رواية عهد الدباغ الفصل الثالث عشر13 بقلم سعاد محمد سلامه

رواية عهد الدباغ الفصل الثالث عشر13 بقلم سعاد محمد سلامه
رغم أنها سمعت نداء الطبيب من خلفها، إلا أن قدميها تصنمت في موضعهما
انتظرت… ترقبت… تعلقت بقشة أمل أخيرة... 
كانت تنتظر أن تسمع صوت فرح تضحك، تنفي، تقول إن كل ما قالته لم يكن سوى مزحة سخيفة في توقيت قاتل... 
لكن الحقيقة جاءت قاسية، جارحة، لا تعرف الرحمة.
نبرة فرح المتهدجة، المتألمة، كانت كفيلة بأن تهدم ما تبقى من صمودها:
عهد… أنا محتاجة وجودك جنبي… عمري ما احتاجت حد، بس دلوقتي محتاجة وجودك جنبي… بلاش تتأخري يا عهد.
سقط الهاتف من يدها، وكأن الكلمات كانت أثقل من أن تُحتمل... لحظات تشعر كأنها بكابوس وستيتقظ منه لو اغمضت عينيها وأعادت فتحهما، بالفعل فعلت ذلك عادت تفتح عينيها بتوسع تنظر حولها هي ليست غافية.. كذالك الهاتف  أمامها لولا وقع على فرش الأرضية لكان تحطم.. 
تحطم.. هي التي تحطمت بالحقيقة.. تود أن تخف حِدة ما تشعر به من تهتُك فى قلبها وإنهيار فى عقلها.. 
عقلها؟  .. أي عقل وهي تشعر بإنسحاب بكل خليه فى جسدها حتى أنها فقدت توازنها وجلست على الأرض، تشعر بإنسحاق روحها.. 
دقائق حتي حاولت إستجماع جزء صغير من وعيها.. جذبت هاتفها بيد مُرتعشة ثم قامت بإتصال يدها لم تستطع رفعها فتحت مُكبر الصوت بمجرد ما فتح الآخر الإتصال قبل أن تسمع رده تفوهت بنبرة أمر واجب التنفيذ: 
عاوزه أرجع مصر فورًا لو حالًا يبقى أفضل. 

تنهد الآخر قائلًا: 
ميعاد طيارة  رجوعنا بعد بكره بعد الضهر..

قاطعته بحدة وأمر: 
بقولك عاوزة ارجع مصر فورًا لو حالًا، شوفلي طريقة، حتى لو هرجع بطيارة خاصة. 

تسأل الآخر: 
خير  إيه السبب. 

تعصبت عليه بغضب قائلة: 
بقولك لازم ارجع مصر  فورًا هتساعدني ولا لاء. 

أجابها بتوتر: 
هتصل عالمطار فى طيارة راجعه مصر الفجر لو في مكان.. 

قاطعته: 
لو هقعد فى ارضية الطيارة، لازم أرجع مصر فورًا. 

اغلقت الهاتف ظلت جالسه قلبها يتألم بشدة... يديها ترتعشان، بلحظة حاولت التماسُك على هاتفها، وقامت بالإتصال على والدها الذي رد عليها نبرة الحزن كانت واضحة في صوته، سألته مباشرةً:
فرح يا بابا،الغُدة رجعت لها مش اتعالجت منها وكانت بقت كويسة.

نبرة والدها المُتأثرة كانت صدمة ثانية:
كنت متأكد أنها هتكلمك، هترجعي إمتي. 

-يعني إيه يا بابا، واضح إن التعب من فترو وإنا اللى مكنتش أعرف، ليه خبيتوا عليا.. حالتها إيه بالظبط. 

هكذا تحدثت وهي تختنق بالدموع، رد عليها والدها يحاول التماسُك: 
متغبيش يا عهد. 

قال ذلك وأغلق الهاتف، حتى لا يزيد من إنشطار قلبها، وقلبه هو الآخر.
...... ــــــــــــــــــــــــــ
ساعات مرت كأنها دهور، أمام أحد المشافي ترجلت عهد  من سيارة الأجر دلفت مباشرة الى المشفي  سألت بالإستعلامات عن  مكان غرفة فرح... اندفعت عهد عبر السلالم الى مكان الغرفة كالإعصار، أنفاسها متلاحقة، عيناها تبحثان عن وجه واحد فقط... 
لم ترا أحدًا، لم تسمع أحدًا، سوى صوت فرح الذي ما زال يرن في أذنيها 
حتى وصلت… خطوة واحدة كفيلة بتغيير كل شيء توقفت لحظات بالممر تلهث حين رأت والدها يخرج من الغرفة،سريعًا ركضت نحوه،توقفت أمامه تسأل بلهاث:
فرح يا بابا... عندها إيه... مش كانت خفت وبقت كويسه... هي موعودة بالمرض، ليه إشمعنا هي. 

تدمعت عين توفيق قائلًا: 
دي قدر ربنا يا عهد، إفتكاره رحمة. 

تفوهت عهد بإيمان: 
ونعم بالله يا بابا.. عندها إيه الغُدة برضوا. 
 
هز توفيق رأسه بنفي قائلًا. بألم فى قلبه ينهشه: 
لاء.. 
ورم فى الرحم.

سريعًا تحدثت:
تستئصل الرحم هي معاها ولد ربنا يبارك لها فيه..حتى لو جوزها مش هيقبل يبقي صحتها أهم... أنا هقنعها بكده، لازم تفكر فى صحتها وبس. 

تألم توفيق قائلًا:
كمان المرة دي ورم في تجويف البطن...والبنكرياس.

فقدت النطق من الصدمة دموعها فقط هي ما تتحدث،لا تشعر بخلايا جسدها..لحظات أو دقائق حتى فاقت كادت تصرخ لكن ضمها توفيق تبكي بهيستريا ..لحظات حتى هدأت، تحدثت بصوت مُحشرج: 
مين معاها جوة،ماما فين.

أجابها توفيق:
ماما فى الشقة مع ياسين.. فرح خايفه عليه يلقُط أي مرض من المستشفي.

تفهمت عهد قائلة:
وجوزها فين،ولا هو دايمًا مشغول وعنده مسؤوليات.

أجابها توفيق:
فاروق جوه مع فرح،وشبة ملازم للمستشفي.

تهكمت فرح ببعض السخرية قائلة:
شبة،لاء كتر خيره..أنا هدخل لها.

أومأ توفيق وهو يمسح بقايا دموع عهد قائلًا:
مش لازم تشوف دموعك... بلاش تبكي قدامها عشان حالتها متتأثرش. 

أومأت عهد أخذت نفسًا طويلًا حاولت إخفاء تأثرها، ثم ذهبت نحو باب الغرفة فتحته قبل أن تدخل تنفست مره أخرى تحاول الإستقواء، ثم دلفت نظرت مباشرةً نحو الفراش كان منظرًا موجع للغاية تصنمت عهد للحظات وهي تنظر الى تلك الأنابيب الموصولة بأيدي فرح، وموصولة بمحاليل مُعلقة.. بصعوبة تحدثت فى البداية تهمس باسمها ثم حاولت إجلاء صوتها: 
فرح... فرح. 

فتحت فرح عينيها سُرعان ما تبسمت رغم الألم التي شبة لا تشعر بالقليل منه بسبب المُسكنات... بصعوبة تبسمت عهد وذهبت نحوها كيف وصلت للفراش لا تعلم فقط إنحنت على فرح تضمها بقوة قائلة بتشجيع كاذب: 
شوية تعب صغيرين كده ترقدي فى المستشفى  وتتصلي عليا تقلقيني عليكِ.. أنا كنت فى إيطاليا كنت هجيب لك معايا نوع جبنة فاخر.. عرفاكِ  بتحبي أنواع كتير من الجبن.. يلا خفي بسرعة وأنا الرحلة الجاية هجيبهالك. 

تبسمت فرح بألم قائلة! 
مفيهاش المرة الجاية يا عهد، كويس إنك جيتي عشان أشوفك قبل ما أرحل. 

-مستحيل
قالتها عهد وهي تضمها بقوة قائلة: 
متقوليش كده، هي أول مرة تتعبي.. إن شاء الله هتقومي وتخفي وتفرحي بالواد الغتت ياسين، وتشوفيه عريس، مش عاوزاني أتجوز عشان  أخلف بنت وتجوزيها له، خلاص أنا أول عريس هيتقدم لى هوافق عليه وأتجوز وأخلف وإبنك الغتت مُجبر يحبها ويتجوزها.

غصبً رغم الألم تبسمت فرح قائلة:
دي هتبقي مهمتك بقي يا عهد،أنا تعبت من كُتر الألم.

ضمتها عهد بغضب قائلة:
انا جنبك،هاخد أجازة مش هسافر تاني حتى لو إترفدت...هتقاومي وتخفي زي كل مرة مش دايمًا بتقولى أنا بسبع أرواح.

تهكمت فرح بألم قائلة:
كدب يا عهد كنت بواسي نفسي،بس أنا معنديش غير روح واحدة،وخلاص كده تقريبًا وصلت للنهاية. 
❈-❈-❈
بعد مرور يومين 
بشقة والد رابيا كانت تجلس مع والدتها، بينما طفلتاها تمرحان حولهن، رغم تذمر والدتها من طفلتيها، لكن تتحمل هن غصبً، أنشغلن بالحديث معًا لم ينتبهن الى إحد الفتاتين التي خرجت من باب الشقة ولقدم السُلم إنزلقت وأطلقت صرخة قويه... نهضن الإثنتين نحوها، نظرت لها رابيا بهلع وهي تراها ساكنه أسفل درجات السلم،تعالت الأصوات فجأة.. خطوات مسرعة، صرخات قوية، ورابيا تُهرول نحوها تُنادى عليها بقلق عارم... 
التفت الجميع في لحظة واحدة،إنحنت رابيا عليها تحاول حملهل جسدها ترنح بين يديها، عيناها زائغتان، والهواء لم يعد يكفي رئتيها.
كذللك أحد  ذراعيها به  كدمة،ربما  منكسر، رأسها مائل بلا مقاومة، وجسدها الصغير أثقل من أن يُحتمل.
صرخت رابيا باسمها، مرة… ومرتين… وصوتها يتهشم مع كل حرف،
تهزها برفقٍ مذعور، كأنها تخشى أن تؤلمها أكثر، وكأنها تخشى في الوقت ذاته ألّا تشعر بها أصلًا،حدثتها برجاء:
 افتحي عيونك… عشان خاطري افتحيهم 

خرج الرجاء مبحوحًا، لا يشبه صوتها.
اقتربت والدة رانيا، جلست على الدرج، تضرب على صدرها وهي تصرخ باسم حفيدتها،إلتف بعض الجيران كدائرةٍ خانقة، كلمات مبعثرة، أحدهم يطلب الإسعاف، وآخر يردد الشهادة،
وصوت بكاء طفلتها الثاتيى اخترق المشهد كسكين... رفعت رابيا وجه الطفلة قليلًا، وضعت أذنها على صدرها الصغير،
تبحث عن أي إشارة… أي نبضة… أي حياة... لكن الصمت كان مرعبًا، أقةي من الصُراخ،يبدوا أن صدرها هو من بدأ يختنق، أنفاسها تتلاحق بلا نظام،
وعيناها الزائغتان ترفضان التصديق.. تفوهت بأمومة: 
 أنا هنا يا حبيبتي… أنا معاكي…
همست بها وكأنها تعاهدها،
لكن يديها كانتا ترتعشان، وقلبها ينهار مع كل ثانية تمر
بل شعرت بالخوف أكثر،
كأن الزمن توقف عند تلك الدرجة من السلم،
وكأن كل حياتها انكمشت في جسدٍ صغيرتها الساكن بين ذراعيها... حملتها ونهضت سريعًا تتوجه نحو تلك السيارة التي كان بها السائق ينتظرها... صعدت للسيارة بأمر للسائق الذي حين رأها تهرول نحوها ترجل من السيارة حدثته بأمر: 
إركب وإطلع بينا على مستشفي بسرعة. 

فتح لها باب السيارة، ثم توجه نحو المقود، بنفس الوقت كادت والدة رابيا أن تصعد للسيارة، منعتها رابيا بامر قائلة: 
خدي بالك من البنت التانيه هديها، وديها لعمتي البيت.

أومأت والدتها وهي تمسك بيد الطفلة الاخري..
بعد وقت قليل بأحد المشافي...
دلفت والدة رابيا اللى تلك الغرفة نظرت الى الفراش التي ترقد عليه الطفلة وجوارها رابيا،إقتربت بلهفه مصطنعة قائلة:
أنا وديت البنت التانية عند بيت عمتك،وقولت أجي أطمن علي دي... خير. 

تنهدت رابيا بألم قائلة:
الحمد لله قدر ولطف...واخدة عشر غرز فى جرح فى دماغها غير إيدها اليمن  فيها شرخ والدكتور جبسها.

تنهدت والدة رابيا بارتياح وجلست على مقعد قائلة بلا مبالاة:
الحمد لله،العيال وهي صغيره ياما بتوقع وبكره عضمها يلم،كمان الحمد لله الجرح مش فى وشها كان ممكن يسيب علامة ولا ندبة فى  فى راسها  أهو الشعر هيداريه.

نظرت لها رابيا بإندهاش من قسوة قلبها...لكن تحدثت بغضب:
علامة فى وشها،هو ده اللى فارق معاكِ،وألم البنت،غير لسه لما محسن يعرف،الله أعلم هيقولي إيه.

نظرت لها والدتها بلا مبالاة قائلة:
كفاية خوف من محسن،الموضوع قضاء وقدر،اعملى لنفسك شخصية قدامه،ضعفك ده،هو اللى مخليه مستقوي عليكٌ.

تنهدت رابيا بغضب قائلة:
محسن مش مستقوي عليا،بالعكس أنا اللى زمان غلطت لما قبلت أشاركك فى الفخ اللى حصل.

تعصبت والدتها قائلة:
كفاية تلومي عليا،لو مش الفخ ده كان زمانك زي أختك متجوزة شحات،لو واحدة غيرك كانت عرفت تلعب بمشاعر جوزها،ياما قولتلك إتعلمي من عمتك،ولا من سلفتك التانية.

تهكمت رابيا قائلة:
سلفتي التانيه أهي مريضة والله أعلم هتقوم من المرض،ولا لاء

توقفت رابيا عن الحديث وتوجهت نحو باب الغرفة وكادت تفتحه قائلة  بنبرة أمر: 
أنا بقول كتر خيرك عالزيارة،السواق بره هخليه..

قطعت رابيا الحديث حين تفاجئت بـ محسن أمامها..
تعلثمت قائلة:
محسن...عرفت منين.

نظر محسن نحو والدة رابيا وتحدث بحِدة:
عرفت من ماما،إتصلت عليا.

توترت والدة رابيا ونهضت قائلة:
صحتي ضعيفة وبلقط المرض بسرعة،الحمد لله إطمنت عالبنت هي اللى شقاوتها زيادة.

نظر لها محسن بسخط حتى إنصرفت..ثم نظر لـ رابيا المتوترة قائلًا:
آخر مره تروحي بالبنات عند مامتك،أنا مش همنعك دول أهلك،لكن بناتي لاء.

إرتبكت رابيا،تشعر برجفة فى قلبها وتملكتها الظنون،أيكون سمع حديثها مع والدتها.  
❈-❈-❈
بالمشفى... كانت عهد مُرافقة لـ فرح كعادتها تحاول تتحاشي فاروق، فى ظل وجود والدها.. لكن اليوم ذهب والدها لقضاء بعض الأمور، ولم يعود قبل مجئ فاروق، لكن لم تهتم به،…فيكفي ما تحمله صدرها من ثِقل، لا طاقة لها.. 
جلست عهد إلى جوار فرح، تُعدل الوسادة خلف رأسها بحرص مبالغ فيه، كأنها تهرب إلى التفاصيل الصغيرة كي لا تلتفت لوجوده... كانت فرح شاحبة أكثر من المعتاد، ابتسامتها واهنة، لكن عينيها ظلتا تلمعان بطمأنينة غريبة أقلقت عهد... 
دخل فاروق بخطوات هادئة.. توقف عند باب الغرفة لحظة، ثم تقدم صوته خرج منخفضًا: 
عاملة إيه دلوقتي يا فرح. 

أجابت فرح بهدوء: 
 الحمد لله… أحسن.

كذبة بيضاء، أدركها الثلاثة في آنٍ واحد.
عهد لم ترفع عينيها، اكتفت بأن شدت الغطاء على فرح وهمست: 
 لازم ترتاحي شوية، الدكتور قال كده.

نظر فاروق إلى عهد طويلًا، كأنه يريد أن يقول شيئًا، أن يعتذر أو يشرح، لكن الكلمات خانته. اقترب خطوة، ثم توقف، وعاد الصمت يخيم على الغرفة، صمت ثقيل يحمل خوفًا مكتومًا،لاحظت فرح قلق عهد الزائد
قطعت السكون بصوتها الخافت: 
 عهد… متقلقيش. كل حاجة بتيجي بميعادها.

التفتت إليها عهد فجأة، وفي عينيها ارتعاشة إنكار: 
متقوليش كده… ربنا هيشفيكِ. 

ابتسمت فرح ابتسامة صغيرة، بها وداع غير معلن، بينما شد فاروق قبضته دون وعي، إحساسٌ مبهم بالخطر تسلل إلى قلبه، كأنه يقف على حافة فقدٍ يعرفه… لكنه يرفض تصديقه.
جلسا متقابلين هو وعهد 
رغم هنالك مسافة قصيرة، لكنها كانت أثقل من جبل على صدرها.. 
عهد لم تنظر إليه في البداية
عيناها كانتا معلقتين بنقطة وهمية على الجدار،
كأنها تخشى إن التفتت… تنفجر به أمام فرح. 
فاروق حاول أن يتكلم،
لكن الكلمات خانته، فابتلعها قبل أن تخرج.
كان يعرف…
يعرف أن الصمت الذي تفرضه عهد ليس هدوءًا، بل حكمًا مؤجلًا.
رفعت عينيها أخيرًا... نظرتها لم تكن غاضبة،كانت أخطر من الغضب… كانت مُحمَّلة بخيبة لا تُغتفر.
لم تقل شيئًا،لكن ملامحها تحدثت نيابة عنها:
أنت كنت عارف... وأخفيت... وإنت السبب فى إن فرح تخبي عليا، أو بمعني أصح لقائتنا القليلة السبب وده كمان إنت السبب فيه.
 
ضم فاروق يديه معًا، ثم 
أنزلهما  وضعهمت على ساقيه، كمن يستعد للاعتراف.
كانه يرد عليها بصوت متكسر:
 كنت فاكر إني بحمي جوازنا وبحميها… وبحمي نفسي. 

ضحكت عهد ضحكة قصيرة بلا صوت،
ارتعشت شفتاها،
وكأن الضحك نفسه استحى من الخروج.
حمايتك قتلتها.
قالتها أخيرًا، بهدوء قاتل.
لا اتهام مباشر، لا صراخ…فقط حقيقة عارية.
انتفض جسده قليلًا،
كأنه شعر بنظراتها  أصابته في موضعٍ يعرفه جيدًا... أدار وجهه بعيدًا،
وعيناه لم تحتملان النظر في عينيها أكثر... يتذكر أن فرح  هي من كانت رافضة أن تعلم عهد… كانت تظن نفسها قوية…وستتعافي، لكن الجسد بالي.
 
قالها وكأنه يدافع عن نفسه، أو عن ذنبه.. 
عاد الصمت هذا الافضل... فالسكوت ليس دائمًا حماية يا فاروق… أحيانًا يكون خيانة. 
❈-❈-❈
بعد مرور أيام 
تغلب المرض على فرح توغل منها، لدرجة أصبحت تفوق إحتمالها... حتى المُسكنات مجرد وقت قليل، إيمانها بأن النهاية تقترب هو كان المواساة لها، تتحمل وليس على شفتيها سوا بسمة وكلمات حمد لله.. قنوعة كعادتها... 
نظرت نحو فاروق لم يهينها يومً، كان يعاملها باحترام، ربما لم تعثر عليه كاملًا كما أرادت، خِصاله كانت واضحة أمامها هو شخص عقلاني يزن كل شئ بالعقل، لا يشرك قلبه؟ لم يكُن جافيًا معها وتحمل فترات مرضها ولم يتذمر من ذلك، إهتمامه بها ليست كما كانت تبغي، لكن هو حاول إحتوائها بقدر كبير، ولقناعتها أن هذا يكفي قلبها الذي أُنهك ليس بائسًا، فهي دائمًا حتي بفترات مرضها مُحاطة بمن يتمنون لها الشفاء، لكن كِثر المحاولات أنزفت طاقتها، وها هي النهاية أوشكت، وسيجد جسدها الراحة. 

إزدادت حالتها سوءًا إمتلأت الغرفة بالأطباء... جدل بينهم وآسف مرسوم على وجههم، غيبوبة تامة وقد لا تعود، وبالفعل لم تعود، 
بالخارج من خلف ذلك الزجاج تقف عهد بين والديها ينظران للداخل، وجوارهم فاروق، وصدمة كل شيء سكن فى لحظة مثلما سكن جسد فرح... لكن ذهب عقل عهد،حين رأت أحد الأطباء يجذب الغطاء فوق وجه فرح... بنفس اللحظة صرخت ميرفت صرخة مكتومة مكلومة، ضمت توفيق، يبكيان معًا، بينما عهد رفض عقلها ذلك، سريعًا نحو باب الغرفة، فتحته ودخلت بإستهجان، توجهت نحو فرح كشفت وجهها بغضب قائلة  برفض: 
ليه بتغطوا وشها، هي مكنتش بتحب تغطي وشها كده ممكن تتخنق... 
نظر نحوها الأطباء بآسف وهو يُنكس رأسه.. مازال عقلها يرفض، تعصبت قائلة: 
إطلعوا بره، كلكم فشلتوا تعالجوها، هي هتخف، أنا هسافر أنا وهي وهتتعالج وتخف.. 
بنفس اللحظة دلف فاروق الى الغرفه تفوه بألم: 
عهد... 
نظرت نحوه ثم فاضت بغضب: 
كانت بتقولي ما تقلقيش عهد…إزاي، إنت السبب في اللى جرالها، إنت السبب ياريتك ما دخلت حياتها... أنا بكرهك ياريت كان إنت.

ظل صامتًا يتقبل ذلك، حتى أنها توجهت نحوه ورفعت يديها تضربه على صدره بنفس الوقت غادر الأطباء بعدما أنطلق الخبر كطلقة في الصدر.
صمت… ثم فراغ… ثم انهيار.
انهارت عهد، لم تصرخ، لم تعترض، فقط ذابت بين ذراعي فاروق، تبكي كطفلة فقدت ملاذها الوحيد... 
كان بكاؤها صامتًا في البداية، ثم تحول إلى نحيبٍ موجع، كأن روحها هي من تُشيّع. 
ما إن عادت  كلمات الطبيب، تتردد برأسها
حتى توقف الزمن داخل صدرها.
لم تفهمها في البداية…
ظلت تحدق في وجهه، تنتظر أن يُكمل، أن يتراجع، أن يقول إنها محاولة فاشلة للشرح.
لكن الصمت الذي أعقبها كان أبلغ من أي تفسير.
خطت عهد خطوة واحدة إلى الخلف،
ثم انهارت.
لم تستطيع أن  تصرخ، لم تعترض،
فقط سقطت الدموع بغزارة، كأنها كانت محبوسة تنتظر الإذن.
ارتعشت شفتاها، وانحنت كتفاها بثقل الفقد،كأن الجسد وحده لم يعد قادرًا على حمل الروح... 
في اللحظة التي كادت قدماها تخونانها،
كان فاروق هناك.
مدّ ذراعيه دون كلمة،
احتواها بصمتٍ رجولي يعرف أن الكلام أحيانًا إهانة للحزن.
أسند رأسها إلى صدره،
فانهار السد الأخير.
خرج البكاء دفعة واحدة، حارًا، موجعًا، بلا نظام... ضربت صدره بقبضتيها الصغيرتين، كأنها تلوم القدر من خلاله،
وتمتمت بصوتٍ مكسور:
أنا جيت متأخرة… كان لازم أكون معاها من بدري، كانت هتخف
شدّها إليه أكثر،
ترك لها المساحة لتنهار كما تشاء،
ويده على رأسها لا تهدئ… فقط تؤكد الوجود.

-مش ذنبك يا عهد…
قالها بصوتٍ منخفض، ثابت، لكن عينيه كانتا دامعتين.
اللي راح، راح بإيد ربنا.

هزّت رأسها نفيًا
وبكت أكثر، كأن الكلمات زادت الجرح اتساعًا.
أنفاسها كانت تتكسر على صدره،
والغرفة من حولهما تفرغت من كل شيء
إلا من صوت بكاء واحد
يحمل اسم فرح.
وبين ذراعي فاروق،
لم تكن عهد امرأة قوية كما يعرفونها،
كانت فقط إنسانة فقدت نصف روحها،
واحتاجت صدرًا يثبتهاحتى لا تسقط بالكامل... وهو معها، تركها تفعل ما تشاء حتى كادت تنهار أرضًا، بلا وعي منه جذبها له يتحمل ذلك بل يتحمل ألمان فى قلبه.. إنهيار عهد والأسوء رحيل فرح.. 
فرح الذي عاش معها بلا مشاعر واضحة لم يكُن ذلك هينًا عليه... كان ومازال يشعر بالذنب نحوها، رغم أنه لم يُعاملها بسوء، لم يحدث بينما سوا خلاف واحد، وكان بسبب عهد، وهي إستطاعت أن تسد تلك الفجوة وتعاملت مع كل منهما على حِدا، خمس سنوات مرت بينهما هادئة ليست باردة كما كان أحيانًا يظن... 

بُكاء عهد ورأسها على صدره أفتك بقلبه.. كاد يضمها لكن إستوعب أن ذلك مُحرم... بنفس الوقت  ابتعدت عهد 
رمقته بنظرة حادة،
أسكتته قبل أن يُكمل....إبتعدت ببطء،
خطواتها ثابتة على عكس ما بداخلها.
وقفت أمامه على بُعد خطوات
هذه المرة عينيها قريبة بما يكفي ليرى الانكسار في فيهما.
قالت بصوت خفيض، لكنه واضح تلومه مباشرةُ بمواجهه وإتهام:
 كان من حقي أعرف… من حقها تحارب وإحنا معاها… مش لوحدها.
صمتت للحظة،
ثم أضافت، وكأنها تسلمه ذنبًا لن يغتفر بسهولة:
 إنت سرقت منها  الحياة.

لم يستطع الرد.
لم يجد جملة تصلح في حضرة هذا الوجع... اكتفى بإغماض عينيه،
وكأن الاعتراف الصامت أقسى من أي دفاع.
استدارت عهد لتغادر،
وقبل أن تصل للباب، توقفت دون أن تلتفت له قائلة بكراهية حادة: 
إرتحت كده، أهو إحنا الإتنين هنعيش نتعذب بسببها. 

قالت ذلك ثم خرجت،
وتركت خلفها رجلًا
لم يخسر فرح فقط…
بل خسر نظرة الثقة في عيني عهد.
فرح لم تمت فجأة…
فرح انسحبت بهدوء،وكأنها لا تريد إزعاج أحد حتى برحيلها.
❈-❈-❈
باليوم التالي، بمنزل الدباغ كان
العزاء
وجوه شاحبة، كلمات تعزية محفوظة، وأعين تتهرب من النظر في عين عهد.
الكل حضر، إلا فرح.
وحده رحيلها كان سيد المكان.

قطع ذلك دلوف ياسين الى عزاء النساء، توجه مباشرة الى عهد وجلس على ساقيها، رفع يديه الصغيرة، يمسح دموعها ثم وضع رأسه على صدرها... يضمها بيديه الصغيرتان... نظرت له سالت دموعها لكن ضمته بقوة تشعر نحوه بمأساة. 
❈-❈-❈
بعد وقت.. 
بإحد غرف المنزل التي أصطحبت إجلال...عهد لها عاد ياسين للنوم  بين ذراعيها.
أنفاسه المنتظمة كانت تواسيها أكثر من ألف كلمة... احتضنته بقوة، كأنها تحتمي به من الفقد، أو تحاول أن تثبت لنفسها أن شيئًا ما ما زال حيًا داخلها... 
أغمضت عينيها، وهمست باسم فرح…
ثم تركت الدموع تنساب في صمت.
.... ــــــــــــــــــ
 إنتهي العزاء غاب الجميع عدا أصحاب البيت، ومعهم والدي فرح... لاحظ فاروق عدم وجود عهد... لكن
تسأل: 
فين ياسين. 

أجابته إجلال بأسي: 
مع عهد نام فى حضنها... خدتها وهي دلوقتي فى أوضتك القديمة قبل ما تتجوز. 
أومأ  برأسه. 

بعد  وقت لم يستطيع فاروق البقاء بشقته وحده... إتخذ القرار، نزل لأسفل توجه الى غرفته القديمة، طرق بخفوت لم يأتيه رد فتح الباب  ودخل الى الغرفة  …دخل بخطواتٍ مترددة، كأن الغرفة لم تعد تعرفه، أو كأن الذكريات تسبق أنفاسه فتختنق في صدره.
كان الضوء خافتًا، وستائر النافذة نصف مسدلة، وعلى السرير رآى… عهد، متكورة على جانبها، وياسين بين ذراعيها، رأسه الصغير مستقر على صدرها، وأنفاسه الهادئة تصعد وتهبط بانتظام يوجع القلب..
توقف  عند الباب، لم يتقدم مباشرةً المشهد كان أصعب من أن يُحتمل؛ امرأة تحتمي بطفل، وطفل لا يعلم أنه صار ملاذًا من حزن أكبر من عمره.! 
اقترب ببطء، حتى صار يسمع شهقات مكتومة تكاد تختفي بين أنفاسها.. رأى أثر الدموع على وجنتيها، وشفتيها تتحركان بلا صوت… اسم فرح ما زال عالقًا هناك.
همس، بالكاد يُسمع: 
عهد…
لم تُجب فقط شدت ياسين إليها أكثر، كأنها تخشى أن يُنتزع منها هو الآخر.

يشعر بألم قاسي في قلبه…
ألم لا يُحتمل، يضغط على صدره مع كل نفس يزفره... 
وقف يتأملها في صمت، لا يعلم إن كانت عهد غافية أم يقِظة، لكنها بدت بعيدة، كأن روحها سُحبت منها وتركت الجسد فقط... ذلك الفراش… كان يومًا ملاذه حين افتقد الأمل في الوصول، حين ضاقت به الطرق ولم يجد سوى هذه الغرفة ليختبئ فيها من خيباته... واليوم، صارت هي من تلجأ إليها، بينما هو يقف غريبًا. 
تعليقات



<>