رواية اشتد قيد الهوى الفصل الخامس والثلاثون35 بقلم دهب عطيه

رواية اشتد قيد الهوى بقلم دهب عطيه
رواية اشتد قيد الهوى الفصل الخامس والثلاثون35 بقلم دهب عطيه

تقف في شرفة غرفتها تحدق بعينيها في الساحة الخضراء التي تحيط بالفيلا فيما
عقلها شارد في حديثها مع والدها صباح
اليوم بعد مغادرة أيوب...

بعد أن فجّر القنبلة في وجهها وأخبرها برغبته في الزواج منها بعد أسبوعين فقط.

لن تُنكر فرحتها ودهشتها رغم غضبها وحنقها من أسلوبه المستفز المهجي معها لكنها تُعطيه ألف عذر فهي من أوصلتهما إلى هنا بعنادها.

أطلقت تنهيدة طويلة من صدرٍ يجيش كمرجلٍ ناري وهي تتذكر رد والدها الهادئ حين ألقى الكرة في ملعبها...

(القرار قرارك يا نغم...ودي حياتك زي ما 
قولتلك قبل كده.. بس لو رفضاه عرفيني
وأنا هجبهاله بالطريقة...من غير تجريح...)

ثم استرسل وهو يقرأ تعابير وجهها المترددة

(إنتي عارفة غلاوة أيوب عندي ومش معقول بعد كل اللي بيعمله معانا أرفض طلبه بطريقة تقلل منه....)

طال صمتها أمامه ونظراتها زائغة في مكانٍ آخر كمن ترك عقله يسير في متاهةٍ لا مخرج لها.....

حثّها والدها على الرد...

(ساكتة يعني؟... مستغربة؟.... ولا مش مصدقة؟...)

هزت كتفيها بحيرة وكما اعتادت مع والدها منذ الصغر على الصراحة بينهما قالت 
بصدق..

(يمكن الإتنين...يعني قبل خطوبتي من 
جاسر هو قالي إنه مستحيل نرجع لبعض
لو فكرت ألبس خاتم واحد تاني في إيدي...)

لمعت عيناها الرماديتان بالحزن وهي تتابع باختناق....

(ومن بعدها فهمت إن حكايتنا انتهت حاولت أتقبل وجود جاسر في حياتي بس معرفتش. طول الوقت كنت بفكر فيه... عشان كده أول ما تشجعت...سيبت جاسر وقولتله وقتها إن قلبي متعلق بحد تاني....)

توقفت عن الحديث ولم تجد كلمات أخرى تشرح مشاعرها وموقفها.....

فقال كمال بأسلوبه الحاني...

(أيوب بيحبك يا نغم... وانتي كمان بتحبيه. كفاية عند بينكم وبلاش تضيعوا عمركم على خلافات تافهة....)

ثم هوّن عليها الأمر قائلاً بمؤازرة...

(وبعدين دي مجرد خطوبة.. مش أول واحدة ترتبط وتسيب وتبدأ من جديد. بتحصل كتير... المهم تكون التجربة دي علمتكم وعرفتوا قيمة بعض....)

وأنهى حديثه ناصحًا بلين....

(كمان أنا من رأيي إنكم لازم تتكلموا مع بعض وتحاولوا تتصافوا من كل حاجة حصلت قبل كده.... وأنا متأكد إنكم هترجعوا أحسن من الأول.....)

وقتها لم تجد ردًا سوى إيماءة صغيرة كانت بمثابة الموافقة على طلب أيوب بالزواج منها وعلى إصلاح الشرخ في علاقتهما.....

سمعت صوت رنين هاتفها من الداخل فزمّت فمها متجهمة الملامح رافضة الرد على أحد.
لكن الرنين ألح... حتى تحركت على مضض لترى من المتصل.

تناولت الهاتف بين يديها وحين لمحت اسمه يضيء الشاشة تسارعت خفقات قلبها وتغيرت ملامحها وهي تنظر إلى الساعة التي تشير إلى منتصف الليل....

ألم يَنَم بعد؟

لماذا يُحادثها في تلك الساعة؟

تذكر فجأة أن رقمها محفوظًا لديه بعد كل تلك الشهور الطويلة من البُعد...

هل كان يُحادث غيرها ليلاً فجاء إليها بعدما مل من الأخرى؟

أسئلة كثيرة دارت في عقلها وغيرة كمخالب حادة تنهش قلبها كلما تذكرت "ليان" التي تعمل معه ليلًا ونهارًا في الشركة وفي 
ورشة الخياطة....

جنبًا إلى جنب قريبةٌ منه بينما هي بعيدةٌ بعيدةٌ جدًا عنه لقد أصبحا غريبين عن بعضهما؟!...

فتحت الخط ووضعت الهاتف على أذنها لم تمنع نفسها أكثر عنه....قلبها يحترق في بُعده وينصهر في قُربه....

الأفضل أن أذوب فيك عشقًا

ولا أحترق حيه في بُعدك...

(لسه صاحية يا عروسة؟)

أتى صوته خافتًا لكنه متهكم....

قوست فمها للأمام وهي تتقلب في فراشها تضم الوسادة الناعمة إلى صدرها المنتفض
بتوله بعد سماع صوته.....

"عـايـز إيـه؟"

همست بها برقة جعلته يُغمض عينيه متأوهًا بعذاب من حبها قائلًا بشراسة....

(عـايـز أولـع فـيـكـي...)

بصوتٍ ناعم كخرير القطط قالت بعتاب

"أهـون عليك يا أيـوب..."

سمعت زفرة خشنة حادة منه تلاها صوته الحانق المعترض...

(متنطقيش اسمي كده...)

ابتسمت بظفرٍ أنثوي بعد سماع اعتراضه وتأكيده على تأثيرها القوي عليه كرجلٍ
قائلة....

"كده إزاي يعني؟..."

رد بوجوم.... (إنتي عارفة...)

رنّ الصمت المشحون بالعاطفة بينهما قليلًا حتى سألته بعد أن ملّت...

"بترن عليا ليه؟!"

رد بنبرة ساخطة...

(إحنا في حكم المخطوبين... وأنا قاري فاتحة...)

تبرمت نغم وهي تقول بتحفّظ...

"بابا قال إنه مقراش معاك حاجة... قالك هيرد عليك لما يعرف ردي إيه..."

سألها ببرود....

(وعلى كده... كان ردك إيه؟!)

قالت بكبرياء.... "رفضتك طبعًا..."

ضحك أيوب بسخرية قائلًا...

(غريبة... مع إني لسه قافل معاه وقال إنك طايرة من الفرح...ده إنتي حتى عاملة سيرش على فساتين الفرح....)

لم تصدق كذبته الأولى فوالدها ينام مبكرًا بحكم العلاج الذي يتناوله... لكن كذبته الثانية انطلت عليها فقالت دون تفكير وهي تفتش في هاتفها...

"إنت معاك الأكونت بتاعي؟!..."

أجابها بتسلية وزهو...

(يعني كنتي بتنقّي فستان الفرح؟!)

احتقن وجهها بالحرج والغضب وهي تكشف نفسها أمامه بغباء منقطع النظير....

"لأ طبعًا ده بيدچ لمصمّم إيطالي... متبعاه عادي... وكنت بتفرج على الحاجات اللي 
لسه منزلها..."

أخبرها أيوب بصوتٍ أجش...

(متشغليش بالك بفستان الفرح... أنا مصمّمه من شهور... وبدأت أنفذه الفترة اللي فاتت...)

سألته متعجبة...

"مصممه من شهور؟!..... إزاي يعني؟!..."

أجابها أيوب بإيجاز...

(يعني من وقت ما كل واحد فينا فتح قلبه للتاني... وفتحت كمال بيه في موضوعنا في المستشفى...)

انكمشت نغم على نفسها في نومتها كوضعيّة الجنين فيما تابع هو بصوتٍ مثخن بالجراح..

(كنت عايز أفرحك وقتها... بس إنتي قتلتي فرحتنا... بغبائك...)

(بس يلا.... متعوضة... وكل حاجة في وقتها أحلى... أكتب عليكي بس.... والصبر جميل...)

ازدردت نغم ريقها برهبة وقلبها ينتفض بين أضلعها بضعف...

"إنت كده بتخوفني منك..."

جاء رده ساحقًا لقلبها وهو يؤكد نيته في إيذائها....

(المفروض تترعبي مش تخافي...)

قالت بحنق محاولة تغيير مجرى الحديث

"أيـوب... إنت فين؟..."

رد بعد تنهيدة طويلة مرهقة....

(هكون فين؟..في البيت لسه مخلص شغل...)

سألته بغيرة.... "كنت في الورشة؟..."

رد عليها بتهكم...ولم يلاحظ تغيّر نبرة صوتها وهي تتصوّر أنه كان مع أخرى طوال اليوم...

(شغل في البيت وشغل في الورشة...مطحون يلا الواحد هيعمل إيه؟... بقى عنده التزامات وداخل على جواز وأقساط...)

ثم أضاف متذكرًا...

(اعملي حسابك على نص الأسبوع كده... هنروح نشوف الشقة الجديدة سوا... هي
في منطقة كويسة... تعتبر راقية...)

قالت نغم بتردد...

"وليه تشتري شقة؟... ما نقعد هنا مع بابا... مش معقول أسيبه لوحده..."

رد عليها أيوب بصوتٍ حازم...

(لو هو عايز ييجي يعيش معاكي هنا أنا معنديش مشكلة... بس أنا مبقعدش في بيت مراتي...الحاج عبد العظيم مش مربّيني على كده...)

لوت نغم شفتيها واجمة وهي تقول...

"مكبر الموضوع أوي... عادي يعني لحد ما نجيب شقة في مكان أحسن..."

أخبرها أيوب بصبرٍ موضحًا...

(الشقة في مكان كويس يا نغم... أنا مش جايب أي حاجة...لما تشوفيها هتعرفي... ولما ربنا يكرم.... أكيد هنغيرها بالأحسن...)

ثم قال بصوتٍ يملؤه الشغف فهو يسعى بصدقٍ في العمل للارتقاء نحو الأفضل...

(يمكن تبقى فيلا زي اللي إنتي قاعدة فيها... ساعتها هنعيش كلنا فيها... أنا وانتي وأمي وإخواتي... وأبوكي هعمله جناح مخصوص عشان يبقى قريب منك...)

قالت نغم باستنكار...

"بابا مستحيل يسيب بيته... زي ما إنت مستحيل تيجي تعيش معايا هنا..."

لم يجادل كثيرًا حول الأمر فهذا قراره الأخير لذلك غيّر مجرى الحديث بأسلوبٍ غليظ...

(كل واحد ودماغه...بس واضح إنك رفضتيني لدرجة إنك بتقنعيني بعد ما نتجوز أعيش معاكي...)

امتقع وجهها وهي تقول باستهجان...

"أنا لسه بفكر..."

ابتسم بخبث وهو يقول بوقاحة...

(على مهلك خالص... كلها أسبوعين وتفكّري أكتر وانتي في حضني...)

تأثرت بشدة من كلماته وكأنه ضمّها إلى صدره كما فعل سابقًا..... أغمضت عينيها بعذاب وهمست بصوتٍ محموم...

"وحـشـتـنـي..."

ازدرد ريقه وهو يسمع همسها الناعم ينساب بشوقٍ يشعل قلبيهما...

ادّعى عدم سماعها قائلًا...

(بتقولي إيه؟ مش سامع... الشبكة بتقطع...)

فاقت من تلك الحالة وقالت بقنوط....

"ولا حاجة... مقولتش حاجة..."

أطلق زفرة غيظ منها ومن حاله معها فقد أصبح غير قادرٍ على مبادلتها الحب كما كان في السابق...

وكأن فعلتها نصبت بينهما حاجزًا منيعًا.

ومع ذلك ما زال يعشقها حدَّ الضياع دونها
ولن يتركها لهواها فهي ملكٌ له شاءت أم أبت...

وربما ينهدم ذلك الحاجز مع الوقت فالأيام كفيلةٌ بمداواة الجرح لكنها ليست كفيلةً بمحوها من ذاكرته وقلبه.....

حاول كثيرًا من قبل لكنه رفع الراية مستسلمًا...

(هتنامي؟!)

سألها حينما طال الصمت بينهما فأكدت نغم بهدوء...

"أيوه... عندي شغل الصبح في الشركة... وانت؟..."

رد باختصار....

(هاجي على يوم الاتنين... نخلص شغل ونطلع سوا عشان نشوف الشقة... هبقى أستأذن كمال بيه قبلها...)

شعور فاتر اجتاح مشاعرهما فجأة بعد أن كانا على حافة الانهيار العاطفي...

أنهت نغم المكالمة بفتور...

"تمام... تصبح على خير..."

رد عليها بتبلّد....(وأنتي من أهله...)

أغمضت عينيها وهي تضع الهاتف على صدرها
وقلبها يئنّ وجعًا فيما انسابت دموعها من أسفل جفونها بحسرة....

كانت تظن أن إقدامه على الزواج منها سيكون نهاية لكل ما كان بينهما من سوء

لكن أيوب لم يسامحها بعد ولم يصفُ قلبه ناحيتها بعد.....ما زال يحمل في أعماقه عتابًا يؤرقهما معًا عتابًا لا يُقال لكنه حاضر في كل لحظة صمت بينهما !....
.................................................................
جلس على الأريكة بجوار والدته التي كانت تتابع مسلسلًا قديمًا عبر شاشة التلفاز مندمجة في أحداثه التي رأتها آلاف المرات ومع ذلك كان نفس الاستمتاع والاندماج يطفوان على ملامحها....

كانت تشاركها الجلسة ندى وهي ترسم في دفترها تنقل عينيها بين الشاشة والدفتر أما نهاد فقد أخذت استراحة قصيرة من المذاكرة لتشاركهما الجلسة لكن الهاتف بين يديها تصوّب تركيزها عليه....

مد أيوب يده وأخذ جهاز التحكم وأغلق 
التلفاز فجأة...ارتفع حاجب أمه بغضب 
وهي تنظر إليه بصدمة....

"ليه كده يا أيوب؟!...دي أول حلقة من 
عبد الغفور البرعي..."

عقد أيوب حاجبيه قائلًا بوجوم...

"بذمتك يا صفصف... شوفتي المسلسل ده
كام مرة؟"

تبرّمت والدته ولم ترد بينما أجابته ندى بسخرية...

"متعدش يا بوب....ماما بتابعه على تلات قنوات واحدة بتعرضه من النص وواحدة
آخر حلقاته...والتالتة اللي كانت لسه بتعرض أول حلقة..."

تدخلت نهاد بمزاج...

"نسيتي ريا وسكينة؟...هيقتلوا خضورة
الحلقة الجاية.. "

ضحكت ندى قائلةً بفكاهة...

"آه كمان ريا وسكينة...ماما متابعاها في القناة اللي ورا دي... "

اغتاظت منهم صفية فقالت بضجر...

"أنا متابعا المسلسلات دي لوحدي مقولتش لحد فيكم يجي يتفرج معايا... إنتوا اللي بتلزقوا فيا.. "

أرسلت لها ندى قبلة في الهواء وهي تقول بحب...

"دا عشان بنحبك يا ماما... غير إن بصراحة... بصراحة المسلسلات دي صعب الواحد يملّ منها..... "

تململ أيوب محاولًا لفت الانتباه نحوه...

"كفاية كلام في المسلسلات.. وركّزوا معايا."

نظرت إليه والدته بقلق وتساؤل...

"في إيه يا أيوب؟!... مالك طفيت التلفزيون يعني مرة واحدة..... عايز تقول حاجة؟"

سحب أيوب نفسًا عميقًا وبنظرة حازمة متأهبًا لما هو قادم فجر القنبلة فوق رؤوسهم دون مقدمات كثيرة.....

"أنا نويت يا صفصف أحقق رغبتك... إن شاء الله يعني...وأتجوز."

رغم دهشة صفية إلا أن بوادر السعادة والحماس طلت من وجهها وعينيها وهي تعلن عن فرحتها بالخبر السعيد بزغرودة عالية...

بينما تبادل التوأمان النظرات بتساؤلٍ فضولي نحو بعضهما....

قالت صفية بفرحة عارمة....

"يا حبيبي ألف نهار أبيض أخيرًا يا أيوب من بكرة هدورلك على عروسة... من بكرة إيه من النهارده هكلم جارتنا أم سماح تشوف واحدة نقاوة... "

تجهم وجه أيوب وهو يقول...

"أم سماح مين... لا أم سماح ولا غيرها... أنا لقيت العروسة خلاص...."

سألته نهاد بشك...

"مين يا أيوب؟....ليان اللي شغالة معاك؟!"

هزّ رأسه نفيًا...

"لا..."

عادت تسأله نهاد...

"حد منعرفوش يعني؟!"

قال بأسلوبٍ مبهم...

"تعرفوها... تعرفوها كويس أوي..."

هتفت ندى باحتجاج والفضول يفترسها...

"هي مين دي؟!... واحدة من الشارع؟... 
ما تقول مين بقى هي فزورة ولا إيه؟!"

نطق اسمها متذوّقًا أحرفه بمشاعر جياشة بالحب.....

"نـغـم..."

اتسعت أعين الجميع بصدمةٍ كبيرة وهم يحدقون به بعدم تصديق كأنهم ينظرون إلى كائنٍ فضائي !....

وأول من فاقت من صدمتها كانت والدته التي تجهمت بنظرة كارهة وهي تقول بهجوم...

"نـ... إيه؟! نغم بنت الأكابر.... اللي سيبتك وراحت اتخطبت لواحد تاني؟!... فين كرامتك يا بن عبدالعظيم... وانت رايح تتجوز واحدة اتخطبت لغيرك؟!"

نظر أيوب إلى نهاد التي بدورها هزت رأسها نفيًا فانتقل بعينيه نحو ندى التي نظرت للأعلى متأملة السقف باهتمام كمن يعدّ 
النجوم في وضح النهار !

عاد إلى أمه الغاضبة ليقول...

"هي كانت متجوزاه يا أمه...دي خطوبة عادي...."

قالت صفية بحسرة...

"ده اللي ناقص...تتجوز واحدة مطلقة بعد الصبر ده كله... "

هتف أيوب بصبر محاولًا تحسين صورتها التي تشوهت فجأة أمام عائلته...

"كانت خطوبة يا أمه.. وكل واحد راح لحاله."

زجرته والدته قائلةً بتجريح...

"وإيه اللي خلاها تفتكرك؟!... سيباك استبن؟!"

عصف الغضب في صدره كما تعصف الرياح ببحرٍ هائج قائلًا....

"إيه الكلام ده يا أمه لما انتي تقولي كده الغريب هيقول إيه؟!"

قالت والدته باهتياج...

"أنا بسمعك اللي الغريب هيقوله لو مشيت 
في الجوازة دي... أنا مش موافقة... "

بهت وجهه وهو يحدج بها بعتاب...

"ليه كده يا صفصف؟... بتكسري فرحتي؟!"

لمعت عينا والدته بالدموع وهي تقول بحرقة بعد أن أطفأ الفرحة في عينيها...

"فرحتك تبقى مع واحدة تستاهلك وتعرف قيمتك مش واحدة أول ما يحصل بينكم خلاف تسيبك وتروح تتخطب لغيرك...دي تأمن لها إزاي بعد كده؟!"

زاد كلام والدته القاسي النار اشتعالًا في صدره وأجّج الغضب بداخله حتى علا الحاجز بينه وبين فرحته بالزواج من المرأة التي أحبها 
أكثر فأكثر....

حاول مع والدته بشتى الطرق....

"نغم ما عملتش كده عشان إحنا سيبنا بعض عملت كده لأنها افتكرت إن في حاجة بيني وبين ليان... ليها عذرها...."

تأففت والدته بانزعاج غير راغبة في سماع المزيد...

"اديها العذر اللي يعجبك بس أنا مدهاش عذر على حرقة دمك وسهر الليالي وتعبك الفترة اللي فاتت ولا فاكرني مش واخدة بالي دا أنا أمك يا أيوب... أبص في عينك أعرف إيه اللي وجعك وإيه اللي قهرك... "

سئم أيوب من إعادة نفس الحديث الذي يستنزف صبره...

"خلصنا يا صفصف كل ده عدى وفات إحنا ولاد النهارده... مشكلة حصلت بينا وربنا أراد يرجعنا لبعض."

رمقته والدته بضيق...

"يعني إيه؟..... هتجوزها فعلاً؟!"

لوّح بيده بنفاد صبر...

"لو مش موافقة يبقى خلاص... بلاها جواز خالص... "

احتدت نظراتها وهي تصيح بلوعة أم...

"إنت بتلوي دراعي يا بن عبدالعظيم؟... يا
هي يا بلاش جواز؟!"

أكد أيوب بصلابة...

"أيوه يا أمه... يا هي يا بلاش خالص."

فغر التوأمان أفواههما معًا وهما يريان الوضع يحتدم بين الأم وابنها....

ضغطت والدته عليه بردٍ ساخر...

"هي سحرتلك يا واد؟!.... وهي معملتش زيك ليه لما اتخطبت لغيرك.... "

هبّ أيوب واقفًا بعصبية وملامحه متشنجة ونيران الغضب تتأجج في عينيه...

"ما خلاص يا أمه.. انتي بتزودي وجعي ليه؟!"

احتدت أمه بغيظ منه...

"يعني موجوع منها...وعايز تتجوزها؟!
أفهم إزاي؟!"

انفجرت كلماته دفعةً واحدة محملة بالوجع...

"بحبها يا أمه.... بحبها ومش عايز ست في حياتي غيرها...ويمكن أموت لو سيبتها تاني تروح لحد غيري... "

ظهر التأثر والتعاطف على ملامح الشقيقتين كما ظهر على أمه التي ترقرقت الدموع في عينيها قائلةً بحنق...

"ونبي ما تستاهل حبك ولهفتك عليها... "

رد أيوب بملاطفة وهو يأخذ خطوة نحو مجلس أمه...

"ليه بس كده يا صفصف؟...نغم طيبة وبتحبك.... "

نظرت إليه والدته بقوة قائلةً بوجوم...

"أنا اللي يوجع عيالي ويدوس ليهم على
طرف كأنه وجعني وداس عليا كمان.. وهي عملت كده... فأياك تطلب مني أبقى معاها
زي الأول... "

أطرق برأسه وقد غمر وجهه الإحباط فتنهد بعدها في ضيق قائلًا...

"كأني ما قلتش حاجة... كمّلي مسلسلك."

رأته صفية يتحرك مبتعدًا عنها فحانت منها نظرة إلى التوأمين فرأتهما يترجيانها في صمتٍ وكأنهما يناشدان قلبها أن يلين... ألا تكون هي السبب في تعاسة ابنها بيديها...

فأيوب وهي تعرفه لن يتزوج أخرى مهما حاولت إقناعه في المستقبل... لن يفعلها.
بل سيحمّلهم الذنب وسيتهمهم بأنهم السبب في خراب حياته وابتعاده عن حبيبته التي اختارها بقلبه....

أوقفته صفية لتقول بصعوبة من خلف 
قلبها...

"استنى... عايز تتجوزها..... اتجوزها."

استدار إليها أيوب ليقول متجهمًا...

"مش هتجوز من غير رضاك."

جزت صفية على أسنانها والصمت يطول بينهما حتى قالت بقلبٍ ملتاع...

"أنا راضية عنك وعمر قلبي ما يغضب عليك بس أنا مش راضية عن اللي بتعمله في نفسك. بنت الأكابر مش بتحبك... لو بتحبك بجد مكنتش عملت اللي عملته.... "

علا صوت أيوب محاولًا أن يحسن صورة حبيبته أمامها قدر المستطاع...

"بتحبني يا أمه... وروحها فيا زي ما روحي فيها هي عنيدة حبتين وسمعت لشيطانها كانت عايزة تغيظني بخطوبتها... ولما لقتني بعدت عنها ومهتمتش... فشكلت الخطوبة. لو هي مش كويسة كانت كملت معاه خصوصًا
إنه أغنى مني وأحسن مني... "

قالت والدته بدفاع...

"مفيش حد أحسن منك يا ضنايا... انت بعون الله هتبقى أحسن وأغنى من الكل طالما بتسعى وبتقول يا رب...."

ابتسم لها أيوب ولانت نظراته كما لان قلبه وهو يقترب منها جالسًا على ركبته أمامها...

"كله بدعواتك يا ست الكل... قولتي إيه؟
لسه مش موافقة؟"

تنهدت صفية بتعب وهي ترى في عينيه رجاءً حزينًا وسعادةً مؤجلة تنتظر الإذن منها...

"مش هقف قصاد سعادتك يا بني طالما انت راضي وموافق.... هدعيلك ربنا يصلّح حالكم ويخيب ظني فيها... "

ثم ربتت على صدغه قائلةً بمحبة...

"مبروك يا حبيبي."

سحبها أيوب إلى أحضانه مقبّلًا رأسها
فابتسمت صفية والدموع تملأ عينيها
مباركةً له مرة أخرى....

فقال أيوب ممازحًا وهو يبتعد عنها...

"طب سمعيني زغرودة زي الأولانية عشان أتأكد إنك موافقة فعلاً... "

أطلقت صفية زغرودة عالية لأجل عينيه
الفرحة فيهما بينما ابتسم التوأمان بسعادة.

فقال أيوب معترضًا....

"مش من قلبك يا صفصف... واحدة كمان.. "

رفضت والدته قائلةً بتعب...

"يا واد نفسي اتقطع... خلاص بقى"

ثم تحركت والدته بعد دقائق إلى غرفتها
مغلقةً الباب عليها لتبكي وحدها في 
صمت....

"مبروك يا بوب... ألف مبروك"

قالتها ندى بسعادة فرد عليها عابسًا والشك يملأ صدره نحوها...

"الله يبارك فيكي... عقبالك."

وكذلك قالت نهاد بمحبة...

"مبروك يا أيوب..."

سألها أيوب بنظرة غاضبة حانقة...

"أمك عرفت منين يا نهاد ان نغم اتخطبت
انتي اللي قولتلها؟..... محدش يعرف غيرك موضوع الخطوبة ده..."

رفعت يديها للأعلى مبرئةً نفسها وهي تعترف

"أنا مفتحتش بُقي والله...بس ندى من فترة شافت بوست على النت بالخبر ده... فقالت لماما.... "

حدّق فيها بحدة واللوم يعقبه قائلًا...

"مبتستريش أبدًا... "

مطت ندى شفتيها قائلةً ببراءة...

"وأنا أيش عرفني إن الماية هترجع لمجاريها أنا قولت قصة وانتهت..."

كانت ستنتهي حقًا...لولا ذلك القيد الذي يشتدّ حول قلبه كلما حاول الفكاك منه !
........................................................... 
كانت جالسة في مكتبها تُريح ظهرها على المقعد تتأرجح به قليلًا يمينًا ويسارًا منتظرة انتهاء اخر دقائق في العمل...طوال الوقت كانت تفكر فيه....

اليوم الاثنين وقد أخبرها أنه سيأتي منذ الصباح لينهي بعض الأعمال التي لديه ثم يصطحبها إلى شقة زواجهما لتراها....

لكنه لم يأتِ اليوم ومنعت نفسها بأعجوبة من الاتصال به....

أصبحت مترددة في أخذ أي خطوة نحوه أو المبادرة بشيء حتى لا يجرحها بكلامه وأسلوبه الفظ....

لذلك مارست على نفسها كل أنواع الصبر والثبات حتى انتهى اليوم دون أن ترفع السماعة وتبادر بمكالمته....

نظرت إلى ساعة يدها لترى أن الوقت قد حان للعودة إلى المنزل لتستريح بعد يومٍ مرهقٍ في التفكير فيه وانتظاره أكثر من العمل نفسه.

حملت نغم حقيبة يدها وتحركت خارجة من المكتب وحين سارت في الممر تفاجأت به يأتي من الناحية الأخرى قاصدًا مكتبها.

توقفت في مكانها تنظر إليه بقلبٍ خافق
وملامح يطفو عليها الوله... فيما فعل هو
مثلها متوقفًا مندهشًا لثوانٍ من ظهورها
أمامه تنوي الرحيل دون أن تهاتفه أو تطمئن عليه طوال اليوم...

كان ينتظر اتصالها رغم انشغاله الكبير في العمل لكنها لم تتصل ولم تبعث رسالة
واحدة وكأن وجوده أو غيابه لا يعنيها.

أشعل ذلك غضبه وغيظه من نفسه قبلها فهو لأجلها تنازل كثيرًا حتى بات شخصًا غريبًا عن ذاته ؟!.....

ظهرت ليان فجأة بينهما كما اعتادت أن تفعل دائمًا وكأن هذا هو الدور الذي اختارته
لنفسها.

اندهشت من رؤية أيوب في نهاية اليوم ولم تلحظ وجود نغم في الجهة الأخرى من الممر فقالت بلهفة وهي تقترب منه...

"أيوب معقول لسه فاكر تيجي؟... كلمتك أكتر من مرة وما بتردش... قلقتني عليك."

كانت بالفعل قد اتصلت به كثيرًا وأرسلت
أكثر من رسالة وفي كل مرة كان هاتفه
يضيء باتصال أو رسالة يظن أنها من 
حبيبته حتى يتفاجأ بأنها أخرى تهتم به 
أكثر منها....

وهذه كانت نقطة في بحرٍ هائج من الغضب المحتدم الذي يموج في صدره.

ردّ على ليان وعيناه لا تفارقان رماديتين مشتعلتين بالغيرة نحوهما...

"كان عندي شغل...عشان كده ما عرفتش أجي... عن إذنك يا ليان."

أمسكت بذراعه تمنعه من الابتعاد متسائلة

"رايح فين يا أيوب؟"

ردّ أيوب وهو يشير بعينيه نحو نغم الواقفة بثبات وهدوء كأميرة تنتظر بكبرياء....

"متفق أنا ونغم نروح سوا مشوار مهم."

نظرت ليان إلى نغم في الجهة الأخرى وقد أوغر صدرها بالغيظ فأعطت لنفسها الحق
وهي تسأله.....

"مشوار فين بالظبط؟"

رفع حاجبه واجمًا من تعديها حدودها معه فابتلعت ريقها وهي تقول بارتباك....

"يعني... عشان لو طلعت على الورشة وحد سأل عليك."

ردّ أيوب بخشونة وحزم...

"بلاش تطلعي على الورشة... روحي أحسن سلامة هناك...ولو في حاجة هيسد مكاني."

ثم تركها دون أن يضيف شيئًا اخر متحركًا نحو نغم وكأنها المرأة الوحيدة في الكون
الذي يدور حولها دون كللٍ أو ملل...

هكذا كانت تشعر في كل مرةٍ تحاول فيها لفت انتباهه نحوها فتأتي نغم وبنظرةٍ واحدةٍ يلهث خلفها...

زمت فمها بقرفٍ وهي تغادر الممر بخطواتٍ متشنجة تاركةً عصافيرَ الحب خلفها...

لكنهم لم يكونوا عصافيرَ حب كما ظنّت بل كانوا أعداءً في حربٍ شعواء من النظرات النارية المتبادلة...

"على فين العزم؟..."

زمت فمها وهي تجيب ببرود...

"مروحة..."

ضاقت عيناه فوق ملامح متجهمة وقال مستنكرًا....

"كده من غير حتى ما تقوليلي؟ طب حتى ارفعي سماعة التليفون شوفيني ميت ولا حي.. "

حرّكت أهدابها بتوتر فتلك هي الرغبة التي كانت تمنع نفسها عنها طوال اليوم...

"أنا قولت طالما مجيتش...تبقى مشغول..."

تشنج فكُّ أيوب بقسوة وهو يعقّب...

"على الأقل كنتي تأكّدي إذا كنت مشغول 
ولا في مصيبة... "

تأففت نغم وهي تتهرب من اللوم قائلةً
بسأم...

"هنروح زي ما قولت ولا آخدها من قصرها وأروح؟..."

التوت ابتسامة أيوب باستهزاء وقال وهو يشملها بنظرةٍ غير راضية...

"وسّعي خُلقك يا شابة... ومعاه وسعي هدومك دي عشان ما أولعش فيهم بجاز المرة الجاية!"

ألقت نظرةً على ما ترتديه من طقمٍ أنيق يناسب العمل وقالت باستنكار...

"مالها هدومي؟!"

هتف أيوب مستهجنًا...

"محتاجة متر قماش عشان توسع حبتين تلاتة...."

تشدّقت بعدم رضا قائلةً...

"متر قماش؟!.... إنت عايزني أجي الشركة بعباية.... "

رد أيوب واجمًا...

"لا... بس ممكن يبقى لبسك أوفر سايز..."

تبرّمت بتعالٍ عاقدةً ذراعيها أمام صدرها..

"في الشركة؟!.... الأوفر سايز ده لأماكن معينة مش في الشغل..."

طاف الضجر على وجهه وفي عينيه ومضت غيرةٌ حادة وهو يقول بحدة....

"وسعي لبسك يا نغم... دي آخر مرة هقولها. المرة الجاية هقطع الهدوم وهي عليكي..."

غزا الاحمرار وجهها وهي تعنفه بنظراتها
قائلةً بجسارة....

"متقدرش تعمل كده..."

ابتسم ابتسامةً وقحة قائلا بثقة...

"كلها أسبوعين وهتتأكدي بنفسِك..."

ألقى نظرةٍ تحمل الكثير من التحدي ثم 
تحرك من أمامها مشيرًا لها أن تلحق به كالتابعة المطيعة...امتعضت ملامحها بتمرد وهي تنظر إلى ظهره العريض الصلب بغيظ
شديد...

بعد فترة دلفت إلى الشقة بعدما فتحها أيوب بالمفتاح.....

تجولت بنظراتها في أرجاء المكان بتأمل كانت الشقة متوسطة المساحة تقع في حي شبه راقٍ كما أخبرها سابقًا....

تبدو جاهزة للسكن تقريبًا لا ينقصها سوى أن تُطلى جدرانها بالألوان التي تختارها هي مع بعض اللمسات من الديكور....وبالطبع حين يُضاف إليها الأثاث المناسب سيختلف كل
ركن فيها لتنبض بعصريةٍ دافئة....

"إيه رأيك؟..."

قال بهدوءٍ من خلفها

فأجابته بهدوء....

"كويسة..."

سألها عابسًا....

"شكلها مش عجباك؟..."

جالت بعينيها في المكان مرة أخرى وقالت بصوتٍ رقيق...

"بالعكس...حسيت براحة أول ما دخلتها... ودي إشارة كويسة... "

تنهد بارتياحٍ واضح وهو يقول...

"طب الحمد لله مطلعتش أنا لوحدي اللي حسيت بنفس الحاجة..."

ثم أشار نحو الغرف قائلاً...

"تعالي شوفي الأوض ومساحتها..."

بدأت تتفقد مساحة كل غرفةٍ بتأنٍ وهي تُنصت إلى حديثه...

"دي أوضة نومنا... ودي أوضة للضيوف... 
ودي أوضة رُبى..."

عقبت بنظرةٍ مندهشة...

"رُبى؟!"

أومأ برأسه قائلاً بابتسامةٍ صغيرة...

"لما ربنا يكرم يعني... ويبقى عندنا بنت."

تورّدت وجنتاها متذكرة حفل ميلاد الصغيرة التي أصلح لها ثوبها...خفق قلبها بسعادةٍ بين أضلعها وقالت بخجلٍ لطيف....

"ممكن نخلي أوضة الضيوف هي أوضة الأطفال.... عشان مساحتها أوسع... يعني
في المستقبل ممكن يبقوا اتنين."

ردّ بنظرةٍ عابثة جعلتها تعضّ على لسانها 
من عفويتها معه....

"آه ممكن... أو ستة شدّي حيلك إنتي بس معانا... أنا ناوي أعمل عيلة... عيلة كبيرة معاكي...."

ثم دخلا إلى الشرفة آخر مكان يزورانه في الشقة فسألها أيوب بشغفٍ....

"إيه رأيك في البلكونة؟... هواها يردّ الروح..."

أجابته ببساطة...

"كويسة..."

تجهّم أيوب من ردها المتكرر وقال باستياءٍ واضح...

"هو كل حاجة عندك كويسة؟... مش حافظة غيرها هي الشقة مش قد المقام ولا إيه..."

نظرت إليه بصدمة فالشقة أعجبتها حقًا وشعرت بالراحة فور دخولها وقد أعربت
عن ذلك قبل لحظات فقط...

لكن يبدو أن الحزن ما زال يخيم عليها مهما حاولت إخفاءه وهو السبب خلف تلك المشاعر السلبية التي تجتاحها بعنف.....

ردت بنبرةٍ صادقةٍ حارّة....

"أنا مستعدة أعيش معاك في عِشّة..."

سخر منها قائلًا...

"حلو كلام الأفلام ده..."

احتدت نظراتها ونبرتها معًا...

"ده مش كلام أفلام... دي الحقيقة.. "

رمقها أيوب بنظرةٍ قاتمةٍ أغرقتها في أمواجٍ متلاطمةٍ من العتاب واللوم....

"الحقيقة إنتي قولتيها يوم ما كنتي في المستشفى... أكيد فاكرة إنتي قولتيلي إيه..."

لماذا يُصرّ على تعذيبها وتذكيرها بأفعالها السابقة معه؟

أسبلت جفنيها بحرجٍ وقالت...

"وقتها كنت حاسة إنك غدرت بيا..."

تهكّم أيوب معقّبًا....

"ودلوقتي مين غدر بالتاني؟"

رفعت نغم عينيها إليه قائلةً بتشنّج...

"لو مش قادر تنسى وتسامح ليه عايزنا 
نكمل مع بعض؟..."

تبادل معها النظرات بصمتٍ مشحون عاجزًا 
عن الرد...كما يعجز قلبه عن محوها.

"ما عنديش رد على سؤالك..."

خطت نحوه خطوةً وهمست بعذاب...

"أنا عارفة الرد... إنت بتحبّني يا أيوب..."

التوى فمه ولم يُنكر الحقيقة الواضحة بينهما فقال بغلاظةٍ تخفي وجعه...

"ماهو ده عيبه... إني متزفت..."

رمقته بعتابٍ أنثويٍّ حزين...

"حبك ليا زفت؟..."

أولاها ظهره ممتنعًا عن الرد وهو يُسند ساعديه على سور الشرفة بعصبيةٍ واضحة هارب منها ومن قلب يخفق باسمها من
شدة عشقه لها....

ابتسمت نغم بحزنٍ دفين وهي تحدق في ظهره العريض الصلب وهذه المرة لم تكتفِ بالنظر فقط قد انساق قلبها خلف الأشواق فمالت برأسها تسند وجنتها برقةٍ على ظهره
دون أن تجرؤ على لمسةٍ أخرى حتى لا تزعجه....

أغمض أيوب عينيه وثقلت أنفاسه إثر تلك اللمسة الناعمة المفاجِئة منه وقد انتظر لوهلة أن تطوّقه بذراعيها ليكتمل العناق دفئًا وحنانًا بينهما..... لكنها لم تفعل....

ظلت على هذا الوضع لدقيقتين دقيقتين كانتا الأجمل بينهما قد كان الصمت في تلك اللحظة يحمل نغمةً ناعمة... كأسمه حين تنطقه شفتاها كتعويذة خالصة بالعشق....
.............................................................
دخلت الغرفة مجددًا وفي يديها طبقٌ صغير يحمل قطعًا من الحلويات الشرقية المتنوعة معه قطعة كيك مزينة بالكريمة.

جلست تلتقط كل قطعة ببطء تضعها في فمها مستمتعةً بمذاقها الحلو... حلاوةٌ شديدة كما تفضلها...

رفعت عينيها السوداوين نحو من تشاركها الجلسة في الغرفة كانت تجلس على الفراش صامتةً تضمّ ساقيها إلى صدرها تحدق في الفراغ بعينين شاردتين كما حال عقلها...

منذ ما يقارب الساعة وهي على هذا الحال...

منذ أن نزلت أبرار لتتفقّد الأشياء التي اشتراها والدها استعدادًا للخطبة من عصائر وحلويات والتي وصلت لتوّها وتم وضعها في شقته 
في المطبخ....

سألتها أبرار....

"مالك... قاعدة كده ليه؟"

رفعت شروق عينيها إليها قائلة بكآبة...

"مفيش... إنتي بتعملي إيه؟"

قالت ببساطة وهي تضع قطعة أخرى في فمها بتلذذ....

"بدوق الحاجات اللي بابا جابها..."

رمقتها شروق بضيق قائلة....

"إنتي نازلة عشان تاكلي حاجات خطوبتك يا أبرار ده كلام؟"

مطّت شفتيها للأمام قائلة باعتداد...

"ومكلّش ليه منها؟!... هما اللي هيكلوا أحسن مني؟!"

ثم أضافت بجدية تحاول أن تحافظ على ماء وجهها.....

"وبعدين أنا بدوق قبل المعازيم... بطمن على الجودة وكده..."

سألتها هازئة...

"وعلى كده اطمنتي؟!"

أجابتها أبرار بشقاوة...

"محتاجة طبق كمان عشان أطمّن أكتر..."

لوّحت شروق بيدها مستنكرة الوضع...

"والله ما عندِك دم... ده بدل ما تقومي تلبسي..."

قالت أبرار بتجهم....

"مش لما الميكب آرتست تيجي... والفستان يتكوي..."

ثم دلفت ملك إليهما وعندما رأتها شروق ارتفع حاجباها معًا بصدمة وهي ترى فمها ملطخًا بالكريمة والشوكولاتة !...

"إيه اللي إنتي عاملاه ده يا ملك؟!"

أجابت ملك والدتها وهي تسحب منديلًا ورقيًا وتمسح فمها...

"الجاتوه اللي بشوكولاتة أحلى من اللي بالكريمة..."

شهقت شروق غير مصدقة وهي ترمقها 
بحدة...

"إنتي كلتي من الجاتوه بتاع الناس؟!"

انكمشت ملامح ملك ببراءة وهي تشير إلى أبرار....

"طب ما أبرار كلت..."

صاحت أبرار بحنق...

"أنا العروسة يا أم صورم.... ولازم أدوق... "

ضربت شروق على خدها مستاءة من كليهما وكأنها تقف أمام فتاتين في الروضة....

"إنتوا كده بتدوقوا؟!..... تعالوا كلوني... "

ثم وجّهت نظراتها إلى أبرار وقالت بغضب مكتوم...

"وبعدين إيه أم صورم دي؟!.... ما تحترمي نفسك في حد يقول كده لعيلة صغيرة... "

تبرمت أبرار وهي تقول بضجر...

"أيوه...دفعي عن بنتك مانا يتيمة وماليش حد..."

قالت ملك بوجه ممتقع...

"سيبيها يا ماما..هي حلوفة كده في كلامها..."

حدقت فيها شروق بذهول لتنهرها هي الأخرى....

"حلوفة؟!.... ملك عيب دي أختك الكبيرة!"

"أووف بقى... "

دبّت ملك الأرض بقدمها واجمه وهي تغادر من أمامهما فيما صاحت أبرار من خلفها مهددة...

"رايحة تقعد على التلفون مش كده... ماوراهاش غيره من ساعة ما خدته والله 
يا ملك لأغير رقم الواي فاي... "

ردت عليها الأخرى بلا اكتراث...

"عادي غيريه... هاخده من ياسين.. "

صرخت أبرار بغيرة مجنونة..

"ملكيش دعوة بخطيبي.. "

ثم نظرت إلى شروق بحنق...

"شايفة بنتِك؟!.... مالها ومال خطيبي؟!"

قالت شروق بصبر...

"أخوها... اعقلي وخلصي طفح خليكي تقومي تاخدي دش كده وتلبسي..."

تجلى الاستهجان في عيني أبرار وهي تقول بازدراء....

"أخلص طفح؟!...ما البت مش جايباه من 
برّا.. "

ثم قالت أبرار بعد برهة...

"بقولك إيه... رني على بابا كده... شوفي جاي إمتى..."

رفضت شروق قائلة...

"رني عليه إنتي..."

رمقتها أبرار بعينين متعجبتين...

"ليه؟!...... إنتوا زعلانين؟!"

لم ترد شروق لكن التنهيدة التي أطلقتها وملامحها الحزينة منذ بداية اليوم كانت
تشي بحقيقة الوضع بينها وبين زوجها.

"شكلك باين عليه... إيه اللي حصل بينكم؟"

رفضت شروق التحدث حول الأمر خوفًا أن تفهم أبرار غيرتها بصورة أخرى...

رفضت شروق التحدث حول الأمر خوفًا أن تفهم أبرار غيرتها بصورة أخرى...

ففي النهاية تلك المرأة التي تغار منها هي والدتها المتوفاة...

"عادي يعني... مشاكل عادية متشغليش بالك. انتي ركزي في ليلتك..."

عقبت أبرار باستنكار...

"أركز إزاي وإنتوا متنكّدين كده... ده ينفع.. "

ثم تابعت حديثها برجاء..

"حاولي تصلحي بابا يا شروق... عشان خاطري... مش عايزاه يبقى زعلان في يوم
زي ده..."

أمام نظراتها الراجية أومأت شروق برأسها واعدةً إياها....

"ربنا يسهل... هتعملي إيه دلوقتي؟"

نهضت أبرار من مكانها وهي تقول...

"هطلع شقتي آخد دش كده وألبس وأستنى البنت اللي هتزوقني زمانها على وصول..."

"طب أنا طالعة معاكي..."

منعتها أبرار وهي تقول بجذل...

"خليكي إنتي... شوية واطلعي أنا هاخد ملك معايا تساعدني في لبس الفستان..."

حدقت فيها باستغراب...

"ملك؟!.... مش كنتوا لسه مهزقين بعض من شوية.... "

ضحكت أبرار مؤكدة بضيق زائف...

"عادي يعني...هي عيلة باردة صحيح... بس بحبها..."

التوى ثغر شروق في ابتسامة صغيرة داعيةً لهما من قلبها...

"ربنا يديم المحبة والود بينكم..."

خرجت أبرار أمام عيني شروق مناديةً على ملك بصوتٍ ناعمٍ مدلَّل....

"ملوكه... تعالي يا لوكا عشان تساعديني...
هاتي فستانك ويلا نطلع نلبس فوق..."

تنهدت شروق وهي تنكبُّ على أحزانها 
مرة اخرى جالسةً في مكانها تندب حظها والندم يفترسها...

سمعت صوت الباب يُفتح بالمفتاح فانتفضت في مكانها واقفةً وقلبها يرنو إليه قبل عينيها.

وقفت على عتبة باب الغرفة تنتظره فرأته يقترب بضع خطوات ثم يتوقف بملامح
جافية مقتضبة يرفع عينيه الخضراوين
نحوها وشعلة الغضب الكامنة فيهما تحرق فؤاد قلبها...

قالت همسًا بتردد...

"الحمد لله على السلامة..."

سألها بخشونة...

"الحاجة وصلت؟"

أومأت برأسها بلهفة مجيبة...

"أيوه من شوية... وأبرار كانت هنا وشفتها."

سألها بفتور...

"وهي لسه هنا؟"

أجابته بصوتٍ حزين..

"طلعت هي وملك عشان تجهز نفسها..."

سألها بنفس الفتور القاتل لروحها..

"وانتي ما طلعتيش معاهم ليه؟"

ازدردت ريقها وهي تقول بحرج...

"شوية وطلعة... يمكن تحتاج حاجة..."

زاد بريق عينيه بصورة خطِرة وهو يشيح وجهه عنها قائلًا...

"شكرًا... مش محتاج حاجة...."

دلف إلى الحمام أمام عينيها الحزينتين فأطرقت رأسها أرضًا بقلبٍ مفطور بالألم والندم فكلما تحسّنت علاقتهما جاء الماضي ونثر عواصفه الترابية عليهما...

عادت إلى الغرفة جالسةً مترددةً بين الصعود للأعلى أو انتظاره حتى يخرج...

خرج صالح بعد دقائق يلف المنشفة حول عنقه مرتديًا بنطالًا بيتيًا مريحًا تاركًا جزعه العلوي العضلي عاريًا عرضةً لعينيها التي حدّقت فيه بتمعن هائمةً في رجلٍ أصبح يعني لها أكثر من زوجٍ وحبيب...

أصبح في عينيها الحياة بكل معانيها... حلوها ومرّها....

حين رآها صالح ما زالت في الغرفة سألها وهو يجفف وجهه وشعره مشرفًا عليها بقامة طوله المهيبة وهيبته التي تزعزع ثباتها...

"إنتي لسه هنا؟!.... ما طلعتيش؟"

بللت شفتيها بارتباك قائلةً بخفوت...

"قلت أسألك لو عايز تاكل أو تشرب حاجة
قبل ما أطلع..."

ردّ عليها بقنوط...

"شكرًا... لا عايز آكل ولا عايز أشرب."

نهضت من مكانها لتقف أمامه قائلةً باحتجاج

"هو إحنا كل ما نزعل من بعض تغضب على الأكل والشرب؟!"

تنهّد صالح مستغفرًا وهو ينظر للسقف
قائلًا...

"يا الله يا ولي الصابرين... ممكن تسيبيني
يا شروق وتشوفي اللي وراكي؟ أنا مصدّع وتعبان..."

هتفت بلهفة وهي تقطع المسافة بينهما
برقة....
"سلامتك مالك؟..... من إيه الصداع؟"

اجتاح الضعف جسده بعد همستها العذبة
فاتكأ على أسنانه بقوة قائلًا بغيظ...

"منك... منك إنتي والله..."

لاحَت الدهشة في عينيها بتساؤل...

"مني؟!.... لدرجادي أنا تعباك؟!"

أشاح بوجهه عنها رافضًا الرد ولو ترك نفسه لشيطانه لدقَّ عنقها في أقرب حائط...

قالت شروق بنبرةٍ باكية...

"صالح اللي قولته ده كان غصب عني... أنا بس كنت غيرانة..."

أردف صالح باستهجان...

"وتفتكري أنا زعلان عشان غيرتك؟... أو
مش مقدّرها؟"

حرّكت أهدابها بعدم فهم مفكّرة فاستأنف قائلًا بصلابة...

"اقعدي مع نفسك وافتكري كده... إنتي قولتي إيه."

خضع قلبها أمامه وهي تمدّ يدها لتضعها على صدره معتذرةً بشجن...

"خلاص حقك عليّا مش هتتكرر تاني والله..."

انتفض صالح وأبعد يدها عنه بحدّة كمن لسعته نار...

نظرت إلى يدها بصدمة ثم إلى عينيه هامسةً بصوتٍ مجروح....

"صالح... إنت مش طايق لمستي؟!"

أولاها صالح ظهره وهو يشرع في ارتداء ملابسه قائلًا بصرامةٍ خشنة...

"إنتي اللي عايزة كده...لو قربت منك زي الأول بعد اللي قولتيه هابقى في نظر نفسي راجل 
معندوش دم... ورامي نفسي على واحدة مش عايزاني...."

هتفت شروق بتهدّج...

"أنا مش عايزاك..... أنا روحي فيك.. "

سخر من حديثها والتوى فكّه بتشنّج قائلًا بسخط...

"كلام... كله كلام... ووقت الجد بيبان مين فينا بيحب التاني وبيحترمه."

أشارت إلى نفسها والكلام كالسوط يجلدها بقسوة....

"يعني أنا مش باحترمك؟!"

ردّ بنظرةٍ جامدة خالية من أي تعاطف...

"إنتي شايفة بعد اللي عملتيه وقولتيه وسوء ظنك فيا....إنك كده بتحترميني؟"

لم يُسعفها لسانها أمام نظراته المنتظرة ردَّها كذلك شعرت أن الكلمات توقفت في حلقها تخنقها دون أن تتحرر...

"أنـا..."

مسح صالح على وجهه بكفّه ثم أشار بنفاد صبرٍ نحو باب الغرفة...

"اطلعي من الأوضة يا شروق وخدي الباب في إيدِك... الكلام خلص ومش هنقعد نعيد ونزيد فيه..."

ثم أمام عينيها الحزينتين استلقى على الفراش مديرًا ظهره إليها فيما بقيت هي للحظاتٍ في مكانها تحترق على جمار هجره وكلماته....
................................................................
وقفت أبرار أمام المرآة تتمايل يمينًا ويسارًا لترى هيئتها الأخيرة بعد أن انتهت من التزيّن...

ظهرت بهيئة رقيقة كعروس بفستان سهرة أنيق من اللون البني الدافئ والقماش الشفاف المتدرّج يتميّز بقصّة واسعة من الأسفل وينسدل بانسيابية ناعمة... مع خصرٍ محدد بحزام رفيع يبرز شكل القوام... وأكمامه طويلة بقصّة خفيفة منتفخة قليلًا عند الأكتاف...

أما حجابها فقد لفته بشكل عصري ملائم لوجهها الصغير مع زينة رقيقة أبرزت ملامحها وزادتها إشراقًا...

"شكلي حلو يا ملك؟"

"حلوة أوي..."

قالتها ملك وهي تقف أمام المرآة بجوار أبرار تُرجع غرتها الناعمة خلف أذنها بينما تتأمل بعينيها ثوبها الذي كان بنفس لون فستان أبرار لكن بقصّة مختلفة تليق بطفولتها فهو قصير وعارٍ من عند الأكتاف ويحمل بعض التطريز اللامع...

جلست أبرار على حافة الفراش ثم أجرت اتصالًا بصديقتها بينما خرجت ملك من الغرفة تبحث عن أمها...

"انتي فين يا نهاد... كل ده يا جزمة مش متفقين تيجي بدري؟.... "

سمعت تبريرات الأخرى على الجانب الآخر فزمت فمها قائلة بضيق...

"طب بسرعة... مستنياكي..."

أغلقت الهاتف ثم اتصلت بياسين..وبعد دقيقة 
فُتح الخط وأتاها صوته مداعبًا...

(وأخيرًا حنيتي عليا يا أبراري... فينك من الصبح؟)

قالت بنبرة رقيقة...

"كنت بجهز نفسي... إنت فين؟"

أجابها ياسين وهو يدير محرك السيارة...

(لسه مخلص من عند الحلاق وراجع على البيت... هاخد دش كده وألبس وأنزلك...)

امتقع وجه أبرار وهي تقول بشجن...

"مش كان الأحسن لو كنا عملناها في قاعة؟"

أطلق ياسين تنهيدة عميقة وهو يقول بضيق
مكتوم...

(هو أنا مستبخل يعني؟... ما على يدك بقالنا أسبوع بنتحايل عليه وهو اللي طالع عليه خطوبة على الضيق في البيت... أنا ما عزمتش حد من صحابي بسبب أبوكي... ولأجل عيونك...)

مطّت شفتيها مغتاظة من تحكمات والدها الزائدة عن الحد معهم...

"أنا كمان ما عزمتش غير نهاد وأختها... شكلي هيبقى وحش أوي لما أرجع الجامعة ويعرفوا إني اتخطبت وماقولتش... هيفتكروني خايفة من الحسد..."

أضفى ياسين جوًا من الدعابة قائلًا بغرور...

(طب ما انتي فعلًا لازم تخافي من الحسد هو 
انتي هترتبطي بأي حد؟... ده أنا نص بنات إسكندرية هيموتوا عليا...)

ارتفع حاجبها للأعلى بخطر سائلة بتحفّز...

"والله؟... ومخدتش واحدة منهم ليه...يا دنچوان؟"

مط الكلمات بأسلوب ساحر...

(ما أنا خدت ستهم... كفاية عليّا...)

خفق قلبها وتراجع غضبها.... أسبلت عينيها بخجل متغاضية عن عقابه فمثل تلك الكلمات تُضعف موقفها...

"كنت ناوية أنكد عليك... فلتَّ..."

زفر بارتياح قائلًا بخبث...

(طب الحمد لله... بقولك إيه... إي رأيك أحط أبوكي قدّام الأمر الواقع... ونخلّي الخطوبة كتب كتاب؟)

تبرّمت أبرار معقبة على خطته...

"وأنت فاكر صالح الشافعي بيجي بالطريقة دي؟"

سألها بنفاد صبر...

(أمال بيجي بإيه؟...اديني السكة اللي أدخل بيها وأكتب عليكي...)

أجابته بهدوء مستفز...

"الصبر... أصبر شوية... مستعجل على إيه؟ خطوبة من كتب كتاب ما فرقتش كتير..."

اعترض ياسين بانزعاج...

(لا طبعًا فرقت... أنا كده مش هعرف أخد راحتي... والخمار اللي بتلبسيه الأربعة وعشرين ساعة ده مش جاي معايا بصراحة...)

ابتسمت أبرار وهي تقول بابتسامة واسعة 
مطمئنة...

"متقلقش مش هلبس الخمار... هلبس الإسدال عشان أشيك... أنا لسه شارية دستة عشان أبدل فيهم قدامك وما تزهقش..."

صاح ياسين بغيظ شديد...

(انتي عايزة تشليني... أنا مش عايز أشوفك
بحاجة خالص...)

شهقت أبرار بصدمة صائحة...

"يا قليل الأدب..."

تذمّر ياسين ببراءة...

(انتي مخك راح لفين؟.... أنا قصدي بشعرك)

قالت باقتضاب...

"لما نتجوز..."

ظهر السأم أكثر في صوته...

(ما عشان كده عايز أكتب الكتاب...)

قالت أبرار بصبر...

"بطل تحكمات يا ياسين وعدّيها... إحنا ما صدقنا بابا وافق على الخطوبة..."

أجابها على مضض...

(آه... على رأيك...)

سألته أبرار متذكرة...

"جبت البوكيه.... صحيح؟"

استهجن ياسين طلبها مجيبًا...

(وإيه لازمة البوكيه؟... وأنا كده كده هشوفك 
من بعيد...)

اغتاظت أبرار من الرد وقالت بحدة...

"قصدك إيه؟... هو ينفع خطوبة من غير ما العريس يجيب لعروسته بوكيه؟... "

هتف ياسين بحرارة متمنيًا...

(مستعد أجيبلك البوكيه... بس أقعد جمبك
في الكوشة..)

ضحكت عليه قائلة بتشفي...

"أحلامك بقت بائسة..."

زمجر ياسين بغضب...

(ما كله من أبوكي... منه لله...)

اتسعت عيناها بصدمة...

"إنت بتدعي على بابا؟"

رد مقتضبًا...

(يا ستي... كلنا مننا لله...)

بعد لحظات أغلقت الهاتف معه وهي تعض على شفتيها مبتسمة بسعادة... فاليوم تأخذ خطوة نحو حب عمرها... حب اكتشفت أنها تحمله في قلبها منذ صغرها كالسر الغالي والكنز النفيس...

سمعت طرقًا على الباب فأذنت للطارق....

"ادخُل..."

فُتح الباب وطلت منه نهاد برأسها وهي تقول بابتسامة واسعة...

"يأغتي عروسة حلوة..."

قالت أبرار بامتعاض...

"ده أنا هكلك... تعالي يا جزمة..."

اقتربت منها نهاد وتبادلت معها العناق بحرارة 
قائلة...

"مبروك يا بيري... مبروك يا قلبي..."

ثم ابتعدت عنها تتأمل الفستان وهيئتها المتألقة كعروس...

"كانت فين الحلاوة دي... شيلاها لياسين بس..."

ردت أبرار بظفر...

"أنا طول عمري حلوة."

قالت نهاد ضاحكة وهي تشير إلى أختها التي أتت خلفها...

"بس النهارده أحلى ولا إيه يا ندى؟"

أبعدت ندى أختها عن أبرار وهي تقول بتهكم..

"اديني فرصة أسلم وأبارك زيك... ولا عشان دكاترة زي بعض ومن نفس الكلية هتعملوني بعنصرية؟"

تبادلت أبرار مع ندى العناق أيضًا وهي تقول بمناغشة...

"إحنا نقدر يا فنانة... ده أنا ناوية أخليكي تعمليلنا بورتريه الخطوبة..."

ضاقت عينا ندى وقالت بانتهازية...

"تقلي جيبك وابعتي الصورة... وسيبي الباقي عليّا."

صدمها الرد فقالت أبرار بامتعاض..

"اتقل جيبي؟.... طب اعزمي حتى عزومة مركبية وقولي هدية مني ليكي.... "

لوّحت ندى بيدها مستنكرة وهي تقول بسخط..

"هو إنتوا لما تتخرجوا هتخلوا الكشف في عيادتكم هدية للحبايب؟"

هزت أبرار رأسها نفيًا معترفة بشراسة..

"مستحيل طبعًا... ده لو حكمت هدفع ياسين تمن الكشف... "

وضعت نهاد يدها على صدرها فهي أكثرهن رقّة ورحمة وقالت بدهشة...

"يا ساتر منك...بتفولي على الراجل بالتعب.. "

عقّبت ندى بسخرية...

"جبارة... وعايزة بورتريه بالحب.. "

ضحكت الفتيات معًا فيما قالت ندى بإشادة 
لطيفة...

"بس الفستان جامد يا بت يا أبرار... عليكي أحلى من الصورة اللي بعتيها على الواتس."

أكدت نهاد عليها...

"أنا بقول كده برضو..."

دارت أبرار حول نفسها بسعادة وهي تعود إلى انعكاس صورتها في المرآة....

سألتها ندى...

"العريس هييجي إمتى؟"

أجابتها أبرار...

"كان عند الحلاق... وزمانه في الشقة بيجهز نفسه."

عادت ندى تسأل بفضول...

"أبوكي فين صحيح؟...مش شايفاه."

نهرتها أبرار بغيرة...

"ما تلمي نفسك يا بت..أبويا اتجوز."

ضحكت ندى مازحة...

"ما قولتلك جوزهوني وزيتنا في دقيقنا..."

قالت أبرار بتحذير...

"لو شروق سمعتك هتولع فيكي..."

غمزت ندى بشقاوة قائلة...

"ما أنا عايزة أشوف شروق دي... عندي فضول أشوف المزة اللي جابت رجلين الشيخ صالح..."

لم يكملن حديثهن حتى دخلت شروق عليهن فقالت أبرار همسًا لهما...

"المزة وصلت..."

كانت شروق قد استعدت للخطبة بفستان سهرة أنيق ومحتشم من اللون الرمادي الفاتح مُرصّع بالتطريز اللامع الذي يغطيه بالكامل بطريقة فنية تشبه فروع الأشجار.... وعند الأكتاف طبقة من القماش المنسدل على الجانبين تُشبه الرداء أو العباءة الملكية مما منحه مظهرًا أنثويًا فخمًا.

قالت شروق بسعادة تلمع في عينيها وهي تتأمل أبرار بمحبة...

"بسم الله ما شاء الله... إيه الجمال ده كله يا أبرار؟ عيني عليكي باردة..... عايزة أبخّرك."

قبلتها شروق وباركت لها بحرارة ثم نادت بصوتٍ عالٍ.....

"تعالي يا خالتي... أبرار جهّزت تعالي شوفيها."

دلفت الجدة وما إن رأت أبرار حتى توقفت مكانها بعينين تلمعان بالدموع لتقول...

"الله أكبر... الله أكبر... يحرصِك من العين 
يا رب..."

قطعت أبرار المسافة بينهما مسرعة لترمي نفسها بين ذراعي جدتها التي بدورها ضمّتها بحنان وهي تبكي....

"مبروك يا أبرار... مبروك يا حبيبتي."

ضمّتها أبرار أكثر...

"الله يبارك فيكي يا تيتة."

مسح الجميع دموعهم التي ترقرقت في أعينهم فجأة متأثرين بمشاعرهما....

ثم خرجت أبرار من حضن جدتها تسألها وهي تمسح دموعها بحذر حتى لا تفسد زينتها...

"إيه رأيك يا تيتة؟"

قالت الجدة بابتسامة كبيرة حنونة...

"رأيي؟.... ما الجواب أهو باين من عنوانه... كبرتي يا أبرار... وربنا مد في عمري وشوفتك عروسة."

رد التوأمان معًا في نفس واحد...

"ربنا يديكي الصحة وطولت العمر يا تيتة."

ابتسمت لهما الجدة وهي تقول بود...

"عقبالكم يا بنات..."

نظرت شروق نحوهما بدهشة وإعجاب قائلة التعليق المتوقع من أي شخص يراهما لأول مرة معًا....

"ما شاء الله عليكم... إنتوا توأم؟ شبه بعض اووي...."

نظر التوأم إلى بعضهما باستحياء ثم ابتسما لها بتأكيد....

فقالت أبرار بتعرّف...

"دول صحابي يا شروق... نهاد معايا في الجامعة وندى أختها صحبتي بس كلية فنون."

زمت ندى شفتيها قائلة بتذمر...

"ومالك بتقوليها بقرف كده ليه؟.... مالها فنون؟"

ضحكت أبرار بينما قالت شروق بملاطفة...

"زي الفل... ملك نفسها تبقى مدرسة رسم."

قالت ندى بتوضيح...

"هي فنون مش بتخرج بس مدرسين رسم... فيها أكتر من تخصص.... "

قالت شروق بأسلوب ودود...

"يبقى لازم نقعد مع بعض مرة تانية وتقوليلي على التخصصات اللي فيها... أهوه أستفيد منك وأفيد ملك معايا...."

أحبت ندى الاقتراح بشدة...

"أوي أوي.... زي ما تحبي..."

ثم أشارت إلى شروق قائلة لهما...

"شايفين الناس...شايفين الناس اللي بتقدّر الفن؟....."

ضحكت شروق بحرج...

"متخديش فيا مقلب... أنا على قدي..."

قالت ندى بجدية...

"الفن بيتولد في الإنسان بالفطرة.. مش شرط يروح مدارس وجامعات عشان يثبت إنه فنان..."

وافقها الجميع الرأي فقالت شروق بخفوت...

"يمكن عندِك حق..."

قالت نهاد بأسلوب لطيف...

"بس إنتي ما شاء الله عليكي جميلة وشكلك صغير... مش مصدقة إن عندِك بنت..."

قالت شروق...

"عندي بنت ربنا يباركلي فيها...عندها عشر سنين..."

قال التوأم معًا...

"ما شاء الله... ربنا يخلهالك..."

مدت شروق يدها تقرص أبرار بخفة قائلة بمداعبة

"ويخليلي بنتي التانية...الكبيرة، العروسة... أبرار..."

ثم قبلتها مجددًا قائلة...

"زي القمر يا أخواتي..."

ضحكت أبرار بخجل وهي تبتعد عنها متجهة إلى المرآة...

فقالت شروق وهي تهم بالخروج...

"أسيبكم أنا بقى على راحتكم... خالتي هطلع
أشوف الضيوف..."

قالت الجدة وهي تلحق بها...

"خديني معاكي يا شروق... عقبالكوا يا بنات..."

بعد خروجهما ألقت ندى نفسها على حافة الفراش وهي تقول بسخط...

"وكإن الخطوبة والجواز ده إنجاز عظيم..."

زمت نهاد شفتيها قائلة بتحفّظ...

"ما طلعيش عقدِك على العروسة... يا فيلسوفة عصرك..."

ثم نظرت إلى أبرار قائلة...

"شكل شروق دي بتعزّك أوي..."

أكدت ندى...

"أه باين بتحبك..."

قالت أبرار بزهو وهي ترفع الهاتف أمام وجهها لتلتقط عدة صور...

"ما أنا أتحب فعلًا... تعالوا نتصوّر تذكار بالمناسبة الحلوة دي..."

اقتربت الفتاتان منها من الجانبين واحتضنتاها بابتسامةٍ واسعة بينما التقطت الشاشة تلك 
الذكرى السعيدة....
...............................................................
تعالى صوت الزغاريد فور خروجها إلى الصالون من بعض الجيران المقرّبين لهما...

وبدأت تنهال التهاني والمباركات عليها كالأمطار الغزيرة فاختفت وسط دائرة من النسوة تحيط بها صديقتاها وشروق والجدة التي تهمس بأدعية الذكر خوفًا من شر الحسد...

على الجهة الأخرى كان يقف ياسين في انتظارها مبتسمًا بسعادة تفوق الوصف...

متأنقًا في حُلّة فخمة ومُصفّفًا شعره الغزير إلى الخلف حالقًا لحيته بأكملها حتى بدت بشرته أكثر نضارة ووسامة....

يحمل باقة الزهور الحمراء الجميلة التي طلبتها وعليها شريط حريري من الأعلى 
كُتبت عليه عبارة جميلة...

(اخترتك شريكةً للعمر وحبيبةً للقلب...)

اقترب صالح منه والذي وصل للتو يبحث
عن ابنته وزوجته فرآهما هناك وسط دائرة مكتظّة بالنساء...

نظر إلى ياسين بملامح متجهمة فبادله ياسين بنظرة مترددًا وهو يقول...

"كنت هديها البوكيه اللي طلبته... وهنزل أقعد مع الرجالة تحت..."

نظر صالح إلى الباقة ثم قرأ العبارة المكتوبة على الشريط الحريري فقال بنفس التجهم

"إيه اللي انت كاتبه على البوكيه ده؟!"

بلع ياسين ريقه مرتبكًا وقال...

"هو بيتباع كده..."

أسبل ياسين جفنيه بحرج بينما ابتسم صالح وهو يقرأ العبارة مجدّدًا ثم رَبَت على كتفه مهنّئًا....

"مبروك يا ياسين..."

رفع ياسين عينيه إليه قائلًا باحترام...

"الله يبارك فيك يا عمي..."

دخلت عبلة أيضًا إلى المكان متأنقة في ثوب أحمر قصير يلتصق بجسدها الممتلئ بارزًا تفاصيلها بشكلٍ مثير وغير مستحب...

قالت وهي تنظر إلى صالح حتى يرفع عينيه عليها...

"ألف مبروك يا أبو أبرار... شوفت الدنيا صغيرة....إزاي بقينا نسايب..."

رد صالح متحاشيًا النظر إليها بينما عطرها الأنثوي يملأ أنفه...

"الله يبارك فيكي يا أم ياسين... العمر بيجري كمان كام سنة هتبقي جدة..."

تشدقت بعدم رضا قائلة باستنكار...

"جدة؟!... دا أنا على كده هكون أصغر جدة في العالم... دا هما يدوب واحد وتلاتين سنة..."

رمقها صالح ببرود ولم يعقب على الحديث 
الفارغ لذلك تحرك من أمامهما نحو ابنته بينما احتقن وجه ياسين بالحرج الشديد وهو يقول لها من بين أسنانه...

"واحد وتلاتين سنة إزاي؟!.... انتي أكبر من عمي..."

ثم استرسل وهو يكاد يستشيط غضبًا من تصرفاتها المحرجة له....

"مش هتبطلي بقى الكلام والحركات دي..
وإيه اللبس ده... مش لايق على سنك..."

ظهر الغيظ في عينيها وهي تقول بتهكّم...

"سِنّي؟!....أكبر مني وبيِلبسوا أكتر من كده... وبعدين دا الاستايل بتاعي.... إنت مفكرني زيهم؟!....جاية من نفس المستوى اللي
جايين منه؟!"

سألها واجمًا...

"تقصدِي مين؟!"

قالت وهي تشيع النظرات نحوهما بغل...

"أهل أبوك كلهم... وعلى رأسهم اللي عمك متجوزها دي... شروق..."

هتف ياسين بازدراء...

"الحمدلله إنهم مش من نفس مستواكي... للأسف بلبسك ده مكسوف أقول للناس
إنك أمي..."

رمقته عبلة بحزن قانط....

"زيك زي أبوك... على طول كاسر بنفسي..."

تشنج فكه وهو يصرح دون أن يرفّ له جفن..

"تصدقي..بدأت أعذر بابا في حاجات كتير
كان بيقولها عنك..."

على الجانب الآخر اقترب صالح من ابنته بعد ابتعاد النسوة ليراها من بينهن كنجمة تضيء السماء وحدها...

عينها تبرق بسعادة ليس لها مثيل متألقة في ثوب ناعم ورقيق لاقَ بها كثيرًا... كما يليق بها الفرح والحب....

"مبروك يا أبرار...مبروك يا أحلى عروسة شافتها عنيا..."

ألقت أبرار نفسها بين ذراعي والدها بشوق والدموع تغزو عينيها بتأثر عاطفي...

بينما ضمها هو إليه مُقبلًا قمة رأسها وهو يقول بصوتٍ حنون وصل إلى مسامع شروق التي انقلبت ملامحها فجأة وتناثر الوجع في عينيها... وشعرت بالحرج بين النساء...

فكان الحديث بمثابة طعنة غادرة لقلبها...

"كان نفسي جميلة تكون وسطنا... وتشوفك وتباركلك زيي... كانت هتفرح أوي بيكي..."

خرجت أبرار من بين ذراعيه وهي تقول بصوتٍ حانٍ ناظرة إلى الجميع بامتنان...

"أنا كمان كان نفسي ماما تكون موجودة أوي معايا... بس وجودك جنبي معوضني شوية... وشروق كمان وملك وتيتة كلهم معايا وفرحانين أكتر مني..."

ربت والدها على خدها هامسًا...

"ربنا يفرحك ويسعد قلبك..."

"تعالي ياسين... وهات البوكيه..."

أشار صالح على ياسين أن يقترب ففعل وهو يعطي باقة الورد لعمه الذي عقد حاجبيه باستغراب...

"بتدهوني أنا ليه؟!"

قال ياسين ببلاهة...

"ما انت طلبته... يبقى عايزني أنزل..."

ابتسم صالح وهو يقول بهدوء...

"لا يا سيدي بارك لعروستك الأول... ولَبِّسها الشبكة... وبعدين انزل افرح مع صحابك..."

صاح ياسين بحرارة وهو يقترب من أبرار بشوق...

"يتحرقوا صحابي... أنا عايز أفرح معاها هي..."

ثم قال وهو يعطيها باقة الزهور 
الحمراء..

"مبروك يا أبراري... إيه الحلاوة دي..."

احتد صوت صالح بصرامة...

"من بعيد يا ياسين..."

تذمر ياسين قائلًا وهو يشير إلى المسافة الموجودة بينهما...

"والله بينا مسافة... مش هاكلها يا عمي..."

ثم همس لأبرار...

"مع إن أنا نفسي والله..."

تجهّم صالح سائلًا..

"بتقول إيه؟!"

تراجع ياسين برهبة..

"بكح..."

ضحكت أبرار وهي تنظر إلى العبارة المكتوبة على الباقة الحمراء فعادت تنظر إليه بعينين متلألئتين بالحب بينما قلبها يقرع بجنون متفاعلًا مع اللحظة وجمالها...

مالت أبرار تستنشق عبير الزهور وعينيها معلّقتان بهيام على ياسين...

الذي همس لها بوجوم وهو ينظر حوله...

"ما تيجي نترزع بدل ما احنا مترقبين كده..."

وافقت أبرار الرأي وهما يتحركان للجلوس
في مكانهما المخصص حيث زُيّن بالزهور والبلونات بألوان مختلفة...

"الفستان ضيق...."

نطق صالح بتلك العبارة متجهّمًا وعيناه الخضراوان تتوهجان بالغيرة...

نظرت شروق إلى فستانها المحتشم الأنيق ثم قالت باستنكار عابسة....

"كل ده وضيق؟!.... على فكرة... أنت اللي شاريه... "

قارعها بالرد قائلًا...

"وانتي روحتي بيه عند الخياطة... ليه ضيقتيه؟... "

أجابت باختناق...

"أنا ظبطه بس يا صالح..."

أشاح بوجهه عنها ناظرًا نحو ابنته فحانت من شروق نظرة نحوه لتقول بعدها بأسى....

"كنت تقصد إيه لما قولت لبنتك.. كان نفسي جميلة تبقى معانا؟..."

نظر إليها صالح بدهشة لم يتوقع أنها سمعته ولم يقصد إحراجها كما تتهمه بعينيها...كل ما في الأمر أن رؤية أبرار عروسًا أصابته بالحنين والحزن لزوجته المتوفاة...

آتى صوت عبلة مقتحمًا الحديث بقِلة تهذيب وهي تقول بلؤم...

"هيكون قصده إيه يعني يا حبيبتي؟...
مراته ووحشته...وكان نفسه تكون وسطهم... بس النصيب بقى... يلا ربنا يرحمها..محدش بياخد من الدنيا كل حاجة..."

نظرت إليها شروق بغضب وقالت بحدة...

"هو إنتي بتتصنّتي علينا؟... مالك ومالنا؟!"

تحدث صالح إلى زوجته بخشونة...

"هاتي الشبكة... عشان ياسين يلبسها لأبرار..."

سألته متعجبة... "هما لحقوا؟!"

أعاد الأمر بصلابة.... "اسمعي الكلام..."

"حاضر..."

تحركت رغمًا عنها وهي ترمق عبلة بغيظ فأصبح وجودها في الفترة الأخيرة يسبب لها الضيق وغير مرحب به كحال الجميع رغم أنها في البداية كانت متعاطفة معها وضد هجوم الجميع عليها...

لكن مع الوقت بدأت تفهم أن الجميع على حق...تلك المرأة ليست سليمة النوايا بدخولها إلى هنا...

عندما رحلت شروق من أمامهم نظر صالح
إلى عبلة وشرارات الغضب تنبعث من عينيه

"أنا متأكد إنك إنتي اللي لعبتي في دماغها... ومليتي دماغها بالكلام ده... مش كده؟"

ارتدت قناع البراءة وهي تقول بمسكنة...

"أبدًا يا أبو أبرار... وغلاوتك عندي الكلام جاب بعضه... هي حبت تعرف عنك وعن جميلة وأنا جاوبتها على أسئلتها... لا أكتر ولا أقل..."

رفع صالح إصبع التحذير في وجهها وبنظرة خطرة محتدة هتف...

"لآخر مرة بحذرك... مراتي خط أحمر... ابعدي عنها وطلقي شياطينك في مكان تاني غير هنا..."

مطّت عبلة شفتيها بملل قائلة وهي تنظر نحو ابنته العروس...

"المفروض تحترمني عن كده... إحنا وضعنا بقى مختلف.... بنتك بقت خطيبة ابني... وأنا بقيت حماتها... وإنت عارف بقى غيرة الحموات ومصايبهم..."

غَلَت الدماء في عروق صالح وانتفخت أوداجه والغضب كلّه يندفع في صدره كأتون حارق...

"أقسم بالله لو حاولتي تمسي شعرة واحده من بنتي... أمحيكي من الوجود... ومش هكتفي بطردك من هنا..."

ابتسمت عبلة ببرود وهي تنظر إلى ابنها 
بحزن...

"متخافش على بنتك قوي كده... مش علشان الكلمتين اللي قولتهم... عشان أنا ابني روحه فيها..."

بلعت الغصة التي نمت في حلقها فجأة وهي تقول بصوت بعيد...

"تعرف... إني غيرانة منها... عشان خدت مكاني في قلبه وفي حياته... وكأني سبته ليها من صغره..."

ثم رآها صالح تبتعد بعد تلك الكلمات لتأخذ ركناً وتجلس فيه تشاهد فرحة ابنها من بعيد... كالغريب.....وأكثر من الغريب...

ظن صالح أنها خطة جديدة منها لتثير شفقته نحوها جاذبة اهتمامه... فتحرك مغادرًا من الشقة بوجوم نازلًا إلى الأسفل حيث مجلس الرجال...

عندما تأكدت شروق من خروج صالح من الشقة اقتربت من العروسين وفي يدها علبة الحلي...

أطلقت الزغاريد وهي تفتح العلبة لتري الجميع المصوغات...

فكل من رآها انبهر بجمالها وقيمتها الثمينة مردّدًا جملة واحدة...

"بسم الله ما شاء الله... ربنا يتمّم لهم على خير..."

رفع الجميع الهواتف للتصوير أثناء تلبيس الخواتم مع أغنية شهيرة للخطوبة تليق بالأجواء المفعمة بالفرح والحب...

ابتسمت أبرار بسعادة وهي تنظر في عيني ياسين وهو يضع الخاتم في إصبعها ثم فعلت مثله ووضعت الحلقة الفضية في بنصره...

ثم ساعدتها شروق في ارتداء العقد الألماس والإنسيال...

لتنطلق بعدها الزغاريد العالية وتصدح الأغاني الشعبية في أرجاء الشقة بأمر من الجدة التي أصرت منذ أيام على ابنها أن يترك الأولاد يفرحون كالجميع ولا يضيق عليهم...فيكفي أن الخطبة أُقيمت في الشقة ولم يعرف عنها إلا فئة قليلة من معارفهم...

سحب التوأم أبرار لترقص معهما فأشارت بعينيها أيضًا إلى ياسين وهي تنظر إلى الباب الذي خرج منه والدها...

فشجعتها جدتها بمحبة...

"افرحي يا حبيبتي... متخافيش..."

لتكون اللحظة التالية مشتعلة بالطبل والرقص والصياح مع الأغاني الشعبية... 

هي وهو معًا وخلفهما صديقتاها وبنات الجيران القريبات من سنّها... أمّا الباقون فكانوا يصفّقون بسعادة وهم يشاهدون وفرحتهما الصاخبة...

تحركت شروق للأسفل لتأتي بهاتفها من الشقة حتى تصوّرهما والابتسامة الجميلة تعلو وجهها... ولم تلبث إلا خطوتين حتى وجدت من يسحبها بقوة إلى زاوية تصلها الإضاءة خافتة...

شهقت بصدمة ورائحة مقززة تداهم أنفها فجأة مثيرة غثيانها... رائحة تعرفها جيدًا تحمل معها ذكريات عفنة تنزوي في ركن ما بعقلها...

آتى الصوت الخشن كفحيح أفعى من خلفها وهو يكبل ذراعها بيد واحدة كالفولاذ الصلب...

كما كان دومًا معها... شديد الصلابة والقسوة...

"مبروك يا شوشو... مش كنتي تقوليلِي عشان أجي أهني وأبارك لبنت جوزك..."

استدارت له شروق بعينين متسعتين لتراه أمامها كالمارد ظهر من العدم...

ذبحتها الصدمة... لتصبح أمامه كالأضحية التي تستسلم لنصل السكين حين يمس عنقها ببطء مدركة بعدها أنها آخر ثانية لها بالحياة.

"حـ... حنش..."

ابتسم ممدوح بسادية متشفيًا بخوفها ونظرة الهلع في عينيها وهو يأخذ خطوة نحوها 
قائلًا بنشوة...

"والله ليكي وحشة... يا أم بنتي..."

ارتجفت شفتاها وحاولت الصراخ... لكن الخوف قيدها وصدمة ظهوره أمامها هنا جردتها من قوتها وجسارتها معه...

ففي اللحظة التالية لم تشعر شروق بنفسها إلا وهي تفقد وعيها أمامه مستسلمة لتلك البقعة السوداء التي جذبتها برحمة
تعليقات



<>