
رواية اشتد قيد الهوى الفصل السابع والثلاثون37 بقلم دهب عطيه
يقف أمام سور السطح لا يرتدي سوى سروالٍ قصيرٍ يخفي نصفه السفلي بينما صدره العاري عُرضة لصقيع الليل البارد..،...،،،،
لم يشعر بالبرد يتسلل إلى عظامه يكاد يجمد ذلك الجسد الصلب في هذا الوقت المتأخر
من الليل....
ينفث دخان سيجارته بشراهة وكلما انتهت واحدة أشعل أخرى دون تفكير....
عيناه تتطلعان إلى المباني العالية بنوافذها المغلقة على أصحابها وأنوارها التي ما زال بعضها مضاءً بينما انطفأ بعضها الآخر بعد يومٍ مُضنٍ من العمل والسعي لتأمين حياةٍ بسيطةٍ للعائلته....فيما شغل البعضَ الآخرَ هموم الحياة حتى فقدوا سبلَ الراحة....
لكن ماذا عنه هو؟!
ما الذي يشغل سلامة بعدما رأى وعاش في هذه الحياة الغير منصفة معه؟
هل يبكي لأجل الحب؟
هل يؤلمه قلبه لأنه قطع آخر خيط أمل معه؟
هل يشعر بالندم لأنه اقتحم مكانًا ليس مكانه؟
وهل يشعر بالرضا بعدما سلّمت عزة حصونها له وأصبح قلبها وجسدها ملك يديه؟
وهل هو راضٍ بعد أن أبحر في عالمها ووطئت قدماه أرضها الخصبة؟
كانت شهية المذاق رغم وخزة الندم وقتها...
كانت سخية في حبها وعطائها صبورةً متحمّلةً حتى لا تُفسد اللحظة وتُبعِده عنها... لكن ماذا بعد؟
يشعر بالخزي... بالغضب... وبالندم...
هل يريد تركها؟!
ربما منذ أشهر كان من المحتمل أن يفعلها بجبنٍ هاربًا كعادته لكن الآن صعب....
ليس لأجل ما حدث بينهما
بل لأن الحقيقة أن تلك المرأة أصبحت تعني له أكثر من مجرد زوجةٍ ارتبط بها لينسى أخرى ويتعايش كالموتى بلا شعور....
عزة أصبحت الركن الدافئ في حياته الونس والراحة....مشاعر عديدة يستشعرها بقربها...
معها يشعر أنه ذو قيمة رجلٌ مسئول عن عائلةٍ وبيتٍ رجلٌ حريص على حياته حتى لا تهدم...
رجلٌ بمعنى الكلمة أمام مرآة نفسه.
سابقًا عندما كان ينظر إلى تلك المرآة لم يكن يرى سوى فتىً طائشٍ ضائع لا يعرف وجهةً معينة ولا يخشى على شيء ولا من أيّ
شيء...
اليوم تغير... وتغيرت قناعاته....يخشى عليها وعلى حياتهما البسيطة...يريد أن يوفر لها حياةً كريمة ويُثبت للجميع أنه ليس سيئًا بل إنها الظروف والحياة التي جعلته هشًّا أمام الصعاب....
سيظل يعشق الدكتورة فهذا الشعور محال تغييره فهي السر الكبير والحب الأول..الأسر.
لكنه أصبح الآن قصةً خياليةً سيتذكرها كلما اختلى بنفسه قليلًا....
ستظل عزة الركن الدافئ الونس والراحة...
الزوجة الدائمة الحبيبة الحاضرة والحاضر والمستقبل كلاهما يكمنان معها.
رفع سلامة الهاتف أمام عينيه يتأمل صورتها الضاحكة الجميلة على الشاطئ تلك التي رافقته أيامًا وليالي بين الحنين والندم
حتى أصبحت جزءًا من الوجع كحبهما
المعلق غير المكتمل....
لم يتوقع أن يتخلى عن الصورة أيضًا
كما تخلى يومًا عن صاحبتها وتركها في منتصف الطريق ورحل...
لكنه فعلها وحذف الصورة من جهازه
مكتفيًا بما يحمله بين طياته لعله يأتي
يومًا وينسى دون معافرة...
"سي سلامة..."
تشنج سائر جسده بعد أن سمع صوتها الناعس يناديه عند باب الغرفة الذي فُتح للتو...
استدار سلامة إليها يطالعها بهدوء كانت ما تزال تحت تأثير النوم تُخفي جسدها الصغير بمئزرٍ ثقيلٍ يبتلعها تفتح عينيها نصف فتحة ويشع وجهها بحمرةٍ طبيعية أما شعرها القصير الخفيف فكان يحيط وجهها كصبي مشاغب..
ازدرد سلامة ريقه واجتاحه شعور غريب متذكرًا هشاشتها ورقتها بين ذراعيه وأنين خجلها الخافت كالحن الناعم المميز الذي
لم يسمعه يومًا من بين شفتي امرأة....
وهل فعل ذلك يومًا مع امرأةٍ عفيفةٍ غيرها؟!
جميعهنّ كنَّ ساقطاتٍ يتقنّ أساليب الخداع والتمثيل حتى في لحظاتهنّ الحميمية.... جميعهنّ كنَّ عابراتٍ كما هو حاله معهنّ...
ألقى سلامة السيجارة ثم اقترب منها يسألها وهو يدلف بها إلى الغرفة...
"إيه اللي صحاكي يا عزة؟"
قالت عزة بخفوت...
"قلقت صحيت ملقتكش جنبي... ليه واقف كده في البرد؟..... هتبرد يا سي سلامة..."
سحبت فانلة وناولته إياها قائلة بحنوّ...
"خد دفي نفسك..."
رفض سلامة وهو يسحبها معه نحو الفراش جلسا عليه ثم سألها باهتمام ويده تُرجع خصلاتها خلف أذنها...
"أنا مش سقعان... ولما أدخل السرير هادفى. المهم إنتي كويسة ولا لسه تعبانة؟"
بلعت ريقها بخجلٍ صارخ وهي تقول
بتورد...
"الحمد لله بخير... عايز حاجة مني؟"
رفض سلامة مبتسمًا وهو يساعدها على النوم ليدثّرها أسفل الغطاء بعناية...
"لا... تعالي نكمل نوم... كلها ساعتين وأنزل الشغل."
توسدت عزة صدره براحة لتنام وعلى ثغرها ابتسامة رقيقة راضية بينما ظل هو لفترة مستيقظًا يداعب شعرها بأصابعه بشرودٍ
حتى غلبه النوم مثلها....
بعد عشرة أيام من تلك الليلة بدأت علاقتهما تأخذ منحًى أكثر دفئًا وتعلّقًا خصوصًا مع تعاملهما كزوجين طبيعيين...
في أحد الأيام دلف سلامة إلى الغرفة فلم يجدها كالعادة تنتظره بابتسامةٍ مشرقة واستقبالٍ حافٍ....
عبست ملامحه وهو يجري اتصالًا بها وكان يعلم مسبقًا أنها عند خالتها فهي خلال الأيام السابقة تذهب إليها لرعايتها بعد تعبها المفاجئ فتقضي معها ساعات النهار حتى قُرب المغرب في موعد وصوله لتكون هنا...
لكن اليوم تأخرت على غير العادة....
عندما فُتح الخط هتف سلامة متجهّمًا..
"إنتي فين يا عزة؟.... لسه عند خالتك؟"
جاء ردها بأنفاسٍ عالية كمن يركض في سباق وهي تقول بتهدج...
(حقك عليا يا سي سلامة... أنا طالعة على السلم أهو معلش اتأخرت المرة دي عندها..)
لم تمر دقيقتان حتى حضرت عزة أمامه تضع يدها على صدرها بتعب قائلة وهي تُلقي نفسها بين ذراعيه بشوق...
"حقك عليا... غصب عني والله إنت عارف إنها بعافية حبتين..."
سألها سلامة وهو يرفع وجهها إلى مجال عينيه ناظرًا إلى احمرار وجهها الملحوظ وأنفاسها العالية...
"ليه مطلعتيش بالأسانسير... ووشك محمر كده ليه كأنك طول النهار في الشمس؟"
ظهر الارتباك جليًا في عينيها، وهي تزدرد ريقها قائلة بتوتر وهي تتملص من بين ذراعيه
"شمس إيه بس؟!.... ده أنا من بيت لبيت... منين هتيجي الشمس؟"
ثم فتحت الثلاجة وأخذت زجاجة المياه شربت منها قليلًا لتروي جوفها ثم قالت بتذكر وهي تغلق الغطاء...
"يمكن وأنا باخد غسيل خالتي...أصلي كنت قاعدة على السطح والشمس ضاربة في عيني..."
وتابعت بحرج...
"والأسانسير... إنت عارف إحنا ممنوع نستعمله عشان مش بندفع مع سكان العمارة في صيانته..."
سحب سلامة نفسًا ثقيلًا متذكرًا تلك النقطة التي لم يهتم بها يومًا فقال بخشونة...
"من بُكرة هكلم البواب وهدفع معاهم زيي زيهم وتطلعي بالأسانسير لحد الدور الأخير... والكام سلمة دول مش هيتعبوكي..."
ابتسمت عزة بسعادة وهي تقول بتمنّي...
"ياريت يا سي سلامة أنا حيلي اتهدّ من طلوع السلالم أكتر ما هو مهدود طول اليوم..."
تجهم سلامة عاقدًا حاجبيه بعد جملتها المريبة...
"وليه مهدود طول اليوم؟... إنتي بتتعبي أوي كده في خدمة خالتك؟....مع إنها قاعدة في أوضة زينا مش في شقة.. "
شحب وجهها تدريجيًا وعضّت على لسانها غاضبة من نفسها ثم صحّحت قولها...
"أهو بتعب شوية مش أوي... وبعدين أنا مهما عملت مش هوفي حقها وتعبها عليا السنين اللي فاتت ما إنت عارف... هي اللي ربتني
بعد موت أهلي...."
هزّ سلامة رأسه متفهمًا...
"عارف يا عزة وأنا مش ممانع... بس عايز
لما أرجع ألاقيكي في البيت مستنياني."
لانت نظرتها إليه بعاطفةٍ نابعة من قلبها وهي تقول بلهفة...
"من عنيا... إنت تؤمر دقايق والأكل يكون جاهز...."
أمسك سلامة بذراعها يمنعها من الابتعاد قائلًا وهو يشير إلى كيسٍ وضعه على الفراش فور عودته من العمل...
"قبل الأكل... تعالي شوفي أنا جبتلك إيه."
تهللت أساريرها وهي تكشف عن محتوى الكيس لتجد ثوب سهرةٍ أنيقًا مع متعلقاته
من حذاءٍ وحجابٍ وإكسسواراتٍ رقيقة
حتى العطر لم ينسه وابتاعه معها...
"إيه ده؟!....كل ده يا سي سلامة كله
ده عشاني؟!"
أومأ سلامة مبتسمًا وهو يتأمل فرحتها...
"أكيد عشانك في حد هنا غيرك؟.... أول ما شوفت الفستان قولت مش هيليق غير على وزة."
ضمّت عزة الثوب إلى صدرها بسعادة وهي تنظر إلى سلامة قائلة...
"إن شاء الله يجبر بخاطرك... ده حلو أوي وشكله غالي أوي هو والحاجات اللي جايبها معاه... ضيعت كده فلوسك عليا؟!"
ضحك سلامة وقال مداعبًا وهو يقرصها من خدّها...
"مفيش حاجة ضاعت الغالي يرخصلك... ده عشان تحضري بيه فرح أيوب."
أسدلت عزة جفنيها بتردد...
"مصمم برضو تاخدني معاك؟"
قطّب سلامة جبينه متعجبًا وهو يقول باستفهام...
"وليه متجيش معايا؟.... مش إنتي مراتي؟!"
عضّت على شفتيها بحرجٍ وهي تقول بعدم ارتياح...
"مش القصد والله بس إنت بتقول فرح أبّه فيه بشاوات وهوانم... هاجي أنا أعمل إيه جنبهم؟"
استنكر سلامة حديثها قائلًا بجدية...
"إنتي مالك ومالهم... كفاية انا معاكي وبعدين إحنا بنجامل أيوب صاحبي."
ولم يجد منها سوى الصمت فقال بملاطفةٍ يبثّ الطمأنينة في قلبها...
"فِكي كده يا عزة ومتخافيش من حاجة طول ما أنا جنبك....."
قالت برضا وخنوع...
"ربنا يخليك ليا..."
دفعها سلامة بخفةٍ وهو يقول بمداعبة...
"طب يلا بقى روحي قيسي الفستان...
خليني أشوفه عليكي...."
تحركت عزة أمامه بصعوبة بضع خطوات ثم توقفت متأوهة بخفوت....
انتبه لها سلامة فاقترب يسألها بقلق...
"مال رجلك؟.... شكلك مش قادرة تدوسي عليها....."
لم ترد وقد تعالى نبض قلبها بارتياب وهو يهمّ بفحص كاحلها قائلًا بقلق...
"دُستي على حاجة؟.... هي متعورة؟"
هزّت رأسها نفيًا قائلة بتوتر...
"لأ يمكن من الوقفة... شويّة وهتفك."
حدق فيها سلامة للحظات يشعر بأنها تُخفي عنه شيئًا منذ أيام حتى عيناها تتهربان من عينيه وكأنه سيقرأ الحقيقة فيهما.
"إنتي مخبّية عني حاجة يا عزة؟!"
زاد توترها وشعرت بالاختناق من حصاره لها بالأسئلة المتلاحقة والنظرات الثاقبة...
"هخبّي عنك إيه؟ هو أنا عندي حاجة تستخبى على إيدك؟....كل حاجة قدامك..."
عاد يسألها بشكٍّ أكبر...
"متأكدة؟"
اغتصبت ابتسامةً وهي تقول بمزاحٍ مصطنع
"جرالك إيه يا سي سلامة؟.....مالك كده؟"
ردّ سلامة متجهمًا وهو يوليها ظهره...
"ما ليش... أنا هدخل الحمام أغير هدومي وأطلع.... "
قالت من خلفه بنبرةٍ ناعمة مطيعة...
"هطلع غيارك بإيدي... وعلى ما تخرج هتلاقي الأكل جاهز بره عند الكنبة.... "
سحب سلامة الستارة مغلقًا الحمّام عليه بينما تحركت عزة جالسةً بتعبٍ على حافة الفراش تتنفس الصعداء وهي تضع يدها على صدرها العاصف بالخوف وعينيها تنظران إلى السقف بقلقٍ مناجية ربها بعذاب...
"يا رب... عديها على خير... إنت عارف إنه غصب عني..."
................................................................
يقف أمام المرآة يتأمل نفسه بعد أن انتهى من ارتداء حُلّة العُرس التي لاقت به بشدة وكأنها صُنعت خصيصًا له تُبرز طول قامته وتظهر صلابة جسده العضلي المتناسق...
تأمل أيوب هيئته في المرآة شعره الغزير المصفف بعناية ولحيته المشذبة بدقة ثم مد يده يضع اللمسة الأخيرة رشة من عطرٍ قويٍّ جذّابٍ لتكتمل صورة العريس الأكثر أناقة وجاذبية وشبابًا....
"بسم الله ما شاء الله..ربنا يحرسك من العين يا حبيبي..."
نطقت والدته بتلك العبارة وهي تدلف إلى الغرفة تحمل المبخرة وخلفها التوأمان وقد تألقتا بأجمل أثواب السهرة الفاخرة لحضور عرس أخيهما الوحيد والتي كانت بالمناسبة من تصميم أيوب نفسه إذ صمّم كل فستانٍ على ذوق صاحبته....
كانت ندى ترتدي ثوب سهرة بلونٍ ترابيٍّ دافئ يميل إلى البني صُمّم من قماشٍ شفافٍ خفيف الطبقات يمنحه انسيابيةً رقيقةً مع الخطى بينما يحتضن الخصرَ حزامٌ رفيعٌ يبرز تناسق قوامها برقيّ.... اكتملت الإطلالة بحجابٍ ناعمٍ بلونٍ متناغمٍ مع الثوب لُفّ بأسلوبٍ عصريٍّ أنيق....
أما نهاد التي وقفت بجوار أختها تتأمل أخاها في حُلّته الفخمة والفرحة تلمع في عينيه
فقد ارتدت ثوب سهرةٍ أسود فخم من قماشٍ فاخرٍ يلتصق بالجسد برقةٍ دون ابتذال تزينه تطريزاتٌ دقيقة من الخرز الأسود اللامع تغطي الجزء العلوي بالكامل مانحةً إياه لمسةً من البهاء الملوكي....
أما عند الخصر فكان يمتد شقٌّ جانبيٌّ تنسدل منه طيّاتٌ حريريةٌ واسعة واكتملت الإطلالة بحجابٍ أسود بسيط لُف بطريقةٍ عصريةٍ زادت من فخامة المظهر الهادئ.....
تزّينت التوأمان بشكلٍ جميلٍ زاد من إشراقة وجهيهما وبهائهما فانطلقت الزغاريد العالية من والدتهما بينما تبادلتا نظراتٍ ضاحكةً يملؤها الفرح....
ضم أيوب أمه إلى صدره فقد قرر أن يرتدي حُلّته هنا في البيت قبل التوجه إلى الفندق الفخم الذي ستقام فيه القاعة تلك التي كانت هدية كمال الموجي لابنته بعد إلحاحٍ عظيمٍ منه على أيوب بأن يتكفل بالفرح ويحجز لهما جناحًا خاصًا في الفندق هديةً منه لابنته....
وافق أيوب على مضض حتى لا يُحزنه فيكفي أنه رضي بسكن ابنته في شقةٍ بسيطةٍ بعد أن كانت تسكن في فيلا فخمة تضج بالثراء والرفاهية الغير محدودة....
قبلت صفية كتف ابنها وهي تجفف دموعها بمنديلٍ في يدها قائلةً...
"مبروك يا حبيبي... ألف ألف مبروك... عشت وشوفتك عريس يا أيوب..."
ضحك أيوب وهو يمسح دموعها قائلاً بمزاحٍ محبّ...
"وبُكرة تشيلي ولادي كمان يا صفصف... ليه الدموع دي جرالك إيه بتفولي عليا ولا إيه؟"
ربّتت صفية على صدره بمحبة وهي تتأمل وجهه الذي يعكس عمرها وشبابها الذي مضى متجسدًا في شباب ابنها البكر ثم قالت
بحنانٍ عميق...
"بعد الشر عليك... ربنا يسعدك ويفرح قلبك... العمر الطويل ليك يا حبيبي."
ضمها أيوب إلى صدره وقال مداعبًا اياها وهو يُقبّل رأسها بامتنانٍ على عمرها الذي كرسته له ولإخوته...
"وانتي معايا يا صفصف... مش هسيبك دا أنا ناوي أجبلك أيوب صغير تلعبي بيه... "
ازداد وهج الفرح في عينيها وهي تقول بحرارةٍ صادقة...
"يا رب... إمتى بقى أشيل عيالك؟"
ضحك أيوب من قلبه مجيبًا بتعجبٍ مرح...
"مستعجلة على إيه يا صفصف دا الفرح النهارده... "
جذبته والدته من ذراعه قليلًا وهي تنظر إلى التوأمين في الخلف قائلةً همسًا....
"اسمع بنت الأكابر دي لازم تِدبح لها القطة من أول يوم آه... عشان تعرف اللي فيها.... "
عقد أيوب حاجبيه ناظرًا إليها بصدمة..
"استهدي بالله يا صفصف... بدأنا شغل الحموات..."
هتفت نهاد من خلفها باستياء...
"انتي عندك بنات يا ماما... اتقي الله..."
صاحت صفية متبرّمة...
"اتقي الله... ما أبوكم عمل كده من أول
يوم جواز.."
سألها أيوب بترقب...
"عمل إيه يا صفصف؟!"
أجابته بقنوط..
"حكم عليا أطبخ له يوم الصباحية.. "
ظهرت السخرية في عيني أيوب وعلق
مازحًا...
"هو كان طالع من مجاعة ولا إيه؟!"
لكزته أمه في كتفه قائلةً بصلابة...
"عيب يا واد... الله يرحمه...ما هو الراجل لازم يبان حمش كده وأمره مطاع... "
أومأ أيوب برأسه غير مقتنع وهو يقول...
"الله يرحمه... بس طبيخ إيه اللي عايزاني أخليها تعمله يوم الصباحية دي أغلى حاجة عندها ضُفرها..."
ضحكت الفتاتان بينما مصمصت والدته شفتيها بعدم رضا قائلةً بشفقة...
"عيني عليك يا ابني... يبقى هتجوعك لا
انت تيجي تتغدى عندي كل يوم آه..."
استنكر أيوب قولها قائلًا...
"هو أنا لحقت أغيب عنك يوم عشان
تطلبيني كل يوم؟!"
ارتفع حاجبا صفية بغيظ وغيرة أم وقالت بعتاب...
"شوف الواد عايز يقطع بينا... احنا لينا فيك زيها تمام.... وعرفها كده آه..."
اقتربت ندى منهما تُشرِب رأسها بينهما قائلةً بشقاوة...
"آه يابوب في دي ماما عندها حق...انت تقعد معاها يومين وتيجي تقضي الخمسة أيام عندنا وكده تبقى قسمة العدل..."
أومأ أيوب برأسه موافقًا وهو يقول بخشونة..
"مفيش مشكلة...هجيبها معايا الخمس أيام دول... فضوا أوضتي وإياكم حد يستولى عليها... "
كتمت الفتاتان ضحكتهما بأيديهما وهما تنظران إلى بعضهما فضيق أيوب عينيه سائلًا بشك..
"بتضحكوا على إيه بقا ؟!"
انطلق لسان ندى بالوشاية فهي تعشقها...
"أصل أمك كلمت النجار من يومين ييجي يشيل السرير بتاعك... "
نظر أيوب بصدمة إلى والدته وبشكلٍ مسرحيٍّ وضع يده على صدره قائلًا بوجع....
"آه قلبي مكنتش أتوقع إن الخيانة تيجي
منك انتي يا صفصف...."
زمت والدته شفتيها قائلةً بضجر...
"خيانة إيه يا واد... ده أنا عايزاه يبدله بواحد أكبر عشان لما تيجي تبات انت والمحروسة بعد كده... "
تغيرت تعابير وجه أيوب واتسعت ابتسامته وهو يقول بوقاحةٍ مبطّنة...
"حبيبتي يا صفصف... ياريت بس يجيبه محمَّل وماسك نفسه..."
ضربته أمه في صدره وهي تنظر إليه شزرًا بينما تحركت نهاد تبارك له قائلةً بسعادة...
"ألف مبروك يا أيوب... ربنا يتمم على خير.. "
رد عليها أيوب وهو يتبادل معها العناق بحفاوة...
"الله يبارك فيكي يا دكتورة عقبالك بس الشهادة الأول... ومبروك النجاح هديتك
مش ناسيها... بس بعد الفرح إن شاء الله."
خرجت من بين ذراعيه قائلةً بمرح...
"الله يبارك فيك... خُد وقتك أنا مش مستعجلة... "
اقتربت ندى منه وصافحته مصافحةً خشنة وهي تقول بطرافة..
"مبروك يا بوب...عقبال ما نشيل عيالك... "
تبادل معها أيوب المصافحة قائلًا بمزاح...
"الله يبارك فيكي يا صاحبي... عقبالك مع
إني أشكّ حد يحب الشبحنة دي.. "
رفعت ندى وجهها للأعلى قائلةً بكبرياءٍ
انثوي عظيم...
"العرسان كتير والله... بس النفس... "
أثناء حديثهما علقت صفية على ثوب نهاد باستهجان الأم....
"انتي هتروحي فرح أخوكي كده يا نهاد بالأسود؟!"
أكدت نهاد مبتسمة وهي تدور حول نفسها بإعجاب...
"أه يا ماما مالُه؟!..... ده تصميم أيوب..."
نظرت الأم بقوة إلى ابنها الذي ارتد للخلف رافعًا يديه للأعلى يُخلي مسؤوليته قائلًا...
"متبصليش.... هي اللي اختارت اللون... "
عادت إلى ابنتها لائمةً عليها...
"ليه بس كده يا بنتي؟!... ده حتى الأسود
فاله وحش..."
انكمشت ملامح نهاد بالحزن من تعليق أمها المحبط...
"فال وحش إزاي بس يا ماما... ما هو بيلمع وحلو أهو... "
قالت صفية...
"بس وحش أوي... "
هتف أيوب معترضًا...
"عيب عليكي يا صفصف...أنا أعمل حاجة وحشة؟!"
هتفت الأم مفكرة وهي تنظر إلى الثوب بملامح عابسة...
"أنا قصدي على اللون يعني... لو كان بمبي فاتح... ولا أحمر فاقع... ولا أصفر عصافيري.. "
هتف ثلاثتهم في نفس اللحظة بصدمة
"أصفر عصافيري؟!"
ثم ضحكوا معًا بينما قالت نهاد مكفهرة..
"ماما الألوان دي معدتش موجودة أصلًا
فبالله عليكي سبيني ألبس اللي يعجبني.."
سمع أيوب صوت أبواق السيارات من الأسفل فقال لهما بتعجل..
"يلا بقى عشان إحنا اتأخرنا... الكلاكسات اشتغلت تحت..."
تحرك الجميع أمامه وسار هو خلفهم مجريًا اتصالًا بسلامة وحين فُتح الخط هتف
واجمًا...
"انت فين يا سلامة؟... هتحصلني على هناك استناني طب عند الباب.... آه نازل أنا وأمي وأخواتي...."
سألته والدته باهتمام...
"هو سلامة جاي؟"
أومأ أيوب برأسه مؤكدًا وأثناء خروجهما
من الشقة دار بينهما الحديث وقد وصل
إلى مسامع نهاد وندى....
قالت والدته بتعاطف...
"خليه يجيب مراته معاه أهي تهيص مع البنات وتغير جو...."
أجابها أيوب...
"قولتله والله....ومأكد عليه..."
قالت صفية بتنهيدة...
"ربنا يسعدهم يا ابني ويصلح حالهم."
تحدث أيوب معها باستفاضة...
"يا رب... بس اطمني يا أمه أنا حاسس إن سلامة بقى أحسن من الأول كل يوم بيثبت نفسه في الشغل معايا...وإنه راجل يعتمد عليه...."
ابتهجت صفية بعد حديث أيوب فقالت بشفقة....
"خليك معاه يا أيوب وحاول تساعده... يمكن يا ابني ربنا يكرمه ويجيب لنفسه حتة شقة محندقة بدل أوضة السطوح اللي قاعد فيها هو والبنية دي.... "
ابتسم أيوب باستحسان وهو يخبرها...
"هو بيعمل كده يا أمه من غير ما أقول دخل معايا في كذا حاجة وبيأخد نسبتها وبيشيلها على جنب عشان يجيب شقة.... "
تهللت أسارير والدته بفرحةٍ صادقة وهي
تقول...
"بسم الله ما شاء الله... ربنا يقرب له البعيد
ده شكله اتغير فعلاً..."
هتف أيوب بودٍّ...
"مش بقولك؟!...ربنا يصلح حاله... عزة
بنت غلبانة وتستاهل كل خير...."
نظرت نهاد إلى أختها وشقّ شفتيها ابتسامةٌ باهتة...
"جت اللي غيرته يا ندى... عملت اللي أنا معرفتش اعمله..... "
ارتسم الضيق والحنق في عيني ندى وهي تقول بوجوم...
"حرام عليكي يا نهاد هترجعي تفكري فيه تاني؟!... اللي سمعتيه ده يقسي قلبك أكتر
من ناحيته ويبقى حافز ليكي..."
التوت بسمة نهاد بوجعٍ دفين...
"لا اطمني... أنا قلبي من كتر الوجع مات مبقاش في حاجة قدامي غير مستقبلي وحلمي."
حفزتها ندى وهي تقول بصلابة...
"دي خطوة كويسة... أما بالنسبة لقلبك الميت فأكيد هييجي الراجل اللي بجد اللي يصحيه من سباته.... اطمني... مفيش مستحيل."
لم تعقب نهاد على الحديث فلا أحد يعلم وجيعتها فالكلمات عجزت عن التعبير عن كسرتها....
................................................................جالت عيناها في القاعة الفخمة بحرجٍ وترقب تنظر إلى المجتمع المخملي على الطبيعة...
لطالما رأت نُسَخًا منهم عبر التلفاز في برامج أو مسلسلات تُعرض فيها مظاهر الثراء والترف بصورة واضحة...
لكن في الحقيقة رؤيتهم على أرض الواقع تضفي طابعًا مختلفًا ينعكس على روحها.
عُطورهم القوية الباهظة تُفقدها حاسة الشم وملابسهم ومجوهراتهم الفاخرة تُشعرها بالانبهار للوهلة الأولى ثم بالسخط فجأة
من الحياة وحقيقتها المزيفة...
عادت عزة ترفع عينيها إلى زوجها الذي تباطأت ذراعه منذ أن دخلا القاعة لم
يتركها وحدها كما وعدها...
نظر إليها سلامة ويبدو أنه أيضًا شعر بنفس إحساسها المتناقض أو ربما تذكّر شيئًا عكّر صفو نظراته إليها...
قال مبتسمًا...
"إيه رأيك في القاعة؟..... حلو الفرح؟"
أومأت برأسها متبرمة بعض الشيء...
"حلو... بس فين العريس والعروسة؟...
هينزلوا إمتى؟"
أجابها سلامة وهو يقترب من طاولة معيّنة..
"العروسة نازلة دلوقتي عشان يكتبوا الكتاب وبعد كده تبدأ السهرة..."
سألته عزة..
"هتِشهد على كتب الكتاب؟"
ابتسم سلامة مؤكدًا بجذل...
"أمال مين غيري هيعملها... زي ما أيوب
عمل معايا..."
قالت عزة برقة...
"ربنا يخليكم لبعض..."
وحين وصل سلامة إليهما تعالى نبض قلبه رغمًا عنه وهو يتأمل الدكتورة بثوبها الأسود اللامع وهيئتها الناعمة...
كانت جالسة على المقعد بجوار أمها وأختها الشبيهة لها...تعبث في هاتفها لتأخذ عدة صور قريبة لها...
ابتسم سلامة بحنين ولانت نظراته نحوها بينما ساقاه تخطوان نحوهما بتردد...
وعندما وصل إليهما انتبه الجميع إلى وجوده لكن نهاد كعادتها تحاشت النظر إليه متجاهلةً وجوده تمامًا...
تحدث سلامة بكياسة مهنّئًا والدتها...
"إزيك يا خالتي أم أيوب... ألف مبروك لأيوب عقبال ما تفرحي بيهم..."
وأشار بعينيه إلى التوأم فظهر الضيق على ندى بينما نهاد تحدق في الهاتف دون اكتراث.
ردّت والدتهن بحفاوة...
"تعيش يا سلامة... عقبال ما تفرح بعوضك..."
هنّأتها عزة كذلك...
"مبروك يا خالتي..."
ضمّتها صفية بحنان وهي تردّ عليها ببسمة واسعة...
"الله يبارك فيكي يا حبيبتي.. عقبال عوضك..."
ثم قالت لسلامة بود...
"روح يا سلامة... خليك جنب أيوب..."
صمت سلامة ناظرًا إلى عزة باهتمام وحينها رفعت نهاد عينيها عليهما في لمحة خاطفة تتأمل أحلامها الهاربة إلى أخرى !
قالت صفية مبتسمة...
"ما تخافش على مراتك هي معانا..."
ابتسمت عزة بحرج وهي تقول لزوجها همسًا..
"روح إنت يا سي سلامة... أنا هقعد جنب خالتي أم أيوب وبناتها..."
تحرّك سلامة مبتعدًا تاركًا عزة معهن وقلبه يخشى أن يقع تصادم بينهن في الحديث عنه...
قالت عزة بتودد وهي تجلس بالقرب من نهاد
"عقبالكم يا بنات..."
زفرت نهاد بغضب وضيق وهي تنهض من مكانها قائلة...
"هروح أشوف حاجة أشربها..."
نظرت عزة بتوجس نحو نهاد ثم إلى ندى شبيهتها وفي الحقيقة لم تكن تعرف كيف تفرّق بينهما حتى أسماؤهما نسيتها...
ابتسمت ندى في وجهها لتلطف الجو...
"أهلًا وسهلًا... نورتينا يا عزة..."
قالت عزة بملاطفة ودودة...
"منور بوجودكم...عقبالك يا ست الدكتورة..."
اكتفت ندى بإيماءة صغيرة وهي تنظر إلى الجهة الأخرى...
...............................................................
رافق خطواتها المتأنية صوتُ الموسيقى الناعمة وهي تنزل السُّلم الممتد ولحنٌ يمهّد لطلّتها الرائعة....
طلّت العروس من الأعلى بثوبها الأبيض المقتبس من ضوء القمر بتصميمٍ خاطفٍ وجذابٍ جعلها تبدو كأميرةٍ فائقة الجمال والرقي كأنها خرجت لتوها من حكايةٍ
خيالية....
كانت طرحتها البيضاء الشفافة تنساب برقيّ حتى الأرض خلفها وشعرها المصفف بعناية في تسريحةٍ ملائمةٍ لها تكتمل معها زينتها البديعة التي خطفت الأنظار كما فعل كل
ما يتعلق بها....
اضطرب نبضُ قلبها وارتفع حين رأت أيوب يقف عند آخر درجةٍ من السُّلم ينتظرها هو ووالدها القعيد....
ازدردت ريقها وتقدمت بخطواتٍ متوترة
تستند إلى إحدى صديقاتها من الخلف
بينما يرافق الموسيقى خطاها فيضفي على مشاعرها مزيجًا من التوتر والحماس في آنٍ واحد....
فهي حتى الآن لا تصدّق أنهما تخطيا كلّ العقبات وعادا إلى بعضهما وأن هذا اليوم هو يوم زفافهما...و بعد دقائقٍ قليلة سيصبح زوجها أمام الله والجميع....
شعرت كأنها تعثّرت بدرجةٍ وهمية أثناء نزولها وكادت أن تسقط لكن ذراعيه تلقفتها كعادته قبل أن تسقط....
رفعت عينيها الكحيلتين إليه فوجدته يبتسم يعانق يدها برفقٍ ويكمل معها ما تبقى من درجات السُّلَّم القليلة وسط زغاريد والدته وبعض جيران الحي....
وحين وصلت نغم إلى والدها مالت عليه تقبل رأسه ويده فقبلها هو الآخر محاولًا كبح دموعه والفرح يلمع في عينيه مباركًا لها ومتمنيًا لها حياةً زوجيةً سعيدة....
جلسا إلى الطاولة وبدأت مراسم عقد القِران وسط تجمع العائلة والأحباب على فرحةٍ واحدةٍ زواج أيوب من نغم....
كان أيوب يردد كلمات المأذون وهو يضع يده في يد والدها بينما كانت يده الحرة تقبض على كفها خشيةَ أن تتبخر ابنةُ الذوات فجأة ويستيقظ من هذا الحلم الجميل....
أما نغم فكانت تتكئ على يده بنعومةٍ كلما مر الوقت عليهما واقتربت المراسم من نهايتها.
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما
في خير....."
الكلمات الفاصلة بين حياتها السابقة وتلك
التي ستبدأها معه...
نهض أيوب ممسكًا بيديها مساعدها على الوقوف معه ثم في اللحظة التالية جذبها
إليه بقوة ضامًّا إياها إلى صدره دافنًا وجهه في عنقها مستنشق عبيرها هامسًا بالقرب
من اذنها بصوت أجش...
"مـبـروك يـاكـل الـحـب....."
تبادلت نغم معه العناق والدموع تغزو عينيها رغمًا عنها ومشاعرها بأكملها في حالة
اضطراب عاطفي هائج متأثرة متحمسة وسعيدة في آن واحد....
تلك اللحظة مزيجًا عجيبًا من المشاعر المختلطه والتي تختبرها لأولى مرة بعد
أن كُتِب كتابها وأصبحت أمام الله والجميع زوجة أيوب عبدالعظيم.....
أبعدها عنه بصعوبة وعيناه لا تزالان معلقتين بعينيها ثم انحنى يقبل رأسها ووجنتيها من الجانبين فازداد وجهها توردًا وخجلًا أمام الجميع....
بدأت بعد ذلك التهاني تتوالى من عائلته وجيرانه ومن معارفها هي أيضًا حتى غدت القاعة تعج بالفرح والابتسامات.....
ومع مرور الوقت تحول الجو الراقي وموسيقى القاعة الهادئة إلى احتفال
شعبي صاخب...
حيث انطلق أصدقاء أيوب والجيران يرقصون على طريقتهم الخاصة يغنون ويهتفون بمرحٍ تلقائي....
نظرت نغم إلى المشهد بعدم رضا وحين وقعت عيناها على أيوب يرقص بينهم ويصيح مع أنغام الأغاني الغريبة ازدادت امتعاضًا.....
التفتت نحو والدها فوجدته يضحك غير مكترث يلوح لها أن تبتسم لان عبوس وجهها بدأ يلفت أنظار الحاضرين.....
حتى بدأ الحفل الانقسام من الحضور عبست مثلها استياءً من المظهر وأخرى انجرفت في هذا الجنون العفوي تشاركهم الغناء والرقص بفرحٍ عارم....
اقترب منها أيوب بعدما لاحظ ارتفاع أنفها في كبرياء وانعواج شفتيها في امتعاضٍ واضح فعلم أن ما يحدث لا يروق لها....
"فكيها يا حلاوة...مش كده....الناس كلت وشنا.... "
زفرت نغم بضيق قائلة...
"إيه اللي بتعمله ده يا أيوب؟!"
أجابها مبتسمًا وهو يلتفت إلى الوراء حيث يرقص أصدقاؤه والجيران بمرحٍ.....
"بفرح يا نغم... أول مرة تشوفي حد بيفرح
مع أهله وصحابه في ليلة زي دي... "
تمتمت باستنكارٍ خافت...
"بس الفرح مش كده.... وبعدين إيه الأغاني دي.. "
عقد أيوب حاجبيه وسألها وقد بدأ الجد يرتسم على ملامحه...
"مالها الأغاني.... انتي عارفة إنها ليلة في العمر..... صح؟"
أومأت برأسها بتردد محاولة أن تخفف من حدتها حتى لا تُفسد عليه فرحته لكنه استأنف بفضولٍ حانق بعض الشيء....
"طب ومكشرة ليه.... أفهم؟"
تبادلت معه النظرات بصمت وقد شعرت بالعجز في إيجاد ردٍّ منطقي....
أدركت أنها تبالغ وأنها تفتعل مشكلة بلا سبب
حتى تُفسد عليه فرحته....فرحة تريد ان تكون جزءًا منها بدلا من جلوسها هكذا تشاهد من بعيد....
"محروجة من أهلي وصحابي... تحبي
أخليهم يقعدوا؟...."
أسرعت نغم بالرفض وقالت باستحياء....
"لا والله مش قصدي... بس يمكن شكلي غيرانة عشان مش عارفة أفرح زيهم... أفرح ببساطة من غير ما أخاف على شكلي قدام الناس والكاميرات..."
أثلج اعترافها صدر أيوب فابتسم بعطفٍ
متفهمًا ومد يده إليها برقة وهو يقول...
"طب تـعـالـي..."
وضعت يدها في يده بطواعيةٍ ثم سألته بصوتٍ منخفض....
"عـلـى فـيـن؟"
ابتسم أيوب وهو يسحبها برفق نحو ساحة الرقص المزدحمة بالصخب والموسيقى قائلًا بحماسٍ صادق...
"هـنفـرح... ومـن قـلـبـنـا كـمـان."
وبينما كانت أنغام الأغنية تتعالى في الأرجاء جذبها إلى وسط الساحة فالتفّت الأضواء حولهما ولمعة أعينهما بالسعادة والاحتفال
يبدأ بينهما وسط كلمات الأغنية المفضلة
عند أيوب....
(الواد دا حلو سابق سنه....مقدرش انا أبعد عنه الواد دا حلو......الواد دا حلو....)
بدأت نغم تتمايل بين يديه على إيقاع الأغنية وسط تصفيقٍ حارٍ من الجميع الذين أحاطوهما في دائرةٍ واسعة تتلألأ فيها الأضواء وتتعالى الصيحات....
وكان أيوب يداعبها بكلمات الأغنية بصوتٍ مفعمٍ بالفرح وعينين متوهجتين بالعشق
يرقص معها بخفةٍ وحنان يدوران كعصفورين في تناغم من البهجة.....
(جماله زايد عن حده والورد نايم على خده والكل يشهد على انه الواد دا حلو.... الواد
دا حلو سابق سنه..مقدرش انا ابعد عنه...)
ضحكت نغم من قلبها والبهجة تملأ صدرها لتغمرها بالدفء والحب تشعر وكأنها تحلق معه فوق بساطٍ سحري لا تشعر بشيء سوى حبيبها نظرت عينيه صوت غنائه ومسكت يده....
التقت نظراتهما الامعة بالفرح في صمتٍ يفيض عشقًا خالصًا....
(عنيه بتشغل وتحير مع ان على الحب صغير....لكن حسنه مفيش منه... الواد دا
حلو سابق سنه مقدرش انا أبعد عنه.....)
في نهاية الأغنية جذبها أيوب من خصرها ودار بها مراتٍ عدة بينما تعلقت هي بعنقه ضاحكةً مدهوشة وسط صياحٍ تشجيعيٍّ صاخب من الشباب.......
دلف إلى الجناح وهو يحملها بين ذراعيه بينما هي تتعلق في عنقه ناظرةً إلى عينيه بحب..
"ها يا آنسة..هتنزلي هنا ولا المحطة الجاية؟"
ضحكت نغم وهي تؤرجح ساقيها بدلال...
"المحطة الجاية..."
نظر لها أيوب غامزًا بمداعبة....
"ده انتي حبيتي الوضع بقا..."
أومأت برأسها وهي تدفن وجهها في عنقه بدلال...
"أوي أوي... خليك شايلني كده على طول..."
طبع قبلة على وجنتها وهو يشاكسها قائلاً
بغلاظة...
"بس انتي تقيلة... وأنا ضهري وجعني..."
رفعت عينيها المصدومتين إليه وهتفت بصيحة استنكار....
"أحلف..... أنا ٥٣ بس.... "
ضاقت عيناه بلؤم ممازحًا إياها بجدية مصطنعة...
"بس أنا حاسس إنهم ٧٣... يكونش العضم بيوزن؟... "
زمت فمها ممتعضة...
"٥٣ بالعضم يا أيوب... "
تأفف أيوب متهكمًا وهو يقول بجدية أزعجتها
واهانة انوثتها....
"انه ميزان قال الكلام ده....معروف إن اللحم ميزان لوحده... والعضم لوحده..."
زجرته نغم بنظرة نارية....
"إيه ده؟!..... انت بتشفي دبّيحة... نزلني لو سمحت..... "
رفض أيوب وهو يسير بها في أرجاء غرفة نومهما الشاسعة والتي كانت مجهّزة بشكل شاعري يليق بتلك الليلة المميزة....
حتى الفراش كان مُزيّنًا ببتلات الورود الحمراء والشموع المعطرة على الرفوف الخشبية...
قال مبتسمًا...
"بس أنا عاجبني الوضع..."
مطّت شفتيها وبنظرة لائمة قالت...
"ما كان ضهرك وجعك من شوية؟"
لم يعلق أيوب على جملتها بل شملها بنظرة تضج بالإعجاب وهو يذكرها بما حدث في الأسفل...
"بس إيه الحلاوة دي...طلعتي بتعرفي ترقصي وتهيّصي وتفرحي زينا أهو أمال عاملالنا فيها ليه بنت ذوات ... "
رفعت رأسها للأعلى بغرورٍ أنثوي لاق بها بشدة فومضت عيناه نحوها أكثر وهو يسمعها تقول
"وهفضل طول عمري بنت ذوات... "
ناكفها قائلاً...
"يعني مش بنت بلد؟"
قالت مبتسمة...
"الاثنين... "
مال أيوب عليها مداعبًا أنفها بأنفه مبعثرًا أنفاسه الساخنة على صفحة وجهها وهو يعترف بتوله....
"بس أنا بحب بنت الذوات أكتر..."
سألته باستغراب...
"بجد؟"
ابتسم مؤكّدًا بصوت أجش..
"بتسألي كمان؟!... إحنا النهارده فرحنا عايزة دليل أكبر من كده... "
أنزلها أيوب أرضًا برفق قائلاً بمزاح...
"هديتي حيلي وإحنا لسه بنقول يا هادي..."
اضطربت نغم وتعالى نبض قلبها بتوتر بعد نظرات عينيه الناهمة إليها....
داعبها أيوب بالكلمات وهو ينزع عن رأسها الطرحة البيضاء بخفة....
"أنا شكل أمي دعيالي في ساعة مستجابة..."
ضحكت نغم برقة تشعّ بهجة فعقّب أيوب وعيناه تبحران في ملامحها المليحة...
"يخربيت ضحكتك... بعشقك يا كل الحب..."
وضع يده على خصرها وقربها منه قائلاً بخفوت...
"شكلك حلو أوي النهارده..."
ازدردت ريقها بتوتر وهي تكرر المجاملة كالببغاء...
"انت كمان شكلك حلو بـ... بالبدلة..."
قرب أيوب وجهه أكثر منها قائلاً بوقاحة ممازحًا..
"ماهو الحلو ميخدش غير الحلو...ولا اي
ياحلوو...."
همست وهي تبعد شفتيها عن مرمى حصاره..
"أييييوب..."
عاد يحاول معها قائلاً بعبث..
"ما تيجي نعمل بروڤا تاني....واشيلك ونشوف
الـ٥٣ دول اي حكايتهم...."
رفضت وهي تقترح بصوت متهدج من شدّة اضطرابها...
"لا ما تيجي نتفرج على المكان... شكله حلو أوي والفيو يجنن من هنا..."
رفض أيوب وهو يعبث في أزرار الفستان من الخلف...
"قبل الفيو... فُكي الخنقة دي حسك كشة كده..."
أبعدت يده عنها وهي تنظر إليه بقوة كي يتراجع....
"مش كشة ولا حاجة....عادي يعني..."
ضحك أيوب وهو يجاريها بمشاكسة...
"بس أنا حاسس إن الفستان مضايقك... تعالي أساعدك تقلعيه..."
شحب وجه نغم وتسارع تنفسها مثل خفقات قلبها الهائجة بين أضلعها وهي تقول برفض...
"مش عايزة أقلعه انا.... أنا هنام كده..."
ضاقت عينا أيوب بتساؤلٍ لئيم...
"تنامي كده إيه إزاي يعني؟....هو انتي خايفة ولا إيه؟!.... "
رفضت الاستسلام والاعتراف بذلك فتسلحت بالشجاعة أمام عينيه لتقول بكبرياء....
"هخاف منك انت...ليه يعني.... انت بُعبُع؟"
أومأ أيوب برأسه موافقًا على حديثها الشجاع وهو يميل عليها مرةً أخرى كي يحملها متجهًا بها إلى الفراش...
"بالظبط... تخافي مني ليه.... وليه تخافي أصلًا..... ده أنا حبيبك أيوب..."
قالت نغم بارتعاد...
"أيوب نزلني... مش هينفع كده..."
وضعها على الفراش برفق ثم انضم إليها وحتى يخفف عنها الحرج أطفأ الأنوار
وبقيت فقط الشموع الساهرة تضيء
الغرفة بشكلٍ شاعري....
سألته نغم بارتجاف....
"أيوب... انت طفيت النور ليه؟"
"عشان بخاف من الضلمة..."
أجابها همسًا وهو يدغدغ عنقها بأسنانه بينما ذراعاه تضمانها أكثر إلى صدره كمن يودّ إخفاءها بين أضلاعه لتبقى قريبة من
القلب للأبد.....
تأوهت نغم ضاحكة بدهشة وهي تدفعه بعيدًا عنها دون جدوى....
"انت بتهزر صح؟......آه يا عضاض..."
اخبرها أيوب بصوت خافت....
"مش قولتلك قبل كده إنك تتكلي أكل..."
نطقت إسمه بصوت ناعم مغرٍ......
"أيييوب...."
دنا صوته الدافئ منها ينثر شوقه عليها بقلبٍ ولهان.....
"حـبـيـب أيـوب وحـيـاتـه كـلـهـا....بـحـبـك
يـا نـغـم....."
أشبع أحرف اسمها وروّاها كما روى قلبها وجسدها بتلك المشاعر التي اختبرتها لأول مرة بين يدي رجل... لا أيّ رجل بل زوجها وحبيبها....
أغمضت نغم عينيها بضعف مستسلمةً لتلك اللحظة الحميمية بينهما والخوف والتوتر بدأا يتلاشيان بين ذراعيه حتى أصبحت تتبادل معه الأشواق بخجلٍ جميل...
...............................................................
تجلس على الفراش تشرع في وضع الزر في القميص ثم تثبته في مكانه بالخيط...
أطلقت زفرة طويلة وعقلها ما زال يدور في زوابع من الأسئلة المتلاحقة هائجة كأمواج البحر لا تعرف نهايتها ولا إلى أي مكان
ستصل....
منذ يومين فقط أجرت اتصالًا بأحد جيران الحي القديم لتسأل عنه...سألت بطريقة غير مباشرة عن طليقها من إحدى النسوة والأخرى أضافت باستفاضة...
(اسكتي يا بنت يا شروق... مش خرج ياختي من كام يوم.... لا وإيه... طالع وشه أعوذ بالله
نازل عليه غضب ربنا... وعينه... عينه بتطق شرار لا لا... دا مش ممدوح اللي نعرفه.. السجن غيره خالص ياختي...بقى واحد تاني)
وقتها تجمدت أطرافها في مكانها وشعرت أن قلبها قد توقف عن النبض لوهلة وهي تتأكد من شكها فالذي رأته يوم خطبة أبرار وياسين كان هو وليس تهيؤات كما كانت تقنع نفسها طيلة الأيام السابقة...
في الحقيقة كانت تتمنى أن تكون مجرد تخيلات من عقلها الباطن آثار الحمل
والإغماء لكن الجارة أكدت خروجه السابق
من السجن أي قبل أن يلتقي بها...
كيف أتته الجرأة بالدخول إلى بيت صالح الشافعي؟.... وكيف خرج وتركها بتلك
السهولة؟
تعرف ممدوح وشيطانه...مستحيل أن يتركها هكذا ببساطة...
ربما ظهور صالح في اللحظة المناسبة أفسد عليه خطته...
وقتها أرادت إنهاء المكالمة لكن الأخرى ثرثرت بفضول فارغ...
(هو انتي فين صحيح يا شروق؟... مش ناوية ترجعي؟!.... ياختي ارجعي عشان خاطر بنتِك... الواحدة برضه ملهاش غير بيت جوزها مهما عمل فيها... وحنش صعب حبتين بس بيحبك وكلنا نشهد بكده و)
أغلقت الاتصال في وجه المرأة لم تتحمّل سماع المزيد من تلك الترهات...
لا أحد يشعر بها... لا أحد يفهم وجيعتها والمحن التي مرت بها وحدها بسبب تلك الزيجة التي دفعت ثمنها غاليًا...
ويبدو أن الفاتورة لم تنتهِ بعد... فحنش أتى لينتقم منها مهددًا سلام قلبها وحياتها...
رفعت عينيها الحزينتين إلى حياتها... حياتها التي تتلخص في الشيخ بيته وعائلته...
رأته يجلس على المقعد بشموخٍ جذاب عيناه مثبتتان على الملف في يديه يراجع أحد الحسابات بتركيز شديد.... طار عقلها به
والخوف يجتاح قلبها...
إنها أصبحت تشكل خطرًا حقيقيًا عليه بعد خروج هذا المجرم...
"آاااي..."
تأوهت شروق بصوت عالٍ بعد أن وخزتها الإبرة أثناء شرودها...
انتبه صالح إليها وفي لحظة كان بجوارها يمسك يدها ويتفحص إصبعها بقلق...
"مالك يا شروق؟.....في إيه؟"
قالت بتألم وهي تمتص إصبعها...
"مفيش حاجة... الإبرة بس شكتني..."
تجهم صالح بتساؤل...
"مش تاخدي بالك..... سرحانة في إيه؟"
زمت شروق شفتيها قائلة بحرج...
"مش سرحانة... حصلت غصب عني..."
نظر إليها صالح بقوة قائلًا بصلابة...
"مش قصدي على كده... انتي فعلًا بقالِك فترة مش مظبوطة... مالِك يا شروق انتي مخبية عني حاجة؟"
ازدردت ريقها وهي تهرب من نظراته الثاقبة
"هخبي إيه بس؟!...انت عارف... الحمل يعني والتعب وكده..."
سألها وهو يضع يده على خدها بحنو..
"طب إيه اللي وجعِك بالضبط؟"
وضعت يدها على بطنها لتقول بصدق وهي تشعر أن الحمل في عمر الثلاثين أكثر تعبًا ومشقة مما سبق...
"معدتي... معدتي وجعاني شوية... دا غير الدوخة اللي بتجيلي..."
مرر صالح إبهامه على خدها الناعم وهو يتمعن النظر إليها بعينين عاشقتين دافئتين...
"إحنا إن شاء الله هنروح بعد المغرب كده نكشف عند الدكتورة... إحنا حاجزين من كام يوم ومعاد كشفِك النهاردة... إن شاء الله نطمن عليكي وعلى الباشا الصغير... وتكتبلك علاج يريحِك..."
ابتسمت شروق وهي تضع يدها على يده تسأله بنظرة شقية...
"الباشا الصغير؟!...شكلك نفسك في ولد..."
أجابها صالح بصوت رخيم وعيناه الخضراوان لا تفارقان وجهها البهي...
"اللي ربنا يكرمنا بيه أنا راضي بيه... بس طبعًا مش هنكر إني نفسي في ولد يشيل اسمي وياخد باله من أخواته البنات..."
قالت شروق بتوق...
"أنا كمان نفسي في ولد... ويكون شبهك يا صالح... عايزاه نسخة منك... أنا بحبك قوي
يا صالح..."
تحشرج صوتها في اخر جملة وانسابت دمعتان من عينيها ومعهما انعقد حاجبا صالح بحيرة وتساؤل....
"ليه الدموع دي.... مالك يا شروق انتي بتقلقيني عليكي كده أكتر..."
بلعت ريقها قائلة بابتسامة باهتة....
"مفيش...شكل هرمونات الحمل مأثرة عليا..."
لم يقتنع صالح بردها وظل يحدق فيها بصمت مما جعلها تتوتر وهي تنهض من مكانها قائلة بتذكر...
"إحنا اتأخرنا قوي عليهم فوق... وخالتي تلاقيها مستنيانا على الغدا..."
أمسك صالح ذراعها قبل أن تبتعد نظرت إليه شروق بدهشة اختلطت بالقلق...
"منين ما تحسي إنك عايزة تحكي...أنا موجود ومستنيكي..."
أثلج قلبها بتلك العبارة لكنها ليست كافية لتمنحها الشجاعة للمجاهرة بالأمر...
جاء استنكار شروق في بسمة مصطنعة..
"أمرك غريب يا شيخ... ما قولتلك مفيش حاجة..."
أجابها صالح وعيناه لا تحيدان عنها...
"عينيكي بتقول غير كده...عينيكي فاضحاكي يا غزالة الشيخ..."
هوى قلبها أرضًا مضطربًا ولَوهلة أرادت أن تنظر في المرآة لتتأكد بالفعل...
سحبت ذراعها من بين يديه قائلة باهتمام وهي تشرع في فتح خزانتها...
"هروح ألبس عشان نلحق نطلع..."
..............................................................
أثناء صعوده على درج السلم كان يضع الهاتف على أذنه بينما عيناه تفتشان عنها بشوق...
"طب انتي فين....في الأوضة ولا عند برج الحمام؟.... "
فتح ياسين الغرفة فلم يجدها لكن لفت انتباهه الهدية الموضوعة على الأريكة والمغلفة بورق هدايا....ومن شكلها
الخارجي علم ما تكون...
كانت أبرار ما زالت معه على الخط... ابتسم ياسين بجذلٍ اختلط بالدهشة وهو يجلس على الأريكة ويفتح ورق الهدية كاشفًا عن الجيتار الجديد الذي ابتاعته أبرار له...
"يا بنت اللذينة... إيه المفاجأة دي؟!"
ضحكت أبرار من الناحية الأخرى بشقاوة قائلة بسعادة...
(إيه رأيك يا ياسينو؟..... عجبتك الهدية؟)
لمس أوتار الجيتار بيده بإعجاب قائلاً...
"إلّا عجبتني... في أحلى منها على كده انتي مش فوق السطح زي ما قولتي... بتشتغليني."
قالت ضاحكة....
(ما علشان تطلع تشوفها بنفسك...)
ثم تنهدت بنعومة قائلة بتوله...
(صوتك وحشني وانت بتعزف على الجيتار...)
ضم ياسين الجيتار إلى صدره وبدأ يضرب على أوتاره بشكل عشوائي قائلاً بخفوت...
"لو وحشك بجد... اطلعي خليني أشوفك وأغني لك كمان..."
عضت شفتيها قائلة....
(مش هينفع... بابا هنا... هقوله إيه؟)
هتف بعد لحظة تفكير...
"قوليله إنك طالعة تأكلي الحمام..."
مطت أبرار شفتيها باستنكار....
(هو عارف إني بخاف من الحمام... هتبقى مقفوشة قوي....)
صمت ياسين قليلًا يفكر ثم برقَت عيناه
وقال بسرعة...
"طب خلاص... اعزميني أتغدى عندكم النهارده بما إني خطيبك.... انتوا طبخين إيه صحيح؟"
أجابت أبرار...
(بط وملوخية ورز...)
هتف ياسين باستحسان...
"الله..... أنا بحب الأكل ده قوي"
ابتسمت أبرار باستياء قائلة بسخط...
(بس انت مش بتحب البط...وملكش أوي في الملوخية...)
لم ينكر ياسين الأمر وهو يخبرها ببساطة...
"بس باكل رز عادي."
ارتفع حاجباها لآخرهما عابسة مستغربة وهي تقول بتهكم...
(انت مجنون؟.... هتيجي تتغدى عندنا عشان تاكل رز...... رز بس؟)
تأفف ياسين بضجر...
"مش مهم... أهي أي حِجة المهم أشوفِك."
قالت متنهدة بسأم....
(للأسف بابا مش هيرضى...)
صاح ياسين بصوتٍ عالٍ محتد....
"ليه بقى إن شاء الله؟!.... أنا خطيبك ومن حقي أشوفك.... كل يوم كمان"
أجابته أبرار بأسلوب بارد...
(على فكرة... مفيش خطيب بيشوف خطيبته كل يوم...... بلاش فتي.)
اشتعل غضبه ولولا أنها ليست أمامه لَكان دقّ عنقها في أول حائط على ردها البارد....
"والله لو جيران بيشوفوا بعض كل ساعة ما بالك لو قرايب زينا وساكنين في نفس البيت"
قالت أبرار بصبر....
(بابا حاطط شروط... ليك زيارة مرة كل أسبوع...وتبقى في يوم إجازته كمان.)
تبرم ياسين وهو يكبح أقذع الشتائم...
"أنا فاكر إني لبستك انتي الشبكة مش أبوكي... "
صاحت أبرار بتحذير...
(يا ياسين...... إيه اللي بتقوله ده؟!)
أرجع شعره للخلف بعصبية وهو يضع الجيتار جانبًا بغيظ....
"ماهو ده كلام ما يدخلش العقل برضه الضرب في الميت حرام... ليه مرة كل أسبوع... أنا من حقي أشوفك كل يوم.... ونخرج كمان... "
ثم استأنف الحديث بعصبية أكبر...
"هو صحيح... إحنا مش بنخرج ليه زي بقية المخطوبين؟..... أفهَم... "
أجابته أبرار بنفس برودة الأعصاب وكأنها تحكي عن أشخاص آخرين...
(مينفعش نخرج سوا... بابا مانع الخروج
إلا للضرورة…زي لما رحنا نجيب الفستان والشبكة.... وطبعا لازم يكون معانا حد… شروق أو ملك....)
اغتاظ بشدة من هدوئها وصاح مزمجرًا...
"أنا حاسِك بتتكلمي عادي مش مضايقة ولا متأزمة من تحكماته إيه يا ست الدكتورة
انتي مش عايزة تخرجي معايا...ولا عايزانا نبقى مع بعض؟!"
عقدت أبرار حاجبيها ضاحكة...
(أول مرة تقولي يا دكتورة...)
صاح بأسلوب غليظ كالثيران الناطحة...
"أنا مش مقتنع أصلًا إنك في طب... طب
إزاي بالعقلية دي؟!"
عبست أبرار بشدة بعد رده المهين فقالت بانفعال مماثل...
(مالها العقلية يا أستاذ ياسين… هو علشان بقول حاضر ونعم وبمشي الدنيا معاهم أبقى متخلفة؟!.... دا بدل ما تشكرني إني مستحمّلة وصابرة على تحكمات بابا... علشان خاطرك..)
أشار إلى نفسه ساخرًا...
"علشان خاطري أنا؟!"
أكدت بصوت غاضب...
(أيوه! علشان الخطوبة ما تبوظش...)
صاح ياسين بحنق شديد....
"أبوكي كده كده عايز يبوّظها... أبوكي بيطفشني بس بالطريقة"
خفق قلبها بارتياع وعيناها تعلقتا في اللاشيء وهي تسأله بوجهٍ هربت منه ألوان الحياة فجأة...
(قصدك إيه بالكلام ده؟!)
صاح ياسين بصوت متملك حاد...
"قصدي واضح... بس أنا والله ما هطفش قاعد على قلبه... وهتجوزك وهجيب منك دستة عيال وكلهم شبهي.... علشان يعرف يتشرّط حلو... "
عادت الحياة إلى وجهها ورفرف قلبها كعصفور حر بين أضلعها وهي تضحك غير مصدّقة أنها للحظةٍ ظنت أنه قد يتركها...
هتف ياسين متعجبًا...
"بتضحكي يا أبرار؟!"
قالت بمناغشة وهي تمسح دموعًا انسابَت
على خدها....
(متخيّة عيالنا لو شبهك... هيبقوا وحشين أوي…)
صاح ياسين بغرور...
"اخرسي.... هو أنا فيه في حلاوتي... دا انتي كنتي هتموتي عليا... "
وبالفعل…كانت ستموت إن تركها... وما شعرت به للتو خير دليل على تعلقها وحبها الزائد له...
حافظت على ماء وجهها وهي تقول بكبرياء أنثوي...
(أنا برضو يا كداب... ارجع بالذاكرة شوية… هتعرف إنك انت اللي واقع لشوشتك..)
سألها بترقب..
"وانتي؟"
اعترفت بعد تنهيدة طويلة حارة...
(أنا بحبك يا ياسينو...)
ابتسم برضا وقلبه يخفق على أوتار الكلمة قائلاً بصوت أجش...
"دي كفاية عليا... المهم...مش هتعزميني؟"
ضحكت باستياء وهي تقول بصبر...
(هعزمك... هعزمك وأمري لله هطلع أعرف بابا إنك هتتغدى معانا... أما أشوف رده...)
خرجت من غرفتها لترى والدها يجلس على الأريكة بجوار زوجته يتحدث معها همسًا وعيناه تجريان على ملامحها بتأنٍّ يشوبه العشق.....
زمت أبرار شفتيها بحنق وغيرة وهي تتحرك نحوهما بشيطنة جالسة في الوسط بينهما بشكلٍ طفولي قائلة لشروق وهي تنظر إليها بطرف عينيها بخبث...
"ما توسعي شوية يا شروق... ما المكان واسع جنبِك…"
ابتعدت شروق للجهة الأخرى وهي تقول بتبرّم متعجبة...
"لا إله إلا الله.... ما تقولي الكلام ده لنفسك انتي اللي جاية تحشري نفسك وسطنا… ما المكان واسع قدامك أهوه…"
نظرت إليها أبرار شزرًا وهي تدفعها في خصرها بغل....
"أحشر نفسي وسطكم؟!... أنا عايزة أُقعد جنب بابا ولا خلاص بقى ليكي لوحدِك... وسّعي…"
تأوهت شروق وهي تضع يدها على بطنها
"آه.... براحة يا حلوفّة.... بطني…"
صاح صالح متشنجًا بقلق...
"براحة يا أبرار… مش كده دي حامل…"
لوت الأخرى شفتيها ساخطة....
"عرفنا إنها حامل… وإنها هتجيب عيل يعمل راسه براسي في البيت…"
تمسك والدها بزمام الصبر وهو يقول
بمهاودة...
"يبقى يعملها كده وهو هيتعلق على باب البيت... انتي هتبقي أخته الكبيرة وقدوته… والحنينة عليه…"
أطرقت أبرار برأسها أرضًا لتشعر بالحرج الشديد بعد هذا الرد...
"ليه الإحراج ده… كل مرة بتطلعني قليلة الذوق قصاد كلامك…"
تدخلت شروق بمقارعة....
"انتي طول عمرك قليلة الذوق يا حبيبتي… مش محتاجين نطلعك…"
قطّبت أبرار حاجبيها متجهمة بشدة وهي ترمقها بغضب...
"سامع مراتك؟!.... شايف جرى الشكل...
جبلي حقي بقى منها... طالما أنا بنتك الكبيرة وهبقى القدوة لعيالك الجايين…"
نظر صالح إلى شروق بجدية قائلًا..
"عيب يا شروق…"
فغرت أبرار فمها بصدمة وهي تنقل النظرات بينهما بعدم تصديق...
"نــعــم؟!… هو ده اللي ربنا قدرك عليه يا أبو الكباتن؟!… عيب يا شروق... "
تنهد صالح بصبر قائلًا بمهاودة...
"يا الله يا ولي الصابرين… عايزاني أعمل إيه يا برتي؟!… إيه اللي يرضيكي؟"
ضحكت شروق على تلك الطفلة الغيورة فيما علقت أبرار على ضحكتها بغيظ شديد وهي تجز على أسنانها....
"معرفش… بس ضحكتها مستفزة…"
حانت من صالح نظرة إلى ضحكتها المشرقة وعينيها اللامعتين فقال ما يجول بخاطره
دون انتباه...
"دي أجمل حاجة فيها… ضحكتها…"
سألته شروق بخجل...
"ضحكتي بس يا شيخ؟…"
وأمام بنيتها البديعتين رفع راية السلام معترفًا بقلبٍ مدلّه بحبها...
"كل ما فيكي يا غزالة الشيخ…"
كانت أبرار تجلس بينهما وعيناها تنتقلان عليهما بالتساوي وشفتيها ترتفعان للأعلى باِمتعاض قائلة بتهكم...
"غزالة الشيخ؟!... دي غزالة إزاي يعني…
دي زرافة..... انت مش شايف طولها…"
قالت شروق بجمود وهي ترد الصاع صاعين بحذق...
"ومالها الزرافة؟… مش وحشة… أحسن ما بقى شبه القنفد مش باين وشه من قفاه…"
شهقت أبرار وهي تنظر إلى والدها بمسكنة..
"يعني أنا قنفد؟!… سامع مراتك يا بابا؟!"
تأفف صالح من شكاوي أطفال الروضة تلك فقال بنفاد صبر وهو ينهض من أمامهن..
"بلاش تهزروا مع بعض طالما هتقلب جد
في الآخر… صدعتوني…"
نظرت شروق إلى ظهره تراه يتوجه نحو الشرفة ليقف عند سورها ثم عادت إلى
أبرار وقالت بحنق لائمة...
"طفشتي الراجل يا أبرار… ارتحتي؟"
قالت أبرار بغضب...
"أنا قنفد يا… يا زرافة…"
رفعت شروق وجهها للأعلى بتغنّج مستفِز...
"قصدِك غزالة… غزالة الشيخ…"
قالت أبرار بقرف...
"دلع بايخ… مش لايق عليكي…"
قالت شروق بعدم اكتراث...
"خليكي في حالك… هو أنا بحشر نفسي بينك وبين خطيبك؟!"
توسعت عينا أبرار فجأة متذكرة سبب خروجها من الغرفة...
"خطيبي؟!… خطيبي صحيح… أنا نسيت…"
لصقت في شروق فجأة لترفع شروق حاجبها متوجسة منها....
تحسست أبرار كتفها وهي تقول برقة..
"شروق… حبيبتي… حياتي… غزالة الشيوخ…"
دفعت شروق يدها عابسة...
"احترمي نفسك…شيوخ مين… عايزة إيه؟"
قالت أبرار ببراءة...
"ياسين عايز ييجي يتغدى معانا…"
قالت شروق بأسلوب فاتر...
"طب ما ييجي… أهلا وسهلا بيه… بتستأذنيني يعني؟!…"
انقلبت ملامح أبرار فجأة لتصيح بهجوم مبالغ فيه....
"أستأذنك إيه؟!… ده بيتي أعزم فيه اللي يعجبني…"
لم تهتم شروق وقالت...
"طب ما تعزمي… أنا مالي… أما أقوم أشوف خالتي…خليني أشهّق على الملوخية…"
أجلستها أبرار مجددًا وبالقوة...
"ملوخية إيه دلوقتي… اترزعي مش بكلمِك…"
نظرت إليها شروق بضيق...
"لا حول ولا قوة إلا بالله… انتي اتجننتي؟!… عايزة إيه مني يا أبرار... "
قالت أبرار بخفوت...
"عايزاكي تروحي تقولي لبابا إن ياسين جاي…"
رفضت شروق مستهجنة...
"وأنا مالي؟!... ما تروحي تعرفيه…انتي مش خطيبِك... "
قالت أبرار بتردد خافت...
"آه خطيبي… ما قولناش حاجة… بس بابا ممكن يتعصب عليا ويسمعني كلمتين… فروحي انتي قولي له أحسن…"
قالت شروق بسخط...
"عشان يسمعني أنا الكلمتين؟!"
أقنعتها أبرار بأسلوب ودود...
"استحالة يسمعِك كلمتين… انتي مراته… هتجيبيه بالطريقة… ولو اتعصب امسكي بطنِك واعملي الشويتين بتوعك اللي لسه عملاهم من شوية…"
جزّت شروق على أسنانها تكبح غضبها وهي تقول بصعوبة...
"أنا مش بعمل شويتين يا عديمة الإحساس… انتي فعلًا ضربتيني في جنبي…"
سخرت أبرار...
"يعني جنبِك مش بطنِك…"
احتقن وجه شروق بالغضب فقالت وهي تنهض من أمامها....
"ما كله موصل ببعضه… بطلي غل… ومن الآخر أنا مش هساعدِك… علشان قلّة أدبك دي…"
لوّحت أبرار بيدها بقرف...
"في داهية… مش محتاجة مساعدتك… أنا هقوله بنفسي… هخاف أنا؟!"
استدارت شروق إليها قائلة بتشجيع ساخر
وهي ترقص حاجبيها لها...
"برافو يا حبيبتي...الحقي بقى قبل ما مفعول حبوب الشجاعة اللي خدتي يروح…"
وحين رحلت من أمامها صوب المطبخ لكمت أبرار ظهر الأريكة متمتمة بغيظ...
"نـدلـة…"
دلفت أبرار إلى الشرفة وجلست على المقعد المقابل لوالدها وهي تداعبه بملاطفة...
"بابا حبيبي... أبو الكباتن العسل..."
سألها صالح مبتسمًا...
"في حاجة يا أبرار؟... عايزة حاجة؟"
ملأت صدرها بالهواء ثم زفرته دفعة واحدة
وهي تقول بشجاعة.....
"بصراحة يا بابا أنا عزمت ياسين على الغدا النهاردة..."
تمعن صالح في النظر إليها بملامح هادئة رزينة ثم قال....
"تمام... يأنس وينور دا بيت عمه قبل ما يكون بيت خطيبته.ظ.. بس إحنا مش متفقين على موضوع الزيارات ده.... وأنا مأكد عليكي..."
صمتت لبرهة ثم قالت بجدية مُقنِعة...
"أيوه بس انت عارف بقى... مامته ملهاش في الطبيخ...ومعدته وجعته من أكل بره... فـ... فصعب عليا...."
أومأ صالح برأسه بتفهم وهو يقول بهدوء...
"لو أمه مش فوق معاه... كانت جدتك طلعت ليه الأكل بنفسها... إنتي عارفاها مش عجبها الوضع ده..."
ثم استأنف الحديث...
"متعرفيش موضوعها وصل لفين مع جوزها؟"
مطت شفتيها للأمام وهي تهز رأسها نفيًا
قائلة....
"بصراحة... ياسين مش بيجيب سيرتها خالص... أنا ساعات بنسى إنها قاعده معاه..."
تأفف صالح بسأم من تلك المرأة الجاحدة
ليقول بضيق...
"لا إله إلا الله... حتى وهي قاعدة معاه كل واحد فيهم في مكان..."
ثم قال صالح بعد لحظتين بصوت حازم..
"اتصلي بيه... خليه يطلع عشان يتغدى معانا. وعرفي شروق عشان تغطي شعرها... وانتي البسي حاجة كويسة..."
نهضت أبرار مبتهجة وهي تتعلق في عنق أبيها وتقبله بامتنان...
"شكرًا يا بابا... ربنا يخليك لينا..."
..............................................................
"رايح فين وسيبني لوحدي يا ياسين؟..."
انعكست صورة عبلة على المرآة من خلفه أثناء تمشيط شعره...
وضع الفرشاة جانبًا ثم أخذ زجاجة العطر ورش القليل منها وهو يجيبها على مضض..
"طالع أتغدى مع خطيبتي... عندِك اعتراض؟"
قالت عبلة باستحسان...
"طب استنى ألبس وأجي معاك..."
رفض ياسين بشدّة...
"مش هينفع... وجودِك هيضايق تيتة..."
التوى فكها بتشنج وهي تقول بكراهية...
"تيتة ولا عمك ومراته؟... خايف على زعل حمّاك ومراته..... لكن أمك تتفلق... "
تحدث ياسين بقتامة وملامحه تزداد تصلبًا وقسوة كلما تلاقت أعينهما....
"ما بلاش الجو ده... إنتي لا عمرك كنتي أمي... ولا أنا هبقى ابنِك من يوم وليلة وأخاف على زعلك كمان..."
انفعلت عبلة بغضب أسود وهي تصيح باهتياج....
"إنت ليه قلبك قاسي كده عليا؟! أنا أمك... أمك مهما عملت... "
تنهد ياسين بقنوط وهو يضع زجاجة العطر مكانها...
"مش هنعيده تاني... إحنا اتكلمنا كتير في الموضوع ده... وكل واحد عرف اللي جواه التاني.."
حاولت عبلة استهداف قلبه فقالت بابتزاز عاطفي...
"يعني هتفضل كده بعيد عني... عن أمك؟"
نظر إليها ياسين قليلًا مستنكرًا حديثها ونظرة عينيها الخالية من أي عاطفة تحاول استجداءها منه....
"إحنا بعيد من زمان يا عبلة هانم... بس إنتي اللي مكنتيش واخدة بالك..."
تحرك مغادرًا الغرفة لكنه توقف عند عتبة الباب وقال بتذكر....
"صحيح... بكرة إن شاء الله هنروح للمحامي عشان نمشي في إجراءات الخُلع... كمان أنا دبرتلك سكن في مكان كويس... لا هيثم ولا غيره هيعرفوا يوصلوا ليه... "
اتسعت عينا عبلة بصدمة وهي تقول بهياج...
"سكن؟!.....بتطردني يا ياسين؟!"
رد عليها بأسلوب بارد غير مبالٍ...
"إحنا كنا متفقين إنك هتقعدي هنا مؤقتًا لحد ما أشوفلك مكان... فين الطرد؟"
وقبل أن يسمع ردها تركها وغادر الشقة بأكملها بينما بقيت هي في مكانها تحاول استيعاب الأمر...
جلست عبلة على حافة الفراش ثم رفعت الهاتف إلى أذنها في انتظار الرد على آخر بطاقة رابحة تمتلكها... وستلعب بها...
(إحنا هنفذ النهارده يا حنش... النهارده قبل بكرة....أنا مبقاش قدامي وقت كتير هنا ولازم نكسب وقت...)
..............................................................
سمعت صوت جرس الباب في الخارج فأسرعت بالخروج من غرفتها حتى تكون
أول من يستقبله بينما كان قلبها يقرع بين أضلعها بلهفة للقياه...
حين فُتح الباب كان أول شيءٍ تسلّل إليها هو عطره القوي ثم صوته المداعِب...
"وأخيرًا طَل القمر..."
ضحكت أبرار باستحياء وهي ترفع عينيها إليه بشوق هامسة بخفوت...
"وحشتني يا ياسينو..."
استنكر ياسين الكلمة قائلًا بعتاب...
"كدابة يا قلب ياسينو... دا أنا اللي عامل ده كله عشان أشوفِك... انتي بقى عملتي إيه؟"
قالت بضيق طفولي...
"يا سلام عملت كتير... أنا اللي قولت للبابا
انك جاي عندنا..."
رد عليها بمقارعة...
"ما أنا اللي قولتلك تقوليله... مش بتعملي حاجة من نفسك... خدي يا بَرْتي..."
مدّ يده لها بقطعة شوكولاتة كبيرة ومُغَلَّفة من نوعها المفضل...
أخذتها منه وهي تسأله ببلاهة...
"دي عشاني؟"
رد بغلاظة...
"عشان ملك..."
امتقع وجهها وقالت بنظرة نارية...
"متهزرش... هقفل الباب في وشك..."
ضحك ياسين وهو يضع يده على الباب قبل أن تغلقه بالفعل...
"واهون عليكي وأنا جعان كده...ونفسي في رز..."
ابتعدت عن الباب كي يدلف وهي تقول...
"اطمن... مش هتاكل رز بس... خليت تيته تعملك كفتة..."
سألها بمناكفة...
"ومتعملهاش انتي ليه....على إيدك نقش الحنة... "
قالت ببساطة...
"أنا كنت بجهز نفسي..."
عقّب ياسين بازدراء...
"انتي لابسة إسدال على فكرة..."
توسعت ابتسامتها وهي تلمس قماش العباءة قائلة بظفر....
"إيه رأيك لسه جديد... على فكرة اشتريته مخصوص عشانك..."
ارتسم الوجوم على ملامحه وهو يقول بصراحة مطلقة...
"الحاجات اللي المفروض تشتريها عشاني مش إسدال صلاة..."
سألته ببراءة...
"أمال إيه اشتري إيه؟"
نظر للسقف بقلة صبر...
"وبتسألي كمان؟.... صبّرني يا رب..."
في تلك اللحظة أتت عليهما شروق مرتدية عباءة محتشمة وحجابًا يخفي شعرها كما أمر الشيخ...
"أهلًا وسهلًا يا ياسين... عاش من شافك
فين من يوم الخطوبة؟"
ابتسم لها ياسين مرحبًا بها دون مصافحة باليد....
"الشغل بقى... ما انتي عارفة... عاملة إيه يا أم مَلَك.... وملك عاملة إيه؟"
قالت بوئام....
"بخير الحمد لله... مامتك عاملة إيه؟"
رد بفتور...
"الحمد لله..."
خرجت الجدة من المطبخ بلهفة الأم بعدما سمعت صوت ياسين في الخارج والذي عندما رآها اقترب منها قائلًا بشوق...
"تيته..."
قالت الجدة بعتاب وهي تضمه إلى صدرها..
"تيته لسه فاكرني؟... فينك من يوم الخطوبة لا... وطالع دلوقتي بس عشان تتغدى مع خطيبتك..."
خرج ياسين من بين ذراعيها ليقول بغمزة شقية...
"مين قال كده؟.. دا أنا بتحجّج عشان آكل من إيدِك... وحشني أكلك ومعدتي نشفت من أكل الجبن..."
لانت نظرات الجدة بحنو وشفقة وهي تقول بهجوم حاد....
"يا حبة عيني وهي قاعدة معاك كده وخلاص إيه لازمتها.... وأنا اللي قولت زمانها بتعمل المستحيل عشان تخليك في صفها وتشحنك علينا... اتاريها ولا على بالها..."
ظهر صالح أمامهما في الصالة وقد سمع حديث أمه الأخير فاعترض وهو يرمقها بعتاب....
"مش وقته الكلام ده يا أمي..."
تنحنح ياسين قائلًا باحترام...
"إزيك يا عمي..."
تبادل صالح معه المصافحة قائلًا بخشونة...
"الحمد لله... إيه لازم أبرار تعزمك عشان تيجي؟... "
ومضت عينا ياسين وهو يسأله...
"يعني أجي عادي؟!"
رد صالح بثبات...
"وأنا موجود... تأنس وتنور."
كبحت أبرار ضحكتها بصعوبة بينما نظرت شروق نحو زوجها بلوم...
قالت ملك بضيق...
"ماما... أنا جعانة..."
أومأت شروق برأسها وهي تتحرك صوب المطبخ....
"يلا... هنحط الأكل ونتغدى كلنا..."
بعد قليل التفت العائلة حول مائدة الطعام. جلس صالح عند رأس الطاولة وعن يمينه والدته وفي الجهة المقابلة جلست زوجته وإلى جوارها ملك... وبجانب الجدة جلس ياسين ثم أبرار....
بدأ الجميع يتناولون الطعام في أجواء عائليه دافئة وحديث هادئ ينساب بينهم كنسمة لطيفة....
فيما كانت أبرار وياسين غارقين في عالمهما الخاص كأنهما داخل فقاعة شفافة لا يتسلّل إليها أحد تتناثر بينهما الهمسات وتتشابك
نظراتهما بعاطفة جارفة....
ابتسمت شروق باعجاب وهي تلاحظ هذا المشهد ثم حولت بصرها نحو صالح الذي
كان يراقبهما بامتعاض ظاهر والغيرة تتقد
في عينيه الخضراوين على ابنته الوحيدة والتي بدأت تنسحب من حضنه إلى حضن رجل آخر…
"فكها يا شيخ مش كده.... دول لسه شباب بلاش تكبتهم بتحكماتك..."
رد صالح بحزم...
"لا يصح إلا الصحيح."
ظهرت السخرية في عيني شروق وهي تقول بالهمس نفسه...
"كانت فين الجملة دي قبل ما نتجوز؟"
نظر إليها صالح مُقطّبًا جبينه...
"وهل تجاوزتُ حدودي معاكي؟!"
أومأت برأسها وابتسامتها تتّسع بشكل جميل ومعها طال نظره إلى شفتيها الفاتنتين.
"عنيك يا شيخ تجاوزت كل الحدود... دا غير اهتمامك وغيرتك..... ولا هتنكِر."
ردّ عليها باتزان...
"بس عفيت نفسي واتجوزتك...."
رقت عينا شروق وهي تقول بحذق...
"طب اعفيهم هما كمان... وجوزهم... مش لازم يعني لما أبرار تخلص الجامعة... أنت ناسي إنها لسه قدامها خمس سنين... "
رد صالح بوجوم...
"أبرار لسه صغيرة.... ومش هينفع تشيل المسؤولية من دلوقتي.... "
قالت شروق همسًا وهي تشير إليهما بعينيها..
"بس هي معندهاش مشكلة تشيل المسؤولية
طالما مع ياسين..."
نظر صالح مثلها ليرى أبرار تضع أصابع الكفتة في طبق ياسين باهتمام أنثى عاشقة....
حول بصره نحو شروق مجددًا وهو يقول بصلابة متجهمًا...
"كفاية كلام في الموضوع ده...مش وقته...."
ثم تابع صالح تناول الطعام بصمت حانق فيما غمغمت شروق سرًا وهي تنظر إلى عصفوري الحب....
(هفضل وراك يا صالح لحد ما أجوزهم… حرام تعلقهم كده....)
.............................................................
تجلس على المقعد في انتظار دورها في الكشف وبجوارها صالح يجلس بملامح
هادئة متحفظة عيناه أغلب الوقت إلى الأرض...
تشعر أنه غير مرتاح فالمكان مكتظ بالنسوة الحوامل صفٌّ من المقاعد المقابلة لهما وآخر بجوارها من الناحية الأخرى... معظمهن جئن وحدهن وأخريات مع قريباتهن من النساء.
فقط هي وامرأتان أخريان مَن جئن برفقة أزواجهن حدثٌ نادر بالفعل...
حتى هي تعيش هذا الحدث النادر لأول مرة..
لقد سبق لها الحمل والولادة في ملك وكانت أول فرحتها وبداية دخولها عالم الأمومة بكل تفاصيله.....
لكن لم يكن معها أحد... لم يُبادِر ممدوح يومًا بالذهاب معها إلى الطبيبة ولم يسأل ولو مرة عن صحتها وصحة جنينها...
السؤال الوحيد الذي كان يردده هو ما نوع الجنين؟
وحين علم أنها بنت توقف عن السؤال حتى إنه وقت ولادتها لملك لم يأتِ معها كان نائمًا في البيت وهي خارجة وحدها مع والدتها المريضة بعد أن داهمها المخاض واشتد بشكل غير محتمل....
جاءها في اليوم الثاني من ولادتها فقط ليُقلَّها إلى المنزل بعد أن ولدت طبيعيًا ولم تحتج لجراحة.
وقتها حمدت الله أنها لم تحتاج إلى عملية جراحية فقد كانت تشك في دفع ثمنها بعد إهمال ممدوح لها طوال الحمل...
ربت صالح على يدها بحنان لتفيق من شرودها الحزين رافعةً بنيتيها الجميلتين إليه....
"مالك؟.... وشك لونه اتغير كده ليه... خايفة؟"
ابتسمت بحرج وهي تردّ عليه همسًا...
"هخاف من إيه دا كشف عادي... أنت ناسي إني كنت أم قبل كده؟... وعديت بكل المراحل دي..."
أخفى غيرته بأعجوبة وهو يقول بهدوء...
"حمل عن حمل بيفرق..."
ويختلف رجلٌ عن آخر...
قالتها في نفسها فمنذ أن وقعت عيناها عليه وهو يثبت لها دون أن يدري أنها قبله ما كانت سوى ركام امرأة...
وا
ليوم ببساطة تكتشف أن الشيخ أحيا روحها مع قلبها وتفتحت براعم أنوثتها على يديه وحده...
فبالطبع الحمل سيختلف ومشاعرها ستختلف لأنها مع رجلٍ... وليس شِبهَ رجل.
خرجت الممرضة مشيرةً إليها بالدخول فساعدها صالح على الوقوف رغم أنها لا تحتاج ذلك فهي ما زالت في بداية حملها لكنه يأخذ الأمر على محمل الجد ويزيد تدليلها...
وهي أنثى... والأنثى رحيقها الدلال والحب فلن تمانع أبدًا...
ابتسمت شروق بنعومة وهي تتحرك معه إلى الداخل يدها بيده...
شعرت ببرودة السائل الهلامي على بطنها والطبيبة تمرّر الجهاز عيناها تتطلعان إلى الشاشة أمامها بينما تتعلق عينا شروق أيضًا بالشاشة الكبرى المعلَّقة لترى جنينها لأول مرة من خلالها...
كان صالح يقف في الجهة الأخرى عند سرير الكشف ينظر مثلها إلى الشاشة....
قالت الطبيبة بعملية أثناء الفحص....
"ما شاء الله يا مدام شروق... باين عندي في السونار إنك حامل في توأم..."
تهللت أساريرها فرحًا وهي تنظر إلى صالح بصدمةٍ جميلة....
"توأم؟!... بجد توأم؟!"
تمتم صالح بخفوت...
"اللهم لك الحمد والشكر..."
أكدت الطبيبة بأسلوب عملي هادئ...
"بإذن الله كمان كام شهر هنعرف جنسهم... بس هما كويسين.... أنا كمان هكتبلك أدوية ومثبتات عشان الحمل يكمل على خير... وطبعًا الراحة مهمة في أول شهور الحمل..."
ناولتها الطبيبة المناديل الورقية وهي تتحرك نحو مكتبها فساعدها صالح في مسح السائل عن بطنها ثم على النهوض....
وقفت شروق أمامه تتأمل عينيه الخضراوين المشعتين بالسعادة...
صالح بطبعه قليل الكلام حين يتعلق الأمر بالتعبير عن مشاعره لكن دائمًا أفعاله وعيناه تفعلان بها العجب فتنسيانها قلّة كلماته...
قبّل صالح رأسها قائلًا بنبرة يملؤها الفرح والحب
"ألف مبروك يا شروق... ربنا يكمل فرحتنا على خير...ويشرفوا البشوات بالسلامة.... "
قالت شروق بعينين تلمعان بالدموع تعبّر عن فرحتها بحرارة...
"فرحتي إنهم توأم متتوصفش... أنا فرحانة قوي يا صالح... الحمدلله... الحمدلله يا رب..."
لم يقاوم صالح كثيرًا وهو يضمها إلى صدره متمتمًا بالحمد يبارك لها للمرة الثالثة أو الرابعة فهو لا يجد كلمات سوى المباركة...
ليس عفويًا مثلها في التعبير ومهما حاول يفشل..لكن أفعاله قادرة على محو تلك
العقدة.
بعد فترة وصلا إلى البيت فترجلت شروق من السيارة برفقة صالح لتجد الجميع يقف في حوش المنزل....
خفق قلبها متوجِّسة وهي تقترب منهم فتعابير وجوههم المضطربة لا تبشّر بالخير...
وفعل صالح مثلها حاجباه معقودان بترقّب وهو يسألهم عن سبب وقوفهم جميعًا هكذا...
فلا أحد غائب سوى ملك؟!
"إيه يا أمي واقفة كده ليه؟... في إيه يا ياسين؟..... إيه اللي حصل؟"
رد ياسين بصعوبة شاعرًا بالحرج من عمه...
"ملك كانت قاعدة في الحوش على تلفونها هنا... وبقالنا ساعة بندوّر عليها ومش لاقينها..."
شعرت أن قلبها سقط من أعلى مكان فضربت على صدرها مفزوعة....
"بنتي..... يعني إيه مش لاقينها؟!.... هي خرجت؟... خرجت برا؟!"
أمسك صالح ذراعها وهو يقول بصوت حازم...
"اهدِي يا شروق... تلاقيها بتجيب حاجة من الدكّان....."
بللت أبرار شفتيها وهي تحكي ما حدث بوجه شاحب خائف....
"إحنا سألنا عليها الجيران يا بابا... وصاحب السوبر ماركت قال إنه شاف واحد بيكلّمها... وكان راكب توك توك وعلى ما حاسَب الزبون اللي قدّامه وبَصّ عليها لقى التوك توك مشي... فخبّط علينا يطمن انها رجعت البيت....بس هي للأسف مجتش....."
شعرت شروق بالدوار فاستندت إلى ذراع صالح متمتمة بصوت بعيد من شدّة الصدمة...
"يا نهار أسود... بنتي اتخطفت..."
نظر صالح إلى زوجته وعقله يحاول استيعاب تلك الحقيقة المفجعة وتلك الصورة البشعة التي داهمته بعد التفاصيل التي قالتها أبرار...
انهمرت الدموع من عيني شروق بغزارة وهي تستند إليه بضعف قائلة بصوت مرتجف مرتعب...
"بنتي يا صالح... بنتي... رجعلي بنتي..."
تلاقى نظرُ صالح بنظراتها الضائعة وملامحه مشدودة وعروقُه تضجُّ بالغضب والقلق على الصغيرة فيما بدا الجميع تائهين لا يدرون ما يفعلون...
بينما هي تقف في الأعلى في الشرفة تستمتع بالمشهد الجبار وتأخذ رشفة من مشروبها البارد... برودةٌ لن تطفئ نيران انتقامها بعد