهو لا يستحق، فكن قوياً حتى أمام ضعفك.

"نغغغغغغغغغغغغغم!!!"

قامت "نغم" مخضوضة وبصت لـ"سند" لقت الشريط في إيده، وحست إن روحها بتتسحب منها وهي شايفة نهايتها في عيونه اللي كانت بتنطق بالموت والخذلان، 
مشهد كان مرعب لـ"نغم" وموجع لـ"سند" ، 
وحاول قبل ما يتعصب يفهم منها وسألها بهدوء ما قبل العاصفة:
ـ ايه دي يا بت الناس ممكن تفهميني الشريط دي هيعمل ايه في حمامك الخاص ؟

بلعت ريقها بصعوبة بالغة، وعيونها بتبرق بصدمة وجسمها كله سخن مرة واحدة وبترتعش من الخوف لدرجة إنه شاف شفايفها بتترعش، ومسح على شعره بضيق شديد لأنه مبيحبش يشوفها في حالة ضعف أبدا ، وحالتها في ثانية اتبدلت ومعالم الخوف والضياع وكل معاني الرعب حست بيهم في اللحظة دي وردت بأسف ولسانها كأنه مش قادر يطلع الكلام:
ـ أني هقول لك والله يا "سند" كنت هحكي لك بس مجتش ... 

وفجأة انهمرت عيونها بالدموع وهي بتقوم من مكانها ورمت الغطا على الأرض وقربت منه واترمت في حضنه وهي بتعتذر:
ـ أني غلطانة والله وهعرف كمان إني أجرمت في حقك ، بس غصب عني يا "سند" غصب عني يا عشق "نغم" والله . 

دموعها كانت بشهقات عالية لدرجة إنه بقى واقف في موقف لا يحسد عليه حبيبته بتبكي في حضنه وفي نفس الوقت بترمي خنجرها المسموم في صدره، وجعه في اللحظة دي بالذات ميكفيهوش طبطبة ودوا العالم كله، طلعها من حضنه ونطق بلسان مصدوم ونبرة كلها شجن :
ـ كنتي هتاخدي حبوب منع الحمل سنة بحالها علشان متخلفيش مني يا "نغم"؟!
إنتي اللي تطعنيني الطعنة داي والوجع ياجي منك انتِ؟!

وكمل بصوت عالي وغضب الدنيا كأنه جيوش اتجمع قصاد عيونه:
ـ ردييييييي يا هانم، ردي على جوزك اللي ياما ارتمى في حضنك كيف العيل الصغير وهو هيحط أمانيه بين ايديكي وهيطلب منك حتة منه جواكي، هيطلب منك روح يحضنها في صدره ويقف بيها قدام الكل بعين قوية ويقول لهم داي مرتي ام عيالي ومحدش يملك حاجة فيها إلا أني، ودي ولدنا ومهيفرقهاش عني غير موتي . 
بكت بشدة وصوت بكاها كان بيزلزل كيانها وكيانه، لحظة مؤلمة وصعبة عليهم هما الاتنين، بكت وهي بتبص جوة عيونه لأول مرة ولمحت فيهم القهر والوجع والخذلان منها ليه وهو مادهاش غير الحب والأمان والاستقرار، شافت الهنا على ايديه لأول مرة في حياتها، معاشتش الراحة ولا نامت ليالي كتيرة في أمان غير وهي في حضنه،
بكاها مكنش خوف على نفسها بكاها كان على وجعه منها، وحضنت وشه بين كفوف ايديها وهي بتحاول تبرر موقفها :
ـ غصب عني يا "سند" خفت على ولادي ، هددوني إنهم هياخدوهم مني، رعبوني وجننوني، خلوني مشيفاش غير إن ولدي وبتي مهشفهمش تاني، غصب عني والله العظيم غصب عني، حقك علي يا "سند" .

وكملت وهي بتشهق وبتاخد نفسها بصعوبة:
ـ خوفي وضعفي كانو أقوي من حبي ليك، أني طلعت في الدنيا واتربيت على إني أخاف وأكش من اي تهديد، طلعت في الدنيا ووعيت عليها لقتني ست ضعيفة ومهزوزة مليش حكم في امري ولا ليا حق في اي حاجة، ولا ليا حتى حق أختار اي حاجة حتى لو كانت جلابية هلبسها، سنين عمري كلاته عيشتها وأني هتربى على الخوف والضعف والجبن والدموع والذل وكنت هرضى وبقيت ارضي بكل الوحش علشان خاطر ولادي يا "سند، ولادي. 

وكملت بوجع ونحيب شديد:
ـ آه ولادي اللي مستعد احط رقبتي قصاد اي حد واموت نفسي وأتذل وأدوق المر ولا إنهم يبعدوا عن حضني ولا اشوف فيهم وحش ابدا. 

مسكها من كتافها وهو بيهزها بعـ.ـنف وخرج كل الوجع اللي جواه وهو بيسألها :
ـ من يوم ما اتكتبتي على اسمي وأني وعدتك بالأمان وعمري ما خذلتك صُح ولا لاااه؟
كنت أني اللي هفتش على وجعك وهدوِر ورا اللي هيوجعوكي وأقف لهم صد منيع وقدام الكل بصوت عالي هحذرهم انك مرت " سند الناجي" وإن أذيتي قبل أذيتك، 
كنت هشوف اللي حوالينا هيعملوا وياكي ايه ومن وراكي كنت ببني لك اسوار عالية من الأمان والحماية محدش يقدر يخطي خطوة قدامها علشان تحسي بالأمان، 
اديني موقف واحد خلاكي لحد دلوك متثقيش انك على ذمة راجل وإن أذاه قبل أذاكي ؟
قبل الطعنة ما تاجي في صدرك خدتها بدالك علشان أثبت لك إن موتي قبل موتك ولا إن حد يمس شعرة منك، 

وكمل كلامه بقهر وهو بيدور وشه :
ـ أني اكتشفت دلوك إني أكبر مخدوع في الدنيا وانك محبتنيش ولا حتى شايفاني يا "نغم"، أني النهاردة انصدمت صدمة عمري لأنك الإنسانة الوحيدة اللي عشقها ودق لها قلب السند ومشفتش منك غير أكبر وجع لما مسكت الشريط دي بين يدي واكتشفت إني ولا حاجة بالنسبة لك . 

حركت راسها برفض لكلامه ومسكت ايده وشدته لحضنها جامد ورمت راسها على صدره وهي بتأكد له بجميع القسم والأيمانات:
ـ لاااااه والله يا حبيب العمر، لااااه أني معرفتش يعني ايه عشق غير على يدك، معرفتش معنى كلمة رجولة إلا في حضنك، معرفتش يعني إحساس ست براجلها إلا بين يدك يا "سند"، انت اللمسة الحنينة اللي ياما زارتني في أحلامى سنين العمر ومكنتش أتخيل إني هحسها بصُح في بوم من الايام ، إنت الوعد الجميل اللي خلاني أتمسك بالدنيا وأشوفها بلون تاني،
والله والله انت الخير والحلو اللي في الدنيا كلاته اللي كان ربنا شايله لي، انت العوض بعد سنين المر يا "سند" انت روح "نغم"، 
والله انت حبيبي صدقني. 

غمض عيونه جوه حضنها، ودفن راسه في رقبتها، وهمس بشجن :
ـ الحب مش كلمة هتتقال ساعة صفا، الحب عهد ووعد محدش يخبي حاجة عن حبيبه، أني جيت جوة حضنك ورميت ضعفي وقلة حيلتي وهواني على اللي حوالي جوة صدرك وقلت إنك عمرك ما هتوجعيني ولا هتخذليني، 

صدقت وآمنت كيفك بالظبط اني لقيت هوايا وعشقي الضايع بين يدك ، وصدقت إني ملكت روحك وقلبك رحت مسلم لك روحي وأتاري الزمن هيخبي لي الغدر والخذلان منك إنتي، 
مقادرش أستوعب لحد دلوك اني كنت في أحضانك في ليالينا الحلوة واني هتمسح في صدرك وهزرع جواكي إحساسي ومشاعري وأني همني نفسي إني هصحى بعد كل ليلة هسمع منك كلمة بقى ليك جوايا حتة مني يا "سند"، أتاريني كنت هزرع جواكي إحساس ممحي من قبل ما يتولد . 

مكانتش بتعمل حاجة غير انها تبكي، مش قادرة تواجهه وهو عنده كل الحق في اللي قاله، مقهورة جواها على قهرته وخذلانه ولقت نفسها بتمسك ايده وبترفعها ناحية شفايفها وبتقبل باطنهم باعتذار وندم حقيقي عن خذلانها ليه، ورفعت ايديه الاتنين وحضنت بيهم وشها وثبتت ايديها عليهم وغمضت عيونها وسخونة شفايفها سكنوا ايديه وقالت له :
ـ سامحني يا "سند"، كل كلمة قلتها عِندك حق فيها، يدك داي اللي هتحضن ملامحي هي الوحيدة اللي طبطبت علي في عز ضعفي حتى وأني مخصكش، 
من زمان من وقت ماجيت البيت دي لما كنت هتعتبرني كيف أختك كنت هتشيل أذاه عني كَتير، 
يدك داي اليد الوحيدة اللي اتمدت لي بالأمان في عز الخوف ، وبالحنان في عز قسوة البشر كلاتهم علي حتى اللي مني، 
يدك داي هي الوحيدة اللي كانت مدينة الدفاع الوحيد وصدرك الجيش الحامي، بس اعذرني غصب عني ضعفت وخفت مش على نفسي والله على ولادي، 
خفت لما كان هيضـ.ــربني  في صدري وانت اتلقيتها مكاني، خفت عليك وعلى إني هفرق بين أمك واخوك اكتر من اكده.

وفتحت عيونها وسكنت نظراتها الضعيفة وفي نفس الوقت ولهانة بعشقه ومن حقها ده جوزها ومفيش ملامة إن الست تعشق جوزها ورفعت وشها وكملت:
ـ  رغم كل الامان والوعود والعهود اللي انت عطتيها لي إلا إني لساتي ضعيفة ومهزوزة وهترعب بس من سيرته وخياله فما بالك تهديده وتهديد أمي "رابحة"، متعودتش لسه حتى في وجودهم مترعبش، حتى في وجودك يا "سند" ووجودهم خوفي منهم اكتر من أمانك .

اتنفس أنفاس عالية وصدره بقى صعود وهبوط من شدة وجعه من كلامها وشدد بايده على وشها وهو بيلومها بحسرة :
ـ لييييه دي كلاته ليه ردييييي علي يا بت الناس، ليه هتستصغريني وتخليني اشوف حالي مش راجل كفاية لما هتستصغري حالك؟!

هاتي لي موقف واحد موققتش أي حد بيتخطى حدوده معاكي عند حده لما فكر يقرب منك ويمسك ولو بنظرة؟!

وحط ايده على صدره وكمل بضيق وخذلان :
ـ أني اتوجعت النهاردة منك وجع يكفيني العمر كلاته وانتي هتحرميني من حاجة هتمناها منك وأتاريكي بتطعنيني في ضهري ، 

كنتي هتاخدي الحبوب علشان تباني قدامهم إني متممتش جوازي منك وانك لسه على العهد الباطل وياي ؟

انطقي يا هانم وقولي لي كنتي هتاخديها وإنتي بتديهم الأمل في رجوعك تاني ليهم، ولا كانت نيتك ايه ؟

واني همشي وسط الكل وهقول بعلو حسي داي مرتي اللي شايلة اسمي وعن قريب أم ولادي ومهيفرقنيش عنيها غير الموت وفي المقابل هتغشيني وهتحرميني من أبسط حقوقي وياكي علشان ترضي اللي غدروا بيكي واللي راعبينك وتخذلي وتطعني اللي اداكي حضنه وأمانه.

بكت ومقدمهاش غير البكا واعترفت له بغلطتها:
ـ والله أني عارفة إني غلطت واجرمت في حقك وعلشان اكده بطلتها ومن لهوي ونيتي السليمة رميته في الحمام علشان من كل قلبي واجهت خوفي ووجعي في الوقت اللي حسيت فيه إني مقدرش أكمل اكتر من اكده، صدقني يا "سند" واشفع لي عند قلبك وحكمه بيناتنا ومتحكمش عقلك، خليك كيف ما انت وياي، كريم حتى في المسامحة وهتديني القوة .

قرب منها تاني وبص جوة عيونها وسألها بوجع وهو بيواجهها:
ـ سيبي أمر المسامحة دي على جنب دلوك مش كل حاجة بين الراجل ومرته ينفع فيها السماح، 
إنتي بطلتيها دلوك لما أني استفزيت غيرتك وحسيتي وشكيتي في اني ممكن أضيع من يدك وانتي فهماني زين أقصد ايه ؟

وكمل وهو بيتعمق النظر جوة عيونها لما لقاها وطت راسها ومقدرتش تبص جوة عيونه وخافت لا يفضح اللي جواها أكتر:
ـ هو انتي بعد دي كلاته وبعد كل الاعترافات، والمشاعر اللي حسستها لك وحستها وياكي، 
مع إني مقلتهاش لست قبلك ولا حتى مرتي أم عيالي، 
معشقتش ست وسلبت مني روحي واديتهالها غيرك، مخرجتش ضعفي وقلة حيلتي غير ليكي وأني طول عمري حمال الأوجاع والهموم  ومهشتكيش غير لربنا وهو هيربط على قلبي من اللي حوالي كلاتهم ، 
طيب كنت اعمل إيه تاني علشان أثبت لك إنك روح "سند" ولما تعملي اللي انتي عِملتيه دي هتشككيني في روحي وعمري ما هدي الثقة لحد لروحي تاني يا أكبر وجع عشته في حياتي وهعيشه باقي عمري، حتى إنتي الحضن الحنين والعشق الحقيقي طلع وهم كَبير .

بعد عنها وسابها وراح ناحية عبايته يلبسها ، 
اتحركت وراه ووقفت قدامه وهي بتترجاه وبتشد الهدوم من ايده وبتحاول ترضيه:
ـ حقك علي والله، متسبنيش وتمشي وانت مقهور والله ما هتحمَل الموت أهون علي يا "سند"، أني زيك بالظبط هعشقك ويمكن أكتر، متسبنيش يا "سند" اني هتقوى بيك وبنَفَسك جاري، والله ما هخبي عليك حاجة تاني .

شد ايده من ايدها ورد عليها بوجع:
ـ متخافيش على حمايتك وعلى ولادك، "سند الناجي" راجل هيشيل وجعه جوة صدره ويده اللي هتدواي جرحه منك من غير عقاب يخوفك، إنتي وولادك في وعد الأمان وياي ليوم الدين لو دي اللي هيخوفك.

حركت راسها برفض قاطع وهي ماسكة في ايديه :
ـ لاااا ورب الكون مش دي اللي هخاف منيه ، اني محتحملش بعدك يا "سند" هموت من القهر وانت زعلان مني، سامحني يا حبيبي ومتبعدش عني أرجوك.

شد ايده من ايديها وبص لها بنظرة الخذلان منها وسابها وخرج راح على الجامع يصلي الفجر وقلبه وروحه جواهم وجع يكفي العالم كله، وهي اترمت على سريرها وفضلت تعيط وياريت الدموع هيشفعوا لها عنده كانت بكت أنهار لأن سندها اتوجع منها وجع العمر .

              *******

خلص صلاة الفجر ومسك المصحف وفضل يقرأ سورة البقرة وفضل يدعي ربنا كتير يرزق قلبه السكينة اللي هتخليه يتحمل كل اللي حواليه ويواجه ويفضل صالب طوله وبعدها راح على أرضه وركب الفرسة بتاعته وقرر إنه يأخدها ويمشي بيها مكان ما توديه وهو تايه، 

فضل يلف بيها ساعة كاملة وبعدين رجع للمزرعة وقعد يفكر في كل اللي حصل ولحد دلوقتي مصدوم ومش مستوعب اللي اكتشفه، ومر الوقت وهو مكانه ساند راسه على الكنبة الموجودة في الإسطبل لحد ما غلبه النوم وفاق على صوت الموبايل بتاعه بيرن كان الوقت قرب على 11:00 الصبح وكان الدكتور اللي بيتابع معاه هو و"دعاء" علشان حالتها رد عليه ولقى الدكتور بيقول له: 
ـ معلش أني رنيت عليك الصبح بس تحاليل مدام "دعاء" وصلت وفي حاجة مهمة رايد أبلغها لك علشان تتناقشوا فيها، مدام "دعاء" محتاجة عملية بسيطة علشان ترجع طبيعية تاني.

اتنهد بغلب وسأل الدكتور:
ـ طب ماهي هتاخد الحبوب وهتعمل معاها اللازم لازمتها ايه العملية داي يا دَكتور ؟

جاوبه الدكتور بعملية:

ـ للأسف الحبوب اللي هتأخدها مجرد وقتها، يعني باختصار بتدي الست شعور بالإحساس والرغبة وقتها وبعد اكده لما مفعولها هيروح هترجع كيف ما كانت، عملية الختان اللي اتعملت لها وهي صغيرة كانت بمنتهى القسوة والبشاعة هي اللي وصلتها للدرجة دي لأن الختان أنواع واللي أجرى لها العملية اتعامل معاها بمنتهى البشاعة.

مسح على وشه بتعب وهو مش عارف رد فعل "دعاء" على كلام الدكتور وجاوبه: 
ـ حاضر يا دَكتور هتحدت وياها في الموضوع وهشوف رأيها إيه وهجيبها وهاجي لحضرتك.

وقفل مع الدكتور ورجع بضهره لورا وغمض عيونه ورجع بتفكيره لما الدكتور طلبه يروح له لوحده بعد أول زيارة لي هو و"دعاء". 

#فلاش باك
ـ شوف يا "سند" زوجتك للأسف مجني عليها واللي هي فيه ما لهاش أي يد ولا ذنب ولأسف اتأخرت قوي في العلاج كنت المفروض اهتميت بها من زمان وراعيت حالتها وجبتها تتعالج. 

رد على الدكتور: 
ـ قلت لها كَتير يا دَكتور إنها محتاجة تتعالج وحاولت معاها إني أقنعها ومن جواها كانت رافضة الموضوع من الأساس وجينا لما هي طلبت بنفسها إنها تتعالج. 

بدأ الدكتور يشرح له تفاصيل حالتها وإزاي إن هي بتعاني بسبب البرود الجنسي اللي عندها: 
ـ حالة البرود لما تنتاب الست مش بس هتحس إنها مريضة عضوية لا دي هتأثر عليها بالسلب كمان وممكن يصيبها مرض نفسي لأنها غير طبيعية،  طبيعة الست إنها تكون عندها اشتياق لزوجها وهتحس بيه وهيكون عندها رغبة ليه كيف رغبة الراجل بل ويزيد، وفي حالة مرتك أو الحالات اللي بتعاني من المرض دي عموماً العلاج هيكون على الزوج أكتر منيها هي علشان اكده جبتك لوحدك من غير ما تكون وياك، الستات اللي في الحالات داي علاجها بيكون من الراجل لازماً تمهيد لحاجات كَتيرة قبل أي علاقة وأولهم إنها تحس إنها مرغوبة من زوجها لازم تشوف لهفتها وشوقه عليها وإنه محتاجها أكتر ما هي محتاجاه، لازمن تعرِف إنها أول ما هتأخد أول حباية هتغير في كيمياء جسمها وقتها هتحس إنها محتاجاك لأن الحبوب دي هتزود الرغبة عِندها لوقت معين فلازمن تستجيب لطلبها مهما كانت ظروفك، يا إما هتتفق وياها ما تأخدش العلاج إلا في أوقات معينة تكون مناسبة ليكم انتم الاتنين،

الموضوع دي هيحتاج منك التفهم، الصبر، والحوار المفتوح، بالإضافة إلى المداعبة الكافية وتحسين العلاقة العاطفية، من أهم العوامل التي هتزيد الرغبة وتعالج البرود، وتتكلموا بصراحة ودون خجل عن المشكلات التي هتواجهها في العلاقة الحميمية، وتتجنب لومها في اي شئ علشان ماتنشغلش بحاجة غير الموضوع دي واصل، ولا بد كمان من إطالة المداعبة، الست اللي هتعاني من المرض دي هتحتاج لوقت أطول للاستثارة، والتركيز على المداعبة الخارجية قبل الإيلاج يساهم في التغلب على الجفاف والبرود، البرود غالباً  هيكون ناتج عن ضغوط أو توتر، علشان اكده لازمن توفير بيئة هادية ومشاعر حب واهتمام يقلل من التوتر ويزيد الرغبة، ولازمن تحط في اعتبارك إن المشاكل النفسية اللي بتيجي للست من ورا الموضوع ده ما هتأثرش عليها هي لوحدها لا هتأثر عليها وعلى زوجها وعلى عيالها، لأن في حاجة ناقصة كَبيرة ومهمة بل والأهم عند كل ست في حياتها فبالتالي تفكيرها على ولادها وعلى اللي حواليها هيكون مختلف تماماً عن أي ست طبيعية.

رجع من تفكيره على صوت أمه اللي دخلت عليه لما سألت عنه وعرفت مكانه وأول ما دخلت البسمة كانت مرسومة على وشها بحنان ما شفهوش من بقاله كتير بسبب المشاكل اللي هما فيها وبعد ما سلمت عليه وحضنته لأنها ما شافتهوش بقى لها كذا يوم لأنها قاعدة مع "سمير" على طول بتراعيه قالت له باعتذار: 

ـ حقك علي يا "سند" أني غلطت في حقك يا ولدي والمفروض كنت طيبت خاطرك من بقالي كَتير لكن مشغولة مع أخوك وأنت عارف الضيقة اللي هو فيها ربنا ما يوريني فيك الوحش أبداً يا حبيبي، أني جيت عليك كتير يا "سند" وظنيت فيك السوء وأنت يشهد الله طول عمرك ما شفتش منك غير الحلو كلاته وهتشيلني جوه عيونك.

ارتمى "سند" في حضنها وهو متمسك بحضنها جامد كأن ربنا بعتها في الوقت المناسب حضن الأم لا يضاهيه أي حضن في الدنيا بيخفف الوجع والحيرة والألم كأنه البلسم ورد على كلامها: 
ـ عمري ما هزعل منك يا أم "سند" انتِ تقولي اللي على كيفك وأني هتحمَل غضبك يا ست الكل، أني محتاجك قوي يا أمي، محتاج حضنك وحنانك محتاج منك تطبطبي على ضهر السند. 

شددت على حضنه وهي بتطبطب عليه بحنان حقيقي لما شافت وجعه إلا ما تعرفش سببه: 
ـ مالك يا ولدي إيه اللي مزعلك هحسك مقهور وعينيك هتقول إن في حاجة كَبيرة قوي مزعلاك، الشغل بخير وصحتك بخير؟

جاوبها وهو مرمي براسه على صدرها ومتمسك بحضنها: 
ـ ما تقلقيش يا أمي الشغل بخير والعيال بخير الحمد لله بس كنت محتاج حضنك قوي ربنا ما يحرمني منك يا أغلى الناس.

لما لقيته مقرب منها ومحتاجها اتكلمت معاه كتير وهي بتسأله عن كل حاجة تخصه باهتمام زي عادتها قبل المشاكل، لكن قررت إنها تستغل الموقف وتحاول تحل المشكلة ما بينه وما بين أخوه من وجهة نظرها كالعادة وبعيون زايغة وهي حاضنة إيديه في إيديها وبتطبطب عليهم:
ـ فيه طلب رايداه منك يا ولدي ويارب متكسفنيش المرة دي يا "سند".

ابتسم لها بطاعة وهو بيطبطب على إيديها ببر حقيقي:
ـ هو بعد الحضن الدافي اللي عطيتيه لي دي وطبطبتك علي وجبرتي بخاطري هرفض لك طلب؟ من العين داي قبل داي نَفسك في إيه يا ست الكل؟

اتلجلجت وهي بتداري عيونها بعيد عنه وبتحاول على قدر الإمكان تبان ضعيفة بقلب مكسور قدامه لأنها تيقنت إن القسوة والأوامر مبتجبش نتيجة معاه:
ـ دلوك الشيخ لما قال الجواز لازمن يتم ويُبقى حقيقي وملهوش علاقة بأخوك، ودي اللي إنت عِملته بالظبط ودخلت عليها بنية الجواز بصُح، وكنت شايل من نيتك موضوع الطلاق دي نهائي كيف ما قلت قبل سابق، يعني لو طلقتها دلوك وسيبتها مهيكونش عليك ملامة ولا حرمانية ولا هي كمان؟

بص لها بخذلان حقيقي وعيونه سهمت على حضن الأم اللي لسه كان مرمي جواه، الحضن اللي من زمان قوي مداقش طعمه ولا لمس حنانه، مكانش مصدوم من كلامها قد هو ما انصدم إن دفا أحضان أمه كان وهم ومصلحة، ورد بكلمتين وبصوت مليان شجن ووجع:
ـ ياه يا أم "سند" في لحظة طلعتيني لسابع سما وفي نفس اللحظة نزلتيني لسابع أرض، وأني قلت أخيراً الدنيا ضحكت لك يا "سند" ولقيت الحضن الدافي الحقيقي وقت قهرة قلبك من اللي حواليك. 

وكمل وهو بيرد عليها بخصوص اللي بتطلبه منه وسمعها الكلام اللي رجعها عن حنانها لقسوتها في نفس الوقت، شكل ما تكون بتلعب بالمشاعر على كيفها:
ـ عموماً إحنا مش هنخلصه من الكلام في الموضوع دي عاد، تعبت وياكي يا أم السند، تعبت من وقفتك بيني وبين أخوي بالظلم علي طول عمرنا ولساتك هتكملي علشان أني الكَبير وأني اللي لازمن أتحمَل بزياداكي عاد، كنتِ حتى كملي القعدة بيناتنا وانتِ بنيتك إنك هتطمني علي ليه يا أم السند ليه؟

جاوبته وهي حاسة بالقهر من جواها على عيالها هي كمان ومن وجهة نظرها شايفه إن هي بتعمل الصح: 
ـ بحاول أحل اللي بينك وبين أخوك قبل ما تغدروا ببعضكم وتضيعوا من يدي، يا ابني هي كانت مرته أم ولاده وسلمها لك على إنك هترجعها له تاني وانت وافقت طبيعي إنه يعمل كل اللي هيعمله علشان يرجعها، غصب عني لما هشوف ولادي هيقاتلوا بعضهم واقف مكتفة يدي، لازمن أعمل اللي المفروض يتعمل واللي ما يتعملش عشان خاطر أحافظ عليكم لو حداك انت حل للموضوع دي قول لي عليه.

وكملت كلامها: 
ـ وبعدين أنت متجوَز وحداك مرة وعيال وكمان أني أجبرتها إنها تتعالج وعرفت كمان إنك رحت وياها عند الدكتور وإنها بقت زينة، ليه ما تركزش مع مرتك وولادك وتسيبها يا ولدي؟

رد عليها بتصميم وعيون قوية:

ـ الاتنين ملزومين مني والاتنين حقوقهم على راسي من فوق، ولما بت أختك تاجي تشتكي لك من تقصيري وياها وقتها هيكون في كلام تاني وبعيد عن "نغم".

وكمل وهو بيأكد عليها بعيون حادة زي الصقر : 
ـ وبعدين هو لما جه طلب مني إني أتجوَزها علشان أرجِعها له رفضت رفض قاطع، وقلت له وقتها لو انطبقت السما على الأرض مهيحصلش يا ولد أبوي "سند الناجي" مش باترينة ولا محطة في حياة أي ست تدخله على كيفك وتخرجه وقت ما تريد ، ولما حاول يبهدلها ويعـتدي عليها في كل مكان وقفت له كيف ما تكون أختي، لكن اللي ما تعرِفيهوش إن أبوي هو اللي طلب مني أتجوَزها علشان قلبه هيوجعه على أحفاده، ووقتها خدت عهد ووعد من أبوي إن عمري ما هبقى مجرد منظر قدام الخلق وهطلِقها، ووقتها أبوي طلب مني إني أصلاً لما تُبقى على ذمتي ما أطلِقهاش وأرحمها من اللي ولدك كان هيعملوا فيها، وساعتها هو اللي حكم إن ولدك يمشي سنة بعيد عن البيت وكل حاجة بأمر أبوي روحي اسأليه، عمري ما كنت هفكر أتجوِزها بفكركم انتي وهو لأني كنت عارف إنه حاجة عيبة قوي في حقي، وإذا كان على الوعد اللي أنتِ هتحكي عنيه ما بني على باطل فهو باطل يعني الوعد من الأساس باطل و ولدك ما يتحجَجش بيه واصل، وكمان منعت جريمة كان هيعملها لما كان هيجوزها راجل تاني ويطلقها منه في الحرام ويرجع لها في الحرام وكل حاجة كانت باتفاق مع أبوي اللي أنتِ لاغياه خالص وجاله المرض بسبب عمايل ولدك ودلعك ليه، وقبل ما اعمل أي خطوة كنت واخد العهد من ابوي كبيرنا كلاتنا اني مهطلقش وهو اللي قال لي هاود اخوك علشان تنصر المظلومة المقهورة داي من يده .

ضـ.ــربت على صدرها بحدة وهي بتسأله بصدمة:
ـ واه هتتفق أنت وأبوك على أخوك، كيف جالك قلبي تعمل اكده أنت وأبوك وتؤمروا وتنهوا في حياته من غير ما يكون له رأي ولا شأن في مرته وولاده. 

رد عليها بقوة: 
ـ مرته هو اللي فرط فيها وهو اللي بهدلها وذلها وحرمها العمر كلاته عليه بتحريم من رب السماوات لما طلقها التلت طلقات اللي ما منهاش رجوع يا أم السند، مش أني اللي طلبت منه يطلق مرَته علشان أتجوَزها لا سمح الله، ولا هي كان ليها ذنب، ابنك هو اللي هيشيل ذنب تعبه وحيرته وقلة حيلته بسبب عقله، ليه دايماً هتشوفي الغلط والظالم وتمسكي في المظلوم، مرته ما كانتش ينفع ترجع له تاني أبداً سواء كانت مرتي أو مرت غيري حرام يا أمي حرام.

ردت عليه بجبروت:
ـ يُبقى ولا تُبقى ليك ولا تُبقى ليه وتروح تغور بَعيد عنينا وتطلقها وما هتأخدش وياها ولاد ولدي أحفادي، ولا إنكم تمسكوا في بعض انت وأخوكم التنين، انت ما متخيلش إن أخوك هيشوف مرته وهي جارك هي وعياله كيف؟! ما متخيلش الحسرة اللي هيحس بيها ومرته اللي هيعشقها بقت في حضن أخوه وعياله مع الزمن ما هيبقوش عياله كيف ؟!

ضـ.ــرب كف على كف بصدمة: 
ـ ما تقوليش مرَته ما بقتش مرته ولا هتبقى، "نغم" بقت مرتي وهتعيش وهتموت وهي مرتي وعلى ذمتي، وما حدش هيقدر يخليني أتخلى عنيها ولا هسيبها في يوم من الأيام يا أمي مهما كان، وهو ليه اللي ما حافظش على اللي منه وعلى عياله قبل ما يبهدلها ويذلهم ويرميهم لكلاب السكك وكل يوم والتاني يجيب لها راجل شكل ويعرضها عليهم؟!
كنتِ عايزاني أسيب لحم أخوي وعياله يتبهدلوا والبلد كلاتها تجيب في سيرتنا لما يجوزها لواحد تاني وهي لا حول لها ولا قوة ونعيش منبوذين بالحرام بين الناس؟!
ولا عايزاني دلوك أخد منيها عيالها وأجرها من يدها وأرميها وأقول لها روحي مطرح ما تروحي وأكسر قلبها على عيالها اللي شافت الذل واتحمَلت من ولدك اللي ما فيش بني آدم في الدنيا يتحمَله علشان خاطر ولادها، فين العدل يا أمي في اللي انتِ بتقوليه؟

ـ العدل إن دي أخوك واللي ضلعه من ضلعك ونفَسه من نَفسك وروحه من روحك ولازمن تحافظ على عهد الأخوة اللي بينك وبينه، أني بحافظ على ولادي اللي هيضيعوا من يدي. 

ـ وزي ما هو أخوي وضلعه من ضلعي هي مرتي وضلعها من ضلعي ونَفسها من نَفسي وروحي هتسبق روحها،  وأني هدافع عنيها لآخر يوم في عمري، عرفي ولدك ينسى اللي في دماغه وطول ما هو بَعيد عننا طول ماني ما هغدرش بيه عمري لأن صفة الغدر مش من طبعي، لكن لو قرب منها ولا من حد من العيال صدقيني يا أمي إني مش هراعي الأخوة وقتها، وبدل ما تاجي تضغطي على المظلوم روحي اضغطي على الظالم وعقليه خليه يشوف حياته ويتجوَز واحدة غيرها لأن دي ربنا اللي حرمها عليه مش أني اللي حرمتها عليه.

قامت من قدامه وهي بتتواعد لهم وقالت له اللي صدمته: 
ـ تمام يكون في معلومك يا "سند" إني كنت همنعه إنه يرفع دعوة لضم حضانة ولاده ليه طالما أمهم اتجوزت وعمر الحضانة ما هتروح لأمها اللي بين الحياة والموت وما فيش غيري اللي هأخد العيال وهربيهم أني وأبوهم ووريني بقى هتوقف قصاد أمك كيف يا "سند". 

ـ تمام يا أمي وأني عمري ما هقف قصادك ولا هقدر إني أعصيكي في الأمور العادية اللي بين كل أم وولدها؛ لكن أني بوعدك كيف وعدك إن ولاد "نغم" هيفضلوا في حضنها وما فيش قوة على وجه الأرض هتسحب عيال من حضن أمهم مهما عملتِ، هي بقت مرتي وحمايتها واجبة عليا وأني حافظ على عرضي دي فرض من رب العباد وما هسمحش لحد ياجي ناحية ولادها واصل أياً كان يكون مين.

دبت في الأرض بغضب وبصيت له بعيون مليانة حقد على كلامه وسابته ومشيت وهي على وشها غضب الله.

                      ******

ـ بس يا ستي وده كل اللي حصل، ما كانش ينفع أحكي لها عن أي حاجة، ولا عن شخصيتي، لأن في البداية ما كنتش حابب أعلقها بيا، ولا حابب إني أتعلق بيها علشان عارف إني همشي، لكن غصب عني حبيتها واتعلقت بيها، وهي كمان حبتني وادتني قلبها وحبها بكل إخلاص، ما كنتش عايز أربطها بيا علشان مش عارف هرجع من الموت ولا لا، وللأسف "مهرة" شخصيتها عنيدة جداً جداً، وأنا عارف إنها عمرها ما هتسامحني، وأنا عمري ما هحب غيرها، ولا هشوف غيرها، ولا عايز غيرها، أنا طول ما أنا في الغيبوبة بحلم بيها، وقاومت ورجعت علشانها، أرجوكي ساعديني يا "مريم".

"مريم" بقت مصدومة من اللي سمعته، ولا زي قصص ألف ليلة وليلة، ولامت على أخوها:
ـ طب انت حبيتها وعلقتها بيك واتعلقت بيها وعاشت وياك فترة تقريباً شايفين بعض وبتتكلموا مع بعض ليل ونهار، إزاي جالك قلبي توجعها كده وتمشي من غير حتى ما تقول لها أي أسباب يا شيخ؟
قل لها إنك مسافر، جالك شغل، أي حاجة تحسسها إن هي هتشوفك تاني أو تطمنها عليك، أنت غلطت غلط كبير يا "يونس"، ده غير إنها عرفتك بشكل وبإسم تاني وشخصية تانية خالص، بصراحة كده الموضوع صعب قوي مش علشان شخصية "مهرة" صعبة علشان تخطيه ذات نفسه صعب، أنا كبنت ما تخيلش نفسي إن حبيبي يصحى الصبح فص ملح وداب وكان شيئاً لم يكن.

حاول يدافع عن نفسه وعن موقفه:
ـ يا بنتي انتِ مش عارفة طبيعة شغل المخابرات عاملة إزاي، ممنوع تماماً أي حد يعرف حاجة عني حتى لو كانت أمي اللي ولدتني، ما كانش ينفع أعرضها للخطر لو انكشفت في أي وقت، ما كانش ينفع أحكي لها عن أي حاجة تخص شغلي، ما كانش ينفع.

حركت راسها وهي متفهمة كلامه لكن ردت عليه بأسى:
ـ أي نعم انت شغلك في سرية تامة وحتى ما بتقولش لنا انت رايح فين ولا بتختفي فين، بس بنعرف نطمن عليك من القيادة بتاعتك ونعرف إن أنت بخير، مطمنين إن أنت موجود ومهما طال الوقت هترجع لما تخلص، لكن هي أنا مش عارفة هي قدرت السنة دي تتخطى حزنها إزاي بعد كل العشق والحب اللي بينكم واللي أنت حكيت عنه؟
بصراحة البنت دي جبل ده غير إنها أصلاً متربية في بيئة صعبة جداً على حسب حكواها معايا، يعني انت جيت كملت عليها يا "يونس".

دور وشه الناحية التانية واتكلم بغيظ:
ـ يا بنتي أنا بحكي لك علشان خاطر تقفي جنبي ولا علشان تقعدي تقطمي فيا وتخليني أفقد الأمل، أنا جاي أحكي لك علشان تساعديني مش علشان تحبطي فيا.

مطت شفايفها بأسى وقالت له:
ـ أنا عارفة إن أنت معذور يا "يونس"، بس معذور عندنا إحنا مش معذور عندها هي للأسف، كنت اخترع لها أي حجة بدل ما إنك تختفي بالمنظر ده، أظن أنت ضابط ومدرب كويس على الحجج والحوارات دي مش صعبة عليك، أنا مش هقدر أعمل لك غير حاجة واحدة بس، أرتب لك ميعاد معاها على إني أنا اللي هروح لها، وتتكلم معاها وتفهمها وتسترضيها وتتحايل عليها كمان إنها توافق تكمل، وأنا من ناحية تانية هفضل أتكلم معاها لعل وعسى نجيب نتيجة.

برق عيونه بلهفة وهو بيسألها:
ـ بجد يا "مريم"؟ دي عاملة لي حظر من الأرقام اللي انتِ ادتيهالي، وعملت لي من كل مواقع السوشيال ميديا حظر، ورافضة أي تواصل ما بيني وما بينها، وخايف أروح لها مكان شغلها يحصل موقف أو رد فعل منها يأزم الموقف ما بيننا أكتر.

بصيت له هي باستغراب وقالت له بخفة علشان تخفف عنه وجعه:
ـ واد يا "يونس" أنا أول مرة أشوفك كده، انت حبيتها للدرجة دي؟!
لدرجة إنك ولا عارف تنام ولا تاكل ولا تشرب ولا حتى تركز في شغلك؟
أنا مش مصدقة بجد إن ده "يونس" أخويا اللي كان بيمشي واثق الخطى ما بيهمهوش أي بنت في الدنيا، تيجي "مهرة" بنت الصعيد تعمل فيه كده؟!"

نفخ بضيق من هزارها في عز زهقه:
ـ يعني بذمتك ده وقت هزار وتريقة؟ يعني أنا "يونس" يعني مثلاً زومبي ما عنديش قلب؟ هحب وأتحب وما عنديش مشاعر أديها لواحدة في يوم من الأيام؟ عمري ما حبيت ولا عمر واحدة لفتت انتباهي علشان ما لقتهاش، ولما لقتها بدون إرادة ولا ترتيب مني حبيتها، إيه لازمته بقى كلامك ده يا خفيفة الظل انتِ؟ مش ناقصك والله.

ضحكت بمشاغبة على حالة أخوها العاشق الولهان:
ـ خلاص يا سيدي هراعي حالتك وإن أنت بائس ويائس ومتنفض لك من إحداهن وحاجة كده آخر تشوق بالنسبة لي، أصل أنا يعني بحب الحاجات دي جداً، الحاجات بتاعة الحبيبة اللي بينهم مغامرات زي اللي بينك وبين "مهرة"، والعبدة لله هتعمل معاك أحلى واجب يا أبو الصحاب.

خبطها في كتفها بهزار:
ـ هو أنا ليه حاسس إنك مش دكتورة ولا كده؟ حاسس إن أنا أختي شبه عبده موتة مثلاً، إيه يا ماما طريقة الكلام اللي انتِ بتتكلمي بيها دي؟ أنا نفسي أعرف اتعلمتيها فين؟

غمزت له بعينيها وردت عليه بشقاوة:
ـ يا ابني أنا ربنا خالقني كده قمرة وقمورة، وشاطرة وشطورة، ومفرفشة ما ليش في النكد ولا الأفورة، وبلاش تستفزني اليومين دول ولا تمسك على عِندي يا "يونس"، بدل ما أخلي "مهرة" تقفل منك خالص ومش بعيد أجيب لها دكتور يخطبها وأقهرك.

برق عيونه بصدمة وهو بيهددها:
ـ طب والله العظيم لو عملتيها يا "مريم" لا هنفي لك خطيبك في آخر بلاد المسلمين، وانتِ عارفة أنا سلطاتي عاملة إزاي وهو يا دوب لسه متعين واللي بيدربوه كمان شغالين تحت إيدي وتحت قيادتي.

رفعت إيديها باستسلام في الهوا وهي بتترجاه:
ـ لا بالله عليك خلاص يا باشا، أقسم بالله ما هفتح بقي، بس أهم حاجة تبعد عن "ماجد"، أنا ما صدقت جات له إدارة خفيفة مش زي الحاجات اللي انت شغال فيها دي، أنا مش ناقصة توتر وقلق عليه هو كمان، كفاية انت يا أخويا واللي انت موريه لنا، هقوم أنا بقى أتكل على الله علشان عندي نبطشية مع إحداهن.

مسك إيديها بلهفة وسألها:
ـ "إيه ده؟ هو انتم الاتنين عندكم نفس النبطشية النهاردة وهتشوفيها وهتقعدي معاها؟

رفعت له حاجبها بمكر:
ـ أمال إيه؟ أنا وهي أصحاب جداً، ومختارين النبطشية بتاعتها وبتاعتي مع بعض، ومش عايزة أقول لك بقى بنقعد طول الليل نرغي حتى وإحنا بنشوف شغلنا.

بلع ريقه بحزن وهو حاسس إنه هيموت من القهر عشانها وعلشان بعيدة عنه ومش قادر حتى يكلمها:
ـ طب ممكن لما تكونوا قاعدين مع بعض لوحدكم تكلميني فيديو وتعملي نفسك بتطمني على ماما وتخليني أشوفها بالله عليكي يا "مريم".

شاورت بإيديها على عيونها الاتنين:
ـ بس كده من العين دي قبل العين دي يا حبيب أختك، يا عيني على الحلو لما يبهدله الحب وتتعامل معاه إحداهن بالتجاهل وهو هيتجنن هنا.

وقربت منه وسندت بإيديها الاتنين على كتفه وحطت صباعها في بقها وهي بتسأله بمكر:
ـ إيه رأيك لو أحكي لها أكتر عن سهرك الليالي وانت بتفكر فيها وحيرتك ولهفتك وانت هتموت عليها وهي مش معبراك؟ هحنن قلبها يعني إنك بمعنى أصح هتموت من غيرها؟

زقها بخفة وهو بيرد عليها:
ـ أبو تقل دمك يا شيخة، انتِ كيادة موت، أنا مش فاهم هو أنا مش أخوك يا بنتي؟ قاعدة تمسكي على عِندي بدل ما تحزني عليا وعلى اللي أنا فيه، طب ابقي اعمليها كده يا "مريم"، بصي أنا همشي وأسيب لك المكان علشان أنا عارف أنتِ مش هتبطلي تكيدي فيا ما هو إحداهن كلهم كده.

سابها ومشي وهي فضلت تتنطط على نفسها من الضحك من عصبيته وهي فرحانة فيه، وإنه أخيراً لقى الإنسانة اللي بيحبها بعد رفض الكثيرات والكثيرات، لحد ما وقع أخيراً حضرة الرائد "يونس نعمان الهلالي" ، في عشق الـ"مهرة" وهي مهرة.

                      ******

ط
في آخر الليل دخل "سند" عند أبوه وقرر إنه يقضي الليل معاه يشكي له همه وهو صامت، كفاية إنه حاسس إن هو الوحيد اللي عمره ما خذله، غير إنه تعب وساب الحمل كله عليه،

أبوه كان نايم من كتر الأدوية اللي بيأخدها، بينام كتير وما بيدراش بالدنيا، وبعد مدة فاق أبوه لقاه ساند على الكرسي مهموم، ومعالم الحزن مالية ملامحه فسأله بحنان:
ـ مالك يا ولدي شايل هموم الدنيا فوق راسك ليه؟ وكِلها على الله يا ولدي وسيبها تمشي كيف ما رب الخلق ممشيها، ما تحطش في قلبك ولا تشيل أكتر من حملك علشان ما تقعش وانت سندي يا "سند"، وسند ولادك وأحفادي كلاتهم.

قرب من أبوه لما لقاه فاق ووطى على راسه يبوسها وإيديه بوقار، ودلك جبينه بحنية متعود عليها وهو بيطمن أبوه عليه:
ـ ما تقلقش علي يا أبوي إني بخير، المهم صحتك أنت، ما تشغلش بالك بيا أنت عارف ولدك شيال الهموم من وهو طفل صغير.

طبطب أبوه على إيديه وعلى ضهره وهو نايم مكانه وطلب منه إن هو يقعد جنبه وبدأ يتكلم معاه:
ـ تعالى يا ولدي أقعد جاري أطبطب عليك وأشيل معاك من وجعك شوي، ما تقولش أبوي مرضان ونايم على سريره ما هيحسش باللي هيدور حواليه، إذا كان الجسم خان ونام مكانه وما قادرش يتحرك الودان بتسمع كويس يا ولدي اللي بيحصُل برة، خليك قوي يا "سند"، من يوم ما اتولدت على وش الدنيا وشلتك بين يدي وقلبي شافك قبل عينيا وأني سميتك "سند" علشان ربنا جعل في وشك القبول وقلت انت السند، بس انت يا ابني في الآخر إنسان من لحم ودم، اشكي لي يا ولدي خرج لي اللي في صدرك وقول لي إيه اللي طابق على أنفاسك ومخليك ما قادرش تصد مع إنك طول عمرك هتصد قصاد الغول.

ضعف "السند" قدام أبوه وقعد جنبه على السرير وفرد جسمه وسند براسه على شباك السرير وبدأ يتكلم بالوجع اللي حاسس بيه:
ـ حاولت أعمل كيف ما طلبت مني يا أبوي، لا أخوي ولا أمي رحموني ولا رحموها، أمي و"سمير" ما مبطلينش خراب في النفوس، وآخرها اتلقيت طعنة من أخوي وعديتها وسكت وقلت عيل صغير كيف ما أمي هتقول من وهو صَغير، خلوها بقت جبانة وعملت اللي ما كنتش متخيله وكانت هتقـ.ــتل نطفتي فيها من قبل ما تتولد علشان هيهددوها وجرحتني، والأولى عشت سنين عمري أطلب منها تتعالج وصبرت وما رضيتش أتجوز رغم إنها طلبت مني كَتير إني أتجوز وقلت بلاش يا "سند" علشان خاطر ولادك لساتهم عيال صغيرة وما ينفعش يشوفوا أبوهم وأمهم مشتتين، وصبرت وقلت العمر قدامي مش وراي وإن كان ليا نصيب تاني هشوفه، وكبرت دماغي واتحمَلت ولما جت طلبت مني تتعالج قلت اسعى يا "سند" واعمل اللي عليك و أقف جارها دي واجب عليك، وقلت عشان خاطر أم ولادي وتحافظ عليهم لما تُبقى نفسيتها سوية ، يطلع لي حوار تاني إنها عايزة حاجة أكبر من العلاج وإني جواي متوكد إنها ما هتوافقش.

وكمل كلامه وهو بيبص لأبوه وبيسأله:
ـ هو أني يا أبوي لما اتجوزتها واتكتبت على اسمي بضغط من الكل علي واتقفل علينا باب واحد، غصب عني عشقتها، حكم القلوب مش بايدينا وهي كمان عشقتني، القلب بيتحرك وهيحس بالحنية لو من أول نظرة عين، قلبي مال وأنا ما أمتلكش الحكم في قلبي، ساعات هقول الموت أهون لي وهستريح وبعدها أرجع وأقول هتسيب كل دي لمين يا "سند"؟ يا رب توكلت عليك يا رب.

ـ ودي أحسن حل يا ولدي، خلي تكالك على ربنا، العبد في التفكير والرب في التدبير، وطول ما أنت هتراعي ربنا في كل اللي حواليك ربنا هيرعاك.

وأثناء ما هما بيتكلموا مع بعض جاله تليفون من "جليلة" فبص لأبوه قبل ما يرد:
ـ أهو التليفون دي يا أبوي أكيد وراه مصيبة جديدة مستنياني.

رد على التليفون ولقى "جليلة" بتحكي له بصوت واطي:
ـ في حاجة مهمة يا سي "سند" بيه، الست الهانم الصغيرة هتتحدت في التلفون طول الليل ويا شاب وهيقوولوا كلام عفش، سمعتها امبارح بالصدفة لما كنت هقوم أدخل الحمام وسمعتها النهاردة هتعمل اكده، في انصاص الليالي بعد الكل ما ينام.

بص لأبوه بنظرة مليانة حسرة وهو بيقفل معاها في التليفون:
ـ شفت يا أبوي صدقتني، وداي كمان مهما أعمل معاها البدع من وهي عيلة صغيرة أمها خرجتها عن طوعي ومهما أحاول أصلح هي تتلف، بعد إذنك يا أبوي هروح أشوف الهم اللي مستنيني.

ـ ما تزعلش يا ولدي، البنتة كلاتهم الأيام داي هيتعبوا أهاليهم مش بتك لوحدك، ما تشيلش هموم الدنيا فوق راسك وفكها على حالك يا ولدي، ربنا يديك طول البال والعافية والحكمة والعقل، روح يا ولدي الله يعينك.
باس على راس أبوه وسابه وراح لبيته وعياله وهو بيمط على شفايفه بأسى ومش عارف يحلها إزاي مع بنته، لا الضرب هيجيب نتيجة معاها ولا النصيحة


تعليقات



<>