رواية عهد الدباغ الفصل الثاني والثلاثون32 بقلم سعاد محمد سلامه

رواية عهد الدباغ بقلم سعاد محمد سلامه
رواية عهد الدباغ الفصل الثاني والثلاثون32 بقلم سعاد محمد سلامه
ظلت نظرات عيناه مُعلقة بعينيها للحظات، كأن السؤال شق صدره ببطء، لا لأنه لا يعرف إجابته... بل لأنه يعرفها جيدًا، 
إرتجفت عضلة بفكه، ثم أشاح بوجهه قليلًا، بينما أصابعه ما زالت تُعدل الغطاء فوقها بحركة هادئة تناقض العاصفة داخله.
همس بصوت خافت، خشن على غير عادته: 
ما نسيتهاش.
ظلت عين عهد مفتوحة للحظة، بينما أكمل وهو ينظر إليها من جديد: 
في ناس بتفارق من حياتنا... بس مبتخرجش منها. بتفضل موجودة... في الذكريات. 

رمشت بعينيها ببطء، النوم يضغي يثقل جفنيهة حتي غفت.. 
ضحك ضحكة قصيرة، باهتة، بلا روح، حين همس بإسمها وهي لم تستجيب تيقن أنها غفت.. 
هز رأسه ساخرًا من نفسه، ثم جلس على طرف الفراش، وأسند ذراعيه فوق ركبتيه
هي قالتها وملامحها نصف غائبة، ثم أغمضت عينيها من جديد، كأن الكلمات لم تكن سوى هذيان نعاس... أو ربما الحقيقة الوحيدة التي لم تستطع أن تخفيها وهي بين النوم واليقظة 
بينما هو... ظل مكانه لم يتحرك.
كأن جملتها الأخيرة سحبته إلى مكان بعيد لا يريد الذهاب إليه... 
اخرجه من ذلك ياسين الذي إقترب منه، ضمه بحنان، وتابع معه مشاهدة الفيلم، بعد وقت قليل غفي، وضعه على الفراش ودثره...، وظل هو مستيقظ بعقل شارد 
يتردد داخل رأسه ببطء، سؤالها...، زفر نفسه... نظر نحوها طويلًا.
كانت غافية بسلام الآن، أنفاسها هادئة، ويدها ما زالت تقبض على طرف الغطاء كطفلة تخشى أن يتركها أحد... أغمض عينيه لثانية، ثم مرر يده على وجهه بإرهاق... يفكر هل 
لو كانت مستيقظة... لكان أعترف لها لم ينساها، كيف ينساها بوجود ياسين، كذالك هي بها الكثير من ملامح فرح... ملامح فقط، وخِصال مختلفة تمامً، لكن للسخريه هي من إستحوذت على قلبه من البداية، لكن القدر شاء... 
تنفس  وهو يتمني 
لو نظرت إليه الآن بعينيها الواسعتين وسألته مباشرة:
"بتحبني؟"
لكان غضب... تهرب... وربما تفوه بنبرة قاسية فقط ليهرب من نفسه... 
لكنها ليست مستيقظة.... 
ولهذا خرج صوته منخفضًا، بالكاد يُسمع:
منستهاش ومش دي هي المشكلة يا عهد...مشكلتي إني بحبك إنتِ، عذاب قلبي منك
مال نحوها قليلًا، ثم أبعد خصلة شعر عن وجنتها بحذر شديد، كأنه يخشى حتى من لمسها... وهو يعترف لنفسه
كل يوم كنت بحاول أفتكر وجود فرح ... وبلاقي نفسي كنت بفكر فيكِ إنتِ.

تجمد بعدها، وكأنه صُدم من اعترافه نفسه، ثم نهض بسرعة، ابتعد خطوتين عن الفراش، ووقف عند الشرفة يدير ظهره لها.
لكن رغم ذلك...لم يبعد عينيه عنها... حتي شعر بقسوة أكثر حين سمع همسها مره أخرى: 
"فرح". 

فى البداية ظن أنها صحوت نظر نحوها كانت غافية، تنفس يشعر بمرارة فيبدوا أن فرح ستبقي حائل صعب بينهم. 
❈-❈-❈
بغرفة كنان
كان يجلس على الفراش يضع وسادة فوق ساقيه وفوقها حاسوبه الخاص يقوم ببعض المراجعات.. لكن كالعادة وقت ويشعر بملل، 
ترك الحاسوب جانبًا بتنهيدة طويلة، ثم مرر يده فوق وجهه محاولًا طرد ذلك الضيق الذي يهاجمه كل ليلة بلا سبب واضح. نظر نحو الساعة المعلقة على الحائط، لم يكن الوقت متأخرًا، ومع ذلك شعر أن الليل طال أكثر مما ينبغي... 
مد يده إلى الهاتف الموضوع فوق الكومود، فتحه بلا اهتمام، تنقل بين الرسائل والتطبيقات ثم أغلقه بعد ثواني. لا شيء جديد... لا شيء يبدد هذا الفراغ نهض من فوق الفراش ذهب نحو شُرفة الغرفة،أزاح الستائر ينظر الى الخارج كان هنالك بعض الأضوية لكن نظره ذهب نحو تلك الإستراحة كانت مُظلمة عكس قبل أيام،كان هنالك ضوء ينبعث منها.. وقع نظره نحو ذلك المككان بالحديقةتبسم لوهلة..تذكر يوم سقوطه بالمياة الضحلة... 
لا يعلم لما الليلة يبتسم، لكن سرعان ما ارتسم الضيق على ملامحه وهو يتذكر ذاك الشجار الذي حدث بينه وبين تلك الشعثاء" خيال المآته"كما يُطلق عليها، تذكر ذلك الملف التي نسيته.. وسؤال رابيا له عنه أن غزال سألتها عنها... لماذا كذب وقال لها أنه نسيه بمكتبه فى المقر... لماذا لم يُعطيه لها كي ترده لها... 
زفر نفسه... ترك الستائر وعاد الى الفراش.. تمدد ينظر الى سقف الغرفة.. لكن فجاة تذكر إتصالها عليه صباحً، وسؤال دار برأسه: 
جابت رقم موبايلي منين. 

سرعان ما تهكم بنزق يزم غياؤه: 
أكيد من عمتها... 

توقف قاىلًا بنفي: 
بس الرقم ده مش مع عمتها الرقم ده أنا عامله للقريبين مني وبس.. 

صمت للحظة ثم جاوب: 
أكيد خدته من رابيا.. 

نهض مره أخري، جذب تلك الحقيبه فتحها وأخرج ذلك الملف... فتحه جذب تلك الورقة، عاود قراتها بشعور غريب... تنهد قائلًا بسؤال: 
ليه كاتبة الرسالة دي، ولمين... 
يا ترا لها حبيب. 

_وإنت مالك 
هكذا وبخ نفسه... ثم تفوه بإصرار: 
شاغلة بالك ليه يا كنان البت دي...

لكنه لم يقتنع بما قاله. عاد وجلس على طرف الفراش، التقط الورقة مرة أخرى دون إرادة. عيناه توقفتا عند سطر بعينه، سطر لم يفهمه بالكامل، لكنه استفزه:
"يمكن في ناس بنقابلهم صدفة... بس يفضلوا جوه القلب غصب."
عقد حاجبيه، وشعر بضيق أكبر. لمن كتبت هذا الكلمات... وهل كانت تقصد أحدًا بعينه.... ولماذا مجرد الفكرة أزعجته هكذا. 
ألقى الورقة هذه المرة بعيدًا، ثم تناول هاتفه بسرعة، فتح قائمة الأرقام، حتى وصل الى رقمها ظل ينظر إلى اسمها للحظات... لا، ليس اسمها، بل الرقم فقط...مازال لم يحفظه، لكنه عرف أنه لها من صوتها حين رد... لا قبل أن يرد حدثه قليه انها هي. 

يقاوم ويقاوم... عقله يُعطيه إنذارات الرفض.. 
لا شيء بها يستحق كل هذا التفكير... لا جمال خارق، ولا رقة تثير الشفقة، ولا حتى ذلك النوع من الفتيات الذي اعتاد أن يلتفت إليهن... على العكس... شعثاء، عنيدة، سليطة اللسان أحيانًا، وتعرف كيف تثير أعصابه بكلمة واحدة.
إذن  لماذا
لماذا كلما لمحها شعر أن شيئًا داخله ينتبه رغمًا عنه؟ لماذا يتذكر تفاصيلها الصغيرة بلا داعٍ الطريقة التي ترفع بها حاجبها حين تغضب... ارتباكها الذي تحاول إخفاءه خلف وقاحة مصطنعة... وحتى تلك الخصلات التي تنفلت أحيانًا من أسفل حجاب رأسها  تجعلها تبدو شعثاء وكأنها مثل ذلك التمثال الخشبي بالحقول.. 
أغمض عينيه بقوة، وكأنه يحاول إخماد فكرة بدأت تتسلل إليه رغماً عنه... 
لا... ليس إعجابًا.
ربما فقط لأنها مختلفة.
وربما لأنه منذ وقت طويل لم يقابِل أحدًا لا يحاول إرضاءه، ولا يخافه، ولا ينبهر به... هي الوحيدة التي تنظر إليه وكأنه شخص عادي... بل وأسوأ من عادي أحيانًا.
ابتسم بسخرية ، ثم أسند رأسه إلى ظهر الفراش.. 
لكنه بعد ثانية هز رأسه بعنف، وكأنه يرفض حتى مجرد الاعتراف حتى الاعجاب بها :
لا... مستحيل أنا بس مشوش الفترة دي، بس فاروق يرجع من السفر ويمسك الشغل هو وأنا أسافر يومين فى أي مكان والتشوش ده هيروح. 
❈-❈-❈
بالغردقة 
إنتهت  الرحلة وحان وقت العودة،تبسمت عهد لـ ياسين الذي يمط فى شفتيه قائلًا  باعتراض وطفولة بريئة:
أنا عاوز أفضل  هنا.

وقفت عهد امامه تحمل معطف صغير قائلة بمرح: 
بلاش تغلبني وإلبس الجاكيت، إنت عاوز تفضل هنا عشان تفضل تلعب فى الملاهي  ومتروحش الحضانة. 

وقف متذمرًا يمط شفتيه بطفولة صامتًا.. بينما
دلف فاروق يبتسم على تذمُر ياسين الذي إقترب منه ورفع رأسه ينظر له قائلًا برجاء طفولي:
بابا خلينا هنا كمان شوية.

وضع فاروق يده على راس ياسين بمحبة قائلًا:
للآسف لازم نرجع القاهرة، إنت مش عاوز تشوف جدك محي رجع من السعودية وقالي إنه جابلك معاه هدايا حلوة، كمان أوعدك نجي هنا تاني. 

فكر ياسين لوهلة بطفوله قائلًا: 
وعد هنجي هنا تاني. 

أومأ فاروق بإبتسامة قائلًا: 
وعد. 

تبسمت عهد قائلة: 
يلا تعالي إلبس الجاكيت. 

وافق وتوجه نحوها مُبتسمًا بادلته البسمة بحنان... كذالك تبسمت لـ فاروق قائلة: 
إحنا جاهزين. 

بعد مرور وقت  بردهة منزل الدباغ... 
دلفا فاروق وعهد وياسين بالمنتصف يمسك إيديهم... تبسمت لهم إجلال بحنان، شعرت بسعادة من تلك اللسعادة الواضحة على وجه فاروق وتلك اللمعة بعينيه، وصفاء ملامحه كذالك عهد، وذاك الصغير الذي يتوسطهم حتى توقف الثلاثة أمامها إنحني فاروق يُقبل يدها بقبول قائلًا: 
عُمرة مقبولة يا ماما، أومال فين بابا. 

ضمته إجلال قائلة: 
بابا فى المقر، إنت عارف إنه مش بيقدر يرتاح من الشغل... حمد الله عالسلامة. 

تبسمت عهد بحبور لـ إجلال التى ضمتها هي الأخري، كذالك ضمت ذاك الصغير الذي تفوه بتلقائية:
فين الهدايا واللعب اللى جدو بابا قالي إنه جابها عشاني. 

تبسمت  له بحنان وهي تضمه، قائلة: 
اللعب والهدايا فوق فى أوضتك هتلاقيها. 

جذب ياسين عهد قائلًا ببراءة وتلقائية دون قصد:
تعالي معايا يا عهد نشوف اللعب والهدايا فى أوضتنا اللى بنام فيها.

لوهلة إرتبكت عهد من نظرة عين إجلال التي لم تستطيع تفسيرها...كذالك توتر فاروق،ورسم بسمة باهته...ذاك الصغير قد كشف جزء مخفي بتلك الشقة،ان الإثنين لا يتشاركان نفس الغرفة...
ابتلع فاروق توتره حين تبسم بإصطناع لـ كنان الذي دلف الى الردهة قائلًا بإرهاق:
أخيرًا جيت،إستلم شغل المدابغ،أنا خلاص تعبت،من أوامر الحج محي،ده مش بيرحم...لا ده بينتقم مني.

ضحك فاروق كذالك عهد التي غادرت مع ياسين،بينما إقترب كنان من فاروق قائلًا بمزح:
راجع من الغردقة مربرب كده،ووشك منور،إيه هو الواد ياسين مكنش مقطع عليك ولا إيه...أنا قولت الواد هينكد عليك يخليك ترجع بدري،لكن شكل الرحلة كان مفعولها باتع...تلاقي بركات دعوات الحجة إجلال لك وهي فى العُمرة... بيقولوا السعيد فى المال تعيس فى الحب إنت واضح كده سعيد فى الإتنين. 

تبسم فاروق ،كذالك إجلال رغم ملاحظتها تعبيرات وجه فاروق، على يقين أن هناك فجوة بين فاروق وعهد والدليل ذلة لسان ياسين...
تنهدت بآسف، قائلة: 
يلا يا فاروق إطلع غير هدومك زمان محي على وصول. 

اومأ مبتسمً ثم غادر، كذالك كنان بينما ظلت إجلال تتنهد تدعي لهما. 
❈-❈-❈
ليلًا 
بشقة فاروق 
تمدد على فراشه يشعر بخواء كذالك برودة رغم أن الغرفة دافئة، لكن برودة تسري بجسده عكس دفئ الليالي الماضية... تنهد طويلًا، ثم أغمض عينيه وألقى بذراعه فوقهما، كأنه يحاول أن يحجب عن نفسه تلك الصور التي تطارده منذ عاد...
ضحكتها وهي تجري على الشاطئ وياسين خلفها... ملامحها حين كانت تضحك بعفوية لم يرها منها منذ زمن... وأسوأ من كل ذلك... تلك اللحظة القصيرة التي ظن فيها أنها اقتربت منه أخيرًا، قبل أن تعود وتبتعد كأن شيئًا لم يكن... 
انقلب على جانبه بعصبية، جذب الوسادة الأخرى نحوه دون وعي... ثم توقف.
رائحتها ما زالت عالقة بفؤاده.. 
قبض على الوسادة بين ذراعيه بقوة، وأغمض عينيه مرة أخرى، لكن هذه المرة كان الأمر أسوأ... ذاكرته زادت من سُهده... 
تذكر الليالي الماضية في الغردقة... حين كانت تنام بجواره مضطرة في البداية، متحفزة، تترك بينهما مسافة صغيرة فوق الفراش... ثم مع كل ليلة كانت تلك المسافة تختفي دون أن يشعر أيًا منهما كيف... 
تذكر كيف استيقظ ذات ليلة فوجد رأسها فوق كتفه، ويدها الصغيرة متشبثة بطرف قميصه أثناء نومها، كأنها تخشى أن يبتعد... يومها ظل مستيقظًا وقتًا طويلًا، لا يجرؤ حتى على التحرك كي لا يوقظها... 
أما الليلة...
فتح عينيه ناظرًا للسقف المظلم فوقه، ثم أطلق ضحكة قصيرة ساخرة بلا مرح.
الليلة عاد كل شيء كما كان... فراش واسع أكثر مما يجب... غرفة صامتة أكثر مما يحتمل... وهي بعيدة عنه... رغم أنها ربما لا تبعد سوى بضعة مترات
مرر يده فوق وجهه بخشونة، ثم همس لنفسه بصوت خافت متعب:
كده أنا مش هعرف أنام.... 

صمت وفكر ثم إتخذ القرار لن يسمح بعودة مسافة بينهما مرة أخري نهض متخذًا قرار سيهبرها أن تلك الغرفة...وذاك الفراش  لم يجمعه سوا معها.. تلك الليلة، فرح لم تنم بتلك الغرفة... يكفي، لابد أن يضع حدًا لبداية حياتهما معًا.... نهض متجهًا نحو غرفة ياسي بضع خطوات لكن يجول بداخله شيء واحد هو الاعتراف... 
أغلق باب غرفة ياسين خلفه بهدوء، ثم عاد بضع خطوات فى الممر قبل أن يتوقف.
لم يدخل غرفته... 
ظل واقفًا للحظات، يضغط على عينيه بكفه، يحاول أن يهدأ... أن يطرد تلك الرغبة المجنونة فى العودة إليها، فى أن يهزها من كتفيها ويجبرها أن تنظر له وتفهم أخيرًا... 
عاد إلى غرفته فى النهاية، وألقى بنفسه فوق الفراش.
الفراش بارد... بارد بشكل مستفز... 
نظر للجهة الأخرى منه... فارغة كعادتها... أغمض عيناه
تخيلها نائمة جواره شعرها مبعثر فوق الوسادة، ووجهها مختبئ نصفه تحت الدثار كعادتها حين تشعر بالبرد فى الايام الماضية.. فتح عينيه لوهله ثم
أغمض  دون أن يشعر...رآها.. كانت تقف فى منتصف غرفته، تنظر حولها بتردد، بينما ترتدي ذلك الثوب الهادئ الذي كانت ترتديه رفعت عينيها إليه بتلك النظرة المرتبكة التى تقتله ببطء.
وهو يسأب: 
لسه شايفني وحش قالها وهو يقترب.
تبسمت بخفة، وهزت رأسها بنفي: 
لاء

توقف أمامها مباشرة يسأل: 
أومال إيه. 

خفضت عينيها، ثم صمتت
شعر بشيء يهتز داخله بعنف... 
رفع ذقنها بأصابعه، قائلًا  برجاء: 
قوليها يا عهد

نظرت إليه، لأول مرة دون هروب، دون عناد قائلة بخجل: 
بحبك يا فاروق.
اقترب منها بسرعة، كأن سنوات كاملة كانت تفصله عن تلك الكلمة. ضمها إليه بقوة حتى شهقت بخفة، ثم دفنت وجهها فى صدره وهي تضحك وتبكي فى الوقت نفسه، 
_ إنتِ مراتي...
 همس بها قرب أذنها وتمسك بها قائلًا: 
مكانك جنبي.. ومش هسيبك تبعدي عني تاني.

رفعت وجهها إليه، ثم وضعت يدها على خده لأول مرة بإرادتها.
وقبل أن يقترب أكثر...فتح عينيه فجأة... ثواني قبل أن يستوعب هو وحده بالغرفة....
الغرفة مظلمة، وصوت أنفاسه وحده يملأ المكان.
نظر نحو الجانب الفارغ من الفراش طويلًا، ثم ضحك بمرارة وهو يمرر يده فوق وجهه.
حتى أحلامه... صارت إشتياق... 
صار خلف إشتياقه... ذهب الى غرفة عهد، فتح الباب بهدوء، توقف جوار الفراش نظر نحو عهد جلس جوارها على الفراش يتأمل ملامحها... مد يده يتحسس وجنتها، ثم وضع قُبلة... 
بينما
قبل لحظات  شعرت عهد ببرودة، جذبت الدثار عليها تقلبت فى الفراش نظرت نحو ياسين الغافي عاى فراش وحده، اللأيام الماضية كانت تصحوا أحيانًا على حركته وهو نائم، تبسمت، كذالك تذكرت لحظات إستقيظها وبسمة فاروق وعبث ياسين... رحلة أيام... إقتراب فاروق بصورة واضحة... قُبلاته.. لمساته لها، حتى همساته الناعمة... 
لوهلة تذكرت كان من الممكن حدوث أكثر من علاقة كاملة بينهم، غفيانها فى حضنه دون ان تشعر بالضيق من ذلك، عكس هنا... تلك المشاعر  تغيرت.. تشعر كأن الغرفة تضيق.. 
فى خِضم ذلك شعرت بصوت اقدام كذالك صوت فتح مقبض الباب، سريعًا أخذ تنفس طويل ثم أغمضت عينيها... خيال فاروق الضخم. ذكرها بأول لقاء بينهما هنا فى حمام السباحة.. كبتت بسمتها وهي تتذكر كيف نعتته بالوحش... 
هو وحش لكن... 
هي ليست الجميلة... بالتأكيد...
هي فقط عهد... تلك الفتاة التي دخلت حياته كعاصفة، أرهقته، أغضبته، ثم تسللت إلى كل شيء فيه دون أن يشعر... 
حبست أنفاسها أكثر حين توقفت خطواته قرب الفراش... 
ظل للحظات صامتًا، كأنه ينظر إليها... أو ربما يجمع شجاعته. ثم سمعت صوته منخفضًا، مبحوحًا بصورة لم تعهدها منه:
عارف إنك صاحية.

إرتجف طرف شفتيها، لكنها تماسكت أكثر وأبقت عينيها مغمضتين... 
زفر بخفة، ثم جلس على طرف الفراش بحذر، حتى لا يوقظ ياسين. للحظة شعرت بثقل وجوده فقط... ذلك الإحساس الغريب بالأمان والارتباك معًا ثم تحدث بصوت منخفض:
أنا تعبت يا عهد. 

فتحت عينيها ببطء، لتجده يجلس أمامها، يمرر يده فى شعره بتوتر، ونظراته ثابتة عليها بشكل أربكها... وهو يبوح برجاء: 
تعبت من إن كل مرة أحاول أقرب... أرجع أخاف... وتعبت أكتر من إنك كل ما تبصيلي أحس إن بينا حد تاني.

عقدت حاجبيها بخفوت، بينما أكمل هو سريعًا، كأنه يخشى أن يتراجع إن توقف:
فرح عمرها ما نامت فى أوضتي. ولا على سريري. الليلة دي... وإنتِ هنا... كانت أول مرة أحس إن المكان ده اتسكن.

إتسعت عيناها بصدمة صغيرة، بينما تابع بصوت أكثر هدوءًا:
مافيش حد شاركني الأوضة دي غيرك. ومش عايز يبقى فيه بينا مسافة تاني بسبب حاجة مش حقيقية.

ساد الصمت... صمت طويل، ثقيل... لكنه لم يكن موجعًا هذه المرة... كانت تنظر إليه فقط... إلى ملامحه المتعبة، وإلى تلك الصراحة التي لم تتوقعها منه أبدًا... فاروق الذى دائمًا يختبئ خلف كبرياؤه... يجلس الآن أمامها يضع قلبه بين يديها... 
إبتلعت ريقها بصعوبة، ثم همست دون أن تشعر:
ليه مقولتش كده من بدري. 

أغمض عينيه لحظة، ثم ضحك ضحكة قصيرة باهتة:
عشان أنا غبي.

رغمًا عنها، خرجت منها ضحكة صغيرة مكتومة...
رفع عينيه إليها فورًا، وكأن تلك الضحكة أنقذته...
مد يده ببطء، مترددًا هذه المرة على غير عادته، حتى لامست أطراف أصابعه يدها فوق الدثار... ازاحه عنها قائلًا: 
تعالي معايا.

رفعت عينيها إليه.. بسؤال: 
لفين. 

نظر إليها طويلًا، ثم قال بهدوء شديد:
على أوضتنا.

ترددت لثانية... ثم وضعت يدها بيده... 
نهضت معه بخطوات بطيئة، بينما ياسين ما زال غافيًا ببراءة فوق الفراش... خرجا من الغرفة بهدوء، وأغلق فاروق الباب خلفهما دون صوت... 
سارت بجواره فى الممر، تشعر بشيء غريب داخلها... رهبة خفيفة، ودفء أكبر... 
فتح باب غرفته، نفس الغرفة التى خرت منها قبل فترة وجيزة وهي ممتلئة بالغضب والعناد والخوف... لكن الليلة كانت مختلفة... هادئة، دافئة، لا تشبه إلا تلك النظرة بعينيه... 
دخلت ببطء، فنظر إليها فاروق طويلًا، ثم تحدث بخفوت مُعترفً: 
بحبك يا عهد... جميلتي. 

خفضت عينيها، وشعرت بشيء يذوب داخلها للمرة الأولى... اقترب منها أكثر... رفع يده وأبعد خصلة شعر سقطت قرب وجهها، ثم همس:
إنتِ مكانك هنا. 

أغمضت عينيها للحظة، مستسلمة لذلك القرب الذي لم يعد يخنقها كما كان... 

لكن فجأة...
ارتفع صوت صرير قوي... صرير غريب... كأنها رياح عاتية ضربت النوافذ، أو بحر هائج يقذف أمواجه بفيضان.... 
فتحت عهد عينيها تشهق بفزع..  
كانت ما تزال فى غرفة ياسين... 
الدثار فوقها، والضوء الخافت كما هو... وياسين نائم مكانه.
تنفست سريعًا، قلبها يخفق بعنف.
نظرت نحو الباب المغلق.
لا أحد دخل...
لا أحد أمسك يدها... 
لا أحد طلب منها:
 تعالي على أوضتنا.

رفعت يدها ببطء إلى صدرها، تشعر بالألم الغريب داخله... كان حلمًا...
عقلها يسأل لماذا هذا الحلم..كأنه كان حقيقة...بالتأكيد لا...
 هو وهم تحاول الهرب منه... 
لكن بين حِلم وحقيقة لم يعُد هنالك مهرب لأي منهما
❈-❈-❈
بعد مرور أيام
زيارة مختلفة عن الزيارة السابقة... 
هذه المرة هنالك بوادر قبول من جانب يارا... 
يارا التي كانت  تقف بغرفتها تشعر بخفقان زائد فى قلبها... وقفت تنظر لإنعاكسها فى المرآة، ترتدي زيًا أنيق، لكن تشعر به غير مناسب، ذهبت نحو خزانة ثيابها تنظر الى تلك الازياء المختلفة المصفوفة، لا شيء مناسب، ليتها كانت تسوقت زيًا يناسب الزيارة... بالنهاية إستقرت على عباءة أنيقة باللون الارجواني الممزوج بأحجار باللونين الأحمر والأزرق يُعطي سُلطة ملكية... 

بعد قليل بغرفة الضيوف، كان هنالك إنسجام هادئ فى الحديث... الى أن تحدث والد نديم طالبً يارا،تبسم محي،وكاد يتحدث بشأن ترتيب ميعاد الخِطبة... لكن
تفاجأ الجميع حين اعترض نديم قائلًا:
معلش يا عمي… ممكن بدل حفلة الخطوبة تبقى حفلة كتب كتاب. 
❈-❈-❈
بنفس الوقت
بشقة محسن 
منذ الصباح وهي تشعر ببعض التقلصات تضرب بطنها كذالك ظهرها، تشعر بألم... 
اخفت ذلك... لكن زاد الألم... صعدت الى شقتها كي تهاتف الطبيبة ربما تُعطي لها علاجًا لذلك الألم الذي غير مُستجد عليها شعرت به سابقًا بحملها الثاني... لكن كان أخف من ذلك الألم... 
جلست على الفراش تحاول أن تلتقط أنفاسها، وضعت يدًا أسفل بطنها والأخرى على ظهرها، تضغط بخفة وكأنها تستطيع أن تُخفف ذلك الألم بيديها. أغمضت عينيها للحظات، لكن التقلصات عادت أقوى، جعلتها تنحني قليلًا وهي تطلق أنينًا خافتًا... ش
مدت يدها نحو هاتفها المرتجف بين أصابعها، بحثت سريعًا عن رقم الطبيبة، وما إن سمعت صوتها حتى قالت بصوت متقطع:
دكتورة... أنا من الصبح عندي وجع فى بطني وضهري... وتقلصات... بس المرة دي أقوى.
ساد الصمت لثواني، ثم جاء صوت الطبيبة جادًا:
من إمتى بالظبط؟ وهل الألم بيزيد ويخف ولا مستمر. 

ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم نظرت نحو الساعة المعلقة أمامها، كانت عقاربها تتحرك ببطء وكأنها تتعمد استفزازها.
من الصبح... وكان خفيف... بس من ساعة تقريبًا بقى أقوى... وكل شوية يزيد.

وقبل أن تُكمل، ضربتها تقلصة أشد جعلت الهاتف يكاد يسقط من يدها، وانحنى جسدها فوق نفسها وهي تشهق بألم... تفوهت الطبيبة بأمر: 
لازم تيجي المستشفى حالًا... وماتتحركيش لوحدك.

رفعت رأسها ببطء بعد أن أغلقت المكالمة، ونظرت حولها بتوتر. لم تكن تريد أن تُقلق أحدًا... خاصة محسن منذ أيام وهي تحاول أن تتجنب إثارة خوفه أو قلقه، لكن تلك المرة لم تعد تستطيع... 
وضعت يدها على بطنها ثم التقطت الهاتف مرة أخرى، ظلت تحدق باسمِه الظاهر على الشاشة لثوانٍ طويلة... إصبعها فوق اسمه، تتردد...
لكن تقلصة جديدة أكثر قسوة جعلتها تضغط على زر الاتصال فورًا... وهمست بصوت مرتجف: 
محسن إلحقني
تعليقات



<>