رواية بقاء الفصل العاشر 10 بقلم رباب حسين
... تضحية
بقلم الكاتبة : رباب حسين
في لحظة فاصلة... تغير كل شيء، حين رأى ليل بعين مختلفة، لهفتها وخوفها على الهلالي وأيضًا إنقاذها له كان بمثابة معاهدة صلح جديدة بينهما، فا صقر لا يملك في هذه الدنيا الآن سواه، عدا أن الهلالي هو من قام بتربية صقر بنفسه، والتشابه بينهما جعلهما كشخص واحد، فإذا كان فقده في تلك الليلة بعد أن وقف أمامه وتشاجر معه؛ ما كان يسامح نفسه قط.
تُرى... هل ستستمر معاهدة السلام أم لا؟
ظلت ليل بجانب الهلالي طوال الليل لم تنم أبداً، تفكر بما حدث، تنظر إليه بحزن.
دافع عنها كالعادة ومرض بسببها.
ثم تذكرت صقر وما حدث بينهما وقالت في نفسها: شكله بيحبها..... أكيد ديه حبيبته اللي قال عليها قبل ما يسافر، يعني مفيش أمل في علاقتنا أساساً، كنتي عايشة في وهم يا ليل.
طيب أعمل إيه؟ جده مش هيرضي يخليه يتجوزها بسببي. ومقدرش أقف في طريق سعادته... لازم أبعد.
بس لو بعدت هيتأذي ويرجع الطار بينهم تاني. خلاص يأجل الجواز شوية، أكيد هنا مش هيعترضو لو أتجوز تاني، يعني إيه يتجوزها وهي تبقى مراته وأنا الخدامة؟ لا طبعاً مقدرش استحمل كده أبداََ. لازم أشوف حل.
صمتت ونظرت إلى هاتفها، وجدت مكالمة الدكتور أحمد ولكن تأخر الوقت كثيراً وقررت أن تتحدث معه في الصباح.
ظلت تفكر حتى شعرت بالهلالي يستعيد وعيه، اقتربت منه وأمسكت بيده، ثم نظرت إليه بابتسامة حزينة.
ليل : حمد الله على السلامة يا راجل يا عجوز.
ابتسم الهلالي بألم وقال
الهلالي : كنت خابر إنك عتلحجيني يا بتي. آخر حاجة فاكرها وإنتي بتجري عليا.
ليل : متقلقش إنت بقيت كويس.
الهلالي : متزعليش من صجر.
ابتسمت ليل بحزن وقالت : مش زعلانة منه... القلب وما يريد يا جدي.
الهلالي : لع مش عيوحصل، هو ميعرفكيش، لو جرب منيكي وعطاكي فرصة أنا متأكد إنه عيحبك.
ليل : أرجوك يا جدي متغصبش عليه أكتر من كدة،
كاد أن يقاطعها فقالت
ليل : أسمعني يا جدي أرجوك، الجوازة ديه غلط من الأساس، وأنا إذا كنت وافقت كان عشان محدش يتأذى بسببي، بس في نفس الوقت هو لازم يعيش حياته، فا أنا فكرت إني أفضل معاكم ٦ شهور بالكتير سنة، وبعد كدة أبلغ أهلي إني مش قادرة أعيش معاه أكتر من كده، وهو يبين قدامهم إنه متمسك بيا وأنا اللي رفضاه، وبكده هبعد عيلتي عنه محدش هيأذيه، وبالنسبة لموضوع الخطوبة، أنا عارفة إن زهرة تبقي بنت أخت عمي رفعت، وأكيد عمي رفعت مش هيرضى بأذية صقر، عشان كدة يتفقو على الخطوبة بس بينهم وبينه من غير ما حد من أهل البلد يعرف، ولما يتم الطلاق يبقو يتجوزو، وأروح أنا أشوف مستقبلي ودراستي اللي وقفت ديه، وأرجع لحياتي اللي مش عارفة هكملها إزاي. قلت إيه يا جدي؟
الهلالي : أنا متأكد إنه مش عيلاجي أحسن منيكي يا بتي. جوليلي إنتي عتحبي صجر؟
أخفضت ليل عينيها تقاوم دموعها أن تظهر أمامه، هربت من نظراته له، ثم بلعت ريقها بألم وقالت
ليل : ملوش لزوم الكلام ده يا جدي دلوقتي. النهار قرب يطلع وهما أكيد هيجو، أرجوك يا جدي متقفش في طريق سعادته.
الهلالي : فهمت، عتحبيه وعتضحي عشانه.
صمتت ليل ثم قالت: أرتاح يا جدي دلوقتي والصبح هنقلك أوضة عادية.
مر الوقت، وطلبت ليل من الممرضات نقل الهلالي إلى غرفة بالمشفى، ووقفت أمام العناية، وجدت الدكتور أحمد يتصل بها مرة أخرى.
ليل : الو... دكتور أحمد أزيك؟
أحمد : الحمد لله أزيك يا ليل.
ليل : الحمد لله.
أحمد : إنتي فيني يا ليل مش بتيجي المحاضرات ليه؟
ليل : أسفة يا دكتور حصل مشكلة كدة في البلد عند والدي في الصعيد وأضطرينا نسافر.
أحمد : ااااه، أنا قلت أول مرة تغيبي، وخصوصاً إنك بدأتي الماجستير. طيب هترجعي أمتي ؟
ليل : أنا شكلي مطولة شوية.
أحمد : وبابا كمان.
ليل : لا بابا هيرجع كمان يومين.
أحمد : لو حابة أبعتلك المحاضرات عشان متروحش عليكي مفيش مشكلة.
ليل بابتسامه سعيدة: بجد؟! حضرتك هتبعتلي المحاضرات؟
أحمد : أيوة طبعًا.
ليل : متشكرة أوي يا دكتور أحمد.
كان قد حضر صقر إلى المشفى، وحين اقترب من العناية سمعها تتحدث مع أحمد عبر الهاتف، وتذكر أنه اتصل بها بالأمس ورأى ابتسامتها، تبدو سعيدة للغاية لم يراها هكذا من قبل، عقد حاجبيه هل هما على علاقة؟
أنهت ليل المكالمة، وانتبهت أن صقر يطالعها، ومن المؤكد أنه سمعها وهي تتحدث، ولكن لن يبالي بالتأكيد، اقتربت منه وقالت
ليل : بقى كويس ونقلوه أوضة عادية.
صقر وما زال يعقد حاجبيه : فين؟
ليل : اتفضل.
ذهب خلفها ثم دخلا الغرفة، وجد جده مستيقظ وينظر إليه، ركض نحوه وأمسك يده وأنحنى على ركبتيه بجانب الفراش وقال وهو على وشك البكاء
صقر : أنا أسف يا جدي، يتقطع لساني اللي رد عليك، حقك عليا، أنا مش مصدق أنك كنت هتروح مني وبسببي كمان، أرجوك سامحني.
خرجت ليل من الغرفة، فمن المؤكد أن صقر لا يريد أن يرَ أحد ضعفه، وخاصة هي، جلست أمام الغرفة انتظر بالخارج.
الهلالي : أنا بخير يا صجر، و ليل جالتلي إني كلها يومين وهرجع الدار.
صقر : أنا هعمل كل اللي إنت عايزه يا جدي.
الهلالي : وأنا مهغصبش عليك أكتر من إكديه يا صجر. ليل جالتلي على فكرة وأنا وافجت عليها.
أخذ يسرد الهلالي لصقر ما قالته ليل ثم قال
الهلالي : ها جولت إيه؟
صقر : يعني هي هتفضل على ذمتي سنة؟
الهلالي : أيوة وبعد إكديه طلجها، وإنت مش رايدها أصلاََ يا ولدي، خليها تروح تشوف مستجبلها وتتزوج راجل يحبها.
صقر : اللي تشوفه يا جدي.
الهلالي : بس علي شرط، متضايجهاش ولا إنت ولا أمك، أنا خابر زين هي عتعمل معاها إيه، هي دلوك ضيفة عندينا وجاعدة معانا عشان تحميك.
ابتسم صقر، وتذكر خوفها عليه بالسابق، والآن أيضًا لا تزال تفكر به برغم قسوته عليها، وكيف كانت تطلب منه ألا يقتل أحد حتى لا يعيش بعذاب الضمير، فقال بابتسامه
صقر : أنا لا يمكن أزعلها تاني، ديه لولاها كان زماني خسرتك يا جدي، متقلقش أنا مش هخلي أمي تضايقها تاني كمان.
دخلت جهاد ومعها رفعت وابتسام، ثم جاءت عيلة بركات وأيضًا حسن وأمل، وظلو مع ليل طوال اليوم بالمشفى، حيث أنهم سوف يسافرون إلى القاهرة في الصباح لعودة حسن لعمله، ودعتهم ليل والحزن يملئ قلبها، ولكن تصبر قلبها بأنها ستعود إليهم قريباً ولكن بقلب مكسور.
مر يومان، لم تترك ليل الهلالي أبداَََ حتى خرج وعاد إلى منزله.
وفي اليوم التالي، استيقظ صقر وأخذ حمام دافئ ثم أرتدى ثيابه ونظر إلى هاتفه، رأى تاريخ اليوم، يذكره جيداً، إنه ذكرى أسوء أيام حياته.... وفاة والده.
يتذكر ذلك اليوم جيداً، يوم إصابة والده بعيار ناري في ليلة شتاء باردة بحديقة المنزل، وقف يتطلع من نافذة الغرفة ويتذكر.
فلاش باك
زين ينظر إلى صقر الذي يحمل رأسه على ذراعه، وجهاد تبكي بجانبه، أما الهلالي سقط أرضاً من صدمته، لا يتحدث، ينظر إلى زين بعين دامعة فقط.
زين بأنفاس متقطعة : أنا كويس يا صقر.... متخافش عليا.
ثم سعل دماء من فمه، إحتضن صقر رأس أبيه وهو يصرخ.
صقر : الإسعاف فين؟ يا قناااااااوي.
ثم شعر بارتخاء جسد أبيه بين ذراعيه، رفع رأسه ونظر إليه... ولكن قد فارق الحياة.
صقر وهو يصرخ : لا.... لا... يا أبااااااا.
عودة من الفلاش باك
أغمض عينه بألم ودموعه تتساقط من عينيه، يحاول أن يهدأ، ولكن يتذكر كل التفاصيل التي حدثت في ذلك اليوم الأليم، كأن ما حدث كان بالأمس.
قاطع تفكيره صوت هاتفه، تحمحم قليلً كي يتحكم بصوته الباكي وأجاب.
صقر : أيوة يا حاتم.. إنت فين؟
حاتم : أنا خلاص قربت، داخل على البلد. إنت في البيت؟
صقر : اه.
حاتم : طيب أنا معايا شوية أوراق محتاج توقيعك، وكمان عايز أجي أطمن على جدي الهلالي.
صقر :طيب تعالي أنا مستنيك.
حاتم : مالك يا صقر؟ صوتك مش عاجبني. جدي فيه حاجة؟
صقر : لا بخير، لما تيجي نتكلم.
حاتم : طيب أنا مسافة الطريق وهبقى عندك.
أنهى المكالمة وذهب ليطمئن على جده.
أما ليل فقد استيقظت وأخذت حمامها، وارتدت الجلباب الأسود مرة أخرى، فلن يزورها أحداََ هنا بعد الآن، وقد عاد والديها إلى القاهرة.
وعلى الرغم من كلام الهلالي أن جهاد لن تزعجها مرة أخرى، إلا إنها ترى نظرة الكرة في عين جهاد كما هي، فلم ترغب أن تثير مشاكل أخرى بالمنزل حتى لا تتأثر صحة الهلالي.
همت بالخروج من الغرفة لتذهب للأطمئنان على الهلالي، وما أن فتحت الباب حتى أوقفها رنين هاتفها، تركت الباب مفتوح وعادت إلى الغرفة.
خرج صقر من غرفته ومر على غرفة ليل، إستوقفه صوتها وهي تتحدث عبر الهاتف، فشعر بالفضول نحو المتصل، فاقترب من الباب قليلًا وسمعها تقول.
ليل : صباح الخير يا دكتور أحمد.
أحمد : صباح النور أزيك يا ليل.
ليل :الحمد لله.
أحمد : أنا حبيت أصبح عليكي وأسألك على حاجة.
ليل : إتفضل.
أحمد : كنتي قولتيلي إن والدك هيرجع القاهرة قريب، يا ترى هو رجع؟
ليل بتعجب :بابا! اه رجع.... ليه خير؟
ظهر التوتر على صوت أحمد وقال : الصراحة... ااااه كنت حابب يعني.... ااا... أزوركم في البيت.
ليل : تزورنا؟! إحنا!
صمتت ليل قليلًا، قد أستنتجت من حديثه ما الغرض من الزيارة، أصابها الحيرة، ماذا تقول له الآن؟! أتخبره بأنها تزوجت لينفض الفكرة من رأسه، ولكن لا تريد إحراجه بهذه الطريقة، فقالت
ليل : طيب يا دكتور أنا هبلغ بابا بطلب حضرتك، وهبعت لحضرتك رقم تليفونه عشان تتواصل معاه وتحددو ميعاد سوا.
أنهت المكالمة وظلت تنظر إلى هاتفها بصدمة، تفكر كيف تخبره بأمر زواجها بطريقة لا تشعره بالحرج.
كل هذا على مسمع من صقر، الذي غلت الدماء في عروقه، ودخل الغرفة في قمة غضبه، وأغلق الباب بعنف وتقدم منها وجذبها من ذراعها. ثم قال.
صقر : إنتي بتكلمي مين؟
ارتبكت ليل وتفاجأت من دخوله الغرفة بهذه الطريقة، فقالت بتوتر : ده.... ده الدو... الدكتور بتاعي.
صقر : الدكتور بتاعك اللي إنتي ماشية معاه، صح؟
ليل باندفاع : لا والله إنت فاهم غلط.
صقر : فاهم غلط؟! مراتي بتظبط ميعاد بين واحد غريب وأبوها. واحد رايح يخطب مراتي من أبوها وأنا إيه بقى طرطور؟!
كادت أن تبكي، لا تعرف كيف تثبت له عكس ذلك الحديث، فقالت: لا أديني بس فرصة أشرحلك.
أمسك صقر بذراعها الآخر ودفعها نحو الباب،
صقر : كفاية كدب أنا سامعك بودني. اطلعي برا البيت، مش طايق أشوف وشك ولا أسمع صوتك، غوري من قدامي، أنا ممكن أقتلك النهاردة. براااااا.
خرجت ليل بذعر، لأول مرة ترى صقر في هذا الغضب، هرولت إلى باب المنزل لا تعلم أين تذهب، ظلت تعدو وهي تبكي حتى وصلت إلى الباب الخارجي للمنزل، ووقفت لا تعلم أين تذهب، فوجدت شجرة بجانب الباب، وجلست تحتها ولم تتحمل أكثر من ذلك، فأخذت تبكي دون أن يراها أحد.
هل ستسطيع ليل أن تجعل صقر يعتدل عن هذا الظن السيء، أم سيعود لغضبه ومعاملته السيئة؟
